المصلح

مارتن لوثر

حياته وتعاليمه

 

 

 

 

 

 

 

بحث تاريخي عقائدي لاهوتي

 

يقدمه

 

 

الدكتور

القس حنا جرجس الخضري

 

 

 

 

 

دار الثقافة

 

 

 

إهداء

 

 

                             إلى هذين الكنزين العظيمين اللذين منحهما لنا الرب لور (فوزية) وعمانوئيل (فرح) حنا جرجس الخضري

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فهرس الكتاب

 

 

إهداء...........................................................................

 

المقدمة ........................................................................

الفصل الأول: ميلاده ..........................................................

الوسط الذي نشأ فيه مارتن لوثر

عماده

حياته العائلية

حياته المدرسية

مارتن في مدرسة مجدبورج

مارتن في مدينة أبزناخ (أو اسناخ)

 

الفصل الثاني: مارتن الطالب في جامعة أرفورت ....................................

الفصل الثالث: الأستاذ مارتن لوثر يترك الجامعة وينزوي في الدير ..................

الفصل الرابع:  الأستاذ لوثر يصبح راهبا أغسطينيا..................................

سيامته كاهناً

شعاع نور في ليل حالك الظلام

مشكلة الخوف من الله ومن الخطية

الفصل الخامس: عودة لوثر للتدريس ..................................................

لوثر في روما                 

الفصل السادس: الاكتشاف العظيم لعقيدة التبرير بالإيمان ...............

الفصل السابع: صكوك الغفران .........................................................

الفصل الثامن: ماذا عملت يا لوثر؟ .....................................................

الفصل التاسع: مجمع هيدلبرج .........................................................

الفصل العاشر: لوثر أمام الكاردينال كاجتان ............................................

الفصل الحادي عشر: حوار مفتوح في مدينة ليبزج ..........................................

الفصل الثاني عشر: انفصال لوثر عن الكنيسة الكاثوليكية ....................................

الفصل الثالث عشر: كتابات لوثر العظمى ...................................................

المنشور الأول: أو المكتوب الأول إلى الأمة المسيحية الألمانية النبيلة

المكتوب الثاني: السبي البابلي للكنيسة                   المكتوب الثالث: الحرية المسيحية

 

الفصل الرابع عشر: فورمس "بوتقة التجربة" .................................................

الفصل الخامس عشر: قلعة فارتبوج والفارس جورج .........................................

الفصل السادس عشر: عودة المصلح في فيتمبرج .............................................

الفص السابع عشر: ثورة الفلاحين ............................................................

الفصل الثامن عشر: زواج الراهب مارتن لوثر................................................

الفصل التاسع عشر: صعوبات في وجه الكنيسة الناشئة........................................

                     زيارة لوثر وملانكثون لبعض الكنائس

الفصل العشرون: اجتماع مجلس الأمة "الدايت" في سبيرس "اوسبير" ودعي اللوثريون بروتستانت في سبيرس أولا (أع 26:11) اجتماع ماربورج ومشكلة العشاء الرباني "الافخارستيا"

 

الفصل الحادي والعشرون: مجمع أوكسبورج سنة 1530 كاثوليك وبروتستانت .............

الفصل الثاني والعشرون: وان مات يتكلم بعد .................................................

الفصل الثالث والعشرون: بعض الأمثلة من تعاليم لوثر .......................................

                           مفهوم الكرستولوجي

                           العشاء الرباني "الافخارستيا"

 

الفصل الرابع والعشرون: ما موقف الكنيسة الكاثوليكية والعلماء الكاثوليك من لوثر الآن؟

 

 

 

 

مقدمة

مارتن لوثر

  للأعلى

           من هذا الرجل. هل كان محقا في صراعه ونضاله ضد البابا وضد الإمبراطور وضد بعض الأمراء والرؤساء الكاثوليك؟ هل كان مخطئا أم محقا في قيامه بحركة الإصلاح؟ هل كان هرطوقيا أم أرثوذكسيا في عقائده وتعاليمه؟ هل كان البابا محقا أم مخطئا في حرمانه للوثر؟ هل كان الإصلاح بركة أم نقمة للعالم؟

                                                   سنحاول ان نجيب على هذه الأسئلة وأسئلة أخرى سوف تواجهنا  أثناء دراستنا لهذا الكتاب. ولنبدأ بالسؤال الأول وهو لماذا كتب هذا الكتاب؟

1- سوف يحتفل العالم المسيحي البروتستانتي كله في شهر أكتوبر "تشرين الأول" ونوفمبر "تشرين الثاني" بمرور خمسمائة سنة على مولد المصلح الألماني، الذي ولد في 10 نوفمبر سنة 1483م. ومع ان كنيستنا الإنجيلية في مصر هي كنيسة إنجيلية مشيخية الا انها تدين أولا للرب يسوع المسيح في كل شيء، وتدين للوثر وللوثرية بأشياء كثيرة.

