حديث مع مارتن لوثر

 

 

بقلم

 

القس الدكتور لبيب مشرقي

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة للناشرين

 

 

 

 

 

طبعة أولى كانون أول 1965

 

 

صدر عن

 

مركز المطبوعات

المسيحية

 

ص.ب. 5039 – بيروت

 

 

 

رقم 83

 

 

 

 

مقدمة

                      يفتقر الناس في عصرنا الحاضر، عصر التكنولوجيان وتحطيم الذرة، الى الحرية الفردية التي كان يفتقر إليها عصر الإصلاح الديني. فقد غدا الفرد في أيامنا هذه في أقطار مختلفة من العالم، كلولب في محرك، او رقم في آلة حاسبة، او سلعة في حانوت، او عجلة في سيارة، قد يستغنى عنه في أي لحظة ويصبح في زوايا النسيان.

      ويبدو لي ان الزميل الكريم مؤلف ((حديث مع مارتن لوثر)) قد رأى هذه الحقيقة بفكره الثاقب الوقاد، وبصيرته النيرة المجلولة، فدعا أهل القرن العشرين، كما دعا الإصلاح أهل القرن السادس عشر، للعودة الى حرية الفرد التي أرادها الله للإنسان الذي أبدعه على صورته. كل ذلك بأسلوب خيالي أخاذ وأفكار متناسقة.

        ان مكتبتنا العربية بحاجة ماسة الى كتاب كهذا يصف أعظم رجل أنجبته أوروبا في القرن السادس عشر الذي انتشرت ثقافته، وأخصبت مواهبه، وتمردت فيه الأرواح الحية الثائرة على الأفكار الرجعية البالية. وأخذت تلح على الأتقياء. ان الخلاص لا يقاس بمقاييس وضعها البشر، بل يقاس على ضوء محبة الله التي أظهرها للبشر في ابنه يسوع المسيح.

        ولا حاجة لي ان اعرف مؤلفه، لأنه اشهر من ان يعرف. وقد أصبح علماً يشار إليه بالبنان في عالم التأليف الديني. ولذلك، حسبي القول، ان الكتاب جاء جامعاً شاملاً لترجمة حياة هذا المصلح العظيم (لوثر) بلغته السهلة، وعبارته السلسة لا يتركه قارئه حتى يأتي على آخره.

        وان المرء ليشعر لدى مطالعته للكتاب، ان خيال مؤلفه امتزج امتزاجاً تاماً بأسلوبه، لا بل قل نفسه. فهو يصف الأحداث، كأنها مرتسمة أمام ناظريه. ويتحدث عن وقائع وحوادث بظروفها وملابساتها كأنها مثلت أمامه. ويسير بالقارئ بتأنٍ، على مهل. يرتدي أحيانا ثوب نقد لاذع. عارضا أمامه. تارة لوحات من تاريخ الإصلاح، وأخرى صوراً من تاريخ الكنيسة بأسلوب مبتكر يستأثر النفس.

        إني، اذ أهنئ الزميل الكريم على كتابه الذي جاء فتحاً جديداً في عالمنا العربي والذي وفق فيه كل التوفيق، وسد فراغاً كبيراً كنا نشعر به، آمل ان يصادف كتابه رواجاً ونجاحاً عظيماً في عالم الدين والتاريخ والأدب، وأشجع كل مثقف وطالب معرفه على اقتنائه.

        تحية مقرونة بالشكر لحضرة الدكتور لبيب مشرقي على مجهوداته القيمة، وللجنة المطبوعات لانتقائها الكتب التي تفيد الكنيسة والمجتمع.

الكنيسة الإنجيلية اللوثرية                                   القس داود حداد 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محتويات

قصة كتاب                                                                                   

الرجل الذي حير التاريخ                                                                    

ملء الزمان                                                                                 

البذار الصالحة في الكنيسة                                                                  

الحاجة الى مارتن لوثر                                                                    

الحرب الداخلية في ويتنبرج                                                               

نور الإنجيل                                                                                

مارتن و(الله الجديد)                                                                       

مجمع ورمس                                                                             

بطيمس                                                                                    

ترجمة الكتاب                                                                            

الكنيسة الجديدة                                                                             

أربعة أسئلة                                                                               

 

 

 

 

 

 

 

كلمة شكر

 

لإدارة التأليف والترجمة والنشر

     في مجمع الكنائس للشرق الأدنى

على ما قدمته من مساعدة لإخراج هذا الكتاب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قصة كتاب

حديث صريح مع مارتن لوثر

 

 

        سمعت عنه مذ كنت في العاشرة من عمري.  كنت اذهب إلى الكنيسة الإنجيلية وكان زميلي يذهب الى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. لم يكن هو او انا نعرف الكثير عن العقيدة ... بل في الحق لم نكن نعرف شيئا عنها. كل ما كنا نعرفه ان قسيس (البروتستانت) يلبس البدلة والطربوش. والقس القبطي الأرثوذكسي يلبس العمامة السوداء. وان الكنيسة البروتستانتية كانت تعنى بالوعظ وتحل المحل الأول في العبادة، وان الكنيسة الأرثوذكسية كانت تعطي المحل الأول للقداس. وان الكنيسة الإنجيلية لا تصوم صيامات الكنيسة القبطية. وكان زميلي يهاجم الكنيسة الإنجيلية ويقول، إنها كنيسة لوثر. وان لوثر هذا أضله الشيطان وأسس الكنيسة البروتستانتية. وجعل يذكر له (للوثر) من السيئات عما قصر فهمي عن إدراكه. وكنت بطبيعة الحال ادافع عن لوثر بكل قوتي مع إني لم أكن اعرف شيئاً عنه أو عن حركته الإصلاحية.

        ومرت السنوات الأولى وفي كلية أسيوط الأمريكية بدأنا ندرس تاريخ الكنيسة. وعلمت انه لم تكن هناك بين لوثر والكنيسة الإنجيلية أية علاقة مباشرة وان الكنيسة الإنجيلية في مصر لا علاقة لها به. ودرسنا شيئاً من حركته الإصلاحية. ولكنه ظل لمدة طويلة بعيداً عني وان كنت أفكر فيه طويلاً واسأل نفسي أي رجل هو!!!

        قال البعض انه راهب شرير لابد ان مصيره النار. وقال غيرهم انه مسيحي أمين رأى ان الكنيسة ابتعدت عن مُثلها العليا فعمل على إعادتها إلى طهارتها وقوتها.

        وقال البعض الآخر انه قلب كيان الكنيسة وسبب كل ما فيها من شقاق. بينما قال غيرهم انه رجل الإصلاح الأول بلا منازع.

        اتهمه البعض بالهرطقة والإلحاد ونقض العهود بينما رآه البعض اقدس مسيحي حافظ على ولائه للسيد ولكلامه المبارك.

        لم يختلف الناس في شخص كما اختلفوا فيه بالطبع خلاف شخصية السيد وشخصيات الرسل.

        وقد مكثت مدة طويلة تملأ الحيرة نفسي. هل كان لوثر مصلحاً أم كان عامل انقسام. هل نضعه في قائمة القديسين ام نتبع القائلين بأنه من الهراطقة. جلست إلى أصدقائه كما جلست إلى خصومه وحاولت ان استخلص الحقيقة من حديث الطرفين ولكني خرجت أكثر حيرة. من اجل ذلك سألت سيدي ان يتيح لي فرصة مقابلة الرجل والتحدث إليه. ظللت اسأل ربي ان يمتحن طلبي إلى ان شاءت عنايته فتقابلنا. تقابلنا مرتين. في المرة الأولى كان لي حديث قصير معه. اما في المرة الثانية، وكانت في لبنان، فكان لنا معه أحاديث طويلة.      

        كانت أحاديثنا في غالبية الأوقات في الأمسيات التي اقضيها وحدي في غرفتي أو أثناء النهار في خلوتي في الحدائق- في الليالي كنا نتحدث بدون كتابه. كنت استيقظ في الصباح واكتب ما تبقيه الذاكرة من الحديث. أما في النهار فكنت اكتب أثناء الحديث. وقد قضينا في مهمتنا هذه عدة أسابيع- وعندما عدت إلى القاهرة جمعت ما سجلته من هذه الأحاديث وأجريت بعض (الإصلاحات) في الأسلوب لا في الحقائق. ورتبته في فصول في شكل كتاب. وترددت هل انشر الكتاب.  

        هل من الحكمة، في وقت الحركات الوحدوية، ان يظهر شيء عن ثورة لوثر الإصلاحية. ان نفس اللوثريين قد يترددون في تقديم لوثر اليوم في الصورة التي ظهر بها بالأمس.

        هل من الحكمة ان انشر حديثي مع لوثر وانا صديق لكثيرين من الكاثوليك الأفاضل.

        لكني عدت وسألت نفسي لماذا لا نواجه العالم بالحقائق. وفي ضوء الحقائق يتجلى لنا الطريق الواضح للسير.

        وسألت كثيرين من الأصدقاء وكان من رأيهم ان في نشر الكتاب خيراً- بناء على ذلك، سلمت أصوله للهيئة التي أخذت على عاتقها نشره لتقوم هي بطبعه وتوزيعه.

        ومن الواجب ان اذكر ان الصديق القس هوبفذ اللوثري الألماني الذي مكث في مصر سنين طويلة، تحمس للكتاب ووعد بتوزيع نصف ما يطبع منه للمسيحيين العرب في ألمانيا.

        ويلاحظ ان الكاتب كان صريحا في توجيه نقده للمصلح الكبير. وفي بعض الأوقات كان خشناً- وكان لوثر رقيقا في الجانب الأكبر من أحاديثه، ولكنه كان عنيفاً في بعضها وكانت تعبيراته في بعض الأوقات خشنة جداً مما حدا ببعض أنصاره إلى طلب تخفيفها. على ان الأمر الذي يجب ألا ننساه ان لوثر كان يتحدث عن الكنيسة والإصلاح في القرن السادس عشر.

        نعم ان (المبادئ) لا تتغير بتغير الزمن. ولكن التصرفات الاحقة بالمبادئ تتلوّن بالظروف والعادات والتقاليد- وقد أحاطت الأحاديث بالمبادئ وبالتصرفات. في المبادئ لابد لنا ان نقبل كلام لوثر كما قاله مهما بلغت درجة عنفه. أما في التصرفات فيمكن (التصرف).

        ومهما قيل في عنف لوثر أو قسوة عباراته أو خشونة تعبيراته فان إخلاصه لا يمكن ان يكون موضع شك.

        وفي الأحاديث بحوث عميقة لا تزال إلى الان موضوع درس فهناك مسألة علاقة الكنيسة بالدولة- وهناك مسألة ضعف الكنيسة وانحطاط مُثلها العليا. وهناك مسألة الخطية والغفران والصراع الداخلي في النفس الخاطئة. وهناك مسألة مكان الكتاب المقدس في حياة الفرد وحياة الكنيسة. وهناك مسألة الحركة الوحدوية في الكنيسة-لا أقول ان لوثر أعطانا الإجابة النهائية، عن كل هذه المسائل ولكنه قدم وجهة نظره.

* * *

بقيت عدة أمور يليق ان ابسطها بإيجاز:

        الأمر الأول الأحاديث نفسها. ان حديثي مع لوثر كان أول حديث مع شخص من خارج الكتاب. لقد تحدثت مع رجال ونساء كثيرين ولكنهم كلهم كانوا من الكتاب المقدس. كان لوثر أول من تحدثت معه من خارج الكتاب. أما كيف تم الحديث فأمر لا أستطيع ان أجيب عنه إجابة حاسمة. هل هي أحاديث خيالية. أي إنها من مجرد خيالات الكاتب. قد جربت ان اعتقد ذلك لولا اني عندما عدت إلى ما كتبت بعد الفراغ منه، وجدت أشياء كثيرة لم أكن اعرفها من قبل. بعضها كان جديداً عليّ. صحيح اني قرأت قبل هذه الأحاديث كثيراً من الكتب التي أظهرت عن لوثر ولكن بعض هذه الأحاديث كانت بعيدة عن هذه الكتب- هل هي أحلام.. أم على الأصح هي الهام. كنت اجلس وكتابي المقدس أمامي أو إلى جانبي. وقلبي متجه إلى العلي.. كنت امكث أحيانا ساعات كاملة في صمت وفي تأمل... وبعد ذلك كان ذهني يتحرك... واديانا كان قلبي يتحرك.    

أما الأمر الثاني فهو الهدف من نشر الكتاب. ان أمامي هدفين الأول فردي والثاني جماعي، اما الهدف الفردي فيتصل بالصراع الداخلي للنفس التي تحس بثقل الخطية. الخطية ليست شيئا يستهان به. ان الخطيئة خاطئة جداً. ومحاولة التحرر منها هي محاولة بشرية كلها. مسيحيين كانوا ام غير مسيحيين، ((ماذا ينبغي ان افعل لكي اخلص)) وفي المسيح المحب المصلوب رجاء كل نفس خاطئة- ان قصة لوثر تنير الطريق للذين يلتمسون طريقهم إلى الله.

أما الهدف الجماعي فيتصل بدائرة الكنيسة العامة. قد يوجد في الكنيسة على الأرض ما يقدم صورة نقية للمسيحية. وقد يسيء الناس فهم المسيحية بسبب ذلك لكن لوثر كشف في أحاديثه ان الكنيسة الأرضية قد تكون بسبب عيوب قادتها أو أعضائها عثرة للآخرين، ولكنها لاتزال كنيسة المسيح التي اشتراها بدمه، ومن الواجب ان نحاول تنظيفها مما عسى ان يكون قد علق بها مما يشوه صورتها. وقد كان هذا سبب حماسة لوثر في شجب الأخطاء والعيوب. كان يحاول ان يقدم للعالم كنيسة طاهرة تتفق مع المسيحية الطاهرة.

ومن المحتم ان نعلن هنا ان لوثر لم يتحدث عن (كنائس) اذ كان يؤمن بكنيسة واحدة هي كنيسة المسيح. ولكنه عندما تكلم عن الكنيسة الكاثوليكية واللوثرية أو الكنيسة المشيخية. وعندما تكلم عن الكنيسة الجديدة لم يقدم إلا التعبيرات المتعارفة في تسمية الفرق المختلفة بالكنائس. فهي كنيسة واحدة فقط. وقد قدمتها النظم أو الإدارات المختلفة في أسماء كنائس. نعم ان لوثر أسس الكنيسة اللوثرية بحسب المنطوق البشري ولكن الحقيقة انه لم يؤسس اذ ان المؤسس واحد والكنيسة واحدة. وإنما هو تعبير درجنا عليه وألفناه وفهمناه.

وفي حديث لوثر بيان واضح عن ذلك فانه يعلن انه هو لم ينشق عن الكنيسة وإنما هو كان يعمل على إعادة الذين ابتعدوا عن الكنيسة المسيحية إلى الكنيسة التي أسسها السيد.

وتمت مسألة أخيرة اذكرها هنا وقد تعرض لها لوثر في آخر أحاديثه عن الحركة الوحدوية... أم الأفضل ان اطلب ان نسمعها منه. وأنا اتفق معه فيها على طول الخط.

* * *

في هذا الكتاب موضوعات كثيرة جديرة بالبحث. أرجو ان تدرسها بعناية. هناك أشياء تبدو سطحية ولكنك إذ تقترب منها تجدها بعيدة الأعماق.

وفيه أشياء تتفق أنت معها كل الموافقة. إنها تعبر عن خلجات قلبك وتسير في مجرى عواطفك.

وفيه أشياء يمكن ان تكون موضوع مناقشة. أشياء متعددة الجوانب. وجهات النظر فيها مختلفة. لماذا تتمسك بوجهة نظرك دون مناقشة وجهات النظر الاخرى. لماذا لا تتسع لسماع اراء غيرك فربما اتفقتما!!

وفيه أشياء قد تخالفها واضحة لا بأس. ان الآراء التي يجتمع الناس عليها قد لا تكون أفضل الآراء- ان السيد نفسه اختلفت فيه الآراء والمناوئون له، كانوا في وقت من الأوقات أكثر من المتفقين معه!

* * *

كل ما ارجوه منك ان تقرأ هذا الكتاب في حضرة المسيح. والمسيح يضيء لنا الطريق ويهدي أقدامنا في السبيل الأمين.

القس لبيب مشرقي

 

كتب هذه المقدمة في 10/9-1965

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1

الرجل الذي حير التاريخ

 

تمهيد

        قلت له: (لقد رأيتك عن قرب منذ زمن. منذ سنتين أو ثلاث سنوات أو أكثر، لست اذكر. وتحدثت إليك حديثاً).

وأسرع لوثر فقال : (طويلاً!!)

قلت: (كلا، لم يكن حديثاً طويلاً. انه لم يكن تحية عابرة بالطبع. ولكنة لم يكن حديثاً طويلاً. كلا، لا يمكن ان أدعو ذلك الحديث طويلاً... ومنذ فارقتك والكثيرون يحدثوني عنك. وقد اندهشت من كثرة عدد أتباعك والمناصرين لتعاليمك. إنني اذكر عندما كنت غلاماً صغيراً ان بعض زملائي في المدرسة كانوا يهاجمونك، عن غير معرفة بالطبع. كانوا يسمعون من خصوم تعاليمك ما جعلهم يعتقدون انك... أظن ان لا داعي لأن اذكر لك ما قالوه عنك، فأنت تعرفه. وأنا نصبت نفسي للدفاع عنك وقتذاك، أيضا عن غير معرفة. فقد كنت غلاماً، كما قلت لك، لا يزيد سني عن عشر سنوات. ولكن انحدرت من عائلة تنتسب إلى الكنيسة الإنجيلية أو البروتستانتية كما كانوا يطلقون عليها. وكنت لا اعرف إلا الفروق الواضحة وهي في (لباس الكهنة) وعدم زواج الرهبان، والصيام. وكان الهجوم والدفاع صبيانياً لم أكن اسمع وقتها عن الكفن أو النظام المشيخي أو الفِرَق الإنجيلية العديدة. بل الكنيسة اللوثرية لم تأت على لسان!!!

على انك تستطيع ان تطمئن، إلى إني ومن معي كنا ولا زلنا نناصرك أنت. وان كنا لا نناصر الكنيسة اللوثرية بالذات. ولكن هذا لا يعني إننا ننظر إليك كاله أو كرسول. إننا ننظر إليك كرجل مبدأ وقف إلى جانب مبدأه، واحتمل في سبيله. لك حسناتك، ولك بالطبع... ضعفاتك. 

وابتسم مارتن لوثر ابتسامة لم أتبين معناها. ثم سأل: (وماذا بعد ذلك. ما الذي تريده مني الآن، وقد سبق ان تحدثنا معاً، حديثاً شاملاً؟)

قلت له: (لقد كان ذلك بالأمس، لا أقول البعيد، ولكن أيضا لا أقول القريب. ثم انه حدث أني قمت برحلة إلى لبنان وجلست مع أصدقائك هناك، وهم جماعة عاملة. ومن لبنان طرت في طريق متعرج إلى الحبشة. ومع انه لم يكن لك في الحبشة أتباع، الا ان جماعة من كبار رجالك أقاموا هناك مركزاً للإذاعة. وتقابلت مع اكبر رجالاتك وقادة رسالتك. ومع إنني لم استرح كثيراً إلى روح المتعالي الذي بدا منهم في ظاهر تصرفهم إلا إنني اكتشفت أنهم ليسوا تماماً كما ظننت. وقد تحدث هؤلاء عنك كما يتحدثون عن أكثر من إنسان. كما سمعت شيئاً نظير ذلك من بعض الذين دونوا مفاخرك. وقد قال لي بعضهم ان حديثي معك كان ناقصاً وأشاروا عليّ ان أحاول ان اتصل بك مرة أخرى. وقد ضللت أناديك، من خمسة شهور. كنت أتحين الساعات وأنا التمس ان تتاح لي فرصة لقائك. وأنت لم تأت حتى كدت أيأس من لقائك. لكن شكرا لله انك اثبت أخيرا ... ولأنك اخترت، أو على الأصح لان العناية دبرت، ان تأتي وأنا بعيد عن القاهرة، بعيد عن مشاغلي، وان كانت ثمة مشاغل هنا ولكنها ليست بالكثرة التي في مدينة القاهرة، فاني أرجو ان نجلس معاً هنا في هذه البلدة الجميلة... في بيروت وسوق الغرب وضهور الشوير. إنهم يقولون ان جبل لبنان قطعة من الفردوس. فأنت لن تخسر كثيراً!!

وابتسم الرجل العظيم وقال، (هذا إذا كنت تضعني في الفردوس فانك في المرة الماضية كدت ترسلني إلى الجحيم!)

قلت: (لماذا نعود إلى المناقشة في هذا الأمر. لقد ناديت في حياتك بانجيل النعمة وبر المسيح. لذلك مهما كانت في حياتك من مآخذ، فان النعمة كفيلة بوضعك في زمن القديسين. وأنا أرجو انك لا تحاسبني في كلامي بميزان الألمان (العسكري) دعنا (نوسع) قليلاً. هناك ما يسمح بشيء من الفكاهة والبعد قليلاً عن شدة النظام الألماني!!)

وابتسم مارتن ولكنه لم يقل شيئاً!!

قلت: (والآن دعنا نبدأ الحديث. فقال: (الم تبدأه بعد؟؟). قلت: (لقد كان الكلام من جانب واحد. وفي الحق أنا لا اعرف كيف أبداه أو من أين أبداه!! فقال: (لماذا لا تجعله حديثاً طبيعياً. فإننا في أحاديثنا العادية لا نجلس لنرتب ماذا نقول أولا وماذا نقول ثانياً، فقد نبدأ بمسألة ثم نذكر مسألة تسبقها فلا ترى في ذكرها بأساً. بل قد نكشف إننا بدأنا من الآخر. ثم وصلنا إلى الأولى وانتهينا إلى الوسط. ومع ذلك لا نرى في ذلك مأخذ بل بالحري نراه شيئاً طبيعياً!!) وقلت له: (شكرا شكرا.. ولكني سأحاول من اجلي أنا لا من أجلك أنت، ان أكون منظما إلى حد. كل ما اطلبه ألا يضايقك التكرار، بالنسبة للحديث.. والتكرار في هذا الحديث. كما إني أرجو رجاء آخر وهو الا يضايقك ذكر بعض ما تقوله خصومك عنك.. وذكر بعض.. بعض ما.. بعض ما أحسست به أنا من مآخذ في حياتك.. ورسالتك!!)

وتجهم وجه مارتن ولكنه قال: (يمكنك ان تقول ما تشاء. فانك لن تقول أسوأ مما سمعت أنا.. وأنت فوق ذلك مخلص .. على ما اظنه!!! (وعاد الابتسام إلى وجهه تدريجيا وقال: ان لي أسوة بسيدي فقد قالوا انه مختل، وسامري وبه شيطان، وقالوا له مرة إننا لم نولد من زنى. واتهموه بأنه المضل. وقد علمت ان قوماً في الأيام الأخيرة كتبوا يتهمونه بأشنع التهم. تكلم يا صديقي... تكلم هات ما عندك!!

قلت: (يبدو ان المناقشة لا تقابل منك القبول.. فهل ترى-) فأسرع يقول: كلا. كلا يسرني ان اجلس إليك وأتحدث معك. وسأحاول ألا اخرج عن طوري. وأنا ينبغي ان اعترف- شديد الحساسية اغضب بسرعة. وقد شكا مني أصدقائي في الأيام الأخيرة. لكنك تستطيع ان تطمئن إلى ان (مرجوعي) قريبا.) قلت: إذن سأضع أمامك الموضوعات التي تشغلني بصدد رسالتك. سأصفها كما تتوارد على فكري بترتيب تواردها... ثم... ثم لك أنت ان تنظمها بحسب تاريخها أو بحسب موضوعها.. ونجيب عليها!!)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

2

ملء الزمان

 

        أما أول ما يمر بخاطري فهو... هو (ملء الزمان) بالنسبة لك. أي الأمور الخارجية... وبالطبع الأمور الداخلية. يأتي بعد ذلك أمر دخولك في سلك الرهبنة. وإذا شئت ان تنبسط في الرهبنة وما أحاط بها شكرتك. ثم موضوع خروجك على الرهبنة... كل الخطوات التي انتهت إلى ذلك. بعد ذلك يأتي الإصلاح البروتستانتي في داخل ألمانيا... ثم في أوروبا وفي أمريكا. ولا شك انك تنتظر ان تسمع المآخذ عليك.. وهناك موضوع قد يخرج عن شخصك، ولو انه يتصل بك حتماً، هو موضوع الإصلاح البروتستانتي من وجهة عامة... وأخيرا ارغب ان اسمع رأيك في موضوع توحيد الكنيسة وهل لك ان تدلي بنصيحة أو مشورة طيبة. أم انك ترى ان المصلحة ان تظل الكنيسة المصلحة قائمة بذاتها... بل هذا يذكرني بسؤال هام هو هل ترى ان الكنيسة اللوثرية هي الكنيسة المصلحة الحقيقية ام ان الكنائس الأخرى أو بعضها على الأقل تقف في الصف...؟

وتنهد مارتن وقال: (أخشى ان الحديث سيطول .) قلت: (لقد تركت كل شيء آخر من اجله. فسنجلس كلانا وحدنا في هذا الركن البعيد في لبنان كما نحن الآن. وسنتكلم على مهلنا. ترجو ان ينتهي الحديث قبل ان أعود إلى المدينة التي تعج بالحركة!!)

أ- انحدار الكنيسة 

        وقال مارتن: احسب انك تركت لي امر ترتيب الحديث... فاسمح لي اذن ان ابدأ بالإجابة عن السؤال الذي في صدرك ولو لم تنطق به شفتاك. السؤال الذي في صدرك ولو لم تنطق به شفتاك. السؤال الذي يشغل الكثيرين ممن ينتقدون (ثورتي). هل ثمة لزوم لقيام (مارتن لوثر). هل كان هناك ما يحتم هذه (الثورة) !!)...      

(وجواباً على ذلك أقول، نعم نعم وألف نعم، وسآخذ معي لتبصر الكنيسة وكيف انحدرت. وانحدرت وظلت تنحدر إلى ان صارت شيئاً لا تمت إلى الكنيسة التي أسسها السيد بسبب. ويخدم فيها كهنة أخشى ان أصورهم بصورتهم الحقيقية لئلا ينزلق لساني إلى ما لا أحب).

قلت: الكنيسة التي غرسها السيد وأرواها بدمه، العروس الطاهرة النقية التي سيحضرها أمام أبيه بلا دنس أو غضن ؟؟ قال: (نعم، فقد عشت في العالم وظلت تلتصق به إلى ان صارت شراً منه.  ولا داعي لأن ندخل في تفاصيل كثيرة عن الكنيسة في أول عهدها. يوم كانت ضعيفة مضطهدة مشردة بلا حول ولا قوة. وقد قام أباطرة ضد تلك الكنيسة الصغيرة وحاولوا ان يسحقوها...وانت تذكر نيرون... وداشيوس وغيرهما من كانوا يعتقدون ان المسيحيين جماعة شريرة قاتلة يأكلون لحوم البشر في عبادتهم إذ قد سمعوهم يقولون ان زعيمهم قال (ان لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فلا تقدرون ان تدخلوا ملكوت السماوات). على انه قام في القرن الرابع إمبراطور سياسي حكيم أدرك ان المسيحيين ليسوا أشرارا بل أدرك انه إذا تعاون معهم فسيكونون قوة جبارة فهم أمناء مخلصون مجتهدون ولذلك أصدر أوامره بعدم الإساءة إليهم بل بدأ يفضلهم على غيرهم ... وأخيرا أعلن انه يؤمن إيمانهم. ومن ذلك الوقت بدأت المسيحية تزدهر...

أحس لوثر أني اتملل من هذا السرد التاريخي فقال لي: (صبراً فاني إنما أرجو ان اصل إلى حقيقة، هي النقطة المركزية لما سبب انحدار الكنيسة، واعني بها العلاقة بين الكنيسة والحكومة أو كما يسمونها الكنيسة والدولة). فقلت له: (لا بأس أكمل حديثك...) وعاد لوثر يقول: (حدث في ذلك الوقت نزاع داخل الكنيسة عن حقيقة لاهوت المسيح وانعقد بسبب ذلك مجمع كبير في نيقية سنة 325 حضره أساقفة وكهنة وشمامسة وتناقشوا في الموضوع. وقد جلس بين الأساقفة الإمبراطور الذي ذكرت لك عنه، الإمبراطور قسطنطين. جلس وهو ليس أسقفا ولا كاهناً... بل انه لم يكن قد تعمد بعد، في الحق انه جلس كسياسي لا كرجل ديني. وقد أراد ان يفرض آراءه على رجال الكنيسة. وأحس رجال الكنيسة بخطر تدخل الدولة في الشؤون الكنسية. فتقدم احدهم منه في احد الأيام وقال:              

(انك إذا اضطهدتني يا مولاي فإنني مستعد ان احتمل أشنع اضطهاد على ان أنكر الحق). ولكن (اذكر ان الله أعطاك الإمبراطورية وأعطانا الكنيسة. فإذا ان نسلب الحكم منك فإننا نقاوم الله واذا حاولت ان تتدخل في شؤون الكنيسة فانك تخطئ). كانت هذه الحقيقة النقطة المركزية للنزاع الذي قام في الغرب بين الكنيسة والدولة. قال لوثر وهو ينظر اليّ: (أنت لا يهمك بالطبع ان تسمع تفاصيل ظهور البابوية وكيف ان أسقف روما صار رأساً للأساقفة. وإنما قد يهمك ان تعلم ان حصول البابا على سلطة الكنيسة كان نتيجة محاولة إصلاحية داخل الكنيسة. فقد حكم أوروبا، في ذلك الوقت أساقفة كانوا في نفس الوقت أمراء اسماً وحقيقة. وكانوا يمارسون سلطان الأمراء في الحكم والحرب. كما كانوا يعيشون، حياة البذخ والترف. ولذلك فكر المصلحون ان يرفعوا الكنيسة من ذلك الهوان، بان يجعلوا البابا ذا قوة حقيقية في شؤون الكنيسة.  وكان زعيم هذه الحركة الإصلاحية (هلدبراند) الذي صار في سنة 1073 (البابا غريغوريوس السابع). بل ان هذا البابا لم يكتف بالسلطة المطلقة في الكنيسة وإنما ادعى انه بصفته ممثل الله على الأرض، فان له السيادة الكاملة على الكنيسة وعلى شؤون العالم... على الحكام وعلى الملوك!!)  

ومرة أخرى لاحظ لوثر تقطيب وجهي فقال: (يخيل لي انك تتساءل عن علاقة حديثي بموضوع انحدار الكنيسة. وأنا أرجو ان تنتظر فسترى ذلك واضحاً في ما بعد. ان حديثي سيتناول الخطوات التي انتهت إلى حصول البابوات... وبالطبع رجال الكنيسة، على السلطة المطلقة في العالم. وسنكتشف تبعاً لذلك بضعف الحياة الروحية تدريجياً بل بفقدانها نهائياً... يا أخي صبرك. لقد صبرت أنا عدة سنوات قبل ان أثور. أما أنت فلن تصبر إلا وقتاً قصيراً). قلت له: (تكلم وأمري لله !!).

ب- قوة البابوات

قال: (حدث ان الارشديكون "هلدبراند" كان يترأس خدمة تذكارية بمناسبة انتقال البابا السابق إلى... لنقل إلى الدار الآخرة. لأننا لا نعلم باليقين أين نذهب، ولو إنني أرجو انه ذهب إلى المجد لأن مراحم الله واسعة. كان هلدبراند رئيس شمامسة فقط ومع انه لمدة الخمسة والعشرين سنة الماضية كان "القوة خلف العرش" إلا انه فوجئ فعلاً – أو هذا ما دون عنه التاريخ – عندما فوجئ بصوت يتردد كالطبل في المكان هلدبراند... هلدبراند... وارتفعت مئات الأصوات: هلدبراند القديس بطرس يختار هلدبراند ليخلفه... وتقدم احد الكرادلة وألقى خطاباً قصيراً... واعترض هلدبراند وبكى وطلب ان يعفوه من هذه المهمة الثقيلة الا أنهم حملوه حملاً إلى العرش وألبسوه رداء البابوية ووضعوا على رأسه التاج... وصار هلدبراند البابا واتخذ لنفسه اسم "غريغوريوس السابع".

كان "غريغوريوس" يؤمن فعلاً ان البابا هو ممثل الله على الأرض. ومعنى ذلك انه سيد كل العالم. كان البابوات الذين سبقوه ضعفاء. لم يستطيعوا ان يمارسوا أي سلطان، حتى على الكنيسة نفسها. أما غريغوريوس فادعى لنفسه الحق في ان يحكم لا الكنيسة فقط بل جميع السلطات المدنية. وكان من نتيجة حزم البابا ان قامت إصلاحات كثيرة في الكنيسة. على انه قابل أيضا مقاومة عنيفة. خذ مثلاً: في سنة 1075 في مجلس بابوي، أصدر غريغوريوس قرارا بحرم ان تُقبل أية وظيفة كنسية من علماني، من أمير مثلاً. كان الملوك والأمراء يعينون الأساقفة- واعتبر هنري الرابع إمبراطور ألمانيا ان هذا القرار أفتيات على سلطانة الإمبراطوري ولذلك تحداه وعين احدهم أسقفا لميلان. وهدد غريغوريوس، الإمبراطور بالحرمان. وغضب الإمبراطور وشتم البابا.. وبينما كان البابا يترأس مجلساً بابوياً اندفه رسول من الإمبراطور إلى المكان وقال بلغة بسيطة: ان مولاي الإمبراطور والأساقفة يبلغونك يا هلدبراند على فمي ان تترك كرسي بطرس، لأنه لا يجوز لك ان تغتصب مقاماً رفيعاً كهذا المقام بدون إذنه السامي!!

        كان غضب البابا ومن معه عظيما جداً. فأصدر قرار الحرمان. وكان يتضمن ان الإمبراطور ممنوع من تناول الأسرار المقدسة. كما يحل الشعب الألماني من الولاء للإمبراطور وطاعته. ويحرم على أي ألماني ان يساعده، والا حلت عليه وعلى ألمانيا اللعنة!!

        واكتشف هنري ان أتباعه لم يكونوا مخلصين له كما كان يظن. وانتهز أعداءه هذه الفرصة لمهاجمته وبدأ كرسيه يهتز تحته. وتلفت حوله يبغي باباً للنجاة فلم يجد الا باب الصلح مع الكنيسة.

        وفي نفس الوقت بدا البابا خططه للذهاب إلى ألمانيا ليعمل على طرد الإمبراطور... ووصل إلى قلعة كانوسا. وفي قلب الشتاء اخترق هنري ممر جبل سبينس ووصل إلى القلعة وظل ثلاثة أيام يقف على الباب من الصباح إلى المساء دون أكل أو شرب كشحاذ يطلب الإحسان. وقد توسط الكثيرون لدى البابا لعله يصفح عنه والبابا لا يريد. لعله كان يشك في إخلاص توبته، على انه بعد الأيام الثلاثة سمح له بالدخول وصفح عنه وسمح له بتناول الأسرار المقدسة. وقد قيل انه عندما دخل إلى حضرة البابا وأراد ان يُقبل الصليب عند قدميه فدفعه البابا بقدمه فوقع على الأرض... وعاد الملك فقبل الصليب أو على الأصح قبل قدمي البابا. نعم فقد نال الملك من الهوان الذي لقيه ويدبر الانتقام من البابا.. فأعد جيشاً كبيراً حاصر روما وطرد عدوه القديم غريغوريوس... وفي سنة 1085 مات البابا في المنفى... وهكذا هزم الملك، غريغوريوس. ولكن هل هزم البابوية؟؟ لقد ظل البابوات يؤمنون ان السلطان لهم وظلوا يعملون على الحفاظ عليه!)

        قلت لمارتن: (أليس غريغوريوس هذا هو الرجل القصير الضئيل الجسم؟) قال: (نعم. ولكن كانت له شخصية جبارة وعينان كعيني النسر. وربما ظن البعض ان البابوية قد هزمت. ولكن "انوسنت الثالث" الذي جلس على عرش بطرس في 8 كانون الثاني (يناير) 1198 اظهر ان البابوية تنوي الاستمرار في هذا القتال. لم يكن عمره إذ ذاك إلا سبعة وثلاثين سنة فقط. وكان قبل انتخابه للبابوية مجرد راهب لم يرتسم كاهناً بعد. ولكنه عمل للبابوية ما لم يعمل غيره. كان ينتسب إلى عائلة معروفة وكان ابناً للكنيسة وقد امتاز بمقدرة فذة. وكان هدفه نفس هدف هلدبراند، وهو ان يجعل بابا روما السيد الأعلى في الأمور الزمنية كما في الأمور الروحية!

        وقد ذُكر عنه انه قبل ان يوضع على رأسه تاج البابوية، أعلن انه كما ان القمر يستمد نوره من الشمس كذلك يستمد الملك الذي يحكم أجساد الناس كل قوته من البابا الذي يحكم نفوس الناس- وفي العظة التي ألقاها في حفل تتويجه قال: (أنا هو الذي اختاره الله على بنيه. لكن من أنا حتى اجلس أعلى من الملوك وفوق الأمراء). ومن خلال سنوات قليلة جعل انوسنت من نفسه رأساً لكل أوروبا سياسياً ودينياً. وقد أمكنه ان يجري عدة إصلاحات في الكنيسة وخارجها وكان سلاحه في ذلك دينياً... أي الحرمان...

        والحرمان وما أدراك ما هو الحرمان... الحرمان كان يصّير من المحروم منبوذاً، لا مكان له في المجتمع، أمواله تصادر، لا يتناول من الأسرار المقدسة. وإذا لم يتب فالموت والهلاك الأبدي مصيره. فإذا كان المحروم ملكاً فان الحرمان يعفي شعبه من الولاء له ويبيح بل يحتم نقض عهد الطاعة له!!

لاحظ لوثر أني انوي ان أتكلم فقال: (صبراً ستتكلم. إنما أريد ان انهي هذه القصة. ان السلطان الذي دعاه غريغوريوس ومارسه انوسنت أعطاه بونيفاس الثامن كيانه القانوني.وهذا هو البيان الرسمي الذي أعلنه بونيفاس 1302 (توجد كنيسة مقدسة كاثوليكية رسولية ولا يوجد خارج هذه الكنيسة خلاص أو غفران خطايا). وقد أعلن بوضوح ان كلا السلطتين السياسية والروحية في يد الكنيسة وقال انه أفقر كاهن يسمو على اشرف ملك. وختم بالقول نحن نعلن للجميع انه يلزم للخلاص ان يخضع الكل لبابا روما).

ومما جعل للكنيسة الكفة الراجحة في حرب السلطة هذه بين الكنيسة والدولة، فان الكنيسة كانت موحدة مركزة منظمة...!!

ج- ملك الملوك

انتهى الأمر إلى ان صار بابا روما ملك الملوك على الأقل في أوروبا! قلت للوثر: (إني ألاحظ عدة أخطاء في "بيانات" البابوات، كما ألاحظ عدة لخطاء في كيفية مقاومتهم. سأذكر ما عنّ لي ثم انتهي بسؤالك عن علاقة هذا السلطان برسالتك الإصلاحية التي تزعمها:)

أما أولاً فان السيد نفسه لم يأت حاكماً بل قال مملكتي ليست من هذا العالم. وعندما استعمل احد أتباعه سيفه قال له ردّ سيفك إلى غمده. ولقد كان في امكان السيد ان يطلب من أبيه ربوات الملائكة كما كان في امكانه ان يزود أتباعه الضعفاء بالقوات التي تمكنهم من نشر رسالتهم لو انه قصد ان يكون للكنيسة سلطان جسدي. ولقد زعم البابوات أنهم يحكمون على نفوس الناس وهذا ما لم يقل به السيد!) وقال لوثر: (أنهم يستندون على عدة آيات في الكتاب عن مفاتيح ملكوت السموات!)  

قلت: (ولكن هذا لا يعني الحكم على النفوس. والاتجاه إلى هذا المعنى مخالفة لروح الكتاب ولرسالة الكنيسة... على أني ألاحظ ان الحكومة قاومت الكنيسة أيضا بالقوة وكان أحرى بها ان تستعمل سياسة المنطق وفتح الذهن. وهو سلاح قد يطول معه أمد الحرب ولكن النتيجة اوكد. إذ انه كلما كان الشعب جاهلاً كلما قبل بدون مراجعة ادعاءات السلطة الأبدية).

د- القوة والفساد

        على إنني بالرغم من ذلك أسألك عن علاقة قوة الكنيسة بانحدارها. لماذا لا تكون قوتها عوناً لها على اتساع رقعتها وامتداد مساحتها وبالتالي على تسهيل مهمتها في الكرازة؟

        واجاب لوثر: انه يمكن الإجابة على سؤالك نظريا بان القوة العالمية تبعد الكنيسة عن المصدر الحقيقي لقوتها وتنحدر بها المادية والأنانية والمنافسات العالمية. يمكنني ان اشرح لك ذلك شرحاً نظرياً. ولكني سأبسط أمامك نتائج هذه القوة من سبيل الواقع. كانت قوة الكنيسة تتطلب المال. وكان الكرسي البابوي يجمعه بالعنف حتى ابغض الناس الكنيسة ولكنهم لم يجسروا ان يرفعوا راية العصيان. على انك ترى صورة من هذا العصيان المكبوت بعد ان استنارت أذهان البعض. فقد انعقد في سنة 1518 مجمع في مدينة اوجبرج في ألمانيا حضره ممثلون للمدن والولايات والإمارات. وكان البابا قد أرسل يطلب ان يكلف كل كاهن وأسقف وأمير يجمع ضريبة. (لمحاربة الأتراك الذين كانوا يجتاحون أوروبا آنذاك) وقد رفض المجمع الطلب وأعلن ان عدو أوروبا ليس الأتراك بل "كلب جهنم"[1] المستقر في روما!!

        وقد ارتاع الناس من جشع الكرسي البابوي والحاشية المحيطة به. ومن واقع السجلات الرسمية أتضح ان إيراد "الكرسي الرسولي" بلغ أزيد من مليون دولار في السنة- كان هذا في الوقت الذي لم يصل فيه ملك فرنسا إلى نصف هذا المبلغ- وكان للبابا إدارة مالية، مأموريات ضرائب تسافر إلى كل القطار لتحصيل هذه الأموال.

        وفوق هذا فقد أصبحت الوظائف الكنسية سلعاً مربحة ولذلك كانت تباع بأسعار خيالية. بل ان هناك وظائف لم تكن موجودة كان يضارب عليها!!  

        وكان من نتيجة الجشع ان أصبح كل شيء تقدمه الكنيسة يباع بالنقد. ليس على المرء إلا ان يدفع ويصبر فينال ما يشاء. يستطيع ان ينال غفران الخطايا وتبرير أي مسلك. قال احد كتاب الموظفين في القصر البابوي (ان الله لا يشاء ان يهلك احد بل ان "يدفع" ويخلص!)

        ظهر الارتياع على وجهي فنظر إليّ لوثر وقال: (بعد تسمع أشياء أردأ!)

        (كان من نتيجة السلطة ان نسيت الكنيسة واجبها الأول. فقد انشغل البابوات بأمور (أهم) من خدمة المسيح وملكوته. فان يوليوس الثاني مثلاً (1503-1513) كان معنياً بالفنون وقد تمت في أيامه كثير من القطع الفنية لرافايل ومخايل انجلوا!! وخليفته يوليوس الذي عرف باسم ليو العاشر رسموه كاهناً في السادسة من عمره وكاردينالاً في الثالثة عشرة وانتخب بابا في الثامنة والثلاثين. كانت الحياة له لهواً ولعباً. وقد بذر المال في المباذل وكان يقول: لنتمتع بالبابوية طالما أعطاها الله لنا)

        صمت لوثر قليلاً ثم قال: (لم أرد ان اذكر لك البابا اسكندر السادس (1492-1503). نفس الشيطان ارتاع من شروره. كانت حياته سكراً وعربدة وفسقاً. كان يعلن عن أولاده غير الشرعيين. وكان معنياً بالعمل على إكثار أموالهم- كانت حياته لعباً ورقصاً وفجوراً... وفي أيامه وصلت الكنيسة إلى الحضيض قلت: (ولكن هل كان سجل البابوات كذلك؟)

        قال: (كلا. شكراً لله فقد كان هناك بابوات أفاضل ولكنهم كانوا قلة لم يستطيعوا ان يتركوا أثرا.

        هذا هو الكرسي الرسولي يا صديقي. هذه هي الكنيسة التي قال عنها السيد وأبواب الجحيم لن تقوى عليها!!)        

هـ- الاكليروس والفساد

        قلت: (ولكن الكنيسة ليست البابا يا سيدي!! فأجاب: إني أرى ما ترمي إليه. ولكن ألم تسمع القول:

إذا كان رب البيت بالدف ضارباً      فشيمة أهل البيت كلهم الرقص

        ان هذا القول يصدق على الأساقفة والكهنة والشعب. هل تريد ان تسمع حديث هؤلاء؟ قلت: (انه حديث كريه لكن لابد مما ليس منه بدّ)

        صمت لوثر طويلاً ثم قال: (إني اذكر معاصري ايراسمس المصلح الاجتماعي والفيلسوف المشهور في أوروبا. في سنة 1502 قال: لقد اصبح الناس يبغضون الكهنة حتى انك إذا قلت عن إنسان، أيها الكاهن، أو، أيها الراهب، لأعتبر ذلك سبة لا يقبلها. لا أقول ان جميع الكهنة كانوا كذلك فقد وجد اساقف أفاضل وكهنة أتقياء ولكن الأساقفة والكهنة الذين أهانوا خدمتهم كانوا من الكثير بحيث غطوا على القلة الفاضلة!!

        وعلى رأس الرذائل التي "تميز" بها الكهنة في تلك الفترة كانت النجاسة. ما أكثر السكيرين منهم وكثيرون منهم كانت لهم حانات وبيوت للمقامرة وعلاقات غير مشروعة مع النساء- هذا عدا عن انشغالهم بالتجارة وإقراض المال بالربا الفاحش والتزوير وإهمال شؤون الكنيسة إهمالا فاضحاً- وكان الأغنياء منهم يختالون في الملابس الغالية والمجوهرات الثمينة ويعيشون حياة الترف يخدمهم خدم كثيرون ويقتنون الإسطبلات الملئا بالخيل- وكثيراً ما كان الذين  يسكرون بالليل يتلون القداس في الصباح ويقضون باقي النهار في بيوت الدعارة أو في الخروج للصيد!!!

        ومع هذه الحياة الدنسة كانت غالبيتهم في جهل فاضح. ولقد كتب احدهم عن ذلك فذكر ان الجانب الأكبر لم يكن يعرف من هو (مؤلف) الصلاة الربانية وفي أي كتاب توجد؟!!

        وقلت للوثر: (ولكن هذا مروع. هل أنت متيقن من ذلك؟) فأجاب إنها الحقيقة، وكيف ننظر غير ذلك ممن اخذوا الخدمة الدينية سبيلاً للعيش ولاقتناء الثروة. إنهم لم يكونوا يهتمون بالكنيسة. كانت الكنيسة آخر ما يفكرون فيه. كانوا يعيّنون على أبرشيات ولكنهم ما كانوا ليذهبوا إليها!!

        شيء واحد كان ينبغي ان يفعلوه وهو ان يجبوا الضريبة المطلوبة للكرسي الرسولي. فإذا لم يدفع الشعب فان عليهم، بسلطان روما، ان يامروا فتحل عليهم اللعنة في الداخل والخارج، في الوقوف وفي القيام، في الذهاب والاياب، في المشي والركوب... وهكذا. وكان كثيرون من الكهنة الطيبين يدركون متاعب الفقراء إذ كانوا هم انفسهم فقراء، كانوا يبذلون جهدهم لإنقاذ الفقراء من لعنة الحرمان هذه..)

 

و- الشعب والفساد

        قلت للوثر: (ولكن الشعب كان على ما أظن صالحاً). فأجاب: (وكيف يكون صالحاً وقادته الدينيون هم من هم. كان الشعب يرزح في الجهالة ويعيش في الخوف من العفاريت والجن والسحر. ولذلك كثرت الأحجية والتعاويذ. وقد حاول رجال الكنيسة ان يصلحوا الحال ولكنهم أنقذوا الناس من السحرة وأوقعوهم فريسة للكهنة الذين باعوا لهم الخلاص من جهنم ومن المطهر بثمن عالٍ.. وسأحدثك عن هذا الأمر بالإفاضة عندما أتحدث عن النزاع بيني وبين روما).

                                            

  وتنهد لوثر تنهداً عميقاً وقال: (هذه يا صديقي كانت حالة الكنيسة عندما شبيت عن الطوق وقد سكت طويلاً ولكني لم اعد أستطيع سكوتاً فقمت.. وضعت روحي على كفي وتحديت سلطان روما وناديت بالإصلاح!!

                                       

       قلت: (ولكن الحالة السيئة لم تكن جديدة عندما دخلت الرهبنة. لابد انها كانت منذ أزمان.... فلماذا لم يقم مصلح من قبلك)

                                   

 وأجاب لوثر: (نعم ان الفساد لم يكن أمرا جديداً. لقد كان منذ مدة طويلة وان كان قد بلغ ذروته في أيامي...)


 

3

 

البذار الصالحة

                     قلت: (أنت لا تقصد يا لوثر ان تقول ان الجميع قد فسدوا... الجميع؟ كاهناً وشعباً. كلا. لا يمكن ان تقول ذلك. لابدّ ان كان هناك مسيحيون مؤمنون قديسون لابدّ.. أقول لك لابدّ.. وإلا فمن أين قبست النور الذي رفعته. لاشك انك لا تريد ان تقول انك يوحنا المعمدان في جيله، أو ارميا في عصره. بل ان هذين وامثالهما لم يكونا وحدهما بارين).

    وقال لوثر: (كلا، كلا، أنا لا أدعي أني كنت القديس الأوحد. بل بالحق أنا كنت الخاطئ الذي شعر بثقل خطيته أكثر من غيري لأسباب لا تمت إلى القداسة بسبب. كان هناك قديسون أفاضل. كانوا أنوارا لامعة في ظلمة الجهل والشر. ولئن برزت أنا ألمع منهم، فليس ذلك لفضل في... لماذا لا نترك هذا الموضوع الآن، خصوصاً ونحن سنعود إليه على الأرجح في ما بعد؟)

                         

   قلت: (إنما أقصد ان اسأل ألم يسبقك احد في مقاومة الفساد. ألم يوجد من نادى بالإصلاح؟)

             قال: (آه ... لقد قام جماعة من الأبرار ورفعوا أصواتهم شاجبين الفساد ومنادين بالعودة إلى الله. نعم يا صديقي الدنيا لم تخل من الأبرار!)      

  قلت: ( فهل لك ان تحدثني عن بعض الحركات الإصلاحية، التي قامت وبعض المصلحين. وهل لك ان تحدثني بقليل من التفاصيل عن بعضهم. وعن الآثار التي تركوها في تاريخ الكنيسة... وفي تاريخك؟)  وقال لوثر: (انه سيحاول ان يشبع رغبتي انه لا يقدم لي حديثاً يحتمل مسئوليته فانه قد تناوله من آخرين). وابتسمت وأنا أقول: ( وهل كان حديثك عن حالة الكنيسة مما نسميه First Hand تحدث يا صديقي. فان التاريخ سيغربل كل شيء وسيبقي الصحيح ويذهب الزغل!!) هزّ لوثر كتفيه ثم تكلم:

(لم يرضى عن حالة الكنيسة كثيرون فقاموا ينتقدون التصرفات غير اللائقة وينادون بالإصلاح. ولكن السلطات الكنسية لم تسترح إلى هذا ونعتت هؤلاء المعارضين بألقاب كريهة دعتهم "هراطقة"، لم يكن الهراطقة عدداً قليلاً بل كانوا جمهوراً غفيراً. على ان جماعتين منهم سببتا للكنيسة كثيراً من التعب، وعندما أقول الكنيسة أقصد السلطات العليا فيها.

وأولى هاتين الجماعتين كانت تدعى "الالبجنسيين" أو الكاثاري أي "المطهرين". وهؤلاء ظهروا على اثر عودة الصليبين وقد نقلوا عن الشرق بعض ما كان شائعا هناك. هؤلاء اقتنعوا ان العلم شرير والجسد ردي، لذلك ينبغي ان يتخلص الناس من العالم ومن الجسد.. ينبغي ان يكونوا أطهارا. هؤلاء رفضوا ان يحاربوا وامتنعوا عن الزواج ولم يؤمنوا بالكنيسة وكانت عقائدهم غير مسيحية في جملتها. ولكن الناس تبعوهم، لأنهم انتقدوا فساد الكنيسة، وكانت حياتهم هادئة ونظيفة- انتشر الكاثاريون في جنوب أوروبا وخصوصا في جنوب فرنسا. وقد حاولت الكنيسة ان ترجعهم إلى الصواب ولما لم تستطع أعلن البابا اندسنت الثالث حرباً صليبية عليهم وكانت النتيجة مجزرة، ذهب ضحيتها ألوف وألوف!!

 والجماعة الثانية كانوا "الولدنسيين" وهؤلاء أيضا دمغتهم الكنيسة بالهراطقة بالرغم من أنهم لم يعلّموا تعاليم خارجية- وزعيم هذه الجماعة كان تاجراً من ليون اسمه بطرس والدو. وهذا بالرغم من نقص ثقافته كان يحفظ عن ظهر القلب فصولاً كثيرة من الكتاب المقدس في اللغة الفرنسية وقد وزّع كل أمواله وجعل يكرز بالكتاب وخرج أتباعه يكرزون اثنين اثنين وكانوا يلبسون ملابس خشنة.. ولم تسترح الكنيسة إلى نوع كرازتهم فاعتبرتهم هراطقة واضطهدتهم. وبسبب جهلهم وسوء استعمالهم للكتاب، أصدرت الكنيسة قراراً بتحريم اقتناء الكتاب وخصوصاً في غير اللغة اللاتينية.

     وقد تضايقت الكنيسة من تزايد عدد الهراطقة فرأت ان تعالج أمرهم بتعيين ما عرف فيما بعد بمحاكم التفتيش. وكان لهذه المحاكم جواسيسها وبوليسها وقضائها. وكان الشخص يجد نفسه وقد اقتنص في شبكة وبدأ التحقيق معه فإذا ما ثبتت التهمة عليه فقد كان مصيره القتل حرقاً. وكانت هناك وسائل مروعة "لإخراج الحق" من صدور الهراطقة!!!).

 

 

 

 ز- محاكم التفتيش

     قلت: (لقد سمعت الكثير عن محاكم التفتيش هذه. ولقد كان جسمي يرتعش وأنا اسمع عن الآلات الساحبة، والآلات الضاغطة، والآلات العاصرة وعن الكي بالنار والنخس بالسكاكين.. ألست ترى ان المبالغة وجدت سبيلها إلى هذه الأخبار؟)

        وقال لوثر: (قد يكون. ولكن الصحيح في هذه المحاكم يفوق الخيال!!)

        قلت: (ولكن ألم يكن في رجال الكنيسة ذرة واحدة من المسيحية حتى يرتكبوا هذه الفظائع الابليسية؟)

        قال: (بل كان الأمر عندهم يستند في زعمهم على القواعد المسيحية. ألم تسمع ما قاله انوسنت الثالث في ذلك؟ قال: ان الهراطقة خيانة موجهة ضد الله. فإذا لم تعاقب الهراطقة فان الله سيعاقب بسببها كل العالم. ومن الخير لذلك ان يتألم القليلون من ان يتألم الجميع. من الخير ان يحترق الجسد على الأرض من ان تهلك النفس في النار الأبدية في جهنم!!! ولقد ظلت هذه النظرية الغريبة، داخل الكنيسة تنشر الرعب في قلوب الألوف أجيالا !!)

        قلت: ( لابدّ ان هؤلاء "الهراطقة" قبعوا في ديارهم وأغلقوا أفواههم فاستراحت الكنيسة منهم؟) أجاب: (كلا، فان التعذيب قد يخيف الناس ولكنه لا يغيّر من تفكيرهم. ولقد كانت الكنيسة في القرون الوسطى غارقة في شرور كثيرة مروعة، حتى ان كثيرين من الناس لم يستطيعوا ان يسكتوا فرفعوا أصواتهم يحتجون وبعضهم بلغت به الجسارة إلى حد إعلان الحرب على التعاليم الكنسية، وكان نصيبهم الموت حرقاً!!)

 

ح – جون ويكلف

        (ومن الذين سلكوا هذا السبيل الإنجليزي المعروف جون ويكف. هذا أزعجته الشرور النابعة من الجهالة فقام يحاول إصلاح الحال. ومن أهم ما قام به ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة الإنجليزية وكانت ترجمته قطعة من الفن. وكان لها اثر كبير في إنارة الأذهان والقلوب. وأحس المسئولون في الكنيسة، بخطورة أمره وقاموا يناوئونه، ولكنه كان مؤيداً من كثير من العظماء فلم تستطع الكنيسة ان تعمل معه شيئاً.. ومات في سنة 1384. لكن بعد أربع وأربعين سنة بعد موته نبشوا قبره واخرجوا بقاياه واحرقوها بالنار. ثم طرحوا الرماد المتخلف من الحريق في النهر، حتى لا يوضع في قبر ويكون مزاراً.. لشدَ ما اخطأوا فقد حمل التيار تلك البقايا بأفكارها الجديدة إلى كل أوروبا، وطبع آثارها.

 

ط- جون هس

        وصلت تلك "الأفكار" إلى جامعة "براغ" وتأثر بها واعظ قدير جاء من الريف اسمه "جون هس". هذا قام يشجب ترف وفساد الكهنة مناوئاً تعاليم الكنيسة التي تساعد على هذا. وقد انظم إليه كثيرون بحيث صار زعيم جماعة قوية. وبلغ الأمر إلى مسامع رؤساء الكنيسة وساءهم ان يتجاسر إنسان على انتقادهم فدمغوه هرطوقياً. وخشى هس ان يقبضوا عليه ويمثّلوا به. فذهب إلى جنوب بوهيميا حيث كان مناصروه أقوياء- على انه في سنة 1414 عقد في كونستانس مجمع كبير حضره الإمبراطور سجسموند وعدد من الأمراء والحكام المدنيون وأكثر من مائتي أسقف وثلاث مئة أستاذ- اجتمع هذا العدد الغفير ليبحثوا عدة مشاكل تتصل بالكنيسة ومن بينها الهرطقة بالطبع.  

        وقد دعي جون هس ليمثل أمام ذلك المجمع الكبير وأرسل له الإمبراطور مكتوب تامين مختوماً بخاتمه، وعده ان يرده إلى مكانه سالماً، مهما كان رأي المجمع فيه. وصدّق جون هس. ما كان يعتقد ان الإمبراطور يكذب أو انه اعجز من ان ينفذ وعده. وذهب إلى كونستانس.. غير انه حالما وصل قيدوه بالأغلال وطرحوه في سجن كريه حيث قضى ستة شهور عومل في أثنائها شر معاملة. وعندما وقف أمام المجمع اتهموه بعقائد قبيحة لم ينطق بها بالطبع. وطلبوا منه ان ينكر عقائده فقال حاشا لي ان اكذب على الله. وكانت النتيجة أنهم حقّروه في جلسة علنية في الكاتدرائية. وضعوا على رأسه طرطوراً ارتفاعه ثلاثة أقدام وقد رسموا عليه صور أبالسة وشياطين وقال له قضاة الكنيسة: نحن نستودع نفسك الشريرة للشيطان، ولكن هس أسرع يقول وأنا استودع نفسي للرب يسوع الكلي النعمة. وفي عصر ذلك اليوم أخرجوه إلى مرج قريب حيث قيدوه من عنقه ووضعوه وسط كومة من الحطب إلى عنقه وأطلقوا فيه النار، وقد جعل يرنم "يا يسوع ابن الله الحي ارحمني ارحمني ارحمني" وظل يردد هذه الترنيمة إلى ان أغمي عليه من النار والدخان... وجمعوا بقاياه ووضعوها في برميل وطرحوها في نهر الرون، حتى لا تكون له بقايا. وفي اليوم التالي أقام الكرادلة والأساقفة والكهنة، "خدمة شكر لله من اجل خلاص الكنيسة من الهرطوقي!!!" 

 

 

 

 

ي- سافانرولا

        ونظر إليّ لوثر وقال: (هل تريد ان تسمع أيضا... إذن فاسمع... هذه قصة الراهب سافانرولا من ايطاليا دخل سلك الرهبنة هروباً من فساد ونجاسة العالم، هكذا قال لأبيه. وقد عينوه واعظاً في فلورنسة. وكان واعظاً قديراً. في وعظة وبّخ الخطية أينما كانت. لم يهمه ملك أو صعلوك، بابا أو كاهن، كان يقدم كلمة الله للجميع. وكان البابا في ذلك الوقت هو الاسكندر السادس رودريجو بورجيا وقد ذكرت لك شيئاً عنه. هذا ضاق ذرعاً بالواعظ الشاب فاستطاع بمعاونة أعداء سافانرولا، ان يقبض عليه، وقد حوكم، وقضي عليه بالموت حرقاً!!)

        قلت للوثر: (أني لا أكاد صدق ان مسيحيين، بل زعماء في المسيحية يأتون بهذه الأعمال الابليسية. أعجب كيف سكت الناس على هذه الهمجية. كيف صمتوا على تعذيب قوم بتلك الصورة المروعة. ألم يكن بين الناس من تحرك ضميره، أو اهتزت عاطفته، وكيف برّر أولئك الزعماء جرائمهم؟) وقال لوثر: (لا داعي لأن تسأل مثل هذه الأسئلة. وقديماً قام الغيورون على الدين وصلبوا ابن الله. صلبوه وهم يعتقدون أنهم يتممون أمر الله... بل يعملون خيراً.. يقدمون ذبيحة!!)

        أما الجمهور. فانه الجمهور في كل وقت. انه يندفع بحسب التيار. الجانب الأكبر منه يقف ليتفرج، ويشترك على الأقل بالسخرية على المضطهدين. بل ان الجانب الأكبر منه كان يرى ان القصاص اقل مما يجب. ولقد سمعت ان امرأة حملت كومة من الحطب وجاءت، وهي تلهث من طول ما ركضت، ثم جاءت بحزمة الحطب لتطرحها على الحطب الذي أحيط بسافانرولا لكي تزيد النار التي ستحرق "الكافر". وابتسم سافانرولا وهو يرى الغيرة للدين، الغيرة التي ليست حسب الحق!!

        قلت: (لقد سمم الرؤساء أفكار العامة، فاقتنعوا ان المصلحين شياطين. وليس للشياطين سوى الحرق بالطبع!!!)

        جلست أمام لوثر محني الرأس صامتاً وطال صمتي. وقد ارتسمت على وجهي صوراً حزينة متوالية... ويكلف... هس... سافانرولا والمئات بل الألوف الذين عوملوا بنفس المعاملة، وأخيرا قلت له:

        (ألست ترى ان هؤلاء المصلحين سلكوا المسلك الذي كان سيؤدي حتماً إلى هذه النتيجة؟ لماذا لم يسلكوا بهدوء. لماذا  تحدوا سلطان البابوات؟) وقال لوثر: (إنهم لم يثوروا ضد السلطات الكنسية. إنهم شجبوا الخطية. ثم ان مهادنة الإثم لا يمكن ان تأتي بثمر خذ مثلاً جماعة "المنتقدين" الذين أرادوا ان يصلحوا الكنيسة، بدون ان يُدمغوا هراطقة أو يعرضوا أنفسهم للموت. وقد ظهر من هؤلاء عدد يذكر. هؤلاء ظنوا أنهم يمكن ان يصلحوا الكنيسة بحياتهم النقية. فهذا السيد ايكهارت وكان فيلسوفاً، وهنري سوسو وكان شاعراً، وجون رايزبروك وكان رجل رؤى عن محبة الله، وجون تولر وكان مبشراً غيوراً وكارزاً، وقد قال ان الدين الحقيقي هو ان تغرق في الله و (Intopcated) مع الله وتذوب في نار الله... وغيرهم وغيرهم ممن لم يتكلموا كثيراً ولكنهم عملوا. وهل ننس مثلاً توما الكمبيسي القديس، الذي كتب أعظم كتاب تعبدي، كتاب الإقتداء بالمسيح؟

        (نعم يا صديقي وجد مسيحيون أمناء حكماء...)

        انحنيت طويلاً وظللت كذلك وقتاً لم اعرف مداه، فلما رفعت رأسي لم أجد لوثر أمامي. كان قد اختفى فقمت من مكاني وأنا في غاية الاضطراب وذهبت إلى فراشي ونمت وأنا احلم أحلاما مضطربة إلى الصباح...


 

4

 

الحاجة إلى مارتن لوثر

        استيقظت مبكراً وإذا بي أجد لوثر جالساً أمامي يتبسم لي. قال انه لاحظ شدة تعبي فتركني لآخذ قسطي من الراحة. قلت: (شكراً لك والآن فلنعد إلى ما كنا بصدده. ترى أين انتهينا بالأمس. نعم. لقد كنا نتكلم في موضوع الأفاضل الذين لم يناصبوا الكنيسة العداء... وأظن انه يجوز لي ان أقول ان هؤلاء سلكوا السبيل الأقوم... هذا ما أراه الآن فماذا ترى أنت؟) قال: (لقد ظهر هؤلاء في القرن الرابع عشر عاشوا حياتهم النقية ولكن الشر المحيط كان اوقيانوساً من نار وهم لا يزيدون عن نقط ماء. كلا. يا صديقي. كان الأمر يتطلب صوتاً أعلى. لقد ظهر في أيامي ايراسمس ودورر وغيرهما ولكن صوت الجالس في روما طغى على صوتهم فلم يُسمع. كان الأمر يتطلب صوتاً مدوياً نهز أركان العرش البابوي كان الأمر يتطلب انقلاباً شاملاً وقلت له ساخراً: (نعم كان الأمر يتطلب لوثر)- فأجاب بصرامة: (نعم كان الأمر يتطلب صوتاً أعلى من الصوت اللين. ان الله نفسه استعمل الصوت المرتفع عندما رأى الصوت الهادئ لم يوقظ النيام) قلت له: اسمع يا صديقي أنا لا اعرف من أين أمسكك. لقد ذكرت الآن أسماء عظيمة ارتفع صوتها عالياً ضد سيئات الكنيسة، صوتاً مغلقاً بالنار، فماذا كانت النتيجة؟ لا شيء. أحرقت بقايا ويكلف ومات سافانرولا ومات جون هس. ماتوا وانتهى أمرهم... وجاء ايكهارت وهنري سوسو وجون دايز بروك... وتوما الكمبيسي وأنت تقول ان صوتهم تقول ان صوتهم ضاع وسط زئير الأسود ونقط الماء التي كانوها لم يكن لها أي  اثر في اوقيانوس النار. الصوت المدوي لم يترك أثرا والصوت الهادئ لم يستطع شيئاً ... أليس هذا ما تقوله؟) وقال لوثر: (كلا ليس هذا قولي لقد أدى الصوت العالي رسالته، كان لابد ان يحتمل الطليعة من المصلحين ما احتملوا والصوت الخافت لم يكن بلا نتيجة. لقد ساعد على تعبيد الطرق. إنني لم انتقد المصلحين الذين ماتوا في سبيل رسالتهم. إنهم هم الذين بنوا صرح الإصلاح. هم الذين آثروا الهدوء وأنا قلت ان الشر بلغ من الاتساع ومن العمل ما جعل رسالتهم اضعف من ان تطفئ ذلك الجحيم. لقد مهد هؤلاء الطريق إلى الانقلاب. ولكن الانقلاب كان يحتاج إلى إطلاق الشرارة... وكانت هذه الشرارة، "لوثر". نعم كان الأمر يحتاج إلى "لوثر"، ليس بالضرورة "مارتن لوثر". لئن لم يأت "مارتن لوثر" لكان لابد من "لوثر" آخر. هذا هو رأيي يا صديقي. ان ذلك الانقلاب العظيم لم يقم به فرد. لقد اشترك فيه الألوف. لقد عمل فيه الكاثاريون والولدنسيون "الهراطقة" والمطهرون والانسابنون...

       

        واجتمعت أكداس البارود، وظلت تزداد وتزداد وأخيرا جاءت الشرارة الصغيرة التي فجرت ذلك البارود فسمع له صوت هز أركان الكون. آخرون تعبوا و "لوثر" دخل على تعبهم. آخرون زرعوا و "لوثر" دخل على تعبهم. آخرون زرعوا و"لوثر" حصد. إنني اعرف مقامي يا صديقي.. هل يرضيك هذا؟

        قلت: (عفوا عفوا فقد كنت أظن انك معجب مغرور ولست ألومك فان شخصاً تحدث العالم كله عنه ولا يزال يتحدث، له العذر إذا ظن انه شيء... و-) وأسرع لوثر يقول: (ولكنك الآن أدركت ان "لوثر" يعرف قدر نفسه ويشكر الله ان أكرمه بان جعله الشرارة التي أطلقت نار الإصلاح ونور الإيمان... فهل ترى بعد ان عرفت حقيقة مارتن لوثر ان هناك داعياً لأن تعرف شيئاً أكثر عنه؟)

        قلت: (نعم نعم ان مارتن لوثر لم ينقص قدره بعد ان عرفت ما عرفت. بل قد زاد مقامه وارتفع شأنه في نظري. وأنا لذلك مصر على ان اعرف كل ما أستطيع ان اعرفه عنه.. هذا من جهة. ثم ان تاريخك يا صديقي ليس تاريخ شخص. انه تاريخ لحرب قامت بين.. بين.. لا اعرف ما أقول. كنت انوي ان أقول بين النور والظلام... ولكني بالقول انه تاريخ لحرب بين قوتين يزعم كل طرف انه هو النور والآخر والظلام... وفوق ذلك فانك زعيم جماعة كبيرة من المسيحيين. بل ان خصومك يضعونك رأساً لكل الذين انشقوا عن الكنيسة القديمة. ألا ترى معي إذن لزوم دراسة "تاريخ الإصلاح" ؟ ولماذا نصرف الوقت نبحث في موضوع جانبي. إنني- ومعي كثيرون- نرغب ان نعرف كيف اعدّ الله تلك الشرارة المباركة لتقوم برسالتها. وهذا الإعداد كما نعلم يبدأ من تلك الشرارة المباركة لتقوم برسالتها. وهذا الإعداد كما نعلم يبدأ من التاريخ الماضي... وقد تحدثنا فيه... وبعد ذلك البيت والمدرسة... والدير. خبرنا يا صديقي عن مارتن وتربيته الأولى في بيته مع والديه وإخوته... ثم عن المدارس والعلوم التي تلقيتها... وعن الدير وما لقيته فيه من حسنات وسيئات. وسأتركك تتكلم دون ان أقاطعك إلى ان ننتهي- ولاشك انك تعلم علاقة هذه الأسئلة بتكوين "رجل الانقلاب" الذي كنته. فهي ليست أسئلة لمجرد حب الاستطلاع ولكن دراسة أعمق للشخصية التي تصلح للقيادة!! كان لوثر يستمع إليّ صامتاً فلما انتهت من كلامي تحرك في مكانه وتكلم بصوت خفيض ولكنه كان يحمل طابع الجدية. كان كأنه يسرد محاضرة علمية أو لاهوتية. يبدو انه يدرك ما في حياته من أسرار قال

تاريخ مارتن لوثر

        ولدت في مدينة ايسلبن في ألمانيا في العاشر من شهر كانون الأول (نوفمبر) 1483. وبحسابكم الأرضي نتبقى خمسة شهور كاملة (اليوم 10 تموز "يوليو" سنة 1963) على مرور 480 سنة لي. اعتقد إنها كانت سني انقلابات في كل مناحي الحياة. انقلابات فكرية بعيدة المدى، لاهوتية وسياسية واجتماعية واقتصادية. ويسرني ان كان لي نصيب في توجيه الفكر توجيهاً بارزاً.

البيت  

        وقد ولدت في بيت ألماني. والدي هانز لوثر ووالدتي مارجريتا. كان والدي يعمل في المناجم ويكافح لكي يعول عائلته الكبيرة. كان يحصل على قدر لا يذكر من المال ولكن العائلة الكبيرة كانت تلتهم كل الدخل في الضروريات. وقد اضطررت ان أتسول للحصول على الخبز أثناء دراستي. كنت ألقي الأناشيد والتواشيح الدينية في الطرقات وعلى الأبواب وكان القوم يقدمون لي ما يقوم بأودي. وقد أشفقت عليّ سيدة فاضلة هي النبيلة أرسولا، كانت تعجب بصوتي وأناشيدي فضمتني إلى بيتها وقامت بكل نفقاتي مدة أربع سنوات. وقد تحسنت حالتنا المالية، اقصد حالة والدي نتيجة جده وأمانته فاشترى منجماً وشغّل عمالاً... وقام على اثر ذلك بنفقات تعليمي. ولقد سأل الكثيرون عن بيتي وتربيتي الأولى... ثم سألوا عن النبيلة التي تبنتني ... وحتى لا اترك لك مجالاً للسؤال أقول لك ان بيتنا كان بيتاً كاثوليكياً متديناً. ولما كان ميلادي يوم عيد القديس مارتن فقد دعوني مارتن. وكانت التربية في ألمانيا تتميز بالتدقيق والشدة. كانوا يتبعون الوصية التي ألقاها سليمان عن الضرب بالعصا بل التأديب بقضيب من حديد. وقد نلت بالطبع نصيبي من التأديب. ولكن الناس بالغوا في كمية النصيب. فزعموا ان أمي ضربتني بالعكاز وظلت تضربني حتى سال الدم من جسدي، وقالوا إني أبغضتها نتيجة لذلك. بل قالوا ان دخولي الدير بعد ذلك كان نتيجة لذلك. كما زعموا ان أبي ضربني مرة ضربات كثيرة وشديدة وقاسية جعلتني أثور عليه وأتمرد على سلطانه. وقالوا أني هربت من المدرسة تبعاً لذلك كما زعموا ان أبي ندم على قسوته وبذل جهوداً جبارة لمصالحتي ولم يوفق في إرجاعي إلى المدرسة إلا بعد جهد. ولست أظن انك في حاجة لأن أخبرك ان ما أذاعه القوم كان محض اختلاق... أو لأتسامح معهم فأقول انه خطأ في النقل. ان البيت الألماني يتبع النظام الدقيق والوالدون كانوا يؤدبون الأولاد ولكن الأمر لم يبلغ إلى حد إسالة الدماء. كما ان التأديب لم يكن بالشدة التي تولد البغضاء بين الابن ووالديه. وأما أنا فقد كان لي مقام الاعتياد عند والديَ. كانا يوئلان فيّ خيراً. كان أبي ينتظر ان اتمم دراستي في الكلية ثم أتخصص في القانون وكان يرجوا ان احمل عنه عبء العائلة عندما تتقدم به الأيام. فأنت ترى ان موضوع الضرب هذا لم يكن ذات موضوع في حياتي) وقد لاحظ لوثر على وجهي نظرة متسائلة فأجاب على سؤالي الذي لم أقدمه قائلاً: (نعم كانت التربية الألمانية، تسير في ذلك الوقت على أسس قد لا يتفق رجال التربية عليها الآن، ولو اني اعتقد ان العالم سيضطر إلى العودة إليها فقط، بصورة أخت. فقد أدرك الناس ان التربية الحديثة التي تقول بتوجيه الطفل إلى واجباته توجيهاً رقيقاً، ومحاولة إرشاده لأن يختار سبيله بنفسه، وتقوية شخصيته بعدم الضغط عليه أو إصدار الأوامر إليه... وعدم لمس جسده إلا باليد المدللة. أدركوا إنها لا تخرج إلا جيلاً مائعاً لا شخصيه له. أما التربية الألمانية فقد انتهت إلى تقوية هذه الشخصية بسبب النظام الدقيق في البيت، وإعطاء كل ذي حق حقه. أما ضرب الوالدين لأولادهما فلم يضعف شخصيتهم إذ كان الأمر يسير على غرار نظام الجيش. فالجندي في الجيش لا يحس بمهانة وهو يتلقى الأوامر من رؤسائه ويخضع لما يترتب على تقصيره من عقاب. واعتقد ان التربية الحديثة لم تفلح في تقوية الشخصية. أم لعلي أقول إنها أضعفتها وصيرت من الرجال...أوه. لا داعي للخوض في هذا الموضوع!!