2- ان احتفالنا بمناسبة مرور خمسمائة سنة على ميلاد المصلح الإنجيلي، لا يعني بأي حال من الأحوال ان الكنيسة الإنجيلية تقدس الأشخاص، أو تقدم عبادة خاصة لهؤلاء القديسين (2كو 14:13 في 21:4، اتس 27:5) بل تحاول ان تنظر إلى جهادهم وأعمالهم، فتسير في نفس الطريق الذي سلك فيه هؤلاء (عب 7:13). متجنبة على قدر الامكان الأخطاء التي سقطوا فيها، مقدمة المجد والكرامة لشخص الرب يسوع الذي حفظهم بنعمته شهودا أمناء.

3- كما ان الكنيسة في احتفالها بهذه المناسبة لا تريد ان تجرح الإخوة الأحباء من أي كنيسة أخرى لا توافقها في الرأي، أو العقائد، فليس هذا هدف الكنيسة الإنجيلية بل ان هدف كاتب هذا الكتاب هو:

4- ان يقدم دراسة ايجابية بقدر المستطاع عن شخصية المصلح الألماني، محاولا فيها ان يبين الظروف التاريخية والسياسية والدينية التي كانت تعيش فيها الكنيسة الكاثوليكية والمصلح. فكم من المرات قدمنا نحن البروتستانت انتقاداتنا اللاذعة القاسية لموقف البابا ليون وموقف الكنيسة الكاثوليكية عامة في قضية مارتن لوثر دون تفهم للتيارات الخفية السياسية التي لعبت دورا هاما في هذه القضية. ولا أريد بهذا ان ابرر البابا في حرمانه للوثر. لكني أريد ان أقول فقط ان لوثر قد عاش في فترة تاريخية معقدة.

5- ويتمنى الكاتب من كل قلبه ان يكون هذا الكتاب دافعا وحافزا للكثيرين على دراسة حياة مارتن لوثر والفترة التي عاش فيها على ان تكون الدراسة علمية مجردة من الخلفيات التي يحتفظ بها كل منا كاثوليكي أو أرثوذكسي أو بروتستانتي، عن المصلح وعن تعاليمه. ربما وصلت إلى بعضنا بطرق غير علمية وغير محايدة. 

6- لهذا السبب فقد حاولت ان أقدم بعض المراجع سواء على صفحات الكتاب نفسها أو في قائمة المراجع حتى يستطيع الشخص الذي يريد التعمق في دراسة حياة وتعاليم لوثر ان يجد بعض المراجع التي تساعده على الإلمام بهذا الموضوع.

7- ومع ان لوثر استعمل في بعض الأحيان، ألفاظاً وعبارات قاسية جارحة في وصفه للبابا، ونحن نأسف كثيرا جدا لهذا التطرف. الا ان شخصية لوثر وتعاليمه يمكن ان تكون مادة سنية لإثارة حوار بناء يقود إلى وحدة قوية بعد انفصال طويل لأن كثيرين من العلماء الكاثوليك في الوقت الحاضر يعترفون بان كنيسة وباباوات العصور الوسطى والعصر الذي عاش فيه لوثر يختلفون عن باباوات وكنيسة العصر الحال، خاصة بعد مجمع الفاتيكان الثاني.

8- كان لوثر يكن للبابا كل حب وتقدير واحترام ولم يغير فكره في ذلك الا بعد التأكيد من ان البابا كان يسعى للقبض علية ومحاكمته كهرطوقي.

9- لم يهاجم لوثر الكنيسة ولم يحاول ان يهجرها لأنه كان يرى فيها أما، فكان يسعى دائما لإصلاحها من الداخل.

10- ومع ان لوثر قد هاجم سلطان البابا وسلطان المجامع، الا ان سلطان المجامع مازالت موضوع جدل ونقاش بين الكنائس التي تؤمن بهذا السلطان الا ان لوثر كان متمسكا ليس فقط بالكتاب المقدس وحده، بل قبل أيضا أقوال الآباء التي لا تتعارض والكتاب المقدس. وقد اكتشف ان القديس اغسطينوس قد أدرك موضوع التبرير بالإيمان بطريقة تشبه إلى حد كبير إدراكه لهذه العقيدة؟!!! ألم يحث هو نفسه أيضا الرهبان في مدينة هيدلبرج على دراسة الكتب المقدسة وتعاليم الآباء؟

11- توجد حقيقة أخرى هامة جدا فيما يختص بلوثر والحوار المسكوني: لقد تمسك لوثر بالكتب المقدسة وشدد على دراستها، كما تمسك بتعاليم الآباء. كما ان الكنائس التقليدية القديمة كاثوليكية كانت أم أرثوذكسية قد فتحت الكتاب المقدس وخرج منها أيضا رجال أكفاء في العلوم التفسيرية والنقدية والتاريخية...........

                على هذا الأساس من تمسك المصلح بأقوال الآباء التي تتفق مع الكتاب المقدس، ثم تمسكه بالكتاب المقدس نفسه، أمكن للكنائس التقليدية القديمة وكنائس الإصلاح ان تجد أرضا جديدة تقف عليها للتفاهم. ففي الماضي كان ينظر التقليدي إلى البروتستانتي على انه شخص رافض للتقليد والآباء. وليس هذا صحيح لأن آباء الكنيسة الذين قبلوا الكتاب المقدس وعملوا به هم آباء مصلحين أيضا. ويجب علينا ان نحبهم ونحترمهم كما أحبهم واحترمهم رجال الإصلاح ورجعوا إلى كتاباتهم ولم يحاول المصلحون قط مهاجمة آباء الكنيسة الذين تمسكوا بالكتاب المقدس وعملوا به، بل وجدوا في هؤلاء الآباء سندا وعونا لكي يؤيدوا بأقوال هؤلاء الآباء وتعاليمهم الجديدة التي نادوا بها. ولهذا السبب نجد ان كتابات المصلحين قد امتلأت باقتباسات من أقوال الآباء، هذا ما حاول ان يفعله لوثر. وهذا ما حاول ان يفعله أيضا كثير من المصلحين. فعلى سبيل المثال نجد في كتابات جون كلفن المصلح الفرنسي ثلاثة آلاف اقتباس من كتابات الآباء، فعلينا نحن أبناء وورثة المصلحين ان نقبل كل تعاليم الآباء التي تتفق والكتاب المقدس ولا تعارض معه. وما أكثر تعاليم الآباء التي لا تتعارض قط مع الكتاب المقدس بل هي مأخوذة منه.

 

12- يجب ان نبحث بطريقة علمية وتاريخية صحيحة وواعية والأسباب الحقيقية التي أدت إلى ذلك الانقسام المخجل. إذ انه توجد أسباب سياسية كثيرة كانت وراء هذا الانقسام. ومما لا شك فيه انه لا يمكن ان نلقي بالمسئولية كلها على عاتق الظروف السياسية وحدها، لأنه كانت توجد أيضا أسباب عقائدية وتعليمية وراء هذا الانقسام ولكننا نعتقد بان الباحث والدارس المنقب يمكنه ان يدرك بان الظروف السياسية التي كانت تحيط بالكنيسة في عصورها الأولى وفي العصور اللاحقة وفي العصور الوسطى كانت سببا في كثير من الانقسامات التي حدثت فيها والتي نعاني منها نحن الآن، بالرغم من ان ظروفنا السياسية تختلف تماما عن الظروف في تلك الفترات التي عاشتها هذه الكنائس.

       لقد كانت تسيطر على تعاليم بعض المجامع وبعض الآباء والمصلحين، مفاهيم فلسفية وتعليمية الا ان بعضها تغير، مما يوجب علينا ان نجلس معا كاثوليك وأرثوذكس وبروتستانت ونطرح مشاكلنا على المائدة ونناقشها بصراحة وأمانة. 