 

        أما تهجم البعض على السيدة النبيلة، النبيلة أرسولا فلست أظن انه يستحق مجرد اهتمام. فان أرسولا كانت النبل مجسماً وقد أحسنت إليّ الإحسان كله.. كانت لي أماً. أما قولهم  ان .. في الحق انا لا أجسر ان اردد اتهاماتهم القذرة. لقد قالوا اني سقت في التجربة مع السيدة النبيلة. وان سقوطي هذا كان عاملاً، من عوامل دخولي إلى الدير. قالوا ان ضميري ثار عليَ ووقعت فريسة تبكيت شديد، ولذلك تلمست طريق الخلاص. وقد كذبوا كل الكذب في هذا الاتهام القذر. لقد كانت أرسولا أمي التي وقرتها وأكرمتها إكرام الأم. أما أني كنت خاطئا فأمر لا أنكره وان انكرت التهمة التي ألصقوها بي. لقد كنت بعيداً كل البعد عن الخطايا النجسة، التي حاولوا ان يلصقوها بي. ولكني كنت أحس أني بعيد كل البعد عن البر الذي كنت أراه "ثمناً للسماء" والغريب إنهم اعتبروا تلمسي للخلاص داخل الدير خطأ يجعلني غير مستحق للرهبنة. ومن ثم فقد كنت على قولهم، راهباً زائفاً. وليس من الغريب على الراهب ان ينقض عهود الرهبنة!! وابتسم لوثر ابتسامة حزينة ثم قال: (أنا لا أدافع عن نفسي بمقارنة شخص بأشخاصهم. لا أقول ان أولئك الرهبان "الأطهار" كانوا كلهم ولنقل غالبيتهم كانوا أشرارا. إنني لا أدافع عن نفسي باتهامهم. وإنما أقول إنهم آخر من يجوز لهم ان يتهموني.. بل هبني كنت كما قالوا فهل جاء المسيح إلا للخطاة. ألم يأت للزناة والقتلة واللصوص والسكرين. وصمت لوثر وقليلاً ثم قال: يؤسفني يا صديقي أني أطلت في ما لا داعي للإطالة فيه. انك ستكتشف في حديثي معك عن سر ذهابي إلى الدير. ثم ستكتشف بعد ذلك عن سر خروجي منه!!)

        نظرت إلى لوثر متأثراً وقلت: (اعتقد ان ما قلته في هذا الأمر الآن يكفي. وأنا أرجو انك تنتقل إلى موضوع دراستك التي انتهت بدخولك إلى الدير!!)  

ج- المدرسة

        وأجاب لوثر انه يرغب ان يتحدث عن هذه الدراسة، (لا لأنها مهمة في حد ذاتها لكن لأنها كانت الخطوات التي سرتها إلى الدير).

        (قلت لك أني ولدت في ايسلبن من عائلة كانت في الأصل تعمل في الفلاحة. كان أبي هانز لوثر وأمي مارجريتا من ألمانيا من قوطي وقد ترك أبي الفلاحة إلى التعدين. وكان أبي رجلاً مثقف الذهن ولو انه لم يكن رجل المدرسة. وقد انتقلت العائلة من ايسلبن إلى مانسفيلد بعد سنة من مولدي. وفي سنّ مبكرة ذهبت إلى المدرسة الصغيرة هناك. ولما بلغت الرابعة عشرة التحقت بمدرسة مجدبرج، وبعد سنة ذهبت إلى المدرسة ايستباخ. وقد درست في تلك المدارس ما يوازي المرحلتين الابتدائية والاعداية. كان يمكن ان أقف  عند هذا الحد. ان غالبية زملائي انتهت دراستهم في ايستباخ. ولكن والدي كان ذا ذهن علمي وذا أطماع كبيرة. كان يرغب ان ادرس القانون لا نفقه فيه وأصبح محامياً كبيراً أو قاضياً عظيماً. وهكذا أرسلني إلى مدينة ارفرت وفي مدرستها نلت شهادة "الماتريك" وكان ذلك في آذار "مايو" 1501. كنت اصغر طالب نال هذه الشهادة، وبعد سنة وعدة شهور نلت درجة البكالوريوس في الآداب. وبعد ذلك بنحو ثلاث سنوات نلت درجة الماجستير في العلوم. كان عمري إذ ذاك اثنين وعشرين سنة).

        لقد أحببت المدرسة وأحببت الدرس ولو ان المدرسة لم تكن خالية من التنغيص. كان الأدب المدرسي يتفق مع التربية البيتية في اخذ الطلبة بالشدة. ومع أني كنت أتمتع بمكان ممتاز بين الطلبة والأساتذة. إلا أني لم انجح من العصا!!!

        كانت العصا عنصراً أساسيا في المدرسة. كان الطالب الذي يخرج عن حدود اللياقة يضرب. والذي يتكلم الألمانية بدلاً من اللاتينية يضرب. والذي لا يتمم الواجب يضرب والذي لا ينتبه للمدرس يضرب. وكان الطالب يشد إلى الفلقة ويضرب على قدميه أو يطرح على بطنه ويضرب على مؤخرته أو يضرب على يده. ثم قد كان هناك عقاب آخر. فقد كان هناك قناع لشكل رأس حمار كان يوضع على وجه من ينطق الألمانية بدلاً من اللاتينية ويظل على وجهه إلى ان يضبط آخر "متلبساً"  ينطق كلمة ألمانية. وقلت له مقاطعاً:"ولكنك يا مارتن لم تضرب ولم تعامل هذه المعاملة؟؟" وأجاب: (بل ضربت مرة أو مرتين. اذكر أني في احد الأيام ضربت خمس عشرة مرة في يوم واحد لأني نطقت كلمة ألمانية.) قلت: (ولكن هل في النطق بألمانية خطأ؟) فأجاب: (نعم. كانت الألمانية لغة الشعب الجاهل. لم تكن في الحقيقة لغة. كانت نظير اللغة العامية في بلادكم. أقول "منت"، لأنها صارت فيما بعد لغة لها مقامها. إما اللغة للاتينية فكانت لغة الثقافة، لغة الجامعة لغة العلم والأدب والفلسفة والدين!!) وسكت لوثر قليلاً ثم قال: (على ان فترة الدراسة لم تكن "مقفلة" كما قد يخيل لك. فقد كانت هناك أوقات مرح ولعب وتمتعات طيبة-

        وعندما نلت درجة الأستاذية خرجت وستة عشر من زملائي الذين حصلوا نظيري على درجة الأستاذية، خرجنا راكبين الخيل وحاملين الشعلات المضيئة وجلنا في مظاهرة صاخبة في شوارع وطرقات مدينة ارفورت. وأقمنا بعد ذلك حفلة كبرى لأساتذة الجامعة... وتجهزت لدراسة الحقوق... وفعلاً بدأت دراستي..!)

هـ- الدير

        قلت: (ولكنك ذكرت الدير في حديث سابق؟) وأجاب: (نعم فاني بعد ستة شهور أقمت حفلة صغيرة لزملائي، أكلنا فيها وشربنا. وفيما كنت أودعهم في نهاية الحفلة فاجأتهم باني سألتحق بالدير. وكان انذهالهم عظيماً. زعموا ان ذهابي كان ارتجالاً. أما أبي فقد كان غضبه عليً عظيماً. وحتى بعد ان رأى خدمتي ذات تأثير ظل متأثراً مني. كان ينتظر ان أكون قاضياً وان احصل على مال وان احمل عن عبء الإنفاق على العائلة الكبيرة!!)

        وقد قاطعته قائلاً: (وأنا أيضا منذهل. بعد ان حدثتني عن عار الخدمة الدينية، كيف قبلت ان تلتحق بها. ألم تقل لي انه جاء وقت حين كان لقب الكاهن يعتبر سبة؟) وأجاب لوثر: (إنني لم ادخل الدير ارتجالا. كانت ثمة خطوات وتمهيدات ويحسن ان أبدأ معك من الأول:

         كنت أعيش في جيل متدين جداً. وارجوا ألا تنسى فهم معنى الكلمة. لم يكن تديناً حقيقياً. كان الله إلها مخيفاً مرهباً. كان محاطاً بالغموض، ولم يكن احد يجسر ان يسأل أو يستفهم عن العلاقة بالله. الله كان يقيم في السماء في قداسة لا يمكن ان يدرك... ثم كان الشيطان أيضا وجنوده، وهؤلاء يحاولون ان يوقعوا الناس في الخطية فيحل عليهم غضب الله. كانت مناجم هانز وغاباته... كما كان بيته أيضا، كان كل هذا مسكوناً بالجن والسحرة والأرواح. كان الخوف يملأ الأرض.  وكانت السماء وجهنم أو العالم الآخر أمام أعين الناس تذكرهم بالأبدية. أبراج الكنائس وقبابها، والاديار والكهنة، ودقات الأجراس وأضرحة القديسين على جوانب الطرق، والرهبان والمواكب الدينية والحجاج المصلون وهم يرفعون صلبانهم أثناء أنشادهم للمديح كل هذا كان يغرس فيّ توقيراً عظيماً للكنيسة"وخوفاً من الله". في الحق كان الخوف والرجاء يتبادلان المركز، بحيث لم يكن ممكناً إلا ان يترك في قلب كل شخص "جاد" شكاً عظيماً، وهكذا تركا في قلبي. كانت جهنم توصف بصورتها المرعبة . كانوا يصورون الشياطين المخيفة وهي تنهش في جسم وروح المئات. أوه... كم كنت ارتعب كلما تخيلت المنظر. نعم كان المسيح فادياً رحيماً، ولكنه كان أيضا مرعباً يحكم على الاشرار بالطرح في النار الأبدية، كنت أتأمل في كل هذا وكنت بسببه في رعب دائم!!)

        قلت: (ولكن ألم تعمل الكنيسة شيئاً لتخفيف رعب جهنم؟) وأجاب: (نعم عملت، فقد رتبت في سبيل معاونة الخاطئ التائب وحتى لا يفقد الرجاء.. وتثبت وجود المطهر!!)

        قلت: (المطهر؟ ترى ما هو شأن المطهر هذا؟)

        قال: (لست اعلم متى ظهر المطهر.؟ على كل حال انا سمعت عنه منذ صغري. المطهر هو جهنم الصغيرة تشبه السجن الاحتياطي يرسل إليه الذين أذنبوا ذنوباً لا تستحق ان يرسلوا إلى جهنم الأبدية. أما مدة البقاء في المطهر فغير معلومة.  علمه عند الله وعند الكنيسة. وعذاب المطهر هو من نوع عذاب الجحيم في ما عدا المدة. والخاطئ الذي يتوب لا ينال غفراناً سهلاً. يتحتم ان يقضي وقتاً في المطهر. هناك إذن الجحيم الأبدية وهناك المطهر وهما مكانان مرعبان. كنت في كل ليلة ارجف امامهما. وقد رتبت الكنيسة أمورا تنجي من الجحيم وتخفف من مدة المطهر، فلكي يضمن التقي السماء، ينبغي ان يتناول من الأسرار المقدسة... بالطبع، ينبغي ان يتعمد ويعترف ويتناول من جسد المسيح ودمه، أو على الأقل جسده فقط. وسأذكر لك عندما نتناول حديث المائدة الربانية شيئاً عن ذلك. كذلك يمكن ان يضمن السماء عن طريق الحج، وشراء الغفرانات والحصول على صلوات القديسين والتبرك ببقايا القديسين.  وكان عند الكنيسة رصيد كبير من فضائل القديسين يكفي لمساعدة الخطاة. على ان أعظم ما يضمن السماء، كان حياة النسك والرهبنة... ترك العالم وتكريس الحياة للصلاة والاعتراف والأعمال الصالحة- كان التنسك يفتح أبواب الفردوس على مصرعيه، بعد انتهاء الأيام القليلة في هذه الدنيا!!) وقال لوثر بعد صمت قليل: (لقد رأينا الأمير "وليم انهالت" يمدّ يده للتسول في شوارع مجدبورج وهو يحمل على ظهره كيساً ثقيلاً كما لو كان حماراً. بعينيّ هاتين أبصرته. كان قد أبلى جسده بكثرة الصيام والتذلل حتى بدا اقرب إلى هيكل ميت، جلد على عظم. وقد مات بعد قليل. ما كان احد يرى تعبده ونسكه دون ان يخجل من حياته الشخصية. وأنا مكثت مدة طويلة كنت كلما ذكرته انظر إلى حياتي وأحس أني لا استحق إلا النار!!)   

        وكان المذبح في مجدبورج، في صورة سفينة معلقة إلى السماء. ولم يكن في السفينة إلا رهبان وكهنة. في الوقت الذي كان العلمانيون يكافحون الامواج ويغرقون كلهم في البحر، اقصد غالبيتهم الساحقة فقد كان هناك عدد قليل امكنهم النجاة لأنهم تعلقوا بالحبال التي القيت اليهم من السفينة لإنقاذهم. كان الرأي الكنسي ان المء يضمن الحياة الأبدية والنجاة من العذاب الابدي بإذلال وسحق جسده. قد يعمل الإنسان الأعمال الصالحة ليس فيها ضمان فمن يعلم ان كانت تكفي أم لا. لم يكن يوجد ضمان حقيقي كامل، إلا في حياة الرهبنة!!

        هذا هو الجو الذي عشت فيه يا صديقي، في البيت وفي الطريق وفي المدرسة. لم يكن هذا إيماني وحدي بل كان إيمان الجميع. ولكن الكثيرون لم يأخذوا الأمر بالجدية التي أخذتها أنا بها! ونظر لوثر إلى وجهي وقرأ في عينيّ سؤالاً حاراً. فأجاب: (كلا، ليس الأمر كذلك. نعم إني كباقي الشبان كنت آتي بعض ما يأتيه الشباب من أخطاء وخطايا ولكن ما ينسبه إليّ أعدائي محض افتراء. لقد تعبت من هؤلاء القوم. ومع ذلك فلنقل ان اتهامهم صحيح وان اضطرابي من الآخرة كان ثورة ضمير فهل هذا عيب. ثق أني كنت أتقدم إلى الله بالاعتراف. ولقد كان في الاعتراف ما يكفل تمام الغفران. ألا يقولون هم ذلك؟

و- العهد

        وقد ازدادت مخاوفي في ربيع سنة تخرجي. كنت لا أجد في ما وضعته الكنيسة من وسائل للغفران ما يمحوا آثار الخطية- ذهبت لزيارة بيتنا في مانسفيلد ومكثت هناك مدة أسبوعين، في الحق لا أعلم ما إذا كانت المدة أسبوعا أو أسبوعين. كان ذلك في أول النصف الثاني من تلك السنة، سنة 1505 بحساب الأرض. كان صدري نهباً لوساوس. كانت هناك عاصفة هوجاء. ان الله يحاسبنا على أفكارنا وأقوالنا و أعمالنا... ويلي.. ويلي أنا الإنسان النجس الشفتين الساكن بين شعب نجس الشفتين. كنت اسمع صوت العاصفة يدوي في أذني وكان ارتعابي عظيماً. وفي ما أنا أسير بخوف وارتعاد، إذا بي أبصر السحب تتجمع في السماء، والظلام يملأ الكون، وبدأت الرياح تصفر بشدة حتى اهتزت أشجار الغابة وتناثرت فروعها، وأحسست كأن الأرض نفسها تميد تحت قدمي من شدة العاصفة. وكان يرسل صوته داوياً كمئات المدافع والبرق يشع ضوءه كسيف يشق الظلام. ونزلت صاعقة بالقرب مني أحرقت الأشجار المحيطة بي في لحظة من الزمن فسقطت على وجهي وقد اضطربت اضطرابا عظيماً. ان هذا كان غضب الله عليّ. ها أنا أرى المسيح القاضي يحكم عليّ، فصرخت بارتعاد استغيث بقديسة أبي شفيعة عمال المناجم وقلت أغيثيني يا قديسة آن أنا انذر ان أصير راهباً!!

        ومرّت العاصفة وقمت أترنح في مشيتي. وقد آمنت ان هذه دعوة الله. ان الله يدعوني. نعم إنني بعد وقت ندمت لأني نذرت ولكني التزمت بالطاعة. وبعد أسبوعين التحقت بالدير. كنت أرى في ما حدث إرادة الله واضحة!

        قلت: (ولكن يا مارتن هل ظللت.. أو على الأصح هل بقي في ذهنك هذا الإيمان بدعوة الله بعد ان-؟)

        وأجاب لوثر: (لا شك ان الأمر كان من الله. كان لابدّ ان  داخل الدير. ان طريق الإصلاح كان يمر بالدير. وهل كان يمكن ان أتحدث إلى العالم لو لم ادرس الرهبنة تماماً. نعم يا صديقي، كانت دعوة واضحة من الله!!)  

 

ز- جولة في الدير

        قلت: (والآن دعنا ندخل الدير معك.  إنني شخصياً لا افهم شيئا عن الرهبنة، وأنا ارغب ان اعرف... خصوصاً عن الرهبنة كما كانت في أيامك!)

        تكلم مارتن وقال: (التحقت بالدير راهباً تحت الاختبار لمدة سنة. والمقصود من هذه الفترة التأكد من الدعوة، تأكد الراهب وتأكد زملائه ورؤساءه انه مدعو لهذه الرتبة. وقد قضيت فترة الاختبار بنجاح، وكانت حالتي الروحية طيبة. يبدو ان الشيطان هادني فلم يهاجمني. وقد امتلأ قلبي بالاطمئنان من جهة الأبدية. كنت على ما اعتقد كامل البر). كان مارتن يلقي هذه الكلمات وهو محني الرأس وبغتة رفع رأسه ولاحظ أني أحدق فيه بنظرة متسائلة، فقال: (أظن انك ترغب ان تعرف ما إذا كان سلامي في تلك الفترة سلاماً حقيقياً. لا اعلم- أظن لا. فقد كان سلامي مبنياً على يقيني في بريّ الكامل. ألست راهباً. ماذا عسى ان اعمل من شرور. لقد كنا في فترة الاختبار نصلي كثيراً جداً، بحيث لا يبقى لنا وقت ننفقه بعيداً عن الله. كنا ننام ثماني ساعات من الغروب إلى الساعة الواحدة أو الثانية بعد منتصف الليل، عندما يدق جرس الدير فنثبت من الأسرة ونرسم علامة الصليب ثم نسحب الثوب الأبيض ونلبسه ونضع الحرملة على أكتافنا. كان لا يجوز ان يخرج احدنا من غرفته بدونها. وعند دق الجرس الثاني كنا نسير بخشوع إلى الكنيسة ونرش من الماء المقدس على أجسامنا ونركع أمام المذبح المرتفع ونلقي صلاة تعبدية لمخلص العالم. ثم نأخذ مكاننا في فرقة التسبيح ونظل نسبح ثلاثة أرباع الساعة. وكنا ندرس سبع حصص في اليوم وكانت كل حصة تنتهي بنشيد للعذراء "أيتها الملكة يا أم الرحمة، خلصي حياتنا، يا سرورنا ورجاءنا. إليك نرفع صراخنا نحن المنفيين أبناء حواء. أنت المدافعة عنا. أيتها العذراء مريم الحلوة صلي لأجلنا. يا أم الله". وبعد السلام لك يا مريم وأبانا في السماوات ننصرف اثنين اثنين من الكنيسة بكل وقار!)

        ويبدو اني كنت مقبولاً لدى المسولين فقرروا تثبيتي. وإذ ذاك ركعت عند قدمي الرئيس الذي صلى صلاة التكريس" أيها الرب يسوع المسيح الذي رتبت منذ الأزل ان تأتي في جسم بشريتنا نتوسل إليك في صلاحك غير المحدود ان تبارك المسوح التي اختارها الآباء القديسون رمزاً للبراءة  ورفض العالم. ليتك تجعل عبدك مارتن لوثر الذي نضع عليه هذه المسوح مستحقاً لأن يلبس أبديتك أيها السيد الذي تحيا وتملك مع الله الآب والروح القدس الله الأزلي الأبدي آمين" وهكذا أخذ العهد ان أكون مطيعاً وفقيراً وبتولاً.

        ركعت أمام رئيس الدير وأعلنت أني اطلب نعمة الله ورحمته. وقد ذكرني بالمتاعب التي تنتظرني ثم ألبسوني مسوح الرهبنة الفضفاضة الطويلة. كانت غرفتي زنزانة صغيرة باردة سبعة أقدام أو عشرة ولها نافذة واحدة. كانت التعليمات شديدة وقاسية، ممنوع ارتفاع الصوت أو المحادثة. غير مسموح للراهب ان يضحك. وقد تعلمت ان أسير ونظري إلى أسفل وان أراعي آداب السلوك أثناء الطعام. كما علموني متى وأمام من اركع أو انبطح على الأرض. وكيف اشترك في الخدمات اليومية. وقد أخذت نصيبي من الخدمات الوضيعة من مثل الكنس ومسح البلاط وتقشير البصل أو البطاطا.. الخ وذلك لكي أتعلم التواضع. كما تعلمت ان أعيش على وجبتين من الطعام في اليوم!) قلت: (وهكذا عشت في قداسة كاملة وضمنت لنفسك السما؟!)

 

ح-القداس الأول وبدء الشكوك  

فقال: (هذا كان شعوري مدة السنة الأولى. ان حياة الرهبنة فعلاً ضمان للقداسة، وبالتالي ضمان لرضاء الله والخلاص من الجحيم وربح السماء. على ان هذا لم يدم طويلاً ويدهشك ان تعرف ان قيامي بالقداس الأول كان بدء الأيام المليئة بالشكوك!) قلت: (وما هو هذا القداس وكيف كانت نقطة تحول في حياتك؟ فأجاب: ( لقد سلكت كراهب صالح   حتى أنهم أعطوني الفرصة ان أقوم بالخدمة أمام المذبح وتقديم المائدة وتقديم المائدة أمام الله وتلاوة القداس. والقداس الأول حدث خطير في حياة الكاهن، لا يسمح إلا للمستحقين ان يقوموا به. وله شروط وقواعد وتعليمات. وبعد ان تعين الميعاد تأجل مدة شهر لأن والدي رغب في حضوره. وكان والدي كما تعلم، ساخطاً عليّ لدخولي في الدير. لكن يبدو انه رضي نوعاً ما وطلب ان يحضر. بل جاء ومعه عدد من أفراد الأسرة على خيولهم، ودخلوا فناء الدير في مظاهرة كبيرة. وقمت بالخدمة على أكمل ما يكون إلى ان جئت إلى الجزء الذي فيه يرفع الكاهن المائدة ويقول "نقدم لك الإله الحي الحقيقي الأزلي" وعندما نطقت بهذه الكلمات ضربني قلبي وافتكرت في نفسي، بأي لسان أخاطب الجلال الأعظم. انه إذا كان الناس يرتعبون وهم في حضرة الملوك والأمراء فمن انا حتى ارفع عيني وابسط يدي للجلال الإلهي. ان الملائكة تحيط به وبإشارة منه تضطرب الأرض. فهل يجسر قزم حقير نظيري ان أقول له ارغب في هذا أو اطلب ذاك. انا التراب والرماد الملآن بالإثم أتكلم مع الإله الحي الحقيقي الأزلي؟!)

        ان رعب القداسة هزّ كياني فعدت أتعثر إلى المائدة التي جلس عليها ابواي وبعد ان جلست بجوار أبي قلت له : يا أبي العزيز لماذا عارضت في دخولي إلى الدير. وربما لا تزال إلى الآن غير مستريح إلى ذلك. ان الحياة هنا هادئة وتقوية.

        كان هذا الكلام أكثر مما يحتمل أبي. لقد بذل جهوداً جبارة ليهدي من ثوراته على الابن الذي خيب انتظاراته.  ولكنه لم يعد يستطيع ان يحتمل أكثر فصاح في وجهي هل ما عملته من الإساءة قليل. لقد كنت اعتمد عليك في ان تحمل عني عبء العائلة وأنا شيخ. هل من الدين ان تتركني وحدي؟ فقلت له: ولكن يا أبي انا أقدم لك ولأسرتي شيئاً أفضل من المعاونة المادية. إني اصلي من أجلكم. إني أتوسط لكم في نوال بركات امجد. ثم إنني تلقيت الدعوة من الله... من الله. وأجاب أبي وهو يبتلع أنفاسه أرجو ان يكون الله هو الذي دعاك، الله وليس الشيطان!)

 

        وقال مارتن: (إنني منذ ذلك الوقت وأنا نهب أفكار. هل أنا مستحق للمثول أمام الله ولأجراء معجزة تحول الخبز والخمر إلى الله الأزلي ولحمل الله على الأيدي... وهل هو الله الذي دعاني أم هو الشيطان؟  كان القلق والخوف يملآن حياتي. ما أكثر ما تذللت أمام الله. كنت أصوم ثلاثة أيام باستمرار كل أسبوع وكنت اضطجع على اخشن فراش وبدون غطاء تقريباً حتى كاد جسدي يتجلد. كنت أحس من التعزية في أوقات الصيام. ولكن بعد كل شيء كنت أسأل نفسي هل عملت بالكفاية. هل صمت بالكفاية. هل افتقرت بالكفاية، وهل أنا الله أم الشيطان. أوه.. لقد قاسيت أصعب الأيام. كنت اذهب إلى "أب اعترافي"، والاعتراف كان بركة، لأن الحل الذي كان يقدمه لي "أب اعترافي" يضمن غفران جميع خطاياي. ولكني حتى بعد الاعتراف كنت أجد القلق يملأ حياتي.. ونظر مارتن إليّ وهو مربد الوجه وقال: (إنهم لم يكفوا عن ملاحقتي بالاتهامات. لقد كنت شاباً ولكن علاقتي بالنساء كانت مقطوعة. هل تصدق إني في ارفرت لم تعترف عليّ امرأة واحدة وبعد ذلك في وتنبرج اعترفت عليّ ثلاث نسوة ولكني لم أرَ وجوههن. لا أقول إني كنت كتلة من الخشب، ولكن خطايا الجنس لم تكن عندي. المسألة عندي كانت اكتفاء الله بما اعمله. ان عليّ ان اعمل الخير وأتذلل وأقمع جسدي. وكنت بعد كل ما اعمل واحتمل أحس إني لم اعمل الكفاية!)

        لقد كنت راهباً مثالياً بحسب قوانين الرهبنة الصارمة نظير فريسي في المذهب الأضيق. انه إذا كان لراهب ان يذهب إلى السماء عن طريق رهبنته أكون أنا. ولو أني ظللت أمارس ما كنت أمارسه في الرهبنة لقتلت نفسي. بل أني ظللت احتمل في معدتي آثار الصيام والتعرض للبرد إلى آخر أيامي على الأرض!

        كانت الشكوك تراودني. ان الله كلي القداسة. هل يكفيه ما أقوم به، ولقد بلغ الأمر بي ان أصبحت ارهب هذا الإله. لم اعد أحبه بل أخشاه... بل زادني الأمر فأصبحت ابغض هذا الإله الذي يتطلب القداسة من الخطاة... ويتركهم في كرب بسبب عدم يقينهم بمصيرهم. لا يستطيع لسان أو قلم ان يصف ما يجتازه الإنسان من الآلام في هذه اللحظات. في مثل هذا الوقت يبدو الله في غضبه مرعباً بدرجة لا تخطر ببال. ونظير الله تكون كل خليقته، الهروب مستحيل. لا يوجد شيء يعطي تعزية كل ما يحيط بنا يقوم ضدنا!!

 

ط- روما

        واتيحت لي الفرصة ان اذهب إلى روما. وأرسلني الأخوة إليها في مهمة وكان فرحي طاغياً. ذهبت إليها وأنا احلم أني سأنال راحة القلب. مكثت هناك ستة شهور. زرت كل مكان... كلا... ليس كل مكان يزوره السياح عادة. لم تكن روما ما هي اليوم لكن فيها أماكن يرغب السياح في رؤيتها. أما أنا فلم أفكر إلا في الأمكنة التي تساعد على تهدئة قلبي. سأجد فيها ما يشبع حاجتي الروحية. كانت روما مركز المسيحية. لم يوجد في كل العالم مكان نظيرها مليء بالأضرحة المقدسة وبقايا القديسين الثمينة_ كانت فيها أعظم الفرص لنوال الغفرانات. كان فيها سرداب يضم وحده رفات أربعين من البابوات وستاً وسبعين ألف شهيد. وكانوا يقولون ان فيها قطعة من العليقة المحترقة التي رآها موسى في البرية والمنديل الذي وضعته القديسة فيرونيكا على وجه السيد على الصليب فانطبعت صورة السيد عليه. كما كانت هناك سلاسل الرسول بولس وإحدى عشرة شوكة من إكليل الشوك ومسمار من الصليب وخصلة من شعر مريم العذراء، وكسرتان من الأرغفة الخمسة التي أطعم يسوع بها الجماهير والمائدة التي أكل عليها السيد العشاء الأخير، وقطعة من الفضة التي أعطيت ليهوذا. وهذه قد ارتفعت قيمتها كثيراً لأن بركتها اتسعت بحيث تكفي لتخفيض مدة  المطهر أربع عشرة ألف سنة. كذلك وجد في كنيسة في روما قطعة من الحبل الذي خنق به يهوذا نفسه. كما قيل ان العمود الخشبي الذي تعلق عليه يهوذا كان هناك. على ان بركة هذا العمود كانت محل سؤال فالبعض قالوا ان لا بركة فيه إطلاقاً... كما كان هناك جثمان بطرس وجثمان بولس. وهما موزعان بالعدالة والإنصاف فالرأس في كنيسة وبقية الجسد في كنيسة أخرى!)

        وقال لوثر: (كانت لهفتي شديدة لانتهاز هذه الفرصة الذهبية. وقد حاولت ان اصرف كل وقتي في زيارة تلك الأماكن المقدسة وتلاوة الصلوات حتى اجمع لنفسي ولأهلي أكداسا من الفضائل الروحية على قدر ما يمكنني!)

        قلت: (فهل استراح قلبك بعد الزيارة؟) فأجاب: (كلا، بل قد زاد قلقي. خاب ظني. صدمت وأنا أرى الكهنة يسيرون في الطرقات ويتصرفون في الكنائس بدون هيبة وبدون وقار، يضحكون ويمزحون وينطقون الكلمات غير اللائقة... بل يسلكون السلوك المشين وسألت كيف يمكن ان توجد البقايا المقدسة والكهنوت النجس في مكان واحد...

        وقد برز شكي قوياً عندما زرت الدرجات المقدسة التي "صعد عليها السيد إلى قصر بيلاطس" كان الناس يتبركون بها فيصعدون عليها جاثين وعلى كل درجة يلقي الصاعد الصلاة الربانية ثم يقبل الدرجة. وكانت هذه الصلاة كافية لان تنجي نجاه كاملة نفساً معذبة في المطهر وقد قررت نفسي ان اعمل على الحصول على هذه البركة لجدي "هين لورد". بل قد تمنيت في تلك الساعة لو ان والديّ كانا ميتين لأقدم لهما هذه المساعدة القيمة- وصعدت في السلالم فلما وصلت إلى أخرها عادت إليّ شكوكي وقلت (من يعرف ما إذا كان هذا صحيحاً أم غير صحيح)- قلت هذا وقفلت راجعاً إلى مكاني!)


 

5

 

الحرب الداخلية في وتنبرج

أ. في وتنبرج

        جلسنا صامتين مدة طويلة. كان مارتن محني الرأس مغمض العينين وكنت ألاحظ صدره يرتفع وينخفض. كان يرسم صورة لتك الحرب العنيفة التي اجتازها بعد عودته من روما. مرت عشر ساعات... تنهد لوثر بعنف. ثم نظر إليّ وقال: (لقد جزت في جثسيماني وخرجت منتصراً بنعمة الله...) وصمت مدة أخرى ثم قال: (لما عدت من روما أمروني بالذهاب إلى وتنبرج. تركت ارفرت المدينة الكبيرة إلى وتنبرج القرية الصغيرة. لكن في وتنبرج كانت الجامعة حيث رتبوا ان ادرس للحصول على درجة الدكتوراه.  

        وفي وتنبرج قيّض الله لي الدكتور ستوبتز رئيس الدير الاغسطيني..) وهز لوثر رأسه وقال: (الله هو الذي رتب الأمر لولا الدكتور ستوبتز لابتلعني الشيطان.) والتفت مارتن إليّ وقال: (قل للعالم المحيط بك. ان الله دبر ان (يصنع ستوبتز مارتن لوثر). عدت من روما محطم النفس. ان ما ظننته سفينة النجاة قد ثبت بطلانه. كنت اعتمد على ما في روما من مقدسات لإنقاذي من عقاب الخطية ولكني لم أجد إلا الشك. بل قد تزعزع يقيني بحيث أصبح ما في لا يدعي شكاً بل يقيناً في بطلان ما استندت عليه؟

        وتقابلت مع ستوبتز أب اعترافي.

        كان رجلاً نقياً فاضلاً متواضعاً وكان ممتلئاً بالمحبة والإخلاص. وقد سمع لي بأناة وصبر وأحسست انه يتألم معي. وقد احتملني كثيرا وهو يسمع شكواي وكان نموذجاً سامياً لما يمكن ان يكون "أب الاعتراف" .

        عدت من روما وأنا في أقسى حالة. الأمال التي بنيتها على تلك المدينة تبخرت. وأحاطني جحافل الشياطين تحاول ان تمزقني، خطيتي أمامي دائماً.

 

ب- الاعتراف

        حاولت ان أجد العلاج في الاعتراف.  ان كلمة "الحل" التي يقدمها الكاهن هي كلمة الله. ألم يقل السيد المسيح "وما تحلونه على الأرض يكون محلولاً في السموات". كنت اعترف في أول الأمر مرة في الأسبوع. كان الاعتراف يريح نفسي ذلك اليوم واليوم الذي يليه. ولكن كنت في اليوم الثالث أعود إلى القلق وأظل في اضطرابي وخوفي إلى ان يأتي يوم الاعتراف. قررت ان اعترف مرتين في الأسبوع، ثم ثلاث مرات... وأربع وخمس مرات، فست مرات. وأخيرا أصبحت اعترف كل يوم. وكان اعترافي يطول حتى انتهى إلى ست ساعات في اليوم. كنت اكرر وأعيد . كنت أراجع السبع خطايا المميتة والوصايا العشرة وافحص نفسي أحاول ان اذكر الخطايا التي فعلتها ووجهي يقطر عرقاً وقد تقلصت عضلاتي وظهر البؤس عليّ. واحتملني ستوبتز وظل يحتملني ولكنه ضاق بي أخيرا وقال لي: ان الله ليس غضباناً منك. أنت غضبان من الله. ان الله يأمر ان يكون عندك رجاء . وزفرت زفرة شديدة وأنا أقول من أين؟   

        وفيما كنت اعتراف في إحدى المرات وكنت اذكر أعمالا تافهة أتيتها

، صاح بي: إذا كنت تنتظر ان الله يسامحك فاذكر خطايا يسامحك الله عنها- فقلت له ان الخطية خطية، صغيرة كانت أو كبيرة!

        كنت أومن ان الإنسان لا يمكن ان ينال رضاء الله، إلا إذا كان بلا خطية أو قد نال غفران خطاياه. ولا يمكن ان يعترف بخطاياه الا إذا كان يذكرها. لكن هناك خطايا تضيع من الذاكرة- خطايا لا يعرفها المرء وينساها. هوذا آدم وحواء بعد ان أكلا من الثمرة المنهى عنهما جعلا يتمشيان بين أشجار الجنة بدون قلق. لم ينزعجا إلا عندما سمعا صوت الرب الإله ماشيا في الجنة وقت حر النهار. ويونان هرب من وجه الرب ونزل السفينة واستطاع ان ينام.. قلت له: (ولا تنسى داود فقد ندم سنة كاملة..) وقال: (أوه لقد نسيت داود. النسيان.. النسيان. وانتهى بي الأمر إلى ان الاعتراف لا يقدم العلاج للنفس القلقة. ان في الإنسان شيئا أكثر من الخطايا الخاصة التي يمكن الاعتراف بها. ان طبيعة الإنسان نفسها فاسدة. ان كل تصور أفكار قلب الإنسان إنما هو شرير كل يوم. ان نظام التوبة قد فشل لأنه يتجه إلى الاعتراف بخطايا محددة. رأيت بعد اختبار ان حاجتي ليست إلى غفران هذه الخطية أو تلك. ان الإنسان كله في حاجة إلى غفران. ولما حاولت ان اشرح ذلك لأب اعترافي لم يستطع ان يفهمني بل ثار في وجهي... إنني اعقد الأمور. وتركته وأنا في أتعس حالة. ماذا اعمل ماذا اعمل؟)

        قلت له: (يا أخي في الحق انك زودتها خالص). وأجاب: (إني رأيت الخطية. الخطية خاطئة جداً. الخطية هي التي صلبت الرب يسوع. لقد كنت أراها على حقيقتها. صحيح أني أخطأت سبيل العلاج في أول الأمر. ولكن لم أخطئ "تقييم" الخطية. ان الناس اليوم يستهينون بالخطية ولذلك لا يدركون قيمة الكفارة. أما أنا فرأيت الخطية..)