13- يحتاج العصر الذي تعيشه الكنيسة اليوم شرقا وغربا إلى وحدة كاملة وترابط قوي وإيمان عميق في شخص الرب يسوع المسيح صخر الدهور، ويحتاج أيضا إلى محبة صادقة بلا رياء لكي تستطيع الكنيسة بنعمته ان تواجه تحديات وتيارات العصر الحاضر من الحاد وكفر ومادية وتعصب أعمى. ان الكنيسة كلها غربا وشرقا معرضة لهذه التحديات، وان كنا نثق ونؤمن بان وعد الله صادق وأمين وان أبواب الجحيم لن تقوى عليها فعلينا الا ننسى ان رغبة الله العظمى وأمره السامي واضحان في: صلاة الرب يسوع الشفاعية وهي ان نكون واحدا حتى نستطيع ان نحمل المسئولية الموضوعة على عاتقنا الا وهي ان يؤمن الجميع باسمه.

دار الثقافة


 

الفصل الأول

   للأعلى

ميلاده:

    من الغريب ان مرجريت زيكلر، تتذكر جيدا اليوم والساعة التي ولدت فيها ابنها مارتن لوثر ، الا انها لا تتذكر جيدا سنة الميلاد. ولقد حاول ملانكثون Melanchton)) الصديق المخلص والرفيق الأمين للوثر في جهاده، ان يعرف تاريخ ميلاده، فسأل أمه مرجريت، فقالت له انه ولد قبيل منتصف الليل في العاشر من شهر نوفمبر (تشرين الثاني). ولكنها لا تذكر السنة بالتحديد[1]

ولهذا السبب فقد اعتقد بعض المؤرخين ان مارتن لوثر ولد في العاشر من نوفمبر 1483[2] والبعض الأخرى يظن انه ولد في سنة 1484 أو 1485 [3]. اما مارتن لوثر نفسه، فكان يعتقد انه ولد وفي العاشر من نوفمبر 1482، إذ انه تقدم للامتحان في كلية (Erfurt) أرفورت في سنة 1505 ولم يكن من الممكن، بحسب دستور هذه الكلية، قبول أي طالب لهذا الامتحان قبل ان يبلغ الثانية والعشرين من عمره على ان ملانكثون، كان متمسكا لوقت ما ولأسباب نجهلها، بان مارتن ولد في العاشر من نوفمبر سنة 1484. وهذا ما قد سجله في كتابه "حياة لوثر" المؤرخ بتاريخ أول يونيو 1546 [4]، وهي السنة التي انتقل فيها المصلح إلى المجد. ولكن يعقوب أخا مارتن لوثر قال ان أخاه ولد في العاشر من نوفمبر 1483. ويعترف ملانكثون بصدق وأمانة يعقوب حتى انه قبل هذه الشهادة كوثيقة تاريخية، يرجع إليها معظم العلماء.

        وبناء على ذلك، تحتفل الكنائس اللوثرية في العالم كله بمرور خمسمائة سنة على ميلاد المصلح الديني الألماني مارتن لوثر في العاشر من نوفمبر سنة 1983م.

 

الوسط الذي نشأ فيه مارتن لوثر

        كان يوحنا لوثر ومرجريت زيكلر من عائلة ريفية متواضعة من أعمال أيزناج أو اسناخ “Eisenac”. ولقد اشتدت قسوة الحياة الريفية عليهما، لأنهما لم يكونا من أصحاب العقارات والأطيان[5] في منطقة تورنج (Thurrine) الزراعية والغنية بغاباتها وحقولها إلى أيسليبن (Eisleben) سعيا وراء لقمة العيش. ففي هذه المدينة التي تقع حاليا في ألمانيا الشرقية[6] وفي احد شوارعها الكبيرة وفي بيت مظلم يخلوا من كل وسائل الراحة والرفاهية والتنعم، ولد المصلح مارتن لوثر[7].

        من كان يعلم أو حتى يحلم بان هذا الطفل الصغير الفقير المتواضع النسب والحسب، سوف يغير بحياته وتعاليمه مجرى التاريخ ومصير كثير من دول العالم؟!!!

 

عماده

        تمسكت الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الوقت بفكرة الإسراع في تعميد الأطفال[8] وبما ان يوحنا (هانس) ومرجريت كانا كاثوليكيين محافظين على تقليد الكنيسة وطقوسها فقد طلبا عماد ابنهما في "يوم الثلاثاء" وهو غد ميلاده فحملاه إلى كنيسة القديس بطرس ليعمد هناك، وسمياه باسم مارتن لأنه ولد في ليلة عيد القديس مارتن[9].