 

ج- الصوفية

        قلت: (فهل تركك ستوبتز) فأجاب: (كلا، كلا. وأنا أيضا لم اتركه. وقد حاول معي محاولة ثانية دعني ادعوها.. لا يهم الاسم. ولكن لنقل "السلم الصوفي". قال ان الحياة الجديدة تستلزم فترة استعداد تتضمن الانتصار على كل الأنانية والغرور والكبرياء وصلب الذات، على كل "أنا: و"ياء المتكلم"- وقال لي ان جهودي في طلب رضاء الله هو نوع من إبراز الأنانية. بينما المطلوب أني بدلاً من المحاولة اخضع واغرق نفسي في الله. وتنتهي الطريقة الصوفية في ما ندعوه الاقصاص. تُمتص الخليقة في الخالق، نقطة الماء في الاوقيانوس، لهيب الشمعة في لهيب الشمس. المكافح ينتصر على قلقه، يكف عن محاولاته، يخضع نفسه للأزلي وفي لجة الكائن يجد راحته!)

        قلت: (يبدو ان هذه وسيلة طيبة فهل جربتها؟) فأجاب بأسى: (نعم وهل كنت املك غير ذلك. حاولت ان اخضع نفسي للأزلي وكانت لي أوقات حلقت فيها في أجواء الملائكة ولكن أساس الانفصال كان يعاودني. والصوفيون لم يفتهموا هذا الأمر. هم يدهونه الليلة المظلمة للنفس، الجفاف، سحب النار من تحت الإناء إلى ان يكف عن الغليان. وهم يشيرون بالانتظار إلى ان يعود التمجيد_)

        قلت: (فهل اتبعت المشورة؟) وأجاب: (نعم فقد انتظرت وانتظرت ولكن الغليان لم يعد والظلام لم ينقشع والجفاف لم يلن. ان العداوة بين الله والإنسان عظيمة جداً ... الإنسان عدو لخالقه كيف يمكن ان الإنسان الخاطئ، النجس يندمج في الله القدوس العظيم الجلال، النار الآكلة. الا تعرف ان الله يسكن في نور لا يدنى منه.

عشت في جحيم.

 

        حتى الصلاة لم تعد تقربني. كنت أجثو على ركبتي وإذا المجرب يأتيني ويقول: يا مسكين لأي شيء تصلي، ألا ترى ان كل شيء هادئ هنا. هل تظن ان الله يسمع صلاتك أو ينتبه لك؟

        وقد حاول ستوبتز ان يكشف لي أني اعقد الدين، اجعله أصعب جداً من ان يحتمل. قال لي، الحاجة إلى واحد وهي ان تحب الله كانت هذه أيضا مشورة صوفية. ولكن الكلمة التي قُصد بها إلى تعزيتي اخترقت قلبي كطعنة من حربة نارية، أحب الله! أحب الله!! كيف يمكن لإنسان ان يحب الله الذي هو نار آكلة. ان المرنم يقول: "اعبدوا الرب بخوف". من ذا الذي يستطيع ان يحب إلها غضوباً، قاضياً دياناً؟ من يستطيع ان يحب مسيحياً جالساً على السحاب وهو يرسل النفوس المدانة إلى النار الأبدية- ان مجرد النظر إلى الصليب كان يرسل لهيباً في صدري كنت اهرب من المسيح الديان إلى العذراء الأم الرحيمة وكنت الجأ إلى القديسين وقد اخترت منهم واحدا وعشرين شفيعاً ثلاثة لكل يوم من أيام الأسبوع. لكني اكتشفت ان لا فائدة من شفاعة العذراء أو القديسين طالما ان الله سيبقى غاضباً!!)

        قلت له: (مسكين. لست اعتقد ان إنسانا بلغ في التعاسة إلى هذا الحد!) فأجاب: (بل اسمع... لم يبلغ السيل الزبى بعد.. فقد هاجمني شك جديد.. سألت نفسي هل الله عادل؟ وقد هاجمني هذا الشك من ناحيتين. الناحية الأولى سيادة الله الكاملة. لقد علموني ان الله غير مقيد بقوانين إلا ما يصنعه هو لنفسه. انه ليس ملتزماً ان يكافئ أي إنسان من اجل صلاح أو بر مهما كان ذلك الصلاح أو البر عظيماً. انه على ما ينتظر يفعل ذلك ولكنه يفعله تلقائياً. ان الله يسلك "على كيفه" وحظ الإنسان عنده لا يمكن ان يُعرف- والناحية الثانية ان الله عيّن نصيب كل إنسان من الأزل .. وكذلك خُلق كل إنسان. ألم يقل هنا القديس اغسطينوس. ان الله قد سبق واختار أواني للكرامة وأخرى للهوان بغض النظر عن طبيعة تلك الأواني. الهالكون سيهلكون مهما عملوا من الصلاح. والمخلصون سيخلصون مهما أتوا من المعاصي- هذه هي عقيدة الاختيار ويرى فيها من يظنون إنهم مخلصون تعزية مجيدة. أما الهالكون فيرون فيها عذاباً مروعاً- وقد قلت في نفسي أليس هذا أمرا ضد العقل ان الله بمجرد هواه يترك الناس ويضع عليهم أثقالا ويدينهم كما لو كان يسر  بالخطية وبعذاب الناس في جهنم... هل هذا هو الله الذي يقال عنه انه رحيم وبار. ان هذا يبدو شراً وقسوة وظلماً... وقد كان هذا موضوع مؤاخذة من كثيرين في كل الاجيال ومن لا يغتاظ من هذا. أنا نفسي قد دفعتني هذه الأفكار إلى حافة اليأس حتى لوددت لو اني لم اخلق... وبعد ذلك يطلب مني "ستوبتز" ان احبّ الله.. أحب الله؟ كلا. كلا.  انني ابغضه!!

        ها قد نطقت بكلمة التجديف. والتجديف شر الخطايا. اساءة موجهة إلى الله سيد الكائنات!.

        ذهبت إلى ستوبتز وبكيت وأنا راكع أمامه. قلت: لا فائدة.. هلكت لا رجاء لي. لقد جدَّفت على الله. لقد ضعت. ليست بعد مسامحة!

        تأثر ستوبتز من اجلي وحاول ان يهدئ تأثري ولكن كلماته كانت ترن في الجو دون ان تصل إلى أذني. قال لي اذكر ان دم يسوع المسيح يطهر من كل خطية. على ان هذه الكلمات الجلية لم تستطع ان تعيد الاطمئنان إلى نفسي لأني كنت انظر إلى المسيح الديان ولذلك عميت عيناي عن رؤية المسيح الفادي!!  


 

6

نور الإنجيل

        صمت مارتن قليلاً ثم قال: (شكراً للنعمة التي لم تتركني. وقد تجسمت هذه النعمة في شخص ستوبتز الذي لم يشأ ان يتركني. العلة كان هو نظيري... العلة اجتاز في نفس الأتون. ففي احد الأيام وكنا تحت شجرة الكمثري ولهذه الشجرة تذكارات خالدة عندي..في ذلك المكان تقدم مني وعرض عليّ ان ادرس للحصول على الدكتوراه وفي نفس الوقت، أقوم بالوعظ وملء كرسي التعليم للكتاب المقدس. كان هذا الكرسي كرسيه هو وقد علمت انه تخلى عنه خدمة لي. فلما عرض الأمر عليّ وثبت معترضا قدمت خمسة عشر سبباً لعدم أمكاني قبول هذا العرض خلاصتها ان ذلك العمل الكبير سيقتلني حتماً. فأجاب سيكون هذا شيئاً طيباً عند الله  في السماء أعمالا كثيرة تحتاج إلى رجال مهرة) قلت ولكني إنسان مريض ومحتاج إلى ان أسمع الوعظ لا ان القيه وان اقبل العلاج لا ان أقدمه فأجاب أيها الطيب اشف نفسك بالعمل على شفاء الآخرين!!)

        قلت: (لا بد انه كان يعلم انك رجل نقي وان المحاربات القاسية من عدو الخير دليل على عقيدتك السليمة ودينك الصحيح،) وهز مارتن لوثر وقال: (كذا يبدو...) ثم ابتسم وقال: (وكان قيامي بهذا العمل هو الخطوة الأولى في علاجي. وقد علمت فيما بعد ان ستوبتز كان يرى ان في الكتاب المقدس العلاج الذي احتاج إليه. لم أكن محتاجاً إلى كلام الناس بل إلى كلام الله. ولذلك وضعني حيث أعيش في جوّ الكتاب.

        وبدأت ادرس الكتاب وادرس تفاسيره وأقدم شروحه. بدأت محاضراتي.. إني اذكر المحاضرة الأولى. كانت في يوم أول أغسطس سنة 1513 بدأت في سفر المزامير. وبعد ذلك بسنتين جعلت أحاضر في رسالة رومية وبعد ذلك بسنة ولمدة سنتين أخريين كنت أحاضر في غلاطية- كانت هذه المحاضرات لي هي اختبار طريق دمشق لشاول الطرسوسي-  لقد اجتزت ما اجتازه ايليا عند جبل حوريب. فقد اجتزت الزلزلة عندما نزلت الصاعقة بالقرب مني، واجتزت اختبار النار في القداس الأول وما تبعه من شكوك في الدير وفي روما وفي ويتنبرج. وها أنا اجتاز الاختبار الثالث الصوت الهادئ الخفيف صوت الكتاب المقدس لي.

        بدأت في سفر المزامير كما قلت لك. وسفر المزامير لي هو سفر المسيح. وصلت في محاضراتي إلى المزمور الثاني والعشرين وقرأت الكلمة "الهي الهي لماذا تركتني"- وهنا وقفت منذهلاً . المسيح يحس انه متروك من الآب . يا للعجب ان الاختبار الذي وقفت أمامه مرتاعاً وقلت إني لا أستطيع ان احتمله عشر ساعة، هوذا السيد يجتازه ويموت. مرفوضاً ومذلولاً من الناس... ومن الله. لا شك ان هذا الترك كان أقسى عليه من السياط التي جلدوه بها ومن الشوك الذي غرس في رأسه ومن المسامير التي اخترقت يديه وقدميه، لقد تألم المسيح في ما تألمت منه أو على الأصح لقد جزت الآلام التي جازها قبلي يسوع. لقد صور ألبرت دورر نفس الصورة "يسوع رجل الآلام"

وقفت مذهولاً.

        لماذا يجتاز المسيح هذا الترك. لقد كنت أدرك لماذا احتمل أنا. لقد كنت ضعيفاً في حضرة القدير. كنت نجساً في حضرة القدوس. لقد جدّفت على جلاله الإلهي. ولكن المسيح لم يكن ضعيفاً... المسيح لم يكن نجساً. المسيح لم يكن غير نقي. لماذا إذن تغمره الوحشة والكآبة- ان الجواب الوحيد لذلك لا يمكن إلا ان المسيح حمل خطيانا كلنا. ذاك الذي كان بلا خطية صار خطية من اجلنا وهكذا صار نظيرنا يشاركنا في ترك الله لنا!!) وقال لوثر: (لم استطع ان ابتعد عن هذه الصورة. ليس هذا هو المسيح الذي سبق ان عرفته. هذا مسيح جديد، أين القاضي الجالس على السحاب  ليدين الخطاة. لا يزال هو القاضي ينبغي ان يحكم كما يحكم الحق على الباطل والنور على الظلمة ولكنه في قضائه يتألم مع الذين يحكم عليهم ويشعر انه معهم مدان. ان القاضي الجالس على السحاب هو هو ذاك المتروك على الصليب.  

        وكذلك رأيت الله في صورة جديدة ان الكلي القساوة هو أيضا الكلي الرحمة. ان الرحمة والحق يتلاقيان على الصليب. ان فظاعة الخطية لا يمكن ان تنكر أو تنسى ولكن الله الذي لا يشاء ان يهلك خاطئ بل ان يرجع ويحيا، وجد المصالحة في أسنان الموت المر على ان الصورة لم تكن كاملة الوضوح لي. كنت أرى الله من خلال سحب مظلمة كثيفة. كنت أرى كأنه هناك ألهين، اله محتجب لا يصل الفكر إلى طرقه والإله الذي أعلن نفسه لنا في المسيح. لا يزال هو "نار آكله" ولكنه يحرق لكي يطهر ويؤدب ويشفي. انه ليس إلها ذا نزوات بليدة لأن الصليب ليس الكلمة الأخيرة، ان الإله الذي اسلم ابنه إلى الموت أقامه وسيقيمنا نحن أيضا معه إذا كنا نموت معه عن الخطية لنحيا للبر!!  

        من يستطيع ان يفهم هذا. ان الفلسفة لا تستطيع ان تصل إليه. ليس الا الإيمان الذي يستطيع ان يمسك بسرّ سام كهذا المنطق والعقل ينزويان. أنهما لا يستطيعان فهم ذلك. هذه هي جهالة الصليب التي أخفيت عن الحكماء والفهماء. الله يحجب قوته في الضعف وحكمته في الجهالة وصلاحه في القسوة وعدله في الخطية ورحمته في الغضب!!)

        وما أعجب ان الله في المسيح يصنع كل هذا. ان الكلي السمو والكلي القداسة يكون هو الكلي المحبة، ان الجلال الذي يفوق الوصف ينحني ليأخذ لنفسه جسم بشريتنا، ويخضع لعوامل الجوع والبرد والموت والقنوط. نراه يضطجع في مذود البقر، ويعمل في دكان نجار ويموت موت شريد..)

        قلت: (فهل استراح فكرك وهدأ قلبك بعد ان اكتشفت هذه الحقائق الثمينة؟) فأجاب: (لقد تغيرت نظرتي إلى الله وبدأت استشعر بعض الطمأنينة بالقرب منه، إلا أني لم أطمئن تماماً إذ قد أغلق عليّ فهم الكيفية التي أفيد بها من محبة الله. ولم يتضح لي ذلك تماماً الا بعد ان دخلت إقليم العهد الجديد. فقد بدأت بإلقاء محاضراتي في رسالة رومية- كما سبقت وقلت لك- بعد سنتين من بدء محاضراتي في سفر المزامير. وفي رسالة رومية قرأت عن بر الله الذي يقدم لنا بالإيمان. ليس علينا إلا ان نقبل بر الله بالإيمان. ليس علينا ان نعمل شيئا فقد عمل هو كل شيء. لا اعمل بل اقبل- ما عدت أخاف شيئاً، لا جهنم ولا الشياطين فقد جمع المسيح في صليبه غضب الله ورحمته وطرد جحافل الشيطان.

        وعندما أحسست بالاطمئنان الكامل هتف قلبي بتسبيحية محببة لديّ.

        كان مارتن يرنم ترنيمته بفمه ولكني أحسست أنها تخرج من قلبه لهيباً مضطرماً. عشت معه لحظة من لحظات السماء... وبغتة اختفى كل شيء ووجدتني اجلس محني الرأس على مكتبي... كانت رؤيا جميلة سعيدة... ترى هل أقابل لوثر مرة أخرى، لا اعلم. ولكني أقوم الآن لمهام أخرى.


 

7

مارتن والله الجديد

        مضت مدة قبل ان عاد مارتن مرة أخرى. لم تكن في الحقيقة طويلة بالنسبة لزمنها كانت في نظري أجيالا. وفي قلقي ذكرت نظيرة النسبية للعَالِم الكبير اينشتاين. وكيف ان الزمن لا يجوز ان يقاس بمقياس واحد. على كل حال انتهت المدة التي تغيبها مارتن عني ورأيته جالساً في المكان الذي رأيته فيه. وتكلم لوثر وكان كأنه يجيب عن أسئلة لم ينطق بها لساني وان كانت تملأ كل ذهني. قال: (ذكرت لك إنني عندما قرأت في رسالة روما الكلمات "لأنه فيه معلن بر الله بإيمان لإيمان. كما هو مكتوب أما البار فبالإيمان يحيا" أشرق على ذهني وقلبي نور الله وفهمت قضية التبرير التي كشفت عن عيني فأبصرت الله صديقاً ومحباً للناس. كان هذا إلها جديداً. ليس الإله الغاضب أو القاضي الديان. بل الله الذي أرسل ابنه ليحمل هو خطايانا ويموت في الجلجثة. وعلى الصليب أبصرت دينونة الله المخيفة للخطية وفي نفس الوقت محبة الله للخطاة ليس علينا ان نعمل شيئا حتى نستحق محبة الله. إنها لنا، نعترف بخطيانا ونتناول الغفران. ان الله يشبه أب الابن الضال في مثل الضال. وعندما نأتي لا يلزم ان نأتي بحزمة من الأعمال الحسنة نرشوه بها ليحبنا. بل نأتي فعلاً بفقرنا وجوعنا وعدم استحقاقنا. كانت الكنيسة قد رسمت طريقاً للوصول إلى محبة الله وهو طريق الأعمال. أما أنا فوجدت في الإنجيل، تعالوا... خذوا مجاناً...  فقد تعالوا!!)

        كان لوثر منطلقاً في حديثه وقد أخذته الحماسة الملتهبة فلم ينتبه إلى إشارتي وأنا أحاول ان اخبره انه سبق وذكر لي هذا الاختبار بحروفه تقريباً فلما أخبرته بذلك قال: لا بأس لا بأس ان هذا اختبار ينبغي ان اردده لا مرتين بل عشرات المرات. ان الناس محتاجون إلى ان يذكروه ولا ينسوه!)

        قلت له: (وأنا لا اكره ان اسمعه أيضا ولكني أخشى ان يطول الوقت عليك فتتركني قبل ان أكمل حديثي!) فأجاب: (على كل حال أنت سمعت الجزء الأهم. ومع ذلك فاني سأحاول ان استجيب لرغبتك وسأبقى معك وستسمع كل حديثي الطريف.. والآن ارغب ان اعرف اثر هذا الاختبار في خدمتك كراهب وكمعلم وواعظ... وككاتب!)

        وأجاب لوثر: (نعم ظهر اثر هذا الاختبار في حياتي وفي كتاباتي وفي عظاتي، وكان التأثير على الآخرين عظيماً فصار جانب كبير من الناس نظيري في تفكيرهم. أصغوا إليّ وآمنوا بما آمنت به. على أني كنت أسير في أموري بتؤدة. كنت لا أزال ابناً أمينا للكنيسة ولو أني لم أكن ابناً أعمى!!)

قلت: (ولكنك خرجت على الكنيسة..)

        فأجاب: (أية كنيسة تقصد؟ ان كنيسة الله واحدة. أنا لم أرأس كنيسة. ان الرب يسوع هو أساس الكنيسة الوحيدة. انك تقصد الكنيسة التي كانت قائمة إذ ذاك، وحتى مع هذه أنا لم اتركها. لقد حاولت ان أصلحها في مكانها ولم استطع فتركتها وخرجت، ولكن الخروج لم يكن مني. لقد دفعت دفعاً إلى ذلك. خرج الأمر عن طوقي عندما وصلت الأمور إلى ما لا يحتمل السكوت!)

        قلت: (ان موضوع خروجك على الكنيسة لا يزال موضوع نقاش. البعض يقفون إلى جانبك، ولكن جانباً كبيراً يأخذ عليك ذلك الخروج ويقول انه كان يجب عليك ان تبقى مهما كانت النتيجة عليك. على انني سأترك هذه النقطة من هذه الناحية واطلب منك ان تحدثني عن التطورات التي دفعتك إلى الخروج!)

        فأجاب لوثر: (سبق ان ذكرت لك ان الكنيسة علّمت ان الخاطئ يمكن ان ينجو من جهنم بالتوبة المخلصة. ولكن عقاب الله  لم يكن كل شيء فقد كان للكنيسة أحكامها وأنواع القصاص المتنوعة. وكانت في أول أمرها شديدة القسوة. كان على الخاطئ ان ينفذ الأحكام بدقة وإلا فانه يتحتم ذهابه إلى المطهر ليستوفي العقاب المطلوب. وغالبية الناس كانوا موقنين، انه لابدّ من ان يجتازوا آلام المطهر لفترة طويلة تصل إلى ملايين السنين. وفي العادة كانوا ينتهزون أية فرصة تساعد على تقليل مدة المطهر. في أول الأمر كانت الغفرانات عقاباً بديلاً أجازته الكنسية. فكان على الخاطئ مثلاً ان يقوم بالحج إلى الأراضي المقدسة أو يذهب إلى حرب صليبية حيث يقضي سبع سنوات صيام لا يتناول إلا الخبز والماء..!)

        وضحك لوثر ضحكة قصيرة ثم قال: (على ان هذا النظام فتح باباً لنظام بديل أردأ. كانت الخطوة الثانية تعمل على تمكين الناس من شراء الغفران بدلاً من الجهاد لاكتسابه. فإذا لم يكن في امكان الخاطئ ان يذهب بنفسه إلى الحرب الصليبية فيمكنه ان ينال "ثواب" الحرب بدفع "البدلية" أي يدفع للكنيسة ما كان سينفقه في هذه الحرب. لماذا يعرض الخاطئ نفسه لمتاعب ومشقات في حين انه يقدر ان ينال ما سيناله بالثمن؟ وهكذا اندفع الناس نحو شراء الغفرانات. فان الذين كانوا يخافون من المطهر- واين من لم يخف – استطاعوا ان يشتروا غفرانات تقصر الآلام المستقبلة. وبعد وقت صار من الممكن ان تشتري غفرانات للأصدقاء والأقرباء الذين ماتوا. اما الكنيسة والبابوات فقد كان هذا الامر لهم فرصة العمر للحصول على الثروة. وقد دعيت هذه التجارة "التجارة المقدسة").

        قلت: (بالطبع كان هذا في مدينة روما؟) فأجاب: (نعم في روما وفي غير وما. فقد علمت "ويتنبرج"- حيث كنت اعلم- الشيء الكثير عن هذه الغفرانات. والأمير فريدرك منتخب سكسونيا وقد كان كاثوليكياً أمينا حصل على مجموعة "أصلية" من بقايا القديسين. والبابا أعلن ان الناس يمكن ان ينالوا غفرانات سخية بمجرد النظر اليها. وقد حوت تلك المجموعة شوكة من اكليل الشوك وقطعة من قماط السيد وهو طفل وخصلة من شعر لحيته وقطعة ذهب مما قدمه المجوس وبرعمة من عليقة موسى. وكان فيها أكثر من تسعة عشرة ألف من عظام القديسين. والناس الذين جاءوا في يوم عيد جميع القديسين وهو أول تشرين الثاني "نوفمبر" ودفعوا التبرع المطلوب نالوا غفرانات تنقص من مدة المطهر 1.902202 سنة و 270 يوماً- وبالإيراد الذي جاء غطيت نفقات الجامعة وكنيسة القلعة!)

        حاولت ان أتكلم ولكن لوثر لم ينتبه لي بل اندفع يتكلم قال: (وبعد سنة من وقت رؤيتي للنور، جاء بائع غفرانات قوي اسمه "جون تتزل". جاء يعرض بضاعته بالغرب من "ويتنبرج". لم يسمح له الأمير فريدرك ان يبيع في داخل إمارة سكونيا، إذ كانت له هو أيضا "تجارته المقدسة" ولم يكن من مصلحته ان يسمح لمنافس خطير نظير "تتزل" ان يبيع بضاعته فيها. على ان "تتزل" لم يكن بعيداً عن وتنبرج وقد كان من السهل على "الوتنبرجيين" ان يتخطوا الحدود ويشتروا غفراناً كاملاً. وقد أصدر البابا "ليو" هذه الغفرانات للحصول على مال يكفي لبناء كاتدرائية القديس بطرس. وقد وعد في هذه الغفرانات بغفران جميع الخطايا والخلاص من كل آلام المطهر.

        كان تتزل بائعاً ماهراً. كان يدخل كل مدينة في موكب مهيب يحيط به مظهر خلاب. وكان يقيم صليباً كبيراً في وسط السوق. ثم يلقي عظة مؤثرة يتحدث فيها إلى الشعب البسيط عن والديهم الذين يتألمون في لهيب الأبدي وهم يتلمسون من أبنائهم ان يعملوا على إنقاذهم ثم يقول:

        حالما ترن قطعة النقود في طبق التقدمة تقفز النفوس متحررة من قيود المطهر. وبمثل هذا الكلام كانت النقود تنهال كالسيل- وعندما شاهدت أهل ويتنبرج يعودون وهم يحملون صكوك الغفران وقد اطمأنوا إلى أخرتهم اضطربت اضطراباً عظيماً. وكان رعبي يتزايد كلما سمعت عن أساليب "تتزل".

        كنت في عظاتي اسلك سلوكاً ايجابياً فاكشف للناس عن طريق الخلاص كما رسمها المسيح في الكتاب. ولكني لم استطع ان اسكت طويلاً فألقيت عدة تصريحات ضد هذا الرجل والوثنية!)

        قلت: (ولكن يا ...دكتور ألا تظن انك نظرت إلى الامر بشيء من المغالاة. ان القوم عندما ذهبوا ليشتروا الغفران لأنفسهم الم يسلكوا سبيلاً صالحاً. ان مجرد بحثهم عن الغفران هو اعتراف منهم بأنهم خطاة وبذلهم المال في سبيله دليل على استعدادهم للتضحية.. ثم إنهم كانوا ولا بدّ يطلبون من الكاردينال تتزل ان يصلي من اجلهم وأما جمع المال فلست أرى ان تتزل عمل أكثر مما نعمل نحن فإننا نذهب إلى كثيرين من الأغنياء، ونحاول ان نأخذ تقدماتهم مؤكدين لهم بركة العطاء. وكثير من مشروعات الكنيسة ما كانت لتقوم لولا بذل الجهود مع المؤمنين وغير المؤمنين. على كل حال منح الغفرانات أفضل من أوراق اليانصيب، وبيع الورد بواسطة الفتيات الجميلات وإقامة حفلات الرقص!)

        ونظر إليّ وقال: (انك تقارن بين أمرين سيئين. ومع ذلك فانا اعتبر بيع الغفرانات شراً من الحفلات التي تشير اليها لأن الناس يرون فيها شيئاً مؤاخذاً بخلاف بيع الغفرانات التي كان الناس يرون فيها شيئاً مقدساً.

        اما ان المال الذي يجمع يؤدي خدمة جليلة لملكوت المسيح إذ انه سينفق في بناء الكنيسة وخصوصاً كنيسة القديس بطرس فقول باطل وشرير. فإننا يجب أولا ان نبني هياكل هنا؟ وأشار إلى قلبه. وبعد ذلك نبني الكنائس المحلية وآخر الكل نفكر في بناء كاتدرائية القديس بطرس.. وضحك لوثر وقال: (ان البابا غني فلماذا لا يبني الكاتدرائية من ماله الخاص. انه أغنى من كراسوس. لخير له ان يبيع الكاتدرائية، ويعطي ثمنها للفقراء الذين يسلخ جلودهم بائعوا الغفرانات. انا موقن ان البابا إذا عرف كل الحقائق  يفضل ان تسحق الكاتدرائية في التراب من ان تبنى بدماء وجلود الشعب...) واستمر لوثر يقول: (وقد ألقيت سلسلة تصريحات جريئة وهذه جمعتها في خمسة وتسعين بنداً وضعتها في اللغة اللاتينية ثم طبعتها وألصقتها على باب كنيسة القلعة في ويتنبرج. وأرسلت نسخاً منها إلى البارزين في الكنيسة في كل مكان. لم أتعرض في هذه البنود للناحية المالية بل للناحية الدينية فقط. اثبت ان الادعاء ان الغفران الذي يعطيه البابا يخلص هو قول باطل بل هو خطية. فالبابا ليس له سلطان مطلقاً على ان يغفر الخطايا، وليس له سلطان على المطهر. وذكرت ان صكوك الغفران تعمل شيئاً أسوأ فهي تعطي اطمئناناً كاذباً واكتفاء في غير محله. وأكدت ان هذه الصكوك منافية لقداسة الله ومحبته).  

        قلت: (فهل كان لهذه البنود نتائج؟) وأجاب: (إنها لم تترك أثرا ذا شأن في أول الامر. لم يهتم البابا بها كثيراً ولا حاشيته. ان القائم بهذه الحركة راهب صغير لا حاشية له. إنها لا تزيد عن صوت ضعيف سيضيع في الهواء. لكن اهتمام بعض اللاهوتيين بها وتأييد الكثيرين لوجهة نظري حرّك السلطات الكنسية. وصدرت الأوامر ان امثل أمام الكاردينال كاجيتان في اوجسبرج وقد أوفده البابا ليحقق معي بهذا الشأن. وتهيأت للذهاب وأنا مضطرب نوعاً. كنت أتساءل هل أسير في الطريق الصواب... لماذا لا يكون الصواب في جانب المنتقدين لي. قلت لنفسي: هل أنت يا لوثر بين كل الناس الحكيم الوحيد وكلهم على خطأ؟ وتمت المقابلة... وكانت التعليمات قد صدرت للكاردينال) ان يعمل على إصلاح ذات البين بين الراهب المتحمس وبين الكنيسة بالرفق وان لا يدخل معه في جدال)- وحاول الكاردينال ان يردني إلى الصواب باللين وأطال أناته عليّ ولكن ظللت متمسكاً برأيي. ولما ضاق الكاردينال بصلابتي حاول ان يبين بشيء من الشدة إني على خطأ. فقلت إني أرجو ان تبينوا لي أوجه الخطأ، فثار في وجهي وصاح اسحب كلامك اسحب كلامك أيها الراهب الحقير ولكن "الراهب الصغير الحقير" ركب رأسه وأمعن في رفضه!!!

        وعدت إلى وتنبرج وأنا لا اعلم ما يضمره الغد لي. ألم أكن مطمئناً بالطبع إلى الأمير فردرك. لكن العناية دبرت لي الأحداث السياسية التي جعلت المقاومة تهدأ مدة... مدة قصيرة لأن الجدل لم يكف.. ونظر مارتن إلي وقال: (لابدّ انك سمعت عن "جون اك" وكيف حاول في ليبزج ان ينتصر على آرائي بالكتابة والمجادلة وكان موضوع المناقشة سلطان البابوات والمجامع. وأنت ترى إنهم هم الذين حشروا هذا الموضوع حشراً. كان يمكن ان تقتصر المناقشة على بحث المبادئ المسيحية العامة.  وكان يمكن ان يبقى البابا بعيدا عن الموضوع. ولكنهم- شأن كثيرين من الضعفاء الذين إذا أعيتهم الحجة حشروا اسم الرئيس حشراً- هكذا فعل "جون اك". كان يمكن ان يكون البحث عن صكوك الغفران ومدى قوتها، واستنادها على الأسس الكتابية أو غيرها. ولكنهم لم يشاءوا إلا ان يوقفوني في موقف دقيق حرج- فاضطررت ان أقف إلى جانب الحق وكان من نتيجة هذه المناقشات ان ابتعدت عن الكنيسة، اقصد عن رئاسة الكنيسة وقد كنت حتى تلك اللحظة اعتبر نفسي احد أبنائها. أعلنت ان البابوات يمكن ان يخطئوا والمجالس ليست أحكامها معصومة.

        وبعد مجادلات ليبزج أخرجت عدداً كبيراً جداً من الكتب. وكتب آخرون كتباً رداً على ما كتبته!

        قلت: (اني اذكر ان الطباعة كانت في أول نشأتها..)

        فقال: (نعم. كان عمرها اقل من مائة سنة وكان عدد الكتب الألمانية قبل النزاع الكنسي لا يزيد عن أربعين كتاباً في المعدل سنوياً ولكن بعد حركتي ارتفع الرقم كثيراً... وصل عدد الكتب أزيد من مائتي كتاب في السنة منها مائة وثلاثون لي. وكان القوم يتهافتون على القراءة. وقد ربح كثيرون من هذه النهضة الكتابية. أما أنا فلم أجن ربحاً مادياً لأني إنما كتبت لمواجهة الحرب ضد الجهل والشر. كنت امسك القلم واكتب وأظل اكتب إلى ان ينتهي الكتاب وإذ ذاك أرسله إلى المطبعة بدون مراجعة.وكان الناس "يأكلون" الكتاب أكلاً. كانوا في كل مكان يترقبون إشراق شمس الإصلاح!" 

        قلت: (لقد اطلعت على بعض ما كتبت، فإذا فيه آراء خطيرة وجريئة لست اعلم هل تزال تتمسك بها. خذ مثلاً إشارتك ان يقوم الأمراء الألمان بمهمة إصلاح الكنيسة ومحاولتك إعطاءهم من السلطان ما كان للكهنة وحدهم!)

        قال لوثر: ( لقد كانت الكنيسة، واقصد الرؤساء فيها يظنون ان الكنيسة هي الاكليروس وان العلمانيين ليس لهم إلا ان يتقبلوا ما تقدمه الكنيسة. وكانوا يعلمون ان الكاهن يحتل درجة أسمى من أي علماني. كل القوات الأرضية ينبغي ان تخضع لسلطان الكنيسة. ولقد فادتني دراستي في العهد الجديد إلى الإيمان بان جميع المؤمنين الحقيقيين متساوون أمام الله وقد عرف هذا المبدأ فيما بعد ب "كهنوت جميع المؤمنين" ومعناه ان العلماني المكرس لا يقل مسيحية عن الكاهن!)

        قلت: (إني لا أعارض في مقدار مسيحية العلماني ولكن أعارض في نزع الحاجز بين الكاهن والعلماني في الخدمة!)

        قال: ( ولماذا تضع حداً حاجزاً؟ لنفرض ان جماعة من العلمانيين وجدوا في برية منعزلة واختاروا احدهم ليقودهم روحياً ويعمدهم ويزوجهم ويكرز لهم، فهل يرفض الله خدمته. وهل تظن ان خدمته تقل عن خدمة أي كان رسمه نفس البابا، وكل جمهور الأساقفة!)

        قلت: (انك تقدم مثالاً لحالة استثنائية وأنا إنما أتحدث عن قاعدة عامة! قال: (انا اعلم ان هذا الرأي مني متطرف نوعاً ما. لكن اسمع... كانت الكنيسة تبني سلطانها على أساس الأسرار... السبعة. من أين جاءوا بالأسرار السبعة. ليس في الكتاب أسرار... وعلى الأقل ليس في الكتاب سبعة أسرار. هناك سران بل هناك فريضتان. لا يوجد سر اسمه الكهنوت. كلنا كهنة طالما نحن مسيحيون. الرسامة هي إفراز للخدمة وإجراءاتها لا تعطي المفرز قوات غير معتادة. ان خدمة الكاهن لا تزيد في عين الله عن خدمة أي مسيحي عادي. كل الأعمال تقاس أمام الله بمقياس الإيمان!)

        قلت: (فهل ترى عدم لزوم الوظائف الكنسية وان يقوم العلمانيون بما يقوم به الكهنة!) فأجاب: (كلا. كلا. ما إلى هذا قصدت. اما أولاً فلنقل ان لا سرّ هناك يقال له "كهنوت" ذلك ان مهمة الكاهن كانت في العهد القديم خاصة بتقديم الذبيحة. وقد انتهى عصر الذبيحة بدخول المسيح إلى الأقداس مرة واحدة بذبيحة نفسه فوجد فداء أبديا. ان كل إنسان يستطيع ان يدخل إلى أقداس العلي ويستشفع عن نفسه بدم المسيح. ليست هناك حاجة إلى كاهن، وبمعنى روحي، كلنا كهنة. انما نحتاج إلى شيوخ معلمين ومرشدين يقدمون لنا كلمة الله للبنيان ويقومون بالفريضتين اللتين عينهما المسيح. فريضة العشاء الرباني تذكاراً للذبيحة وفريضة العماد. نحن في حاجة يا صديقي إلى الشيوخ الذين دعاهم الإنجيل قسوساً وأساقفة. وهذا يدخل في دائرة النظام فقط بحيث إذا استحال وجودهم لسبب ما أمكن للعلماني ان يقوم بعملهم!)

        قلت: "انني أرى الآن رأيك. فهل رآه الناس عندما أعلنته؟) فأجاب: (لقد كان رأيي ثورة... تلقاها البعض بسرور ولكن البعض ارتاعوا. لقد ظنوا اني قد تحالفت مع الشيطان لأهدم الكنيسة ومقدساتها. انظر إنهم لا يفصلون بين الكهنوت والكنيسة. في ذلك اجتمع عدد من الكرادلة والمحامين واللاهوتيين في دار الصيد الخاصة بالبابا وجعلوا يفكرون في وضع خطط للعمل على مواجهة حركتي. قالوا: (إننا لا نستطيع ان ننتظر على الحية وهي تزحف في حقل الله. ان كتب مارتن لوثر التي تحتوي على أخطاء بل خطايا ينبغي ان تفحص وتحرق)- وقد منحوني ستين يوماً لاسلم. فإما اخضع أو يصدر عليّ حكم الحرمان. وصدرت نشرة بابوية بذلك وتدعى في لغة الكنيسة "Bull" ووضعت هذه النشرة في يد "جون اك) وبابوي آخر اسمه "الكساندر"، وقد قوبل الاثنان في كل مكان تقريباً بمقاومة غير منتظرة وبشتائم. بالطبع كانت أغلبية الكاثوليك إلى جانب النشرة، ووصل القرار إليّ فثار دمي فيّ وحميت روحي. بدلاً من ان يدرسوا أرائي ويفحصوها أغمضوا أعينهم وانكروها وكان ردي صريحاً وقوياً قلت: (اني احتج على هذه النشرة أمام الله ربنا يسوع المسيح وملائكته القديسين وكل العالم. وانني بكل قلبي أخالف احكام هذه النشرة واني العنها كما لو كانت انتهاكاً للقداسة. وقلت في الختام: (هذا اعتراضي على النشرة البابوية).

        على إنهم جعلوا ينفذون حكمهم فكانوا يحرقون كتبي علناً في بعض الأماكن. كان الكثيرون ضدي ولكن البعض ومنهم الأمير فردرك أحسوا اني لم ألق محاكمة منصفة!)  

        قلت: (فماذا كان رد أنصارك على خصومك، أم هل تركوك تحارب وحدك؟)

        قال: ( كلا. لم يتركوني.. فإنهم في نهاية الستين يوماً التي أمهلوني فيها وفي ساعة العاشرة من صباح اليوم وكان البرد شديداً إذ كنا في شهر كانون الأول "ديسمبر" اجتمع عدد من الأساتذة والطلبة الجامعيين عند بوابة "إلسنز"  خارج مدينة ويتنبرج وأشعلوا ناراً كبيرة وجاءوا بعدد من نسخ قانون الكنيسة وطرحوا النسخ في النار وكذلك طرحوا بعض اللاهوتية التي كتبها خصومي. وبعد ذلك تقدمت في خشوع وارتعاد وصلاة وطرحت كتيباً صغيراً في النار. لم يعرف إلا القليلون ان ذلك الكتيب كان المنشور البابوي.. وبعد ذلك خرج الطلبة في مظاهرة كبيرة وداروا حول المدينة)

        قلت له: (افهم من كلامك انك لم تكن مطمئناً إلى موقفك... بل اني أرى انك ورجالك قد سلكتم مسلكاً فيه شيء من الرعونة. ان إحراق المنشور البابوي كان تحدياً سافراً للبابوية ومن ذا الذي يجسر ان يقف امام البابا.. الويل له. أظن انك أخطأت يا مارتن خصوصاً وان عملك قد قطع كل أمل في الصلح!)

        وقال لوثر: (ان الأمر كما تقول من حيث تأثير ما قمنا به على العلاقة بالكنيسة ولكن لم يكن من ذلك محيص. انا علمت ان حياتي كانت على "كف عفريت" لم استبعد ان يحدث فيّ ما حدث لغيري الذين تجرأو على ان يناوئوا الكنيسة- وقد حدث انه عندما سمع رجال الكنيسة بما عملت ارتاعوا وتكلموا ضد عملي بغضب شديد وبدأت مشاورات وتدبيرات للتخلص من "الراهب الأحمق" الذي يتجاسر ان يقف امام الإعصار..)  وسكت مارتن قليلاً ثم قال: (ينبغي ان اعترف ان السياسة تدخلت في الموضوع. ويمكنك ان تلاحظ ذلك في كتاب أرسله كرستوفرشرل  لأصدقائه في وتنبرج قال: (كل شيء يردد صدى الأعمال التي حدثت عندكم. والآن فان الحرب قد قامت بين الجبهتين "الرومانية" و"السكسونية" واحدة منها يجب ان تنسحب!)

        قلت: (إذن فان للبعض لم تكن حركتك حركة دينية، بل حركة سياسية.. القومية الألمانية؟) فأجاب: (نعم هذه هي الحقيقة ولن يضرها ذلك وفي حياة بولس الرسول شيء من مثل ذلك. ان الله يستعمل وسائله المختلفة لإتمام قصده.


 

8

مجمع روس

أ. الإمبراطور تشارلس

        قلت: (اعتقد يا دكتور مارتن لوثر ان مجمع ورمس كان موقعة فاصلة في حياتك. ولذلك لا أرى مانعاً من سماع قصته بالتفصيل فهل لك ان تتكرم فتبسط القصة من أولها؟) وأجاب لوثر: (لقد نسيت الكثير من التفاصيل ولكن سأحاول ان أقدم لك صورة كاملة بقدر الامكان...) وانحنى لوثر مدة وقد تتابعت صورة الانفعالات المختلفة على وجهه.. ثم قال: (في قصة المجمع عدد من الأشخاص الذين لهم شأن فيه. أولهم الإمبراطور تشارلس الخامس وقد وصل إليه العرش وهو شاب وكانت إمبراطوريته تشمل في ما تشمل بلاد ألمانيا ولذلك جاء إلى هذه البلاد في وقت "المحنة اللوثرية". كان كاثوليكياً مخلصاً للكنيسة ولو انه استطاع لأمر بتسليمي للكنيسة لتنفيذ فيّ حكم التعذيب والموت. ولكن كان هناك أمور لم يكن في امكان الإمبراطور الشاب ان يتجاهلها. كان في حاجة إلى معاونة ألمانيا في حرب ضد فرنسا. وكان كثيرون من الأمراء الألمان- ومنهم بعض الأقوياء يعطفون عليّ. كان الرأي العام نحو "الراهب الجريء" منقسماً. وقد كتب الكساندر الممثل البابوي وقد سبق ان ذكرت لك شيئاً... أوه أم اذكر الشيء الكثير. قلت ان المنشور البابوي وضع في يده ويد جون اك- كتب هذا الكساندر ان تسعة أعشار الشعب كانوا يهتفون للوثر وان العشر الباقي كان يهتف ضد البابا قائلين الموت للبابا. كان مبالغاً وكان قصده إثارة الرؤساء ضدي. الحقيقة انه كان هناك فعلاً عدد يذكر معي كما ان عدداً كان ضدي.. بل ان بعض الكاثوليك الأتقياء الذين ظلوا متمسكين بالكنيسة كانوا مستريحين إلى انتقاداتي- ومن ذلك ترى ان الإمبراطور ما كان يفكر في عمل يثير عليه جانباً من الأمراء الألمان بل حدث امر ذو شأن في حفل تتويجه.فان القوم استطاعوا ان يستخلصوا منه تعهداً ان يعطي ألمانيا بعض الامتيازات ومنها اثنان كان لهما تأثير يذكر في ما حدث معي. الأول ألا يحكم على أي ألماني بغير ان يُسمع منه أولا. والثاني ألا يحكم ألماني خارج ألمانيا،) ثم نظر لوثر إليّ وقال: (ألست ترى كيف رتب الله ألا أقع في يد الجالس في قصر اللاتيران؟)

        وقد حدثت مفاوضات طويلة بشأن تسليمي للكنيسة. ولكن الإمبراطور رفض بالطبع ووعد انه هو يحاكمني. وقد طلب مني ان امثل امام الإمبراطور في ورمس. وجهت دعوة إلى الأمير فردرك العادل منتخب سكسونيا ولكن الدعوة لهذا السبب أو ذاك تعطلت. وحدثت مفاوضات أخرى. وأخيرا جاءت الدعوة من الإمبراطور إليّ: (عزيزنا الشريف المحترم مارتن لوثر). وفي الكتاب (إننا نحن والمجمع قررنا ان نطلب منك ان تأتي- ولك صك الأمان- لتجيب عن كتبك وتعاليمك. لك فرصة واحد وعشرين يوماً تصل في خلالها!)

        قلت: (لعلك ذكرت مكتوب الإمبراطور سجسموند لجون هس؟!) قال: (نعم ذكرت ولكني فكرت في إجابة الدعوة. وقد كتبت إلى أصدقائي اخبرهم اني سأكتب للإمبراطور انه إذا كانت الدعوة لي ان اذهب لأسحب كتاباتي فإنني ارفضها. أما إذا كان يدعوني إلى الموت فسأذهب. على اني آمل ألا تتلوث يدي احد بدمي خلاف البابويين أعداء المسيح. لتكن إرادة الله).

        وذهبت إلى ورمس.

        (وكانت رحلتي مظاهرة كبيرة!)

        أحسست ان لوثر يتكلم بشيء من الصعوبة كان متأثراً. لعل حوادث ورمس كانت لا تزال في ذهنه.. فقلت له، لنترك باقي القصة إلى اليوم التالي). وهز رأسه موافقاً وانطلق كل منا إلى مكانه.

ب- امام مجمع ورمس           

        ظللت ابحث عن لوثر مدة طويلة. مع انه كان جالساً في مكانه الذي تركته فيه بالأمس. ذلك انه كان محاطاً بأكداس من الكتب والأوراق فلم أره. ولما عثرت عليه قلت: (لعلك الآن أحسن حالاً!) فهز رأسه وقال: (نعم نعم انا أستطيع ان أكمل الحديث معك. وصلت إلى ورمس وأدخلوني إلى القاعة التي جلس فيها الإمبراطور. وقد جلس حوله الأمراء والوزراء والعظماء. وقفت أمامهم راهباً صغيراً فقيراً. كنت لا شيء بالنسبة لأمجاد العالم. ويبدو ان الإمبراطور لكثرة ما سمع عني قال أهذا هو الراهب الذي قلبتم الدنيا بشأنه. انه لن يستطيع ان يصير مني هرطوقاً!!

        كان مقرر المجلس موظفاً تابعاً لرئيس أساقفة تراير اسمه "ايك". وقد جلس خلف مائدة، وضعت عليها كومة من الكتب... أشار الإمبراطور بيده إشارة خفيفة فتكلم ايك... أتنظر يا مارتن هذه الكتب.. ترى هل أنت كاتبها. وأجبت بصوت خافت إلا انه ثابت: نعم ان الكتب كتبي ولي كتب أخرى أيضا! وعاد ايك يسأل هل تتمسك بها كلها وهل تدافع عنها أم انك ترفض بعضها؟ فأجبت بصوت مرتفع ان هذا الامر له علاقة بالله وكلمته. ويؤثر تأثيراً بيننا على خلاص النفوس. وعند هذا قال السيد المسيح من ينكرني قدام الناس أنكره قدام أبي الذي في السموات. ومن الخطر ان تكلم أكثر من اللازم لذلك التمس ان تعطوني وقتاً لأفكر في الأمر!!

        ظهرت البغته على وجوه الجميع وتهامس الإمبراطور ومن يحيطون به، وتكلم أيك بالجواب وقال: انه أمر مثير الدهشة، ان أستاذا لاهوتياً لا يكون مستعداً للدفاع عن موقفه خصوصاً وقد حضر لهذا الغرض بالذات. ومع ذلك فان الإمبراطور عطفاً منه وتفضلاً يمنح المهلة المطلوبة!!

        قلت: (وأنا أيضا يا دكتور مارتن أشارك القوم في اندهاشهم!!) وتبسم لوثر وقال: (وأنا أيضا لو لم أكن وسط المعمعة!!) ثم قال: (خرجت من القاعة إلى المكان الذي اعدّ لي وكانت لي ليلة جثسيمانية صارعت مع السيد وكان عرقي فعلاً ينزل كقطرات الدم. وفي اليوم التالي في الساعة الرابعة ذهبت إلى المكان ولكني لم أدخل إلا في الساعة السادسة. لم يجتمعوا في قاعة الأمس بل انتقلوا إلى قاعة أخرى أكبر. وبالرغم من ذلك فانه لم يوجد مكان لجلوس احد إلا الإمبراطور وحده. وأعاد (أيك) سؤال الأمس.. وتكلمت:

يا احكم إمبراطور

يا امهر أمراء

يا ارحم لوردات

إنني أرجو عفوكم إذا أخطأت في تقديم الألقاب اللائقة بكم. فإنني لست ملماً بما يليق بالعظماء وإنما انا راهب بسيط. لقد سألتموني بالأمس ما إذا كانت الكتب كتبي وما إذا كنت مستعداً ان اجحدها- اما السؤال الأول فجوابي: نعم انها كتبي ولي غيرها- اما عن السؤال الثاني فالجواب يحتاج إلى أكثر من كلمة. فإنها ليست كلها من عينة واحدة!!) فابتسمت وأنا أقول: (كان هذا منك جواباً ماهراً، فانك بذكر التمييز بين كتب وكتب أوجدت لنفسك باباً لحديث بدلاً من إلقاء جواب مقتضب بنعم أولاً!!) وقال لوثر: (هذا ما قصدت إليه.. وقد أتممت جوابي فقلت: ان بعض هذه الكتب لم تتناول إلا قضية الإيمان والحياة وهذه لم يجد خصومي فيها مأخذاً. إنهم مضطرون ان يعتبروها حقيقية بالدراسة المسيحية- هذه لا يمكن ان اجحدها ولا يوجد عامل ينتظر مني ان اجحدها وهناك عينة أخرى تتناول الشرور التي استشرت في الكنيسة. ولست انا وحدي الذي اشتكي فالشكوى عامة. أين من ينكر ان القوانين التي وضعها البابوات قد دمرت حياة الناس.

        وهنا صاح الإمبراطور بغضب: لا. لا. ولكن لم ارتبك بل مضيت في كلامي عن الطغيان الذي بلغ درجة لا تصدق، الطغيان الذي سحق امتنا الألمانية. فلو أني جحدت هذه الكتب لفتحت باباً لطغيان اشدّ وشرٍّ افضع!!

        ابتسمت وأنا اسمعه يتحدث عن القومية الألمانية. فهز رأسه وقال: (لست أول من أراد الإفادة بمثل هذه الوسيلة... فقد فعل بولس ذلك من قبل. قلت: إنما ابتسمت إعجابا بمهارتك!!)  وعاد لوثر يقول: (بعد ذلك قلت ان هناك نوعاً ثالثاً وهو يحوي هجوماً على أفراد. لم أكن في هجومي مفترياً. لم انطق الا بالحق).

        لم استطع ان اسكت هنا فقاطعته وقلت: (هل تقول حقاً؟ لقد راجعت بعض ما كتبت_) وصاح لوثر: (الا يحسن ان تؤجل كلامك ريثما انتهي). قلت: (لا. أخشى انك تسلب إرادتي عندما تبسط الأمر من وجهة نظرك. أقول لقد اطلعت على بعض ما كتبت فاذا هو عنيف حاد لا يتفق مع روح المسيح. دعني أسمعك بعض ما خطته يمينك فلعلك نسيته)

        ألم تكتب ( بما إنهم احرقوا كتبي فسأحرق كتبهم. وقد وضعت قانون الكنيسة في النار لأنه يجعل من البابا إلها على الأرض).

        بل ألم تقل لبربراس (ان الألمان ينبغي ان يغسلوا أيديهم في دماء البابويين) وماذا تقول عما كتبته عن الكاردينال كاجيتان "ان الكاردينال لا يصلح لمعالجة هذا الموضوع كما ان الحمار لا يصلح للعزف على الكمنجة وما كتبته لاسبلاتين لا اعرف ما إذا كان البابا هو "ضد المسيح" أو "رسول المسيح".

        ثم ماذا تقول في حديثك مع تتزل عندما هاجمت البابوات حيث قلت: (انظر إلى يوليوس الثاني وسفكه للدماء وبونيفاس الثامن الطاغية، الذي صدق عليه ما قيل فيه انه جاء كذئب وملك كأسد ومات ككلب)_ الم تكتب لأحدهم تقول: (انهم يطلبون ان اجحد ما قلت. لقد قلت سابقاً ان البابا خادم المسيح وأنا مستعد ان اجحد هذا فان البابا خصم المسيح، ولقد اطلعت على نشرة ألومك من اجلها كل اللوم سواء كنت أنت الذي كتبتها أم كان أصدقاؤك وقد ملأوا بها طرقات مدينة ورمس. لقد كتبوا ساخرين: أؤمن بالبابا الذي يربط ويحل في السماء والارض والجحيم. وأؤمن بالسيمونية ابنه الوحيد الذي حبل به بقانون الكنيسة البابوية وولد في الكنيسة الرومانية- وتحت سلطان تألم الحق وصلب ومات ودفن ونزل إلى أعماق الجحيم. وقام ثانية بالإنجيل وبولس وأحضر إلى تشارلس وجلس على يمينه الذي سيحكم في المستقبل على الأشياء الروحية والعالمية- وأؤمن بالقانون الكنسي وبالكنيسة الرومانية وبضياع الإيمان وشركة القديسين والغفرانات للذنب والعقاب في مطهر وقيامة الجسد في حياة ابقورية، لأنها أعطيت لنا بواسطة الآب الأقدس، البابا... آمين).

        ظل لوثر صامتاً إلى ان فرغت وقال: (لو انك اطلعت على كل شيء لما كنت تلومني على ما قلت بل على ما لم اقل. ان هذا في الحق اقل جداً مما يستحقون.على انني راجعت نفسي في ما بعد واعترفت باني كنت عنيفاً في هجومي. ولو انك صبرت وأنا أحدثك عما قلته في المجمع امام الإمبراطور لاكتفيت بذلك... اسمع إذن. قلت ان هناك نوعاً ثالثاً من الكتب يحوي هجوماً على أفراد- هنا اعتراف اني كنت عنيفاً أكثر مما يتفق مع وظيفتي كخادم الله. على انني لا احكم هنا عن حياتي بل عن تعاليم المسيح. وأنا لا أستطيع ان اجحد هذه الكتابات دون ان أتسبب بذلك في زيادة الطغيان والشر. عندما وقف المسيح امام حنان قال له لماذا تسألني انا أسأل الذين قد سمعوا، فإذا سيدنا الذي لا يمكن ان يخطئ، يطلب ان يبرز المشتكي شهوده، فلماذا لا اطلب انا الدودة الحقيرة ان اقنع بأخطائي من الأنبياء والإنجيل. فإذا ما أُظهر لي خطاي فسأكون أول من يطرح كتبي في النار. لقد ذكروا لي عن الفتنة التي أشاعتها تعاليمي وليس لي جواب لهذا الا كلمات السيد: "ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً". فإذا كان سيدنا شديداً بهذه الدرجة فلنحذر لئلا نطلق فيضانات من الحروب لئلا يكون ملك الشاب النبيل غير موفق. خذوا لكم حذراً من مثال فرعون وملوك إسرائيل. ان الله هو الذي يحكم الحكماء. ينبغي ان أسير في خوف الله. لا أقول هذا لألوم أحدا. انني لا أستطيع ان أتخلص من مسئوليتي لبني وطني الألمان. انني اسلم نفسي في يديك يا صاحب الجلالة وأنا اضرع إلى الله الا يدفعك خصومي إلى إدانتي بدون سبب- لقد تكلمت!!)

        وهنا قال أيك

        (مارتن انك لم تفصل كتبك تفصيلاً كافيا. ان الكتب الأولى كانت ردية والكتب الأخرى أردأ. ان دفاعك ان تُجاب من الكتاب المقدس هو الدفاع الذي سبق ان قدمه الهراطقة في كل العصور. انك لم تفعل شيئاً الا تكرار أخطاء ويكلف وهس. يا لفرحة اليهود والأتراك وهم يسمعون المسيحيين يبحثون ما إذا كانوا على خطأ في ديانتهم كل هذه السنين. مارتن، كيف تظن انك أنت الوحيد الذي يفهم معنى الكتاب. هل تجسر ان تجعل حكمك فوق حكم الرجال العظماء وتدعي انك تعرف أكثر منهم. ليس لك حق ان تتساءل عن الإيمان القديم الذي وضعه المسيح المشرع الكامل والذي نودي به في كل العالم بواسطة الرسل والذي ختم بدم الشهداء والذي ثبتته المجامع المختلفة والذي حددته الكنيسة، التي آمن بها آباؤنا حتى الموت، وأعطوها لنا ميراثاً. ونحن ممنوعون بواسطة البابا والإمبراطور ان نبحث فيها لئلا ندخل في مناقشات وسفسطات لا نهاية لها. فانا أسالك سؤلاً واحداً يا مارتن. أجب إجابة واضحة بدون لف أو دوران "بدون قرون" هل أنت مستعد ان تجحد كتبك، وتجحد الاغلاط التي تحتويها. تكلم هل أنت مستعد أم لا وهنا أجبت:

        بما أنكم يا صاحب الجلالة ويا أصحاب السمو والفخامة الأمراء واللوردات تطلبون جواباً بسيطاً فسأجيب إجابة "بدون قرون وبدون أسنان" انني إذا لم اقتنع من الكتاب المقدس والمنطق البسيط اني مخطئ. فانا لا اقبل سلطان البابوات وسلطان المجامع فقد ناقض بعضهم البعض. ان ضميري أسير لكلمة الله وحدها. لذلك لا أستطيع ولا أريد ان اجحد شيئاً.ان مقاومة الضمير امر ليس هو بالصواب ولا هو بالمأمون... يا رب ساعدني. هنا أقف. لا أستطيع ان اعمل غير هذا) – قلت: لقد اغفل البعض الكلمات الأخيرة!! فأجاب (انني لا أستطيع ان اجزم مائة في المائة باني قلتها فقد كان الموفق مضطرباً. اعتقد اني قلتها لأنها كانت في فكري فعلاً. ألقيت بيان باللغة الألمانية. وطلبوا مني ان أعيده باللغة اللاتينية وبالرغم من دقة الموقف ومن اني كنت مرهقاً كل الإرهاق. وبالرغم من مشورة أصدقائي ان اكتفي بالبيان الذي ألقيته- فان ألقيته باللاتينية.. وإذ انتهيت منه طوحت بيدي في الهواء وانسحبت من القاعة وسط زمجرة الأسبانيين الذين كانوا يصيحون بي: إلى النار إلى النار.

 

***

        خرجت من القاعة. وكذلك الأمير فردرك. ولكن الباقين مكثوا وكانوا يتناقشون وقد بلغني ان الإمبراطور بعد ان سمع بياني خاطب أعضاء المجمع قائلاً:

        اني "يقصد نفسه" من سلسال طويل من أباطرة مسيحيين من هذه الأمة النبيلة ومن ملوك كاثوليك من أسبانيا وارشدوقات في النمسا ودوقات في برجانديا كانوا كلهم أمناء للكنيسة وبنعمة الله قررت ان اسلك في سبيلهم. والآن يأتي راهب واحد ويناهض الكنيسة. لابد وان يكون مخطئاً. لا يجوز لي بل لا يجوز لكم انتم يا رجال الأمة الألمانية .. لا يجوز لنا ان نلوث أيدينا بإهمالنا هذه الهرطقة، بعد ان سمعت لوثر آسف اني تأخرت في إصدار حكم عليه. لن أتعامل معه بعد ذلك. ليرجع بأمان كما وعدناه على ان لا يكرز أو يسبب أي ضوضاء، وسأحكم عليه كهرطوقي واطلب ان تبدو آراءكم.

        وطال الأخذ والرد وامتدت المناقشات لعدة أيام استطعت في خلالها ان اترك المدينة في حراسة عدد من أصدقائي المخلصين).

        قلت: (فهل صدر عليك حكم وماذا عملت حتى نجوت؟) فأجاب:

        لقد ظل أعضاء المجمع يتناقشون مدة طويلة بدون وصول إلى نتيجة لكن في السادس من شهر أيار "مايو" قدم جلالته للمجمع وقد تغيب عدد منه الصورة الأخيرة للقرار وكان الكساندر قد أعدها وقد حدث انها من مهاجمة الأسرار السبعة كما فعل البوهيميون الأشرار من قبلي وهاك بعض ما جاء في القرار:

        (هو دنس الزواج وشوه الاعتراف وانكر جسد ودم السيد. هو يجعل الأسرار تستند على إيمان من يمارسها. انه وثني في انكارة لحرية الإرادة. هذا الشيطان اللابس مسوح الرهبان قد جمع كل الأخطاء القديمة في بؤرة واحدة عفنة وزاد بان اخترع أخطاء جديدة. انه ينكر قوة المفاتيح ويشجع العلمانيين ليغسلوا أيديهم في دماء الكهنة. ان تعاليمه تنتهي إلى العصيان والانقسام والحروب والقتل والسرقة وإشعال الحرائق وانكماش المسيحية. انه يحيا حياة وحش. وقد احرق المنشورات البابوية وهو يحتقر الحرم والسيف على السواء. بل ان ما يصيب الشعب من اذى على يديه يزيد على ما يصيب الكهنة. ولقد حاولنا ان نرده إلى العقل ولكنه لا يعترف الا بسلطان الكلمة الإلهية التي يفسرها على هواه- وقد منحناه مهلة واحداً وعشرين يوماً تبدأ من 25 نيسان "ابريل". وقد قررنا نحن وحكام الدول اعتبار لوثر هرطوقوقياً مذنباً. وعندما تنتهي المهلة لا يجوز لأحد ان يتعامل معه. وأتباعه ينبغي ان يحكم عليهم وكتبه يلزم ان تلاشى من أذهان الناس.

        ويذكر الكساندر في مذكراته ان الإمبراطور تردد قبل ان يوقع على القرار ولكنه وقعه أخيرا باللاتينية والألمانية- وقد قال "الكساندر" ان الإمبراطور نظر إليّ باسماً وقال لي: (هل أنت راضٍ الآن؟) فقلت: (نعم ورضاء صاحب القداسة وكل العالم المسيحي العظيم. ونحن نشكر الله لأنه أعطانا إمبراطورا مسيحياً. ليحفظه الله في كل طرقه المقدسة. وقد أكرمه الله بمجد عظيم وبالجزاء المبارك الأبدي من الله- وكنت على وشك ان القي بعض أبيات من اوفيد ولكني ذكرت ان الموقف يتصل بأمر ديني فامتنعت واكتفيت بالقول: الثالوث الأقدس لأجل رحمته العظيمة)

 

       

        قلت: (لقد اهدر القرار دمك يا مارتن فكيف نجوت؟) فأجاب: (ربما كان الأفضل ان اذكر لك الأمور كما وقعت ففيها الجواب على سؤالك:

        مع ان القرار كان يتفق مع رغبة الكنيسة من حيث الحكم عليّ بالزندقة الا انه أثار خلافات من حيث سلطان المحاكم المدنية في النظر في أمور من صميم اختصاص الكنيسة. لكن الأكثرية من الكاثوليك الغيورين ارتاحوا إلى الحكم على اعتبار انه يتفق مع قوانين الكنيسة. والجماهير كانت متحمسة للحكم ولو ترك لها الأمر لمزقت جسدي تمزيقاً.

        وقد تحيرت انا أفكر في امر فردرك منتخب سكونيا ماذا عمل. علمت انه لم يستطع الا ان يتفق مع الآخرين في القرار لكنه بسبب "مطمطة" المناقشات انسحب من المجمع وعاد إلى مكانه. وكان له تدبير في معاونتي لم اعلم به الا بعد ذلك بمدة.

        وقد رتبت العناية خطوات النجاة بحكمة سامية. فان تشعب المناقشة وطولها ساعد على انقسام الرأي وعدم حماسة البعض.

        والنبلاء الألمان كانت القومية الألمانية تدفعهم إلى ان يساندوا الألماني الثائر على الأجانب المتسلطين. كانت المسألة عندهم قومية الألمانية لا أمرا كنسياً.

        وأكثر من ذلك، كانت الحركة التي قمت بها حركة شعبية. أنت ترى ان الكنيسة كانت تضم طبقة الإقطاعيين، والرأسماليين والارستوقراطيين. وقد وقفت أنادي بحق الشعب أي اني وقفت أنادي بالديمقراطية والاشتراكية وكان من الطبيعي ان يقف الشعب إلى جانبي. نعم ان الوعي الشعبي لم يكن قد استيقظ تماماً بعد، فقد اندفعت جماهير كثيرة خلف أولئك الظلمة ولكن بعض الشعب استيقظ. وقد حدث بعد الجلسة الثانية في ورمس ان ظهران الإجماع كان اني كافر وكان يمكن قتلي بهذه الحجة. الا ان جماهير كبيرة من الفلاحين قامت بمظاهرات صاخبة تهتف لي مما جعل المجمع يتردد وبعض أعضائه ينسحبون.

        وانتشر الإحساس اني شهيد لا مذنب. بل قد قال بعضهم ان محاكمتي هي تكرار لأسبوع الآم المسيح. اطلعت على ما كتبه البرت دورر المصور المشهور في مذكراته في السابع عشر من شهر أيار "مايو"

        أيها السيد الذي رتبت قبل مجيئك للدينونة انه كما كان على المسيح ان يموت بأيدي الكهنة ويقوم من الأموات ويصعد إلى السماء كذلك ينبغي ان يكون تلميذك مارتن لوثر نظيرك- وقد احضروا لي نشرة كتبها كاتب مجهول. انا لا أوافق على كل ما جاء بها ولكنها السجل الوحيد الذي عثرت عليه الذي ذكر قصة إحراق كتبي وكذلك رأيت الأمير البرت بقيافا ولابح: بحنان والمنتخب فردرك ببطرس والإمبراطور تشارلس ببيلاطس. وهاك ما جاء في النشرة:

        (حينئذ سلم لهم الولي "تشارلس الإمبراطور" كتب لوثر لتحرق فأخذها الكهنة. وعندما ترك الأمراء والشعب المكان صنعوا حريقاً كبيراً امام قصر رئيس الكهنة حيث احرقوا الكتب. وقد وضعوا فوقها صورة لوثر وعليها هذه الكتابة "هذا هو مارتن لوثر دكتور الإنجيل". وقد قرأ الكتابة كثيرون من الرومانيين لأن المكان الذي أحرقت فيه كتب لوثر لم يكن بعيداً عن مقر الأسقف. وقد كتبت هذه الكتابة بالغات الفرنسية والألمانية واللاتينية.

        عندئذ قال رئيس الكهنة والرومانيين للوالي لا تكتب "دكتور الحق الإنجيلي" بل اكتب "انه قال انه دكتور الحق الإنجيلي" ولكن الوالي أجاب "ما كتبت قد كتبت". حينئذ احرقوا معه دكتورين آخرين، هاتين وكارلسدات واحد عن اليمين "صورته بالطبع" والآخر عن اليسار. ولكن"صورة" لوثر لم تحترق فاضطروا ان يضعوها في إناء من القار حتى تحولت تراباً. وقد رأى احد الكونتات ذلك، فتعجب وقال حقاً كان هذا الرجل مسيحياً. وكل الجمهور الذين رأوا هذه الأمور عادوا يقرعون على صدورهم- وفي اليوم التالي ذهب رؤساء الكهنة مع الرومانيين إلى الوالي وقالوا اننا نذكر ان ذلك المضل قال قبل إحراق كتبه انه سيكتب في المستقبل كتباً أعظم، فأصدر أمرك في الأراضي كلها الا تباع مثل هذه الكتب لئلا تكون الضلالة الأخيرة شراً من الأولى. ولكن الوالي قال لهم عندكم حراسكم، اذهبوا وانشروا نشرات بابوية وحرومات كما تشاءون- عندئذ ذهبوا وأصدروا أوامر مروعة باسم البابا والإمبراطور ولكن تلك الأوامر لم يخضع لها احد إلى هذا اليوم.

بالطبع كان في هذه الصورة أخطاء على الأقل من ناحية تشارلس فانه لم يفكر مطلقاً في إطلاق سبيلي.

        وقد حملوا إليّ شيئا، كتبه البرد دورر عني، وقد وجدوه في مذكراته وهذا هو:

        "لا اعلم ما إذا كان حياً أم انه قتيل. ولكنه في كلتا الحالتين قد احتمل من اجل الحق المسيحي. فإذا فقدنا الرجل الذي كتب بأوضح أسلوب كتب في كل الأجيال فليضع الله روحه في شخص آخر. ينبغي ان تنال كتب لوثر كل الاحترام لا ان تحرق كما يأمر الإمبراطور. بل ينبغي بالأولى ان تحرق كتب خصومه- يا الله لئن مات لوثر فمن ذا يقوم ويشرح الإنجيل. ماذا كان يكتب لنا في العشر أو العشرين سنة الآتية، لو انه عاش؟!!

 (وبينام كان احد الرهبان يشاهد كتبي وهي تحرق، قال له احد المتفرجين انك يمكن ان تبصر أكثر، لو ان بقايا الكتب المحترقة دخلت عينيك!!!)


 

9

 

بطميس

        لاحظ مارتن اني أتململ في مكاني فقال: (هل أطلت الكلام عليك؟) قلت: (كلا. انه كلام طيب لكن أريد ان اعرف الوسائل المباشرة التي ساعدت على بقائك حياً. ان كل ما ذكرت لا يمكن ان ينقذ رجلاً تحالفت ضده القوات الكبرى في العالم. إمبراطور.. بابا.. كرادلة.. شعب... قل لي كيف نجوت. اعطني جواباً صريحاً"بلا قرون!!" فتبسم مارتن إذ ذكر كلمات أيك في مجمع ورمس وقال: (اسمع يا سيدي. لقد دبر لي منتخب ألمانيا الأمير فردرك ويعرف بالحكيم "مؤامرة اختطاف، مصطنعة، ولكنها كانت محبوكة بدرجة ان نفس فردرك لم يكن يعرف تفاصيلها.. وأنا خدعت في أول الأمر. كنت أظن ذلك من عمل خصومي. أنت تذكر اني تركت مدينة ورمس اثر صدور القرار وكان طريقي إلى وتنبرج... كان ذلك  يوم 26 نيسان "ابريل" 1521 والقرار صدر بعد ذلك بشهر كامل. وكان يحيط بي عشرون من أصدقائي وكانوا مسلحين. وفي الطريق كنا نمر بغابة مظلمة وهناك هجمت علينا عصابة، ظننا انها من الكاثوليك المتعصبين وجذبوني بعنف من العربة وطرحوني على الأرض وجروني بقسوة بينما وقف عدد من رجال العصابة يمنعون أصدقائي من محاولة إنقاذي. ثم وضعوني في عربة وانطلقوا وهم يرسلون سيلاً من شتائم ولعنات: وقد تم كل ذلك في لحظات بحيث أخذنا كلنا. وعلمت ان أصدقائي عادوا في حالة هم وكرب يتحدثون عن العصابة الشريرة.. عصابة القتلة والمجرمين التي قتلت لوثر. كان تمثيل الاختطاف متقناً حتى ان أحدا لم يخطر بباله ان الامر كان مجرد تمثيل لإنقاذي... اما انا فقد ظللت مدة أظن اني وقعت في أيدي عصابة قتلة. فقد اختطفوني وساروا بي في دروب متعرجة... بعيدة عن الطريق العام. ثم... اخبروني بالقصة وغيروا ثيابي فألبسوني ثياب فارس.. وبعد أسبوع كامل من نصف الليل وصل قلعة ويتنبرج القلعة القديمة، فارس مجهول. لم يخطر ببال احد ان ذلك الفارس الملتحي الذي يحمل إلى جنبه هو مارتن لوثر.

        وهكذا نجوت يا صديقي!!

        قلت: (لكن ألست تندهش معي، ان فردرك وهو كاثوليكي أمين لكنيسة... ثم انه من أنصار "التجارة المقدسة..." ألست تندهش انه يعمل على إنقاذك؟ وأجاب لوثر: (اني لا أزال اسأل نفسي عن السبب. لا أستطيع ان أخبرك بالسبب الأكيد. اعتقد انه أحسَّ اني لم أعامل بالإنصاف. وربما كان ذهنه قد بدأ يتفتح للحق الإنجيلي. والأرجح ان القومية الألمانية دخلت في الموضوع. وأنت ترى ان الله يشغل عبيده لمجده. كان كورش عبد الله. ونبوخذنصر وارتحششتا واحشوريوس. على اني اعتقد ان فردرك فبل الحق الإنجيلي وآمل ان تكون مسيحيته حقيقية)

 

* * *

        قلت: (اني أرجو مخلصاً ان يكون قد نجا هو من الهلاك الأبدي.. على اني أرجو ان اعرف شيئاً عن القلعة التي نقلت إليها وماذا عملت فيها). ثم قلت ضاحكاً: (اظنها كانت المطهر الذي حُكم به عليك فكم بقيت فيها وما عدد القداديس التي أخرجتك منها؟) وأجاب لوثر جادّاً: (لقد كانت فعلاً المطهر. لقد آمنت بالمطهر بعد ان مكثت فيها مدة. على اني عدت بعد ذلك ودعوتها بطمس!!) وقلت متسائلاً: (بطمس؟ وما وجه المقارنة بين القلعة والجزيرة؟) فأجاب: (هناك أوجه مقارنة كثيرة. فكما كانت جزيرة بطمس مكان الم جازه يوحنا كذلك كانت القلعة مكان آلام قاسيتها. وكما كانت بطمس مكان_) فقاطعته قائلاً: (ولماذا لا نتكلم جزءاً جزءاً. حدثني عن آلامك في بطمسك هذه!) قال: (لقد لاقيت فيها من الآلام ما لا أزال اذكره بتوجع. كنت فيها وحيداً أليف وحشة. فكر في شخص كانت حياته مع الجماهير يحكم عليه بان يبقى حبيساً في غرفته لا يبصر أحدا الا الجنود ولا يبصر الناس الا على بعد نافذته، ولا يجوز له ان يتحدث مع احد لئلا يكتشف أمره. هكذا ظللت في بطمس مدة حتى بلغت روحي التراق).

        وعندما سمحوا لي بالخروج كنت أسير محنيّ الرأس وسيفي مدلى إلى جانبي وعندما كنت أحس بالتعب، كنت اجلس وأضع السيف جانباً وأمسك بكتاب وكان الذين يبصروني يندهشون من رؤيتهم لفارس يمسك كتاباً.

        لم تقف آلامي عند هذا الحدّ، حدّ الوحدة والوحشة بل قد تعرضت لآلام اشد فقد هاجمتني الشكوك. آه من الشكوك. يبدو ان بيني وبين الشكوك معاهدة. كنت اسمع صوتاً يصفر في الجو المحيط بي ها هو الرجل الذي يعمل على نقض بنيان، استمر خمسة عشر قرناً. كانت الغابة المحيطة بي، تحمل لي صفير الهواء ونقيق الضفادع وقرقعة غصون الأشجار صوتاً متسائلاً، هل أنت الحكيم وحدك. هل كانت القرون الماضية على ضلال. ماذا لو انك مخطئاً. أي جريمة ترتكب ضد نفسك وضد الآخرين الذين تجرهم معك. نعم فقد أحسست بعد المعركة التي انتصرت فيها بما أحس ايليا بعد موقعة جبل الكرمل.