        ومع ان يوحنا (هانس) لوثر لم يدرس دراسات عالية في الجامعة، الا انه كان على ما يبدو واسع الطموح كثير الجهاد، لا يخشى التعب ولا يهاب الصعاب وقد كتب مارتن فيما بعد يقول: (كان والداي فقيرين جدا، فكانت والدتي تحمل الأخشاب على ظهرها لإعالتنا لقد كانت حياتهما قاسية صارمة) وعندما تكلم لوثر عن أبيه قال: (لقد خلق عرقه مني ما أنا عليه الآن)[10]

          ولم يكن رجل طموح مثل هانس لوثر ليرضى بالفتات الساقط من موائد الفلاحين والعمال. ولذلك فقط دفعه طموحه هذا للسعي وراء مكان أفضل وعمل أجدى. ولهذا السبب فبعد مضي ستة اشهر من ميلاد مارتن، ترك أيسليبن متجها إلى مدينة (Mansdfeld) مانسفلد التي تبعد عن أيسليبن بحوالي ستة كيلومترات. وكانت هذه المنطقة غنية بمناجم النحاس والفضة ولم يمر وقت طويل على هذا الرجل المجتهد العامل الطموح، حتى قفز من درجة عامل إلى رئيس لثلاثة مسابك صغيرة[11] ولم يتوقف نجاحه وصعوده عند باب هذه المسابك الصغيرة، بل أصبح هو نفسه مالكا لحوالي أثنى عشر مسبكا[12] كما انه اختير عضوا في مجلس المدينة الذي كان يتكون من أربعة أعضاء لمساعدة الحاكم والاشتراك معه في الإدارة. وبهذا أصبح يوحنا (هانس) لوثر بورجوازيا في مدينة مانسفلد[13].

        أما مرجريت زيكلر فكانت هي أيضا سيدة مجتهدة عاملة نشيطة. ولقد رسم كراناش (Cranach)  الرسام المعاصر لها صورة تعبر عن حيرتها وقوتها ونشاطها... كما انها كانت أيضا سيدة فاضلة تقية. ولذلك فان كثيرات من جيرانها اتخذنها مثالا لهن[14] الا ان تقواها قد صبغت وتأثرت عميقا بالخرافات والعقائد التي انتشرت في عصرها. فكانت تؤمن كما كان يؤمن الكثيرون من أبناء عصرها بالقوات الشيطانية والحسد (وتأثير العين). كما انها كانت تعتقد ان الأرواح الشريرة تسكن الأماكن المظلمة والبرك والمستنقعات[15] وكانت تخشى من السحر وسلطانه حتى انها نسبت موت ابنها الثاني إلى سحر جارة من جيرانها؟!!![16]

 

حياته العائلية:

        كانت كثرة الأطفال في هذا العصر تعتبر بركة من بركات الله، وعلامة من علامات رضاه على الناس ولقد منح الرب يوحنا لوثر ومرجريت سبعة أطفال[17] فكانوا بلا شك يملأون البيت فرحا وسرورا. ومع ان يوحنا ومرجريت تركا القرية والزراعة، الا انهما احتفظا بالعقلية الريفية بوقت طويل جدا ولوثر نفسه كان يقول (انني فلاح أبا عن جد، ولقد كان كل أجدادي فلاحين)[18]. ومن بين العادات والمفاهيم المنتشرة في ذلك العصر، ليس فقط في القرى والفلاحين، بل في المدن أيضا بين المتعلمين. والتي كانت تسيطر بدورها على يوحنا لوثر ومرجريت المفهوم الخاطئ في تربية الأطفال واستعمال الشدة والقسوة في تهذيبهم. وهذا الأسلوب التربوي الذي اتبعه أهل ذلك العصر لا يدل بأي حال من الأحوال على تجرد الآباء والأمهات والمربين من العطف والمحبة والحنان ويذكر المصلح بعض العقوبات التأديبية التي ذاقها فيقول (لقد عاقبني أبي عقابا شديدا في يوم ما لدرجة اني هربت من أمامه واختفيت، ولم استطع ان آنس إليه الا بعد وقت طويل) ثم يقول عن أمه في يوم من الأيام ضربتني أمي بالسياط حتى انفجر الدم من جسمي بسبب حبة جوز بائسة[19] وبالرغم من هذه التأديبات والعقوبات القاسية التي تألم بها مارتن لوثر فأنه كان يدرك تمام الإدراك ان الهدف من كل هذه التأديبات كان تهذيبه وتعليمه وكانت كلها لخيره. كما يقول هو نفسه: (فبالرغم من ان عقاب والدي لي كان قد تعدى الحدود الا انهما لم يريدا الا خيري)[20].