        ولقد أزعجتني أيضا التقارير التي حملت إليّ. لقد صدر القرار الذي صيّر مني شريداً خارجاً على القانون وها هم أعدائي يهاجمون الإنجيل. ها هو الأمير البرت في منيز قد بدأ ببيع صكوك الغفران... بل كانت الأفكار السوداء، تراودني ماذا ينتظر من الأمير فردرك. ترى كيف كانت الأحوال في وتنبرج؟)

        قلت: (لقد كانت القلعة جزيرة بطمس حقاً فقد تألمت فيها كثيراً!) أجاب: (نعم لقد تألمت... ولكن جزيرة بطمس لم تكن فقط جزيرة الألم_) قلت: (نعم لقد ذكرتني لقد كنت على وشك ان أتذكر شيئاً آخر). وأجاب لوثر: (أي نعم كانت جزيرة بطمس أيضا جزيرة الرؤيا. في بطمس رأيت المدينة. كنت متصلاً بالأعالي عادت إلي روحي... تشجعت واستطعت ان أشجع الآخرين. أرسلت لأصدقائي كتباً مشجعة. كتبت لصديقي ميلايكتون أقول لا تفشل. غنّ الأغاني التي أعطاها لنا الله أغاني الليل. سأشترك معك في التسبيح. وبدأ الله يرفع معنويتي. نعم ان كثيراً من الأخبار التي وصلتني كانت مؤلمة الا انه كانت هناك تعزيات كثيرة. وبدأت الخميرة الصغيرة تخمر العجين. بدأ الناس يسألون أسئلة كثيرة وكنت اكتب لهم. كنت ادرس كتابي وأقدم لهم توضيح الحق الإنجيلي. وكان اخص ما سألوا عنه نظام الرهبنة وهل له أصل في الكتاب. ونظام العبادة والقداس وملابس الكهنوت والأسرار وكنت اكتب لهم. وقد حفظوا هذه الرسائل التي جمعت فيما بعد وصارت مرجعاً لكتاب عقيدة الكنيسة الإنجيلية. وكان من نتيجة هذه الرسائل ان حدث انقلاب كبير. بدأ أصدقائي يجرون تعديلات كثيرة على أنظمة الكنيسة.

بدا الرهبان يتزوجون.

ملابس الخدمة الكهنوتية تغيرت أو أهملت.

اللغة الألمانية حلت محل اللغة اللاتينية.

"أكل اللحم في أيام الصيام".

قلت: (اسمع يا لوثر ان ما تتكلم عنه خطير... انه يستحق اهتماماً اكبر لفحصه. ولكن سأكتفي اليوم بان اسمع منك عما كانت بطمس لك عن طريق مباشر. قلت، انك شغلت وقتك في كتابة الرسائل وان تلك الرسائل كانت المصدر الذي زوّد الرسالة الإنجيلية في ما بعد. فهل ملأ هذا كل وقتك؟)

        وأجاب لوثر: (كلا. لقد كان الوقت فسيحاً أمامي، فسيحاً جداً ولذلك فكرت ان أقوم بعمل اكبر. فبدأت أترجم العهد الجديد إلى اللغة الألمانية. لم تكن هناك في الحق لغة تدعى اللغة الألمانية. كانت لغة محتقرة. كانت اللغة المحترمة هي اللغة اللاتينية. وأنت تذكر اني أشرت إلى القصاص الذي كان يعاقب به من نطق بكلمة ألمانية في المدرسة!) وقال لوثر: (أيّ يعتبرونه حماراً. ولكني نقلت الكتاب المقدس إلى هذه اللغة لغة الشعب المحتقر، لغة الحمير. وهل تعلم لقد استنارت الأذهان وأصبح الشعب الجاهل حكيماً... أصبح الحمير بشراً. خلقت لغة نبيلة هي اللغة الألمانية العظيمة. لغة ضمت العلوم والآداب والفلسفات والدين. كل ذلك ولده الإنجيل الألماني وكان الإنجيل الألماني وليد جزيرة بطمس الألمانية... نعم شكراً لله... شكراً لله من اجل قلعة ويتنبرج. شكراً لله من أجل ويتنبرج!)

        وانحنيت اشكر الله فلما رفعت وجهي كان لوثر قد اختفى فقمت وأنا أقول شكراً لله من اجل ويتنبرج شكراً لله من اجل بطمس!!


 

10

ترجمة الكتاب

        عاد لوثر بعد وقت وقال: (انه لن يمكث معي طويلاً، ولذلك رجاني ان اقصر حديثي على موضوع واحد ووعد انه سيعود إليّ إذا كنت في حاجة إليه أيضا. قلت إني أود ان أعود إلى  موضوع سبق ان تحدثنا فيه هو موضوع ترجمة الكتاب المقدس، وقلت ترى هل يسوء "الرجل العظيم" ان نناقش هذا الموضوع مناقشة كاملة قد تضطرنا إلى تكرار كثير مما تحدثنا به؟) وقال لوثر: (كنت أظن انك استوفيت المناقشة. قلت انها فعلاً مناقشة... كافيه إلى حد. ولقد أحسست ساعة ان فرغنا منها اني علمت كل شيء. الا انني في غيبتك اكتشفت ان الامر اجلَ من ان اكتفي فيه بالدقائق التي قضيناها في المناقشة. وقد اشغلني هذا الموضوع في الاونه الأخيرة خصوصاً وقد بلغت ترجمات الكتاب إلى أزيد من ألف ومائتي ترجمة!) وتململ لوثر وقال: (ترى هل ستكون أسئلتك استكمالاً للأسئلة السابقة أم-) قلت: (كلا سأبدأ المناقشة كما لو كنا لم نتعرض إطلاقا لها من قبل!) وهزّ لوثر رأسه خاضعاً وهو يقول: (امري لله. تفضل وتكلم!)

        فقلت: ان أهم ما يشغلني هو سبب اهتمامك بترجمة الكتاب.. لا أظن انك كنت تتخيل الآثار البعيدة لهذا العمل العظيم؟!!!)

        (كنت أدرك عظمة العمل ولكني لم أكن اعتقد انه يصل في تأثيره إلى ما وصل. على اني سأوضح لك الامر بالتفصيل: لم يكن كتاب مقدس في بيتنا الكاثوليكي. لم أر في طفولتي أو صبوتي كتاباً. بل ان أول نسخة من الكتاب لم أرها الا عندما التحقت بجامعة ارفرت. وقد عثرت عليها في المكتبة. كانت النسخة في اللغة اللاتينية. ولكني استطعت ان اقرأها. ولقد تحدثت إليك عن سني القلق التي اجتزتها وعن اختباري الروحي الرهيب، وجدت النور والسلام في الكتاب. فيه تعلمت ان الإنسان يوفق إلى مطلب الله ويتأكد من شركته معه لا بشيء يمكنه ان يعمله أو يكونه، لا بكنيسته يمكنه ان ينتسب اليها أو بفرائض يؤديها، بل بشيء واحد بسيط، بثقته الشخصية في الله بالمسيح. الإنسان يتبرر بالإيمان وحده. وكان عن طريق الكتاب فقط اني سرت إلى النجاة والحياة. لقد سبق ان قلت لك ان لم يكن بنفس الكلمات فبمعناها ومن ذلك الوقت كان اعتمادي على كلمة الله يتزايد، وإذ ذاك جعلتها موضوع دراستي الدائمة وقد تحدثت معك عن مقاومة الكنيسة لي واضطراري ان أقف امام أولئك الفلاسفة للدفاع عن آرائي. دخلت وليس لي من السلاح الا الكتاب. وقد حاول خصومي ان يحاربوني بسلاحي، فقالوا ان الكتاب هو فعلاً قانون الكنيسة، ولكن البابا وحده هو الذي يملك تفسيره ولكني لم اقبل ذلك وقلت، ان في مسائل الإيمان وخلاص النفس فان الكتاب واضح ويفسر نفسه وانه لا يمكن للبابا ولا لأي مجلس ان يقيد الفرد أو يسلبه حق الحلم نفسه...!) قال لوثر هذه الكلمات ونظر إلي متسائلاً: (ترى هل يضايقني ان اسمع هذه الآراء منه مرة ثانية؟) فقلت: (كلا. كلا. اني ارغب ان اسمعها كثيراً. انها رسالة قوة!)

        هز لوثر رأسه وقال: (فلما وضعتني الكنيسة تحت لعنة الحرم، طرحت نفسي على الكتاب المقدس في حالة تعبدية أكمل من أي وقت سبق. كنت إلى ذلك الوقت مكتفياً بمقاومة الأشياء التي رأيت انها ضد تعاليم الكتاب. اما منذ ذلك الوقت فقد تمسكت بأنه لا يتصل شيء بالحق المخلص الا إذا كان الكتاب صريحاً وواضحاً. وقد أعلنت للجميع ان كل تعليم غير هذا هو ضد إرادة الله. الكتاب المقدس هو الشاهد الأساسي للمسيح. فالكتاب إذن هو النبع الأسمى للحق والدليل المعصوم الوحيد للإيمان والحياة. وفي دفاعي الأخير في ورمس امام الإمبراطور وفي دار القضاء الفخمة ختمت بالكلمات: (اني مقيد بالأسفار المقدسة. ضميري أسير كلمة الله. فان لم اقتنع من الكتاب أو بالحجة الصريحة فلن يمكنني ان أنكر أقوالي).

        لم تكن هذه مجرد كلمات رنانة قصدت ان أوثر بها لكنها كانت اقتناعاً عميقاً.. وقد دفعتني إلى مبادئ عملية جداً. وتجسمت هذه المبادئ في "قلعة ويتنبرج" وقمت كما تعلم بترجمة العهد الجديد إلى لغة الشعب!)

        قلت: (لقد قيل انك قمت بهذا العمل الرائع في ثلاث شهور فقط فهلا أخبرتني كيف استطعت وحدك وفي ذلك الوقت القصير ان تقوم بهذه الآية!) فأجاب بنغمة التواضع الحقيقية: (انه الله الذي لم يتركني بل أعطاني الوزنات اللازمة لذلك. فقد كنت أولا اعرف اللغات الأصلية للكتاب معرفة تامة. لم اعتمد على الترجمة اللاتينية بل تقدمت مباشرة إلى اليونانية في العهد الجديد والعبرانية في العهد القديم. نعم كانت عندي "الفولجاتا" بطبيعة الحال. وكذلك بعض الترجمات الألمانية الأقدم على الأغلب. وقد استفدت من هذه بعض الشيء على الأقل في اجتناب أخطائها. ولكني بنيت عملي على آخر نسخة يونانية للعهد الجديد ونعني بها نسخة ايراسمس 1519 وآخر نسخة عبرية للعهد القديم وهي نسخة جرسون وموشه سنة 1494- كنت مجهزاً بما يكفل لي جعل ترجمتي صحيحة تماما وعصرية تماماً.

        و لا تنسى اني مذ كنت في الجامعة كنت في أيام دراستي دارساً مجتهداً للكتاب ولما كنت أستاذا في جامعة ويتنبرج حاضرت طلبتي عن جانب كبير منه. وكانت أعظم الدرجات فخاراً عندي اني أستاذ الكتاب المقدس. كنت قد شبعت نفسي تماماً بروح ومحتويات الكتاب- ولعلي لا أكون مدعياً أو متفاخراً إذا قلت اني كنت رجل اختبار ديني عميق وأنت تعلم ان الاختبار ضروري لفهم كلمة الله. فانها يجب الا تتلى فقط أو تلقى عن ظهر قلب. وإنما يجب ان تدخل في المشاعر وتتغلغل في الحياة. وقد امتلأت انا بروح الكتاب فكنت اتجه إلى ما وراء الكلمات والعبارات التي دونها كتبة الكتاب لأصل إلى قلوبهم وهكذا تمكنت من تفهم معاني كثيرة من العبارات الغامضة والصعبة.

        ولعلك تعرف ان الوظيفة الكهنوتية تقدم لصاحبها فرصة الفهم العميق للطبيعة البشرية فقد كنت بحكم هذه الوظيفة دائم الاحتكاك بالجمهور في هيكل الاعتراف- كما ان أجدادي كانوا من الفلاحين. كنت واحدا من الشعب عرفت أفكارهم وفهمت عواطفهم وأميالهم الدينية- وفي أثناء قيامي بترجمة العهد القديم، اختلط متعمداً بالجماهير في الأسواق والحوانيت واشتركت في أحاديثهم. وأصغيت إلى الشباب في ألعابهم في الشوارع والطرقات. وأصغيت إلى الأمهات يتحدثن إلى أولادهن. وقد أعطاني كل هذا بصيرة عميقة نفذت إلى قلوب الناس والى أسلوب تعبيراتهم، فمكنتني من فهم ذلك الكتاب الذي هو أعظم كتاب إنساني في كل آداب العلم. لأنه خرج من القلوب الملتهبة للأنبياء والرسل ويتجه مباشرة إلى القلوب المحتاجة، قلوب الرجال والنساء في كل مكان!)

        قلت: (ولكن يا مارتن هذا لا يكفي لإخراج ترجمة ألمانية جيدة. فقد كانت اللغة الألمانية، ماذا أقول، في الحق لم تكن هناك لغة ألمانية بل كان هناك شيء هو خليط من لهجات نحو المئتين فماذا عملت؟) ضحك لوثر وقال: (عندما وقفت أمامي هذه الصعوبات أخذت أوسع هذه اللهجات انتشاراً، وصغتها لغة حقيقية حلت محل اللهجات الأخرى. وقمت بهذا العمل بغريزة الشاعر لا بالمعرفة العلمية للغوّي. أخذت قلب الكتاب المقدس ووضعته في الاصطلاحات التي سمعت الناس يتحدثون بها!) قلت: (في الحق ان ما قمت به كان سحراً حلالاً فقد كانت نتيجة الترجمة لساناً ألمانيا حياً لم يستطع كاتب بعد ذلك ان يفوقه وقليلون استطاعوا ان يجاروه في القوة الأدبية وفي الحماسة الدينية!) وخفض لوثر رأسه تواضعاً وقال: (يغلب ان السبب اني لم أحاول ان احمل الناس إلى أراضي الكتاب وعصوره ولغاته بل صيّرت الكتاب نفسه كتاباً ألمانيا بالحق وقدمته لبسطاء الشعب في العصر الذي كانوا يعيشون فيه!)

        قلت: (ولكني أرى انه بالرغم من مؤهلاتك الفذة فان العمل كان اكبر من ان يقوم به شخص واحد؟!) وأجاب لوثر:( هذا صحيح ولكن لا تنسى ان الوقت كان ملائماً وكنت انا مستعداً. وقد بدأت بالعهد الجديد في كانون الأول (ديسمبر) سنة 1521 واشتغلت باجتهاد عظيم وسرعة فائقة حتى انتهيت منه في اقل من ثلاثة أشهور. قد يظهر هذا بعيداً عن التصديق وأنا نفسي انذهلت ولكن لا تنسى اني كنت قد سبقت ودرست إقليم الكتاب وإذ كنت في القلعة المنعزلة الموحشة استطعت ان اشتغل دون ان يعطلني احد!) ضحكت وأنا اسمع ذلك وقلت: (الست ترى ان هذه إحدى سخريات القدر فان أعداءك الذين اضطروك إلى الاحتجاب، كانوا السبب في دفعك إلى القيام بأمجد أعمالك وأكثرها أثرا في حياتك!) وأجاب لوثر: نعم نعم على ان الامر لم يكن سهلاً فقد كنت اعمل تحت صعاب طبيعية بلا سكرتير، بلا آلة كاتبة. لم يكن معي الا ريشة حقيرة ومداد رديء وورق من أدنى ما تجده في ارخص المكاتب... ومع ذلك فاني بهذه الإمكانيات العاجزة استطعت ان احمل معي نسخة العهد الجديد في شهر آذار "مارس" التالي، عندما غادرت مكان انزوائي الاختياري في قلعة "وتنبرج" وعدت إلى خدمتي العامة في "ويتنبرج!" قلت:( فماذا عملت بالترجمة؟) أجاب: (راجعت المخطوط مراجعة دقيقة ثم بادرت بارسالة إلى المطبعة. وفي أيلول "سبتمبر" سنة 1522 ظهر العهد الجديد في طبعته الأولى). قلت: (لقد رأيت نسخة منه!) قال: (لو انك رأيته يوم خرج... كان مجلداً كبيراً، محلى بإحدى وعشرين صورة قام بتصميمها صديقي الفنان "لوكاس كراناش"- وكانت في الكتاب مقدمات لكل سفر وملاحظات تفسيرية وآيات مقابلة. وقد ظهر للعيان ان الترجمة الجديدة كانت خلقاً جديداً لا تقليداً عنيفاً!!)  

        قلت: (ولكنك لم تقف عند العهد الجديد؟) فأجاب: (كلا. لقد بدأت في نفس الوقت بالعهد القديم. لم أقم به وحدي بل دعوت زملائي في كلية ويتنبرج ليعاونوا في هذا العمل الشاق. وقد امتدت أمد الترجمة إلى أكثر من عشر سنوات ذلك اني كنت مشغولاً بأشياء أخرى كثيرة، فضلاً عن انني لم أر ان الامر معجل كترجمة العهد الجديد.. وأخيرا كمل الكتاب... وفي سنة 1534 ظهر الكتاب كله معاً). وقال لوثر: كان سروري فائقاً حد الوصف بالكتاب العظيم. على اني لم اعتبر مطلقاً ان ترجمتي ترجمة نهائية. فقد كنت على الدوام ابحث عن نور أكثر حتى أتمكن من جعل المعنى أكثر وضوحاً في إعلانه. وقد ظللت أنقح وأصلح في كل طبعة جديدة قمت بها وقد بلغ عدد الطبعات التي تمت في أيامي عشراً). قلت: (ولكن كتابك لم ينج من الانتقادات فقد قام كثيرون من الخصوم ونظموا هجمات قاسية ضد الترجمة!) وأجاب لوثر ساخراً: (الآن وقد كمل الكتاب وترجم، يستطيع أي إنسان ان يقرأه وينقده. الآن يستطيعون ان يلقوا نظرهم على ثلاث أو أربع صفحات دون ان يتعثروا. يسيرون كما لو كانوا يسيرون على "لوح مجلو" دون ان يدركوا كم لاقينا من الإرهاق والتعب في تحريك الصخور العظيمة والكتل الضخمة وإبعادها عن الطريق لكي يتمكنوا من السير بسهولة. من السهل ان يحرث الحارث عندما تكون الأرض قد تنقّت من الجذور. اما قطع الأشجار وإحراق الجذور وتنظيم الحقل، فهو العمل الذي لا يجسر الناس ان يقوموا به! اسمح لي ان اخجل تواضعي قليلاً فأقول ان ترجمة الكتاب كانت بالحق عملاً هائلاً. لم تكن الترجمة مجرد نقل مجموعة كلمات من لغة إلى لغة . وإنما كانت نقل الفكر في تعبيره اليوناني والشرقي إلى الألماني والغربي. وقد اندهشت انا نفسي في ما بعد من جراءتي بالقيام بهذا العمل. ولكني قد دفعتني الحاجة لذلك الزمن مضافاً إلى ذلك اختباري العميق، تقدمت بدون تردد إلى ذلك العمل "الهرقلي".

        وعبس لوثر قليلاً وقال: (يؤسفني ان التعصب يعمي عيون المتعصبين عن رؤية الحقائق كما هي. انهم لا يدركون كم لاقيت في الترجمة من متاعب، ليس فقط للوصول إلى المعنى الصحيح الذي قصده الكتّاب الاصليون، بل أكثر من ذلك للعثور على الكلمة الصحيحة أو أسلوب التعبير الذي يُلزم القارئ العصري ان يفهم رسالة الكنيسة الأصلية. ما أكثر ما ظللنا أسبوعين، كلا، بل ثلاثة بل أربعة نبحث عن كلمة واحدة. وبالرغم من ذلك فكثيراً ما كنا نفشل في العثور عليها. لم تكن الترجمة لعبة هينة..

        لقد درست علم الحيوان، حتى أتمكن من تقديم الأسماء الصحيحة في الكتاب. وطلبت من احد القصابين ان يذبح لي ستة خراف ويوضح أسماء أجزائها المختلفة لأتمكن من تقديم ترجمة صحيحة للعبارات الخاصة بالذبائح. وطلبت من صديقي "واعظ البلاط" ان يرسل لي عينات من جواهر البلاط ويذكر أسماءها وألوانها حتى لا أخطئ في ذكر الجواهر المذكورة في سفر الرؤيا. وقمت بدراسة خاصة للنقود والموازين والمقاييس. وتحادثت مع اليهود في بعض كلمات العهد القديم وعاداته. كما كلفت زميلي وصديقي العالِم "فيليب ميلانكثون" ان يتصل برجال البحث في كل مكان ويستقصي عن معلومات تختص بالعهد الجديد بالنسبة لنصه وترجمته!)

        قلت: (لقد كنت دائماً عظيم الإعجاب بترجمتك. وقد اخبرني صديقي.. انه يعتبر كتابك مرجعة في اللغة الألمانية. لقد استطعت ان تحول الكتاب الشرقي إلى كتاب مفهوم في الغرب).

        وأجاب لوثر: (لقد كان تشجيع المخلصين مخففاً لما لاقينا من صعوبات.. كانت جبال شوامخ تقف في سبيلنا في العهد القديم. وهذا بعض ما كتبته في ذلك: إننا نقابل صعوبات جمة في ترجمة أيوب بسبب أسلوبه العظيم السامي.. يظهر ان أيوب كان أكثر غضباً من محاولتنا نقله إلى الألمانية مما كان عند سماع تعزيات أصدقائه- وكذلك كتب الأنبياء انها لا تقل صعوبة. يا للسماء ما اشق ان نجعل الأنبياء العبرانيين يتكلمون الألمانية. انهم لا يريدون ان يفرطوا في لسانهم الأصلي ليتحدثوا بالاصطلاح همجي كما ر يرغب البلبل ان يترك تغريده الساحر ليقلد الصوت الممل للوقوف.

        وحتى أتغلب على تلك الصعوبات واضمن دقة الترجمة ألفت نادياً للكتاب من جمهور من رفقائي وأصدقائي المتعلمين وكنا نجتمع أسبوعيا وكانوا يخرجون جواهرهم من كنوز معرفتهم الأخصائية على اني كنت انا الذي اكتب الترجمة النهائية وكنت انا وحدي المسئول عن النتيجة الأخيرة!!)

        قلت: (لقد كنت انوي ان أسألك عن الأثر القريب والبعيد للكتاب الألماني ولكني أخشى اني ثقلت عليك أكثر من اللازم!) وأجاب لوثر: (لا عليك.. على اني ارغب ان أجمل القول في القليل. فقد كان الكتاب العماد للبروتستانتية. أصبح الشعب يقرأ الكتاب ويفهم الحقائق الروحية.. لم يعد بعد يخضع خضوعاً أعمى للسلطات الكنيسة. والشعب بواسطة الكتاب رقعة الكرازة- وقام آخرون بترجمة الكتاب إلى لسانهم، كان الكتاب الألماني الطليعة. أما أثره الأولي فكان ابعد مدى مما كنت أتخيل- ولست أرى داعياً للدخول في هذا البحث فانا اتركه لك وأنت من رجال القلم.. والآن اظنك تسمح لي بالانصراف فقد سمعت مني عن الكتاب مرتين لا مرة واحدة ولكني لست آسفاً على ذلك..)

وانطلق لوثر ولم اعد أراه مدة أيام كثيرة!!  


 

11

الكنيسة الجديدة

        طال غياب لوثر. لم يعد الا بعد شهور فلما عاد كان سروري بعودته عظيماً. قلت له (لقد كنت طول الوقت أفكر عن العلاقة بين الثورة والكنيسة. لقد ذكرت ان الرهبان تزوجوا والملابس الكهنوتية حدث بشأنها بلبلة فالبعض نزعها إطلاقا والبعض أبقاها وقد بلبل هذا أفكاري. هل ظلت الكنائس الثائر محتفظة باسمها الكاثوليكي وممن كانت تستمد قوانينها؟) وأجاب لوثر: (ان هذا السؤال كان أيضا يقض مضجعي، لا أستطيع ان أعطيك جواباً قصيراً ينبغي ان ابسط الامر من اوله حتى نصل إلى آخره. لقد انفصل الثائرون عن الكنيسة ولكن الانفصال لم يتم في يوم وليلة أو على الأصح لم يأخذ صبغته الرسمية في يوم وليلة إذ ان الانفصال بدأ يوم رفعت راية الثورة، فهلا أصغيت إلي لتتفهم الامر كما حدث؟) قلت: (نعم اني مستعد ان أصغي!)

        سكت لوثر ريثما استرد هدوءه ثم تكلم أخيرا وقال:

        (سراني هذه الأخبار في أول الامر. لكنها بعد ذلك بدأت تزعجني. بدأ الإصلاح يأخذ صورة عنيفة. كان هناك روح ثوري يتغلغل في نفوس الناس. قدموا الخبز والخمر للشعب على غير العادة. إذ كان الكهنة وحدهم هم الذين يتناولون من العنصرين ودخلت الغوغاء إلى الكنائس وقلبوا المذابح ومزقوا صور وكسروا التماثيل وشوهوا المقابر وادعى بعض العلمانيين إنهم أنبياء وعندهم رسائل. وقد سبق ان ذكرت لك ان الإصلاح كان يمتد إلى سلطان الكنيسة وسلطان الطبقة الأرستقراطية فقد ظهرت حركة ثورية شعبية. وخشى المسئولون من قيام حروب داخلية فأرسلوا إلي لآتي إلى وتنبرج وأهدئ الأحوال. كان ذهابي مجازفة فان الأمير قد لا يقبل ان يعد بحمايتي.. بل خشيت انه لا يستطيع. ولو رغب في ذلك. ولذلك كتبت له (اني سأذهب إلى وتنبرج في حماية أعظم من حماية فخامتكم. انني لا اطلب منك ان تحميني. انني سأقوم بحمايتك أكثر مما تقوم أنت بحمايتي. هذه قضية لا يحكم فيها السيف بل الله)      

        وذهبت. كانت قد مرّت سنتان منذ "اختطفت" وأنا في طريقي إلى ويتنبرج. وقد وصلت إلى المدينة يوم جمعة. وفي يوم الأحد وعظت في الكنيسة وظللت أعظ كل يوم مدة أسبوع. كانت عظاتي تتناول المشاكل التي كانت تشغل الناس. وكانت خلاصة حديثي ان حياة المسيحي تتلخص في كلمتين الإيمان والمحبة. ان بعض الأشياء من مثل الإيمان بالمسيح هي أمور حتمية. ولكن المحبة لا يمكن ان تشغل العنف أو الضغط الذي لا داعي له. ينبغي ان نعمل على ربح القلوب. ليس لنا الا ان نقدم كلمة الله تاركين له هو ان يجري التغيير. اما بخصوص الأمور غير الجوهرية مثل طقوس الدفن وعهود الرهبنة ونظام العبادة واللغة والتماثيل وما أشبه+ فينبغي ان تترك للناس الحرية ليبقوا على القديم أو يغيروه. قلت انه ليس من السهل ان نجري تغييراً سريعاً مقبولاً. انني انا نفسي لم استطع ان اقبل التغيير الا بعد دراسة ثلاث سنوات. فمن غير المعقول ان يقبله الناس في ثلاث شهور!) وهنا قاطعت لوثر قائلاً: ( لقد قيل لي ان وعظك كان آية في الروعة. وقد سمعت عن الطلبة الذين سمعوك قالوا ان وجهك الطلق وصوتك العميق كان يجعل كل من يسمعك مرة يشتاق ان يسمعك باستمرار. وقد علمت انك استطعت عن طريق الوعظ والصبر والإنصاف ان تعيد النظام والاعتدال في ويتنبرج!

        تجاهل لوثر كلامي وتكلم مكملاً حديثه كما لو اني لم اقل شيئاً قال: (ولكن الثورة الإصلاحية لم تقف عند حدود ويتنبرج أو عند الناحية الدينية. فان الطغيان الكنسي جعل الكنيسة والإقطاعيين يقفون في ناحية والفلاحين والفقراء في ناحية أخرى- فلما جئت أكرز بالأخوة العامة قامت نتيجة لذلك حركات انقلابية سياسية في أوروبا ومن أهمها ما دعي بثورة الفلاحين. وقد نجحت هذه الثورة أولا .. الا انه لظروف خارجة عن إرادتي تحولت هذه الثورة إلى مجزرة... واتهمني المزارعون بخيانتهم.. وقد ظلموني...

        وها انا الآن اقترب من الإجابة المباشرة لسؤالك. قبل مجمع ورمس كان الكثيرون من الكاثوليك الغيورون يؤيدوني. لكن بعد ورمس ظهر ان لا بد من تأسيس جماعة جديدة. لم يكن قصدي ان انفصل عن الكنيسة. أأسس كنيسة جديدة. كل قصدي كان إصلاح الكنيسة الموجودة. ولكن أتضح لي في ما بعد ان إصلاح الكنيسة مستحيل. لابد من بناء كنيسة جديدة مرة أخرى أقول لك ان المقصود بكلمة "كنيسة جديدة" إصلاح الكنيسة فقط بترتيب يخالف الترتيب القائم في الجماعة الكاثوليكية"

        قلت: (ولكن الم يكن في الامكان لقاؤك داخل الكنيسة الكاثوليكية مع القيام بالإصلاح المنشود!) أجاب: (كيف يمكن ان يكون ذلك وقد تحديت سلطان البابا والمجامع وهدمت كثيراً مما تؤمن الكنيسة انه أساس في تكوينها. وفضلاً عن ذلك فان قادة الكنيسة طردوني وأتباعي من الكنيسة واعتبروني خارجاً عليها. ولا تنسى ان الإصلاح كان في القرن السادس عشر لا في القرن العشرين. ربما لو حدث هذا اليوم لامكن القيام بالتسوية وان كنت اشك في ذلك كثيراً!_  كنت قبل ان اذهب إلى مجمع ورمس اعتقد انه يمكن إقامة إصلاح داخل الكنيسة ولكن مجمع ورمس طردني من الكنيسة كما قلت لك.

        ولم يكن تأسيس الكنيسة الجديدة بالأمر السهل. فقد وقفت امامي عقبات ومعطلات.

سبق ان قلت لك انه قبل مجمع ورمس كان كثيرون من الكاثوليك الغيورين يؤيدونني. لكن بعد ورمس ظهر ان لابد من تأسيس جماعة جديدة ولم يشأ أولئك ان يغيروا كنيستهم. وهنا تقهقر عدد كبير من هؤلاء لأنهم كانوا لا يزالون يدينون بالولاء للكنيسة_.

        كذلك كان عدد كبير من المواطنين الألمان الذين رأوا في شخصي رجاء قوميتهم الألمانية. ان وقوفي ضد الأرستقراطية جعل دماءهم تغلي في أجسامهم لكن عندما ظهر اني لم أكن زعيماً سياسياً بل قائداً دينياً فقدوا غيرتهم في تأييدي. والفلاحون الذين كانوا يلمون بعالم أفضل يسود فيه العدل والإنصاف شعروا اني غدرت بهم عندما شجبت التمرد والثورة والعصيان واستعمال العنف. وعندما رأوا اني قررت ان اتبع الاعتدال في إصلاح الكنيسة شعروا بخيبة أمل وانفضوا من حولي.

أشياء كثيرة وقفت ضدي وضد الإصلاح.

أشياء لم يكن لي يد فيها.

لكن، ألم يكن لي يد حقاً؟

بل كان هناك سبب داخلي.. طبعي الساخن ما أكثر الأوقات التي اكتشفت فيها اني لا أستطيع ان أقدم الجواب اللين الذي يصرف الغضب. كنت أثور وانفعل فاعمل على إبعاد كثيرون ممن كانوا في الحقيقة في صفي.

        على ان كل هذا لم يقف دون تأسيس الكنيسة الجديدة لكن كان الموقف دقيقاً. ماذا اعمل؟ كان ألوف من الناس يؤمنون إيماني وكانوا مستعدين ان يسيروا خلفي فماذا اعمل. ان الهدم شيء ولكن البناء شي آخر. ان الهدم برغم صعوبته سهل بالنسبة للبناء. وقعت في حيرة وسط خرائب الكنيسة التي هدمتها، لقد رفضت الكنيسة القديمة ان تقبل الإصلاح فماذا يكون مع الإيمان الجديد. لقد اضطرب المسيحيون العاديون. لئن كان النظام الذي يسيره الأساقفة قد ثبت فساده فمن الذي يتولى الإشراف على الكنيسة ولئن ثبت عدم فائدة الرهبنة فما هو مصير الرهبان والراهبات. لم أفكر في هذه الأمور في أول الامر ولكني رأيت فيما بعد اني ملتزم ان اعمل شيئاً. كانت أسس الكنيسة واضحة المعالم وكان يحيط بي عدد من الرجال الأقوياء الذين وضعوا أيديهم معي وهؤلاء خططوا ما صار فيما بعد الكنيسة اللوثرية!).

        قلت: (فهل غيرت اسم الكنيسة وأي اسم أطلقته عليها؟) فأجاب:( في الحق اني لم اهتم بموضوع الاسم. والى ذلك الوقت كنت ارغب  ان يبقى الاسم القديم. ولكن الناس كما تعلم يطلقون اسم الراعي عادة على كنيسته ولذلك لم اندهش عندما سمعت الناس يقولون كنيسة لوثر. لم يسرني ذلك وقد حاولت ان أوجه الناس إلى الإصلاح لا إلى شخص مصلح لكن الامر سار على غير رغبتي- وقد قام  مصلحون آخرون ودعيت الكنائس بأسمائهم و-!) قلت: (لنترك امر الكنائس المصلحة الأخرى والآن، فسأعود لأتحدث معك بشأنها مرة أخرى. والآن لنعد إلى كنيستك.. حدثني عنها!) فأجاب: (كان أول مميزات كنيستي كما تقول إنها كنيسة تستند أولا وآخراً على الكتاب المقدس_ كان السؤال الأساسي من له الحق ان يقول ان هذا الامر حق أو غير حق. البابا أو أي إنسان آخر أم الله في كلمته؟!)

        قلت له: (ولكن يا دكتور، الكاثوليك أيضا كانوا يقولون ان الكتاب المقدس هو أساس القوة فأين إذن قام الخلاف بينك وبينهم؟) فأجاب: (ان الكاثوليك يقولون ان السلطان لله في كلمته المقدسة على ان تقوم الكنيسة بتفسير الكلمة. وفي قولهم الكنيسة كانوا يقصدون البابا. لا سلطان لحد ان يفسر الكتاب الا للبابا. اما انا وأصدقائي فكنا ولازلنا نقول ان كلمة الله فوق كلمة أي إنسان. وقد أعلنت يوماً في مجلس عام، ان علمانياً بسيطاً مسلحاً بالكتاب المقدس يمكن ان يوثق به أكثر من البابا أو أي مجمع كنسي...  ثم قلت لهم: هل تظنون ان كلماتكم غير المسلحة تصمد أمام سلاح الكلمة_  وفي ورمس طلبت ان يقنعوني من الكتاب!) قلت: (ولكن يا لوثر، الا ترى ان للكاثوليك شيئاً من الحق في طلب التفسير من المختصين. ان ترك الكتاب ليفسره أي إنسان  سيحيل العالم الديني إلى فوضى. وهذا المبدأ يجر وراءه وقد جر فعلاً مشاكل لا عدد لها. فان ترك تفسير الكتاب لكل من "هب ودب" يبلبل الأذهان. فهذا الشخص يقول ان لله مختارين وآخر يقول كلا ان هناك حرية إرادة. هذا يقول بمذبح وآخر يبشر بلا مذبح. هذا ينادي بخدمة مرتبة لا طقوس تستند على القديم وآخر يقول بالعبادة البسيطة. وقد انشق المسيحيون بعضهم على بعض بسبب اختلاف التفسير أليس من الإصلاح ان تتولى سلطة واحدة هذه المهمة الجلية، بحيث يكون لها وحدها الحق ان تفسر الكتاب؟) وقال لوثر: (انني آسف ولا شك الانقسام الكنيسة إلى مذاهب وشيع لا عدد لها وآسف أكثر ان هناك شيعاً، خرجت عن العقيدة السليمة... وكلها تنتسب إلى الحركة البروتستانتية. انا آسف لذلك لكن في نظري خير من التحكم في الفكر الإنساني. واحقق لك انه ليس من الطبيعي ان يظل الفكر حبيساً. سينطلق الفكر بالرغم من الحديد والنار. هذا مبدأ ينبغي ان تسلم به. ولئن ظن الطغاة انهم يستطيعون ان يتحكموا في الفكر بالقوة فقد خاب ظنهم. أنت ترى ذلك في كل ميادين الفكر سواء في ذلك ميدان الدين أو السياسة أو الاقتصاد. وأنا احقق لك ان انطلاقة الفكر إلى ما دعوته فوضى سببه طول كبت الفكر وتلجيمه. ولو انهم سمحوا له بالانطلاق من أول الامر ما اندفع بالشدة التي اندفع إليها!)

        قلت: (ولكننا لسنا بصدد من الملوم أكثر. لقد كانت كنيسة واحدة ورئاسة واحدة، فلما زعزعت أنت يقين القوم في الرئاسة انهدمت الحواجز وطفى ذلك النهر الجبار، فغمر الأراضي واغرق الزرع وهدم البيوت وأنت ترى كنائس لوثرية ومشيخية ومعمدانية وإصلاحية وخمسينية وبليموثية وتشعبت كل طائفة من هذه الطوائف إلى شيع ومذاهب حتى لقد قيل ان عدد الفرق قد أربى على الخمسمائة بل كان هناك شر أدهى فقد خرجت طوائف سبتية، وشهود يهوه ومورمونية. ولو انك قبلت الوضع القديم ما غرقنا في هذا اللج العميق!؟) وأجاب لوثر: (احقق لك انه ما كان يمكن إغلاق الباب على الفكر. كان لابد ان يظهر ان لم يكن مارتن لوثر فمارتن غير لوثر. وان كثرة عدد الشيع لن يضير المسيحية عشر معشار ما أخرت بها البابوية).

        اما قولك ان الخلاف في التفسير اليوم سببه عدم وجود هيئة واحدة ذات سلطان فبالرغم مما فيه من الخطأ فانه لا يستند على أساس سليم. ولو ان الكنيسة الكاثوليكية استندت على الكتاب ثم قدمت تفسيرها، لكان الامر هيناً. ولكن الكنيسة الكاثوليكية تركت الكتاب إطلاقا وجاءت بأقوالها هي. وقد سلكت مسلك اليهود في ذلك فاعتبرت "المشنا" هي التفسير الصحيح للشريعة، وكثيراً ما كان التناقض بارزاً بين الأصل والتفسير.

        كانت الكنيسة الرومانية تطلب مترجماً رسمياً انها كانت تظن ان الكتاب مجموعة قوانين وشرائع ينبغي ان تفهم تماماً حتى يمكن للإنسان ان يخلص. ولكني رأيت من الأول غير ذلك. أعلنت ان الكتاب المقدس لا يحتاج إلى مفسر رسمي ليتمم خلاص الله لأن الله كان في الكتاب يتكلم مباشرة لقلوب الناس ان بعض أجزائه أصعب من البعض الآخر. ولكن الجميع من مثقفين وغير مثقفين يمكنهم ان يسمعوا صوت الآب ويعرفوا إرادة الفادي!)

        قلت: (لا شك ان آراءك من الناحية النظرية لا اعتراض عليها لكني تسأل كيف استطعت ان تصل إلى نتائج عملية لهذه النظريات؟) فأجاب: (كانت خلاصة الرأي تنتهي إلى ان الكتاب ينبغي ان يكون في متناول أيدي المسيحيين عامة. ان ما يمكن ان يبني الناس هو فهمهم للكتاب، إذن ينبغي ان يقدم لهم الكتاب في لسانهم القومي. كانت هناك ترجمات ألمانية للكتاب ولكنها لم تكن ترجمات دقيقة كانت لا تصلح لمواجهة حاجات الناس ولذلك رأيت انه يتحتم ان تكون هناك ترجمة جديدة عندئذ قمت كما سبقت وقلت لك وأنا في "بطمسي" بترجمة العهد الجديد إلى الألمانية.   

        قلت: (ولكن هل كان الكتاب المقدس وحده كافياً للتنظيم.) فأجاب: (كانت هناك أسئلة كثيرة خاصة بمسائل كثيرة تتطلب بحثاً ولذلك قمت بكتابة كتابين لأصول الإيمان المطول والمختصر).

        وقد ظلت الحرب بين الكنيسة الكاثوليكية وبيننا مدة عشر سنوات تقريباً. فقد عقد الكاثوليك في 1529 مجمعاً حاولوا ان يضعوا أمام "الهراطقة" ما يشل حركتهم- فقد عقد هؤلاء أمرهم واحتجوا على ما عمل. وكتب ميلانكثون نقط الاحتجاج "البروتست" وفي سنة 1530 رأس تشارلس المجمع في مدينة اوجسبرج- وقد أراد الإمبراطور ان يظهر أو على الأصح ان يدعي انه محايد. وكان يهدف بالصبر والإقناع إلى رد القطيع المتمرد إلى الحظيرة. على انه كان في ذلك الوقت في ذروة قوته. وقد قرر ان يستعمل السيف إذا لم تصلح الملاينة. كنت أفكر في الذهاب إلى المجمع ولكني في اللحظة الأخيرة عدلت إذ لم احصل على وعد بالأمان. وبقيت وحيداً في قلعة فست كويريج وقد بقيت في ذلك المكان الموحش انتظر بقلق مفاوضات اوجسبرج.

        قلت: (وما الذي بلغك بشأنها؟) فقال: (وصل الإمبراطور في أوائل أيار "مايو" ولما نزل عن حصانه رفع ممثل البابا كامبيجو يديه يبارك الجمع فركع جميع الأمراء ما عدا الأمير جون والأمير فيليب فقد ظلا واقفين. وذهب الجميع إلى الكاتدرائية في موكب فخم، ولكن الأميرين البروتستانتيين ظلا واقفين طول الخدمة. وفي اليوم التالي دعا تشارلس الأمراء البروتستانت وطلب منهم ان يسكتوا  وعاظهم في اوجسبرج فرفضوا ونظر مارجريف العجوز إلى الإمبراطور وقد حدق في عينيه وقال: (اني أوثر قبل ان أنكر الهي وإنجيله ان أجثو هنا لقطع رأسي!)

        واضطرب تشارلس وقال بالألمانية "مكسّرة" قطع رأس لا... قطع رأس لا..

        وامتدت المفاوضات طويلة ومملة. وأخيرا طلب الإمبراطور ان يعرض "اللوثريون" قضيتهم علناً. وكان هذا جل ما نتمناه فقد كنا سبقنا وأوكلنا إلى صديقي ميلانكثون ان يعد رسالة قصيرة شاملة. وقد قضى الرجل العظيم عدة شهور وهو ينجزها.

        كان يحس بعظمة العمل وكان لذلك يسكب قلبه سكيباً. كثيراً ما رؤى منحنياً على كتبه غارقاً في دموعه. كان هدف ميلانكثون ان يعد عقيدة للوثريين في عبارة معتدلة. لم يكن قد فقد الأمل في إمكانية السلام بين الفريقين ولذلك أبرز النقاط التي تلاقي عندها الفريقان. ابرز مثلاً الإيمان بالثالوث الأقدس ولاهوت المسيح وولادته من عذراء ومكان المعمودية... وهكذا واغفل بعض نقاط الاختلاف الأساسية مما جعل البعض يتهمه بعدم الأمانة الكاملة واستطاع ان يكتب صورة للعقيدة الجديدة. على انه بالرغم مما حوته الصورة من التسامح بل ومن التساهل الذي بلغ حد النزول عن بعض المبادئ الأساسية رفض الإمبراطور ان يوافق على هذه الصورة. بل هدد الجماعة الجديدة وأعطاهم فرصة واحد وعشرين يوماً للتوبة، وإلا فالسيف يحكم بينهم.

        كان ذلك اليوم من حزيران "يونيو" 1530 يوماً فاصلاً في حياة الكنيسة الجديدة. كان الاعتراف الاوجسبرجي شهادة الميلاد للكنيسة اللوثرية التي دعيت بالبروتستانتية أيضا نسبة لرسالة "البروتستانت" التي قدمها ميلانكثون. فقد وقف الأمراء الألمان وأعلنوا انهم بالاصالة عن أنفسهم وبالنيابة عن شعوبهم يعترفون بإيمانهم كما هو مبين بوثيقة ميلانكثون. وكان إعلانا لنهاية الإمبراطورية الرومانية المقدسة. وأصبح في المسيحية فريقان، الفريق البروتستانتي والفريق الكاثوليكي!!

        انتهى لوثر من كلامه ونظر إلي وقال هذا هو جواب سؤالك عن مكان الإصلاح بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية!

أ. تنظيم الكنيسة

        نظرت إلى لوثر وقلت: (ألا تنظر بأسى إلى الكنيسة المنقسمة؟) فأجاب: (انها لم تنقسم. الكنيسة لم تنقسم. ان ما حدث لا يعدو ان يكون تنظيماً لا تقسيماً. بل انك إذا حسبته انقساماً فقد كان لخير الكنيسة الكاثوليكية نفسها. ثم قال: (كنت أظن إننا قد فرغنا من هذه المسألة!) قلت: (نعم نعم. لكن ماذا عملت بالجماعة التي... التي انشقت عن الكنيسة!!) فأجاب: (اني أرجو أولاً ان نصلح كلمة انشقت. إننا بعد ان رأينا الفساد في البابوية اعتزلنا. اننا نحن الكنيسة. لقد عدنا إلى كنيسة الكتاب الكنيسة البسيطة النقية المؤمنة- أما ما عملناه بهذه الجماعة فموضوع يتطلب وقتاً طويلاً لشرحة على اني سأحاول ان ألخصه لك موقتاً، حتى إذا أسعفنا الوقت في المستقبل أسهبنا!!    

        ذكرت لك انه منذ قيام الحركة الإصلاحية قامت مسائل كثيرة تتطلب حلولاً سريعة. وأولى هذه المشاكل تنظيم الرئاسة أو دعنا نقول تنظيم الإشراف. في الكنيسة الكاثوليكية كان النظام يبدأ من أعلى إلى أسفل. يبدأ بالأسقف .. ثم القسيس.. ثم الشعب. لكن في الكنيسة الجديدة تغير الوضع. فصار الشعب أولا. كانت الكنيسة شركة المؤمنين. والقسيس لم يكن إلا واحداً من المسيحيين مثل سائر الأعضاء مخصصاً للخدمة باختيار الشعب.

        لكن من الذي يشرف على الكنيسة المحلية، كان الامر يتطلب سلطة بدلاً من سلطة الأسقف فمن الذي يحل محل الأسقف في النظام الجديد. هل نعين أساقفة.. وأين نجدهم وهل نعين بابا و.. ألا نكون قد عدنا من حيث بدأنا. كان الامر يتطلب هيئة مدبرة تنظم الأمور وتجمع أموال الاديار.

        كنت أظن ان الأمور يمكن ان تسير وحدها. لقد طلبت من الشعب ان ينبغي ترك الحرية للناس في الأمور غير الجوهرية. لكن هذا انتهى إلى بلبلة إذ أصبحت الكنائس لا تسير على نظام واحد. بل سبب هذا ارتباكاً في أذهان البسطاء. من الذي له ان يحكم كيف يكون هذا أو ماذا يجب ان يكون ذاك. ثم من الذي يشرف على القسوس ليرى ما إذا كانوا يسلكون بحسب الإنجيل؟

        تلفت حولي.. كانت المسائل أكبر مني. لا أستطيع انا ان أقوم بكل شيء.

ان أصعب وقت تمر به هيئة جديدة هو السنوات الأولى. كان الوقت السابق مزدحماً بأعمال الهدم. لم يكن ثمة وقت للبناء. كان الهدم يشغل كل الوقت وكل الفكر وكل القوة. فلما تم الهدم كان كل ما يحيط بنا خراباً حتى ان كثيرين فضلوا البناء القديم لأنه كان على الأقل قائماً..       

        كان عدد القائمين بالثورة الإصلاحية قليل جداً، كنا أفراداً. أما الشعب فلم يكن معداً للخدمة. ولذلك طلبت من الأمراء ان يتولوا قيادة الكنيسة. لم يكن هذا أمراً جديداً عليهم، فإنهم لمدة مئات السنيين كانوا يتولون السلطة في الكنيسة الكاثوليكية. ولكني لم انظر إليهم بصفتهم أمراء بل بصفتهم مسيحيين ذوي تأثير_ على اني يجب ان اعترف ان هذا النظام لسوء الحظ، انتهى إلى ان صارت الكنيسة خاضعة كل الخضوع تقريباً للسلطات الزمنية.

        في سكونيا عين المنتخب هيئة للتفتيش عن حالة الكنيسة ولتقديم التوصيات اللازمة. وكنت انا احد أفراد هذه الهيئة. جلنا في البلاد نبحث عن الأحوال الروحية والمالية.. ويا لسوء ما وجدنا. فان كثير من الرعاة وكانوا أصلا من الكهنة الكاثوليك. وانتقلوا إلى الكنيسة اللوثرية دون ان يغيروا شيئا من عقائدهم أو سلوكهم. بعضهم لم يكن يعرف الوصايا العشر أو الصلاة الربانية. واشتكت إحدى الكنائس ان الراعي وعظهم عن فن صنع البيرة!! وفي إقليم من الأقاليم وجدنا ان عشرة فقط من مائتي راع كانوا يحيون الحياة المسيحية الأدبية. ووجدنا قسيسا كان يخدم كنيستنا وفي نفس الوقت كان يخدم في كنيسة كاثوليكية مجاورة.

        ولما كانت سكونيا كلها تقريباً قد تحولت إلى العقيدة الإنجيلية فقد اقترح البعض اتخاذ إجراءات قاسية، إلى حد الحكم بالموت على المعارضين. ولكنني بالرغم من سوء الحالة عارضت بشدة استعمال العنف في أمور الدين. غير اني ابتدأت أغربل الرعاة. لم تكن الغربلة كاملة لأن الحاجة كانت ماسة إلى خدام في وقت لم يكن في الامكان الحصول على رعاة. بل لقد اضطرنا الامر ان نكلف علمانيين بالقيام ببعض خدم التعليم والوعظ. في الحق ان الأمور لم تنظم إلا بعد جيل كامل عندما أمكن تخريج عدد كافٍ من الخدام الشبان. والى ان ظهر الجيل الجديد كان الخدام غير المعدين يقومون بالخدمة. ولأجل هؤلاء أعددت كتب أصول الإيمان والمواعظ. وهذه أدت رسالتها إلى حد بعيد!)

        قلت: (لقد كانت مهمة عظيمة. انني عندما القي نظري على الكنيسة اللوثرية اليوم وأرى كنائسها المنظمة وخدامها المثقفين أنحني أمام قدرة الله العجيبة التي عاونت على إقامة هذا البناء الشامخ من كوم رماد وهي محرقة... على اني ارغب ان اعرف أيضا شيئاً عن كيفية العبادة في الكنيسة الجديدة!) فقال:

        (كان الدين لأكثرية هو العبادة. وكان أهم جزء في العبادة في الكنيسة الكاثوليكية القداس. وبالرغم من ان أكثرية بل جميع الحضور تقريباً لم يكونوا يفهمون في العادة شيئاً منه، إلا ان تأثيره الروحي عليهم كان عميقاً وخصوصاً عندما يصل القداس إلى الجزء الذي تتم فيه "معجزة تحول الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه_) وكان الذهاب لحضور القداس، من "الأعمال الصالحة التي تساعد على خلاص النفس". وكان الكهنة يعرفون قيمة ذلك الجسد والدم. وإذ كانوا يخشون لئلا تقع نقطة واحدة من الدم على الأرض كانوا لا يقدمون للمتناولين إلا الخبز فقط. الكهنة وحدهم الذين يتناولون من العنصرين. وإذ فتح الإصلاح عيون الناس رأيت ألا أغير الأوضاع بالعنف. كانت كرازتي تتجه إلى ترك الحرية للناس ليختاروا النظام الذي يرغبون فيه. ذلك ان الامر لا يتصل بأمور جوهرية أساسية).

        بل قد رأيت ألا أضع قواعد خاصة لخدمة القداس. قلت ان للكاهن كل الحرية ان يلبس الملابس الكهنوتية أو لا يلبس. كان بعض الرعاة متطرفين، أرادوا ان يتخلصوا من كل ما في الكنلكة  من مظاهر سواء كان حسناً أو ردياً... الملابس، النوافذ الملونة الجملية في الكنيسة. الصور والتماثيل، والآلات الموسيقية- وقد ظل هذا رأيي مدة، اقصد ترك الحرية للناس. ولكني اكتشفت ان هذه الحرية قد أشاعت نوعاً من الفوضى فأعددت كتيباً صغيراً ضمنته ترتيب الخدمة وستلاحظ فيه اتجاهاً نحو التحفظ، ربما أكثر مما ينتظر من زعيم للإصلاح ذلك اني نشأت في الكنيسة الكاثوليكية وربيت في طرائق العبادة فيها ولم يكن من السهل عليّ التخلص من آثارها_)

        قلت: (هل معنى ذلك انك أعدت كتاب العبادة في الكنيسة الكاثوليكية) فأجاب: (كلا. ان في ما وضعته تغييرات جوهرية عما في كتاب الكاثوليك).

        (وأول تغيير تلاحظه اللغة. كانت الخدمة ولا تزال في الكنيسة الكاثوليكية باللغة اللاتينية وأنا رتبت ان تكون باللغة الألمانية!)

        قلت: (جميل... جميل لابد ان لهذا التغير إثارة البعيدة في الشعب إذ أصبحوا يدركون حقيقة الديانة!)

        وقال لوثر: (بل أكثر من ذلك فقد اتاح للشعب ان يشتركوا في الخدمة بعد ان كانت قاصرة على "الكهنة" وأجواق الأناشيد!)

        قلت: (ما دمنا في موضوع الخدمة فماذا عملت في امر الملابس والأناشيد والمذابح وأغطية المذابح والصلبان والبخور والأواني والصور وآلات الموسيقى وزجاج النوافذ الملون ومشاكل من الأمور التي أشرت قبلا ان تترك لحرية الناس؟)

        وأجاب لوثر: (لقد تمسكت بكل هذه لا كأمر محتم- بل كأمر اختياري. اني شخصياً رغبت في بقاء الأمور كما كانت ولكني تركت كامل الحرية، يبقيه من يستحسن بقاءه ويتركه من لا يستحسن.

        غير ان "الخدمة اللوثرية"  تتميز بخاصتين أخريين ارغب الا تنساهما الأولى التنبير على الوعظ. كان القداس هو الجزء الهام في الخدمة البابوية وكان الوعظ عنصراً ثانوياً جداً فكان ضعيفاً جداً. وتروي أقاصيص  كثيرة عن سخافة الوعظ. وقد شددت على لزوم الوعظ وعلى الاهتمام بجودته، انا نفسي وعظت!) قلت: (اعلم ذلك وكانت عظاتك آية في الجودة. وقد اطلعت على مجموعة عظاتك، اقصد العظات التي استطاعوا الحصول عليها، فلقد فقد عدد كبير من مواعظك. لقد رأيت ألفي عظة وثلاثمائة!!) وقال لوثر، (اني اشكر الله ان أعطاني كان لها اثر كبير في توجيه الحياة المسيحية. لقد شددت على الرعاة ان يجعلوا يسوع وحده موضوع وعظهم، في الكنيسة الكاثوليكية كان القديسون البابوات والعذراء مريم يحتلون المكان الأول في الوعظ اما انا فقلت لهم ليكن يسوع هو الأول والآخر!)- وهنا سألته هل يقصد انه لا يجوز ان يتضمن الوعظ شيئاً من السير أو من حياة العذراء!) فقال: (كلا- كلا – إنما قصدت ان يكون يسوع المركز الأساسي للوعظ، ، فان الحاجة إليه هو. لا شك ان الإشارة إلى حياة العذراء أو القديسين يمكن ان يدعم الحقائق المسيحية!)- قلت: (ولكني لاحظت خلو العظات من تلك الإشارة، وأجاب: (لقد كان من طبيعة التجديد. فان التطرف إلى ناحية يدفع إلى تطرف إلى الناحية الثانية!!)

        قلت: (شكراً يا صديقي.. ولكنك ذكرت ان الخدمة اللوثرية تضمنت خاصية أخرى؟) قال: (نعم نعم. وتلك هي إدخال عنصر التسبيح في العبادة، التسبيح الذي اشترك فيه الشعب – وقد ترددت في جوانب الكنيسة تسبيحات جميلة بل امتد استعمال التسبيح إلى البيوت. وقد بلغني ان احد خصومي قال مرة: ان ترانيم لوثر قتلت نفوساً أكثر مما قتلت عظاته!!)

        تأهبت لترك لوثر وكدت أمد يدي مودعاً ولكني عدت وجلست في مكاني وقلت: (لقد انتهي الجزء الأكبر من حديثي لكن هناك بعض الأمور التي ارغب لمسها لمساً خفيفاً فهناك مثلاً سؤال عام عن التغيير.. لا اقصد التغيير في التفصيلات، بل التغير الشامل الذي لمس المجتمع نتيجة لوجود كنيسة جديدة!)

        والسؤال الثاني سبق ان ذكرته ولكني أراني مضطراً ان أعود إليه، وهو هل لا تزال عند رأيك في الثورة الإصلاحية كان لابد منها... ألم تنشأ إضرار للكنيسة العامة من جراء ذلك... ويلحق بهذا السؤال عمن ساروا في طريقك وما آل إليه امر حركتهم الإصلاحية.

        وسؤال ثالث يتصل بشخصك...و... وبزواجك وأسرتك.

        وسؤال أخير عن موقفك بالنسبة.  بالنسبة لعودتك إلى الكنيسة الكاثوليكية أو على الأقل بالنسبة إلى الحركة الوحدوية!

        وتنهد لوثر وقال: (اطلب من الله ان يعينني على الجواب. غير اني استأذنك الآن راجياً ان نتمكن من الاجتماع في وقت قريب!)

        قلت: (لا بأس على ألا يطول أمد الغياب!!)   


 

12

أربعة أسئلة

        بدا لوثر غير مستريح إلى الأسئلة التي قدمتها لا لأنها صعبة أو معقدة، لكن لأنه اشتم فيها رائحة انتقاد. وعدم إخلاص فأكدت له اني لا أكن له إلا التقدير والاحترام واني إذا كنت اسأل فلأني أبغي الوصول إلى الحقيقة الكاملة.. وقال لوثر: (سأجيب عن أسئلتك أو على الأصح سأحاول ان أجيب!)

        اما سؤالك الأول، فيتناول الأثر الذي تركته الكنيسة الجديدة في المجتمع. أو الأثر المختلف الذي أحس به العالم لا من ناحية نظام الخدمة بل من ناحية التأثير في حياة المجتمع. ويمكنك ان تلاحظ ذلك في عدة نواح اذكر لك منها ثلاثاً كعينة وسأترك لك البحث عن استكمال الجواب. اما الناحية الأولى فاتصلت بقدسية البيت. كان الكاثوليك يعظمون الراهب قديساً والراهبة قديسة. أم الزواج فبالرغم من أنهم دعوه سراً إلا ان المتزوجين كانوا "أقل قداسة من الرهبان!!!) بل قد اعتبروا الزواج نوعاً من النجاسة. كانوا يقولون عن الراهب انه "نذر العفة" يقصدون انه نذر عدم الزواج. من اجل ذلك رتبوا ان يكون الكهنة والأساقفة ورؤساء الأساقفة والكرادلة والباباوات من الرهبان- ومن ان الفساد انتشر بين طغمة الاكليريوس إلا أنهم اعتبروا ذلك اقل نجاسة من الزواج- اما كنيستنا فقد عظمت البيت واعتبرت الزواج قداسة والبيت هيكلاً لله لا يقل قدسية الكنيسة. وقد ذكرت لك عن زواج الرهبان والراهبات وقيام البيت المسيحي- وبذلك أصبحت الكنيسة حقيقية بالاسم فإنها الأسرة الكبيرة التي تؤلف من الأسرات الصغيرة. الم يقل الكتاب ان الأسقف ينبغي ان يكون أبا- وقد اطمأن الناس إلى الرعاة المتزوجين واستراحوا إلى خدمتهم. سمعتهم كانت نظيفة، ومقدرتهم في معالجة مشاكل العائلة ظاهرة بسبب اختبارهم في عائلتهم الأمر الذي لم يكن يعرفه الاكليريوس البابوي".

        قلت: (ولكن ألا ترى ان في عدم زواج الاكليريوس فائدة بل فوائد؟ أجاب: (إنني أولا لا أجد سنداً للرهبنة في الكتاب. وثانياً ان فوائد البتولية اقل جداً من إضرارها. على إننا لم نحترم عدم الزواج. ان هذا الأمر شخصي. كل واحد يختار لنفسه ما يصلح له ولكننا على وجه العموم نفضل زواج الخدام).  

        وناحية الخلاف الثانية، كانت في الصورة التي قدمتها الكنيسة للديانة كان الصلاح يتجلى في الصيام والمناولة والقداديس. بحيث كانت هذه تكفي لارسال المؤمن إلى الفردوس مهما كانت حياته- يكفي ان اذكر لك أسماء الكرادلة والأساقفة الذين كانت لهم سيرة غير نظيفة ولكن الكنيسة كانت تذكرهم كقديسين وتتشفع بهم لدى الله. ولقد نتج عن ذلك انخفاض مستوى الحياة الروحية إلى حد مروع اما كنيستنا فقد نبرت بالاكثر على قوة الحياة المسيحية في المعاملات اليومية. لم ننكر على الصيام والشركة والطقوس مكانها ولكن قيمتها قلت كثيرا بالنسبة للحياة اليومية. والصدق ونقاوة الحياة والامانة والمحبة والاحسان وبقية الصفات التي تجمل الحياة صارت في المرتبة الأولى. صارت هي الثمر المطلوب في الحياة المتدينة. وظهر ذلك التغيير في نوع الخدام الذين انتخبتهم الكنيسة الجديدة للقيادة والتوجيه. كان كثيرون من الكهنة البابويين لا يتصرفون حسب تعاليم المسيح، ولكنهم كانوا قادة في الكنيسة يتممون الطقوس الدينية ويحلون ويربطون ويمسكون بالمفاتيح التي "سلمها لهم بطرس" اما كنيستنا فكانت تطرد كل من لا تتفق سيرته مع شهادة إيمانه. وأصبح الناس ينظرون بتوقير للكنيسة وأبناء الكنيسة!

        والتغيير الثالث الذي اذكره هنا، هو في تقدير كنيستنا للعمل وشرف العمل. كانت خدمة الراهب أو الكاهن في الكنيسة الكاثوليكية تعتبر أعظم من أية خدمة أخرى. اما كنيستنا فأعلنت ان لا فرق بين خدمة وخدمة إذا   كنت تؤدي خدمتك من اجل المسيح. عظمت الكنيسة العمل. اشتغل يسوع نجاراً وعدد كبير من تلاميذه كانوا صيادين وبولس الرسول كان خياماً وليدية كانت بياعة أرجوان. عظمت الكنيسة العمل!)

لاحظ لوثر بعض القطوب على وجهي فقال: (انني لا اقصد بكل تأكيد ان اقلل من شرف خدمة الإنجيل إذا كانت الخدمة أمينة ولكنك تذكر ان الكهنة في الكنيسة البابوية كانوا يطلبون ان يقدم الناس لهم الإكرام والتعظيم لا لأنهم امناء في خدمتهم لكن لنوع خدمتهم، ينبغي ان يقبل الناس أيديهم_ ولو كانت تلك الأيادي ملطخة بالأوحال- ان أي كاهن في نظر الكنيسة البابوية أعظم مقاما من أي إنسان آخر. اما نحن فنقول ان الخدمة لا تقاس باسمها لكن بالأمانة فيها والإخلاص في تقديمها. وخدمة النجار الأمين المخلص أعظم قدراً من خدمة كاهن غير أمين بالطبع- لمس المجتمع هذه الحقيقة.. وسرّ بذلك.

            وسؤالك الثاني هو سؤال متكرر. ان الثورة الإصلاحية التي قمت بها كان لابد منها. بل أكثر من ذلك كانت نهاية طبيعية لعهد طغيان روحي. يخيل لي إنها كان لابد ان تظهر ولو لم يوجد زعيم لها. إنها انفجار بركاني تسبب من الغليان المخفي. ان بذرة الحياة لابد وان تشق الأرض لترتفع ولو كانت الأرض التي تقف في طريقها ولقد سمعتك تنعت حركتنا بخروج وانشقاق وأنا ارغب ان أصحح الوضع. ان ثورتنا كانت عودا إلى الكنيسة الأولى البسيطة. ان الكنيسة الأولى كانت الكنيسة الإنجيلية. وقد لاحظت كيف حاولنا ان نصلح الكنيسة وبعد ان اشتد ساعدنا حاولنا ان نقيم جسرا بيننا وبين البابوية ولكنهم رفضوا وأمعنوا في ظلالهم واتهموا في كل قرية. ومع اننا طردنا في الحق بعد مجمع ورمس إلا اننا ظللنا نجاهد ان نبقى في حدود الكنيسة الكاثوليكية. وقد ذكرت لك جهود ميلانكثون في وثيقته المشهورة التي تسامح فيها إلى حد التساهل. لكن قوم ركبوا رؤوسهم ورفضوا اليد الممدودة- في سنة 153 أعلنا أنفسنا كنيسة جديدة!) ونظر الي  لوثر شبه غاضب وقال: (اني أعجب كيف انك تنقد جماعة الإصلاح وتتهمهم بأنهم هم الذين سببوا الانشقاق والفرقة. أعجب كيف انك لا توجه كلمة لوم لأولئك المتعصبين. من الذي سحق الكاثاريين واضطهد الولدنسيين والطهريين. من الذي احرق عظام ويكلت واحرق جون هس وسافانزولا؟ من الذي عذب المسيحيين الذين تجاسروا ان يقولوا كلمة نقد أو توجيه... من الذي أوجد محاكم التفتيش وآلات التعذيب في تلك المحاكم. من الذي تسبب في قتل الألوف المؤلفة من البروتستانت- عشرة آلاف في ليلة عيد القديس برثلماوس. هل من المسيحية ان تقوم كنيسة تدعى انها تسلمت من بطرس خليفة المسيح وتستحق لا أقول أخوة بل دعني أقول أعداء- الم يقل السيد المسيح أحبوا أعداءكم. ماذا تقول في كنيسة تجند قواها لمحاربة أولئك المساكين والعمل على تشريدهم وقتلتهم. اسمع يا صديقي لقد حاولت ان أنسى أساءتهم لي شخصياً ولكني تجربت ان اعتبرهم أعداء المسيح وان اكرههم على اني عدت الى نفسي وقلت: هم مساكين ينبغي ان اصلي من اجلهم كي يهديهم السيد الى سواء السبيل).

بل ان وجود الكنيسة الإنجيلية كان بركة لهم فقد استيقظوا وبدأو يفكرون في اصلاح حالهم!!)

        قلت: (نعم يا مارتن اني ألاحظ نهضة عظيمة مباركة في تلك الكنيسة العزيزة وأنا اعرف عدداً من قادتها وهم أهل لكل تقدير!) قال: (ارجوا ان تكون نهضتهم حقيقية و ان يكون سبيلهم الكتاب ونوره!

        ولقد سألتني عن الحركة الإنجيلية واتجاها وهذه لا يمكن الإجابة عليها إجابة وافية في وقت قصير ولكني سأحاول ان اختصر الكلام بحيث أحيط بالموضوع في نقاطه الأساسية فقط.

        بالطبع قامت الكنيسة اللوثرية في ألمانيا. لا اذكر متى دعيت بهذا الاسم. ولكن الجمهور دعاها كذلك من أول الامر. انا لم اطلب ان تدعى كذلك. كنت أفضل ان أدعوها الكنيسة المصلحة. لكن ماذا يهم الاسم. وكثيرون من الذين يسمعون انها الكنيسة اللوثرية لا يعرفون علاقة ذلك بشخصي- بعضهم يخطر بباله ان لوثر هذا هو احد القديسين الذين تدعى الكنائس بالنسبة لهم.  إلا ان الكنيسة لم تقف عند حدود ألمانيا. في مختلف البلاد قام مصلحون. بعضهم قام في نفس الوقت التي قمت فيه. وبعضهم قام بعد ذلك. وأظن ان حركتنا كانت عاملاً ذا شأن في كل الحركات الإصلاحية- هذه الحركات رأيتها وبعضهم سمعت عنها... وبعضها حدثت فيما بعد لم أرها وأنا في الجسد!!

              قلت: (وهل تحتفظون بعلاقة مع الأرض؟) قال: (لا أستطيع ان أجيبك إجابة شاملة ولكني أؤكد لك ان كل ما يتصل بالملكوت تصلنا أخباره أولا بأول. بل ان بعضنا... أقول بعضنا من باب التحفظ، يقف بين شهود رؤية!!       

قلت: (على كل حال لنبدأ ببعض ما اعتقد انك رأيته، فهزّ رأسه موافقاً وقال: )     

                (سبق ان قلت لك ان حركتنا زعزعت أركان "الإمبراطورية الرومانية المقدسة". خرجت ألمانيا او الجانب الأكبر منها. وامتدت الحركة الى سويسرا الى زيوريخ. كان قائد الإصلاح هناك واعظ فصيح ذكي اسمه الرنج زونجلي كان زونجلي بروتستانتياً ولكنه كان يختلف عني في نقطة هامة جداً، فقد تطرف في جعل الكتاب المقدس دستور كل شيء.. اقصد انه رفض كل ما لم يجد له ذكراً في الكتاب. انا ناديت بالحرية في إتيان ما لا يحرمه الكتاب ولذلك أبقيت في طقوس العبادة بعض ما كان في الكنيسة الكاثوليكية اذ لم أجد في الكتاب ما ينهي عنه. اما زونجلي فرفض كل ما لم يجد له ذكراً في الكتاب، رفض الصلبان والنوافذ الملونة الجميلة، وآلات العزف، الأرغن وطقوس العبادة- وبسبب إباحة المجادلات علناً استطاع البروتستانت ان يوسعوا تخومهم. على ان الكاثوليك جمعوا حشودهم وأعلنوها حرباً بالسيف وانكسر الزونجليون كسرة كبيرة وقتل فيها زعيمهم... وكان من اثر ذلك ان وقف تقدمهم.

        قلت: (لعل كسرة الزونجليين لم تحد من نشاط حركة الاصلاح؟) فأجاب: (كلا، كلا. كل ما حدث ان الحركة انتقلت من سويسرا الألمانية الى سويسرا الفرنسية، من زيوريخ الى جنيف. وكان زعيم الحركة فرنسي هو جون كلفن!)

               ابتسمت وأنا اسمع مارتن لوثر يحدثني عن كلفن وقلت: (آمل ألا تكون هناك رواسب مختلفة من المناقشات القديمة؟) وضحك مارتن وقال: (ان الرواسب لا تصعد أزيد من أقدم قليلة... لا يمكن ان ترتفع عن الأرض. سأذكر كل شيء عن حركة كلفن بحسناتها... وسيئاتها..)

                 كان كلفن يؤمن "بالحكومة الإلهية"، وهي حكومة رأسها الله وينوب عنه بالطبع رؤساء الدين. كانت هذه حكومة موسى... ويشوع والقضاة وصموئيل. ومن اجل ذلك رسم تصميماً لمدينة سكانها يؤمنون بالمسيح ويحبون حياة المسيحية. مجلس إدارة المدينة يتألف من خدام الكلمة. وكانت مهمة هذا المجلس، مراقبة الحياة الشخصية لكل فرد. كان هدف كلفن تربية جماعة من القديسين- وفد نظمت الإدارة الحكومية بشكل يهدف الى مشاركة الخدام والعلمانيين في ضمان سلامة الحياة الروحية اذ اعتبروا ان الحكم الصحيح يهتم بكل نواحي الحياة ولذلك وضعت قوانين تساعد على الصلاح وتحرم الشرور) من مثل الرقص ولعب الورق والحلف واللعن- وما شاكل مما قد يبدو شاذاً في عصرك. وقد ذكرت أمثال عن تنفيذ مثل هذه القوانين فقد قيل ان رجلاً اسمه كلود دي لارافوا، حلف وهو في طريق للصيد فحكموا عليه بالسجن ثلاثة أيام وبحيث لا يطعم إلا الخبز الحاف والماء مع الحرمان من الخروج الى الصيد- وحكم نفس الحكم على ثلاثة من العمال لأنهم أكثروا من أكل الفطائر- وقد حكم بالسجن على رابتين بوفي الذي قال انه لا الله ولا الشيطان ولا الحكام ولا الخدام يستطيعوا ان يمنعوه من ضرب امرأته. ولعلك تضحك عندما تعلم ان الحكومة سنت القوانين المتصلة بألوان ملابس النساء وأنواع التفصيلات كما وضعت التشريعات الخاصة بتصفيف شعورهن. وكذلك حرم على الوالدين ان يسموا أولادهم إلا بأسماء معينة وقد منعوا من تسميتهم ببعض الأسماء. وأصحاب الفنادق صدرت إليهم أوامر ألا يسمحوا لنزلائهم بالسهر في الخارج لما بعد الساعة التاسعة مساء.

                 وفي جنيف لم توضع التشريعات للحياة الطيبة فقط بل أيضا للعقيدة السليمة. كان يتحتم ان يؤمن الجميع بما تضعه المجالس المشتركة التي يتزعمها كلفن. وكل مخالفة كان عقابها صارماً. ويمكن ان أقدم لك أمثلة كثيرة لبيان ذلك لكن أهم قضية كانت قضية "الدكتور سرفيتيوس" . كان سرفيتوس يعتقد بلاهوت المسيح ولكنه كان ينكر عقيدة الثالوث. وفي سنة 1552 حكمت عليه محاكم التفتيش الكاثوليكية في فينا بالموت حرقاً. لم ينفذ حكم الحرق فيه فانه استطاع ان يهرب وذهب بغباوة الى جنيف حيث عرف أمره وهناك حوكم مرة ومرتين. ثم حوكم عليه بالإعدام حرقاً- وفيما هم يتهيأون لتنفيذ الحكم كانت كلماته الأخيرة "يا يسوع يا ابن الله الأزلي ارحمني" –قيل انه كان يمكن  يعيش لو انه قال "يا يسوع أيها الابن الأزلي" كانت جنيف تمثل الجبهة البروتستانتية، التي تشبه تماماً الجبهة الكاثوليكية في قساوة الأحكام...

             أعادت أعمال القسوة البروتستانتية عهد محاكم التفتيش الكاثوليكية نعم ان العصر ربما كان يتفق مع ذلك المنطق ولكن الامر زاد نوعا ما عن الحد حتى ان البعض بدأوا يتمردون ولكن هزم وكفاية كلفن ومن تبعه قضي على كل مقاومة ولقد قيل واعتقد ان لا مبالغة فيه انه في فترة خمس سنوات في تلك المدينة الصغيرة جنيف التي لا يزيد سكانها عن خمسة عشرا ألفا تم تنفيذ ثمانية وخمسين حكم إعدام وستة وسبعين حكم نفي. وقد كانت هذه القسوة من عوامل بغض الكثيرين لزعيم البروتستانتية كلفن...  

        كان مارتن مندفعاً في كلامه وكان على وشك ان يستمر لولا انه رفع عينيه نحوي ولاحظ شيئاً من علامات عدم الرضاء. فقال: (أخشى ان حديثي لا يسرك أو على الأقل لا... لا يلذ لك.) قلت: (في الحق اني.. اني غير مستريح له. انني من أنصار الإنصاف. وأنا ارغب ان يدلي كل إنسان برأيه مهما كان معارضاً لرأيي. على اني أخشى ان بعض رواسب الخلاف القديم قد بقيت... لا أقول في قلبك.. بل في ذهنك إلى الآن وهذه جعلتك تصور الأشياء من وجهة نظر واحدة... على الأقل. لا أقول ان قد كانت مبالغات أو افتراءات وصلت إليك وأنت قبلتها على علاتها دون ما تمحيص. لا أقول ذلك، وإنما أقول انك قد أبرزت الأخطاء ولم تحاول ان تدافع عنه كما انك لم تصنف الرجل في ما قام به من جلائل أعمال!) واحمر وجه لوثر تأثراً. كنت اعلم انه ملتهب الطبع وكثيراً ما شكا من حدته كثيرون وخشيت انه غضب مني... كنت أخشى ذلك لأني كنت أخاف ان يدفعه هذا الانسحاب وعدم إتمام الحديث. على انه لم ينسحب.

        صمت قليلاً وقال: (أخشى انك تظلمني لقد اختلفنا انا وكلفن في بعض الأمور. اختلفنا أولا في ما يتصل بتنفيذ التشريعات على قواعد الكتاب. انا قلت ان الكتاب هو قانوننا الوحيد ننفذ ما أمر به ونحن أحرار في تشريعاتنا على وفق روح الكتاب. نعمل ما نراه نافعاً إذا كان لا يعترض مع ضميرنا وليس في الكتاب ما يحرمه. فملابس الخدام مثلاً انا تركت الحرية للكنائس ان تلبس أو لا تلبس وفضلت انا ان نبقى على القديم طالما ان الكتاب لا يحرم ذلك. اما هو فعلم ان ما لم يرد في الكتاب بنص صريح لا يجوز ان نأتيه. وكانت مناقشتي معه ان هذه القاعدة خطيرة وإذا نفذناها فسنقع في مشاكل يصعب التخلص منها. فماذا نقول في حفظ يوم "السبت" وفي "العشور" وفي ألف مشكلة ومشكلة نظير هاتين.

        واختلفنا ثانياً في علاقة الكنيسة بالدولة. صحيح اني طلبت من الأمراء ان يديروا شؤون الكنيسة ولكني طلبت منهم ان يديروها بصفتهم مسيحيين لا بصفتهم أمراء. وقد تألمت كثيراً من وقوع الكنيسة تحت سيطرة الدولة. اما هو فلم يفرق بين الكنيسة والدولة وهو مبدأ خطير وخطر.

        ولقد برهن التاريخ ان رأيي في هذين الأمرين هو الأصح. فها هي الكنائس المشيخية التي تعتبر كلفن زعيمها قد عادت إلى الملابس الاكليريكية والنوافذ الملونة والصلبان...-!!) فأسرعت أقول: (ان هذه العودة هي إحدى النكسات التي أصابت الكنيسة وأنت تعلم انه عندما تكون الكنيسة قوية روحياً فإنها لا تحتاج إلى مظاهر توحي بالوقار...) وقال لوثر: (فلنقل ان هذا صحيح فما رأيك في علاقة الكنيسة بالدولة وفي تدخل الكنيسة في شئون صغيرة تافهة تتصل بحرية الأفراد وما رأيك في قسوة الأحكام على المعارضين في العقيدة!) قلت: (اني لا اعترض على انتقاداتك إلا من ناحية محاولة إبراز الأعمال الخاطئة التي قام بها من أعمال. ثم اني آخذ عليك عدم محاولتك التخفيف من شناعة الخطأ أو إيجاد المبررات لذلك.) وقال لوثر (الم أحاول حقا. ألم اذكر ان العصر كان يتفق مع ذلك وإننا كنا خارجين من نظام  كاثوليكي دمغنا بما كان من المتعذر الخلاص منه. اعترف اني لم أتحمس في الدفاع بالكتابة... اما اني لم اذكر للرجل حسناته فالسبب انك تنتظر عليّ فقد فكرت ان اذكر ما ذكرت ثم اختم حديثي بإبراز عظمة الخدمة التي قام بها!!)

        فقلت: (حسناً. حسناً. ولكنك قلت انه قد كانت ثلاث نقاط للخلاف. فقال هل قلت ذلك. لست اذكر ولكن لا بأس سأذكر لك الخلاف الثلاث وكان يتصل بالعشاء الرباني، كانت الكنيسة الكاثوليكية تؤمن بمعجزة التغيير. يتحول الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه حرفاً ومعنىً، يصبح الخبز والخمر "الله"  نفسه_ وكلفن رفض هذه العقيدة كما رفضتها انا واعتقد انه كان يمكن الاتفاق لو اننا كلينا كنا متسعين أكثر قليلاً مما نحن. نعم ان الاتساع بركة ولكن كان لابد من رؤوس عنيدة تستطيع ان تقف أمام تجارب الرجعية. قال كلفن ان المائدة لا تزيد عن مجرد تذكار. الخبز يظل خبزاً عادياً والخمر تظل خمراً عادية. لا تغيير إطلاقا يتم في المائدة. اما إذا فرأيت ان الخبز والخمر يبقيان كما هما الا ان المسيح يحضر معهما. يحضر فعلاً بجسده ودمه!!)       قلت له: (انني لا افهم هذا التوضيح فهل لك ان تزيد شرحاً؟) فأجاب: (ولا انا افهم انه لغز. اننا نأكل مع الخبز في نفس الوقت جسد المسيح. ونشرب مع الكأس دم المسيح. الخبز يظل خبزاً والخمر تبقى خمراً ولكن بعد الصلاة يحضر معهما جسد المسيح ودمه).

        قلت: (وما الداعي لهذه الدورة الكبيرة. انني أرى العقيدة الكاثوليكية أسهل من عقيدة رجل الإصلاح!) فأجاب: (اسمع يا صديقي الست تعلم أنت اننا ونحن نتناول من العنصرين نتغذى روحياً بجسد المسيح ودمه؟) قلت: (نعم ولكن هذا يختلف عن قولك اننا نأكل فعلاً جسد المسيح ودمه الماديين!)- وقال لوثر: (ان المعنى واحد أو قريب من الواحد!) قلت: (ولكن لماذا.. لماذا تتمسك وتشدد على هذه العقيدة؟) قال اسمع: (لقد انتهت عقيدة كلفن إلى نتائج خطيرة. فقد قدم الخبز بعد المائدة، لأشخاص غير مستحقين قال ان الخبز تنتهي مهمته بعد التوزيع. ان ما يبقى يكون شانه شأن الخبز العادي. بل... أوه سامحني يا أخي. لقد علمت ان بعض الخدام قدموا الباقي من الخبز للعصافير وطيور البيت... والقطط.. وللكلاب. هل ترضى ان تنحط المائدة إلى هذا الحد من الهوان؟)

        قلت: (كلا. ولكني لا أقبل في سبيل الإبقاء على كرامة المائدة ان اعلم تعليما خاطئاً. نعم ان الخبز يظل خبزا والخمر يظل خمراً لكنهما وقد حملا صورة الجسد والدم وأصبحا أقدس من ان يعاملا بمهانة.. وكان يمكنك يا صديقي ان تتفق مع كلفن على حل متوسط. لقد رفع الكاثوليك المائدة إلى ان صارت إلها، لأنهم أرادوا الإبقاء على الذبيحة والمذبح والهيكل والكهنة. اما نحن فلا نقبل ذلك لأن كاهننا الأعظم قد دخل إلى الأقداس مرة واحدة بذبيحة نفسه فوجد فداء أبديا. انتهت الذبيحة. لقد تم الفداء. لا مكان لها أيضا. لا مكان لهيكل أو مذبح أو كاهن. الفريضة إذن لذكرى فقط... وأنت تقول بذلك. وعلى ذلك فهب ان رأيك صواب ورأي كلفن خاطئ، فهل يذهب هذا بمكانة كلفن كرجل إصلاح عظيم؟) وأجاب لوثر: (انك في هذا تظلمني أيضا فانا اعتبر كلفن قطباً من أقطاب البروتستانتية. ولقد راجعت ما قام به وما قام به اتباعية، وكنت أوشك ان أحدثك عما حدث في أيامي وبعد أيامي.. اصبر يا صديقي.. اصبر ولا تكن حاد الطبع!!) قلت: (يبدو اني نسيت نفسي معك أيها الصديق الكبير. ارجوا ان تسامحني على  حماقتي وتنسى سوء ظني. فان لك في قلبي ارفع مقام!) وابتسم لوثر وقال: (لا عليك... سأحدثك عن كلفن والكلفينية).

        ينبغي ان أقول ان الجانب المظلم من الإصلاح لا يجوز ان يحجب الأعمال العظيمة التي تمت على يدي كلفن أو تابعيه ممن اخذوا عنه. كما قلت عمودا من اكبر الأعمدة التي قام الاصلاح عليها. وقد تم على يديه الإصلاح الديني والسياسي كما سيتضح لك فيما بعد. انه يعتبر أبو الديمقراطية، وأبو الحرية. وقد أصبحت مدينة جنيف تحت حكمه وبسبب حكمه مدينة ملجأ للأحرار البروتستانت في كل أوروبا. كل مظلوم بسبب حريته الدينية وجد ملاذاً في جنيف. ما أكثر من أنقذت رقابهم من حبل محاكم التفتيش. وكذلك أصبحت مركزاً للتأثير والقيادة. التجأ إليها القادة اما هاربين أو متعلمين. وقد قام كلفن كلية لتربية القيادة الكنسية. ومن تلك الأكاديمية خرج عظماء رجال الإصلاح ليكرزوا في بلادهم التي أتوا منها ويعلموا الحق المسيحي وليتألموا أو يموتوا من اجل الإنجيل إذا لزم الامر_ وقد كتب كلفن كشاب "أسس الدين المسيحي" كتبه وعمره ست وعشرون سنة.

        وهناك مسألة ارغب ان اذكرها ارجوا الا تسيء فهمها. كان كلفن يعتبر الكنيسة شعب الله المختار وكان مبدأ كلفن وأتباعه إنهم خالقو جيل جديد. ان العمل العادي كان عندهم مقدساً ينبغي ان نأتيه بوقار ولمجد الله. والحكومة؟.. قال كلفن انه إذا سلك الأمراء أو الحكام ضد شريعة الله فان المسيحيين، لا يسمح لهم فقط، بل يتحتم عليهم ان يتمردوا عليهم ويرفعوا نيرهم عنهم. وهكذا قام أتباع كلفن بمحاربة قوات الظلمة وفي ما بعد اسقطوا الطغاة وأسسوا الحكومات الديمقراطية.

        قلت: (يخيل لي يا صديقي انك لا تتفق مع نظرية كلفن في ذلك؟) فأجاب: (انني لا أنكر ما أدت من خدمة للنظام الكنيسة.. وللحياة الديمقراطية. ولكني انا دائماً ضد العنف. لقد ظنت الكنيسة الكاثوليكية انها هي وحدها التي تعرف الحق وحاولت ان تنفذ "الحق" بالقوة. ولست اقبل ان يقوم إنسان أو هيئة باحتكار الحق ومحاولة تنفيذه بالعنف. ثم اني أومن بما قال المسيح أعطوا إذن ما لقيصر لقيصر وما لله لله. وأنا واثق ان الله سيوفر للمصلحين أسباب النصرة دون ان يقوموا هم بقيادة مادية. ولكن العصر كان عصرا مضطرباً وكانت النظريات المختلفة يعج بها الجو، ولا يجوز لأبناء القرن العشرين ان يحكموا على القرن السادس عشر- واختم حديثي عن كلفن بالقول انه كان عملاقاً في جيل عمالقة. كان جسمه ضئيلاً كثيراً ما هده المرض ولكنه كافح كفاح المستبسل، ليؤدي واجبه تحت راية الله. كان رفقاءه يرون فيه قائداً مملوءاً بالمحبة والوداد ثابتاً لا يقهر. وكان ذكاؤه الفذ يستهوي إعجابهم وخلقه يجتذب قلوبهم. وقد نجح في ان أعطى البروتستانتية شجاعة للاحتمال وغيرة للانتصار ووضوحا في التفكير ونقاء في الخلق!)

        قلت: (شكرا يا مارتن لقد أنصفت الرجل. انني لا اهتم كثيرا بآراء الناس. ولكن رأيك يهمني.. يهمني جداً. والآن هل فرغت من كلفن فقال كلا. ان تاريخ كلفن هو تاريخ الإصلاح ونظير اللوثرية سارت الكلفينية بل ربما كانت الكلفينية أكثر اتساعاً وابعد أثراً.  سأحاول ان أحدثك عن الإصلاح في فرنسا وفي هولندا، والأراضي المنخفضة واسكتلنده... وبقية أوروبا.. وأمريكا. قلت ارجوا ان نصل في الحديث عن البروتستانتية في مصر والشرق العربي... وعن.. أو الأفضل ان ننتظر إلى ان ننتهي من هذا الموضوع؟!)

        وأجاب لوثر: (لقد كان سؤالك في الأصل ما إذا كانت قد نشأت أضرار للكنيسة العامة من جراء حركتي الإصلاحية.. وأنا قصدت ان ابسط لك النتائج المباشرة وغير المباشرة لهذه الحركة لكي يحكم لنفسك_ وقد تحدثت معك عن الحركة في زيوريخ ثم في جنيف_ اما المكان الثالث الذي اذكره فهو نفس بلاد فرنسا، وكان لكلفن الفضل فيها. فقد اتصل ببعض الفرنسيين اتصالاً شخصيا وكتابيا. كتب مئات المكاتيب وكانت مكاتيبه تحمل السحر فصار مئات تلاميذ لذلك الرجل الضئيل الجسم القوي الشخصية_ وقد صار كل واحد منهم نسخة أخرى من كلفن. وفي مدى وقت قصير صار عدد يذكر من كبار القادة من شيعة البروتستانت. وتألف السنودس الأول وهو مجمع الكنائس في باريس سنة 1559 على انه يجدر ان اذكر ان فرنسا أصبحت منذ ذلك الوقت مسرحاً لحروب مذهبية. فان البروتستانت أو كما دعاهم القوم "هوجنوت" كانوا كاسمها معارضين، معارضين لا لعقيدة الملك الكاثوليكية فقط بل لسلطان الملك أيضا. امتزج الدين

 والسياسة معا في معركة دموية فظيعة، بين الهوجنوت محبي الحرية والقوة الملكية. وقد تتابعت الحروب بين القوتين. كانت حرب تتلوها حرب، سحق الهوجنوت التماثيل ولكن المئات والألوف منهم كانوا يذبحون بدون شفقة_ حدث مثلا في مدينة فاسي ان كان عدد من الهوجنوت في اجتماع عبادة، كان ذلك في سنة 1562 وإذا بفرق من الجيش تابع للدوق الكاثوليكي القوي جيز. وذبح مئات وفي يوم القديس برثلماوس في آب (أغسطس) 1572 صدر أمر عام من البلاط بذبح جميع الهراطقة وفي تلك المطاردة الوحشية ذبح عشرون ألفا.. هذا مجرد مثل .. وقد ظلت المعارك بين الفريقين إلى نهاية القرن حين أصدر الملك هنري الرابع مرمان نانتس الذي أعطى الحرية الكاملة والحقوق القانونية للبروتستانت.. ولهنري هذا قصة لا داعي لذكر تفصيلها لكن لا باس ان تعرف ملخصها ذلك ان هنري هذا كان الوارث الثاني لعرش فرنسا وكان بروتستانتيا، وقد حارب مع البروتستانت ونال نصرات ولكنه لم يستطع ان يستولي على باريس .... أو يعقد صلحا لأن القوم رفضوا ان يتعاملوا مع هرطوقي_ أخيرا في سنة 1593 ضحى هنري بالعقيدة في سبيل الحكم وصار كاثوليكيا. قال ان باريس تستحق قداساً ... وملك باسم هنري الرابع وأصدر فرمان نانتس كما سبق ان ذكرت).

                                 وفي الأراضي الواطئة، قامت معارك بين فيليب ملك أسبانيا، والأراضي الواطئة. كان متعصبا للكثلكة وكاد يسحق الحركة البروتستانتية لولا ان القوم هزموه عن طريق البحر!

                      قلت: (وهكذا صار جانب كبير من ألمانيا لوثريا وجانب من سويسرا وفرنسا والأراضي الواطئة كلفينيا!) فأجاب: (نعم. اما إنجلترا واسكتلندا فقد كان لهما شأن آخر_ فان اسكتلندا مثلا كانت في وقت الإصلاح بلادا خشنة ببربرية وكان سكانها يفضلون السرقة والحرب على الآكل. وقد جاء في شعر لأحد رجالهم (طالما كان في استطاعتي ان اسرق فلن اعمل) وهنا جاء الإصلاح_!)

                              قلت للوثر: (اللوثري؟) فأجاب لوثر: (كلا. لقد دخلت المبادئ الكلفينية. حدث انقلاب، انقلاب ابيض. اجتمع الوعظ مع التبرم السياسي والاجتماعي وكانت النتيجة ان اجتذب الناس إلى العقيدة الكلفينية. وفي سنة 1560 وضع البرلمان دستورا ألغى سلطان البابا_ وكان في البلاد عدد من القادة لكن أبرزهم كان جون نوكس _ كان الفرنسيون قد أسروه وشغلوه في المجداف فلما أفرجوا عنه انظم إلى المصلحين وكان مثله الأعلى في اسكتلندا ما كان لكلفن في جنيف. وانتظمت الكنيسة وانتخب لها شيوخ انتخبهم الشعب_ وهكذا ولدت الكنيسة المشيخية في اسكتلندا، الكنيسة التي كانت اصدق تعبير للمبادئ الكلفينية- وامتدت الكنيسة حتى صارت هي كنيسة اسكتلندا!!)

قلت ولكن إنكلترا ليست مشيخية؟) فأجاب: (كلا. لقد ابتدعت إنجلترا المذهب الانجليكاني؟ لن يقم الإصلاح في إنكلترا على أساس ديني. بل ان هنري الثامن  انفصل عن الكنيسة لأسباب سياسية ... وأسباب أخرى..)

                              من اجل ذلك لم يدخل الإصلاح في صميم العقيدة. فان الانجليكان اقرب إلى الكاثوليك منهم إلى الإنجيليين- على ان جماعة منهم لم يعجبهم هذا الحال فانفصلوا. وهم جماعة الطهريين وقد حصلوا على الحكم مدة، وكان زعيمهم اوليفر كرومول- ومن الطهريين انشق البعض الذين دعوا أنفسهم الانفصاليين وقد أرادوا ان يعودوا إلى منتهى البساطة الأولى- ثم ظهرت جماعة دعيت بالاستقلاليين وهؤلاء لم يختلفوا عن المشيخيين إلا في الكنيسة المحلية تحكم نفسها- وقد ظهر أيضا جماعة المعمدانيين الذين لم يؤمنوا بمعمودية الأطفال، ولذلك حتموا إعادة المعمودية فدعوهم المعمدانيين المعيدين.

                           لم يكن هناك داع لأن اذكر لك شيئا عن هذه الحركات. وأنا لم افعل إلا ان أشير أليها إشارة عابرة. وأنا ذكرتها لكي أريك ما ينتهي إليه تقييد الفكر. لو ان الحرية كانت مكفولة من الأول ما كنا نرى هذه المذاهب الكثيرة. ولكن طول أمد الكتب جعل الفكر يندفع بعنف عندما أطلق سراحه. وأنا أثق انه سيأتي الوقت الذي فيه يعود "البندول" إلى مكانة الطبيعي.

                بل أنى أرى ان كثرة عدد المذاهب ليس فيه من الضرر ما كان لوجود كنيسة واحدة. فقد اتسعت دائرة الكرازة، ووصل الإنجيل إلى بلاد كثيرة، ما كان يمكن ان يصل إليها لو ان الكنيسة ظلت وحدها. والكنيسة الكاثوليكية استفاقت وفكرت في الإصلاح وقد سبق ان أشرت إلى ذلك.

             هل تريد ان تقول ان الشعب أصبح لا يخاف من الأحكام الكنسية. فالعضو أصبح ينتقل من كنيسة إلى كنيسة والرعاة يتسامحون حتى في شر الخطايا مع الأعضاء. فليكن.. ان هذا أفضل من تحكم السلطة الكنسية وتعنتها. وعلاقتنا بالكنيسة يجب ان تكون علاقة الخضوع للمحبة لا الخضوع للسلطان. هل هذا مفهوم يا صديقي.

            نأتي الآن إلى سؤلك الثالث: ترى هل لا تزال مصرا عليه؟ نعم!! إذا فارجوا ان يقدرني الله على ان أقدم لك جوابا كافيا. انك لا تسال عن تاريخي قبل الدير ولا انثناء الدير. وقد سمعت في ذلك ما فيه الكفاية. لقد أشرت إلى موضوع زواجي وقد سبق لك ان سألتني في هذا الأمر عن عدة سنوات. لكنك تكرر السؤال وتطلب ان أجيب. إذا فعلم ان الموضوع في الحقيقة لا يلمسني. عندما بدا الإصلاح، بحثت مختلف الموضوعات في ضوء الكتاب واكتشفت ان لا مكان للرهبنة فيه. وناديت بذلك. لاحظ أني ناديت بذلك وأنا غير متزوج. ولم يكون في فكري أني أتزوج. لقد اتهموني اني قمت بكل حركة الإصلاح فقط لكي أتزوج. فلنفرض ان هذا صحيح. هل هناك خطاء في الزواج. لو كنت رجل شهوانيا الم يكن أمامي ان أسد هذه

الحاجة وأنا في سلك الرهبنة. الم يوجد كهنة وأساقفة وكاردينالات وبابوات يعيشون عيشة منحلة. وكانوا في نفس الوقت ينالون احترام الناس لأنهم يقبضون على المفاتيح. يقبل الناس أيديهم ويتبركون بهم، الست ترى انه لو كان الزواج سبب قيامي بالحملة الإصلاحية، فلن يكون ذلك شرا أعظم من شري إذا عشت منحلا وأنا مبق في الظاهر على عهود البتولة. ولنفرض كذلك أيضا ان الامر كما تقول فان هذا لا يجوز ان يطعن في كل نواحي الإصلاح التي أعلنتها.

هل ينكر عليّ احد ان أنادي ان الكتاب المقدس هو القانون الوحيد المعصوم للإيمان والأعمال. وهل ينكر علي احد ان الحياة ينبغي ان تتسم بالقداسة إذا أردنا خدمة مقبولة. هل ينكر علي احد المناداة بانجيل الخلاص، بالنعمة انتم مخلصون بالإيمان وذلك ليس منكم هو عطية الله. لماذا يتركون موضوع الإصلاح ويهتمون بشخصي المصلح فليكن مارتن لوثر شر الناس. لقد جاءني الشيطان يوما يقول لي انك خاطئ، ولذلك أنت ذاهب إلى جهنم لا محالة. وكان جوابي انه مخطئ في النتيجة لأن المسيح يسوع جاء لكي يخلص الخطاه!

                فليكن. ليقولوا ما يشاءون... ولنفرض أننا كما يقولون. ان المسيح قد خلصنا بالدم! كان مارتن يتكلم وقد تلاحقت أنفاسه وملأ العرق كل جسمه فهتفت به: (وريداً يا صديقي اني ما وصلت إلى هذا الحد. ان حديثي كان ينصرف فقط إلى نقض عهود البتولية التي قطعتها على نفسك والتي قطعتها كاترن على نفسها. انني اعلم ان مارتن كان شابا نقيا وان كاترن كانت النقاوة. لقد سمعت انها كانت تحبك ولذلك لم تقبل ان تتزوج غيرك. ولكنه كان حبا طاهرا). قال: (وهذا أيضا ليس صحيحا تماما. دعني أوضح لك الامر ولو اني أوضحه بألم. انني ادخل مقادس البيت. ربما لا تعلم ان الرهبنة كانت تلزم الراهب أو الراهبة بالبتولية فإذا ما خرجت على العهد حل عليها حكم الإعدام. فلما رأيت ان عهد الرهبنة خاطئ من أساسه أعلنت ان للرهبان ان يتزوجوا وفي أول الامر هربت الراهبات من الدير وكذلك الرهبان وأمكننا ان نزوجهم. وكانت كاثرن شابة حساسة متكبرة مثقفة. لم يخطر ببالي يا صديقي انني سأكون في احد الأيام زوجا لها. طلبها شاب من نورمبرج، ولكنه لم يتمم الزواج لأن أهله عارضوا فيه. وسمعت بعض وقت ان خطيبها تزوج من امرأة أخرى. واخترت لها زوجا آخر هو الدكتور جلاتز ولأسباب لا محل لذكرها أرسلت لي مع صديقي الدكتور امسدورف من مجدبورج تقول انها لا تستطيع الزواج من الدكتور جلاتز. انها تقبل ان تتزوج من امسدورف أو مني_ وقد ذكرت الاثنين لأننا كنا قد تقدمنا في الأيام. كان امسدورف اكبر مني وكنت انا ابن اثنتين وأربعين سنة. لقد قصدت كاترن انها تفضل رجل آخر على جلاتز ولو كان هذا الشخص لوثر. وتركت الموضوع. قلت في نفسي ان كاترن وقد بلغت السادسة والعشرين لن يتاح لها الزواج- وفي زيارتي لبيتنا ذكرت القصة في سبيل المزاح. لم يكن زواجي ذات موضوع. ولكن ما قلته على انه مزاح اخذ على انه كل الجد. أصرّ والدي على ان ا تزوج وابقي على اسمه وشدد في ذلك. بل قال اني إذا قتلت في سبيل الشهادة الإنجيلية فانه يرجوا ان اترك في العالم لوثرا آخر يحمل اسم العائلة. وقبلت عزيزتي كاترن ان تتزوج مني انا الرجل العجوز المملوء بالأمراض المعرض للإعدام حرقاً. قبلت ذلك وقد اتهمتها بالحماقة في قبول الزواج مني. هذه قصة زواجي يا سيدي. بل نسيت ان اذكر لك اني عارضت مدة في الزواج بحجة العهد. ولكن أصدقائي ذكروا لي ان عدم زواجي سيضع في يد خصومنا حجة أخرى ضد الزواج.

                       وقد تزوجنا ورأيت الجنة على الأرض، كان إيرادنا قليلاً ولكن كاترن استطاعت بحكمتها ان تقوم بالبيت دون دين- وقد أعطانا الله ستة أولاد مات احدهم وهو طفل، كما كنا نقبل في البيت عددا من أبناء الأقارب. كان بيتنا يجمع أحيانا خمساً وعشرين ضيفا مقيما وكنت انا ذا طبع حاد خصوصا في أيامي الأخيرة، ولكن كاترن كانت فعلا ربة البيت وكن ادعوها (My Lord Kati)  نعم كنت سعيدا... على ان ظلا من الحزن غمر البيت عندما مرضت ابنتي الحبيبة ماجدولين كان عمرها أربعة عشر عاما. ولما اشتد مرضها صرخت لله قائلا يا الهي انا أحبها كثيرا ولكن ان كانت إرادتك ان تأخذها فاني اخضع لك- ثم ناديت ابنتي    : يا ابنتي الصغير العزيزة هل ترغبين ان تبقي مع أبيك أو هل ترغبين بكل رضاء ان تذهبي إلى أبيك الذي في السماوات. وأجابت مجدولين يا أبي العزيز اني  اسلم الإرادة لله- وقد صارت مع الله ليساعدني حتى اقبل إرادته. وماتت ماجدولين بين ذراعي فلما دفنوها قلت: (ستقومين وتلمعين ككوكب... نعم كالشمس. انا سعيد بالروح ولكن الجسد حزين ولن يرضى. الفراق سبب لي حزنا لا حد له. لقد أرسلت قديسة إلى السماء!)


 

خاتمة

        قلت: (لقد سمعت من كثيرين عن حياتك لذلك لن أسالك شيئا وأنا أقول لك انك كنت إنسان لك ضعفاتك ولك أخطاؤك. ولكنك كنت أمينا لرسالتك. لقد كنت موضوع مبالغة من أصدقائك ومن خصومك. فأصدقاؤك صيروا منك صنما يعبد. وخصومك صيروا منك شيطانا يجحد. قال أصدقاؤك انك شغلت ذكاءك في إنقاذ الكنيسة وقال خصومك انك هدمت بعض أعمدة الكنيسة. قال أصدقاءك انك قديس بل شيخ القديسين وقال خصومك انك إبليس بل كبير الشياطين. قال أصدقاءك انك الآن تنعم في النعيم. وقال خصومك انك تتعذب في أعماق الجحيم. هذا شان العظماء يا صديقي. ان العالم يختلف في شأنهم. اشكر الله من اجل السمعة الطيبة واصفح عمن يحاولون ان يلصقوا بك السمعة الرديئة!!)

        ونظر إلي لوثر، وقد تجلت ابتسامة شكر على وجهه وقال: (اظنك قد انتهيت من أسئلتك؟) قلت: (كلا. بقي السؤال الأخير ويتصل باحتمال "عودتك" اقصد عودة نظامك إلى الكنيسة الكاثوليكية أو على الأقل بالنسبة للحركة الوحودية!!)

        وتنهد مارتن وقال: (اما عودتي إلى الكنيسة الكاثوليكية فامر غير ذات موضوع. انهم يقولون اني انشقيت عن الكنيسة. هذا غير صحيح. انا عدت إلى الكنيسة الأولى ولا مانع عندي ان  تعود الكنيسة الكاثوليكية الحالية إلى الكنيسة الأولى. لقد قيل لي ان البابا عندما تحدثوا معه عن وحدة الكنائس قال، ان الكنيسة الكاثوليكية تفتح أحضانها لقبول أبنائها الراجعين إليها. والكنيسة تقبل الابن الضال الذي يعود تائبا إلى أمه. انني يوم وقفت أتحدى الكنيسة الكاثوليكية لم أكن هازلا. ولم يكن جهادي لغنم أبغيه لنفسي. لقد كرست حياتي للجهاد في سبيل الله. وسأظل أحارب كل ما يعطل مجد الله. ولقد تحدثت لك عن امتداد الرسالة الإصلاحية. نعم انها ليست كلها لوثرية ولكنها كلها إنجيلية. هذه كل ألمانيا وكل سويسرا والأراضي المنخفضة وبلاد اسكندناوه وانجلترا واسكتلندا وشمال ارلنده ثم هذه الولايات المتحدة الأمريكية وكندا. ملايين كثيرة ترفع علم البروتستانتية، أكثر من الكاثوليك... كلا. انني لم أفكر يوما في النكوص!!)- قلت: (اني عندما سألت سؤالي كنت اقصد إلى ان الإصلاح في الكنيسة الكاثوليكية يساعد على العودة المنشودة!) وقال لوثر: (كلا. ان الوحدة مع الكنيسة الكاثوليكية ينبغي ان تبنى على أسس سليمة!)

        قلت: (انما ذكرت امر عودتك لآن... سامحني إذ أقول لك تعبيرا غير صحيح حسب قولك.. لأن خروجك انتهى إلى نتائج بعضها مما لا تستطيع حتى ان توافق عليه. فمذ انطلق الفكر من عقله وضاعت هيبة الكنيسة وضاعت كرامة الخدام وضاعت سلطة الأحكام الكنسية. أصبح الناس ينظرون إلى الكنيسة نظرهم إلى مجرد مجتمع عادي. وأصبح الخدام موضوع احتقار وينذر القوم الحديث الساخر عنهم والأحكام الكنسية أصبحت غير ذات موضوع، تحكم الكنيسة على عضو بالإنذار أو الوقوف فيخرج غاضبا ويجد أزيد من كنيسة ترحب به... و-) لاحظت ان لوثر يريد ان يتكلم فقلت له: (اسمح لي ان أكمل حديثي. لقد كنت انوي ان أسألك عن العمل الإنجيلي في مصر. ولكني أظن انه خير لي ان أحدثك عما انتهت إليه الحركة الإنجيلية الإصلاحية من مآسٍ...

        جاء مرسلون أمريكان من اصل اسكتلندي وأسسوا الكنيسة الإنجيلية في منتصف القرن التاسع عشر. جاءوا يحملون النسخة العربية من الكتاب المقدس ويبشرون بالمسيحية كما جاءت في الكتاب ونظموا الكنيسة على الأساس المشيخي ونادوا بلزوم العودة إلى الكتاب لا هيكل ولا مذبح ولا ذبيحة فقد قدم المسيح الذبيحة الكافية. لا صيامات ولا أعياد... ودققوا في مراقبة الحياة اليومية. أسسوا فعلا كنيسة مؤمنين كتابيين انقياء. كنيسة تهتم بالوعظ والإرشاد والتوجيه. وانتقد الإنجيليون كثيرا من نظم العبادة عن غيرهم ووجهوا النظر إلى الحياة اليومية عن الرعاة. وكان سرور البعض عظيما. فماذا حدث بعد ذلك، قامت الكنيسة القديمة وبدأت بإصلاحات طيبة فحمدنا الإنجيليين اثر خدمتهم. ولكن اسمع الباقي: انشق الاخوه  البليموث من الإنجيليين... وبعد ذلك انقسمت كنيسة البليموث إلى مذهبين... واقبل بعد ذلك مرسلون أسسوا كنيسة نهضة القداسة وهذه انقسمت ثلاث شيع... ثم جاء مرسلون رسولين وهؤلاء انقسموا إلى عدد اكبر من الشيع .. وبعد ذلك جاء مرسلون وأسسوا كنيسة معمدانية... وبعد ان فكر الانجليكان في الانسحاب عادوا وبدأوا عملهم من جديد ثم جاء غيرهم وغيرهم. وانك لتعد من الطوائف الإنجيلية في مصر أزيد من عشرين كنيسة... والقسوس أصبحوا كمية هائلة وقد اختير كثيرون منهم بدون تدقيق...!)

        وضحك لوثر وقال: (علمت انه لا توجد كنيسة لوثرية في بلادكم!) قلت: (كلا لا توجد كنيسة تدعى الكنيسة اللوثرية لكن ثق ان كل الإنجيليين منسوبون إليك... بعد كل هذا اما كنت تفضل ان تظل الكنيسة القديمة هي الكنيسة الواحدة... أو على الأقل ألا تفضل ان تعود الكنيسة الحديثة إلى أحضان الكنيسة القديمة!

        عندئذ تستعيد الكنيسة هيبتها والخدام احترامهم..) وقال لوثر: (ان ما تقوله عن كثرة الشيع وما لحقه من نتائج مؤسف حقا ولكن ثق يا صديقي ان ذلك ليس بسبب حركتي الإصلاحية. ان التطور شمل كل شيء وفي نفس الكنيسة الواحدة تجد ما تأخذه على الكنائس المتعددة. على انني ارجوا ان تستعيد الكنيسة المسيحية هيئتها لا على أساس التقليد بل على أساس الحق. لقد كانوا يظنون ان بيد الكاهن سلطان على الأرواح الشريرة والإمراض وكانوا لذلك يهابونه خشية ما يمكن ان يوقعه عليهم من أذى... لا..لا. يا صديقي انا اطلب شيئا آخر. لتكثر الشيع المسيحية حتى تصل إلى المليون، لا ضرر في ذلك. ان المسيحيين الحقيقيين موجودون.

        على ان كلامي هذا يعني اني ارفض ما يدعونه بالاتحاد الكنسي وقد بلغني أخباره. أخبار المجامع المسكونية والاتحادات. ولكن قبولي للإنظمام إلى هذه الهيئات... لا اعلم ماذا أقول فيه. ارغب ان توضع شروط أو لنقل ينبغي ان تكون مبادئ أقوام من التي ألاحظ وجودها اليوم.

        فقد لاحظت ان عددا من كبار القادة ليسوا دقيقين في حياتهم ومسيحيتهم تنقصها عناصر أساسية.

        وعقيدة غالبية القادة مخلخلة، في بعض الأوقات أرى ان العقيد الكاثوليكية اسلم. وقد قرأت كتاباتهم فإذا هم يشكون في الوحي وفي الثالوث وفي الكفارة وفي ولادة المسيح من عذراء وفي لاهوت المسيح.

        فإذا أضفت إلى فساد العقيدة الحياة المنحلة كان لك من هذا قيادة اقرب إلى قيادة الشيطان.

        انا لا أنكر ان هناك أفاضل وقديسين ولكن المقتدرين في القيادة هم من ذكرتهم.

        ثم مهرة في صياغة قوانينهم بحيث لا تستطيع ان تأخذ عليهم شيئا وهم بمهارتهم يوجهون قادة الكنائس المحافظة إلى ما لا تحمد عقباه.

        على ان كل هذا لا يمنعني من تشجيع هذه الحركة الوحودية راجيا ان يكون المخلصون شجعانا في إعلان الحق جسورين على الدفاع عنه... وقد أنظمت الكنيسة اللوثرية إلى الاتحادات المسكونية ولكنها لاتزال متمسكة بكيانها... وان كانت تمت تضحية فهي هذه: أيها البروتستانت لقد بنيتم الكنيسة على دماء أجدادكم. في سبيل الحق نادوا واضطهدوا وقتلوا فلا تحتقروا دماء أجدادكم بل أكرموا ذلك الدم وناضلوا على الحق ولو بالدم!!)

        قلت: (ولكني ألاحظ أيها الصديق ان القادة البروتستانت يركضون خلف قادة الكنائس القديمة يحاولون ان يكتسبوا رئيسا أو كيلا ويكتبون في تقاريرهم الكثير عن النجاح في ضم مثل هؤلاء!) وقال لوثر: (كفى كفى اني لا أوافق ان نضم أحدا على مجتمعاتنا على أساس باطل. لقد تركنا الكنيسة التي لم تكن سليمة العقيدة سليمة الحياة فإذا ما أردنا ان نربحها إلى مجامعنا الكنسية فينبغي ان يكون ذلك على الأسس الإصلاحية... وإلا كنا غير أمناء لعقيدتنا) قلت: (لقد كانت لي فرصة تمتعت فيها بالتعرف إلى بعض أتباعك ويسرني أنهم لازالوا محافظين. ارجوا أنهم يستمروا كذلك!)

        هز لوثر رأسه وابتسم ثم لوح بيده مودعاً وانطلق في طريقه فلم اعد أراه.

 

 


 

 هذا هو اللقب الذي أطلقوه على البابا وهو تعبير غير لائق [1]