        ومما لا شك فيه ان قسوة والديه في الطريقة التي اتبعاها لتهذيبه وتعليمه تركت انطباعات كثيرة وتأثيرات نفسية عميقة في شخصية مارتن لوثر مرهف الحس، ورقيق الشعور. بل دفعت به أيضا إلى نوع من الانطوائية. ولأجل هذا كتب فيما بعد يقول: (كان والدي في غاية القساوة معي، الامر الذي خلق مني إنسانا خجولا ولقد كانت قسوتها عاملا دفعني إلى الالتجاء إلى الدير لأصبح راهبا)[21] ان قسوة والدي مارتن لوثر في تربيته. ربما جعلته يفكر في الرهبنة هربا منهما الا انها لم تكن العامل الأساسي والوحيد الذي زج به إلى الدير وسوف نتعرض لهذه النقطة فيما بعد.

 

حياته المدرسية:

التلميذ مارتن في مدرسة مانسفلد:

        كان والدا مارتن في غاية القسوة في تهذيبهما له. كما سبقت الإشارة إلى ذلك. ولكنهما لم يريدا من هذه القسوة والشدة الا تربيته تربية مسيحية صالحة. وبناء على ذلك فقد سجلا اسمه في مدرسة المدينة التي كانت تقيم فيها العائلة لكي يحصل على اكبر قسط من التعليم حتى يستطيع فيما بعد ان يصبح متعلما ومثقفا وهذبا.

        فعندما بلغ سن السابعة[22] أو قبل ذلك بقليل عرف مارتن طريق المدرسة. وعلى ما يبدو كان نظام المدرسة والتدريس في ذلك العصر جافا قاسيا. ولقد انقسم العلماء هنا إلى فريقين. فريق يرى ان نظام التدريس كان فعلا جافا وقاسيا ممتلئا بالسطحيات والقشور (والحشو) خليا من الجوهريات والتعمق والتركيز. وبما انه خلا من التعمق والدرس العلمي والبحث الدقيق فقد استعمل المعلمون كوسيلة لتعليم الشدة والقهر والضرب وليس جذب التلاميذ وتشويقهم بطريقة عرض الدروس بوسائل جديدة وبأسلوب ممتع جذاب.

        والذين يؤيدون هذه النظرية اقتبسوا عدة مراجع وشواهد من كتاب ذلك العصر- على اننا نكتفي هنا بسرد بعض كتابات المصلح فقط فيما يخص هذا الموضوع. ففي سنة 1524 أرسل لوثر خطابات إلى حكام المدن ليحثهم على العمل على تأسيس مدارس وجامعات في مدنهم. ولقد ذكر في خطابه هذا بعض الانتقادات القاسية والمريرة عن التعاليم والمناهج لدرجة انه لصق اسم جهنم والمطهر بهذه المدارس. فهو يقول عن المدرسة (كنا نعذب... ولم نتعلم شيئا)[23] وعندما يتعرض لوصف قساوة معلميه وشدتهم في التعليم يقول (لقد ضربت 15 مرة في يوم واحد)[24]

        إلى هذه النصوص ونصوص أخرى رجع الكثيرون لكي يؤيدوا فكرة ان نظام التعليم كان خاليا من العمق ومصحوبا بالقسوة والعنف.

        اما الفريق الثاني فيتفق والفريق الأول على ان نظام التعليم في ذلك الوقت كان قاسيا بالفصل ولكن ليس بالدرجة التي حاول الكثيرون ان يصفوه بها مبالغين. كما بالغوا أيضا في كلامهم عن أسلوب الآباء في تهذيبهم للأبناء[25]. وصحيح ان المناهج كانت قليلة ومحدودة وهذا يرجع إلى قلة الكتب. الا ان الذين كانوا يرغبون في الدرس والبحث، كانوا يجدون أبوابا مفتوحة أمامهم في ذلك الوقت.

 

 

المناهج التي كانت تدرس:

        كانت تدرس كل المواد باللغة اللاتينية[26] فلقد درس مارتن في مدرسة مانسفلد قواعد اللغة اللاتينية، الوصايا العشرة، قوانين الإيمان، الصلاة الربانية وبعض الترانيم[27] والخطابة والمنطق والتاريخ وبعض العلوم الأخرى.

 

مارتن في مدرسة مجد بورج (Magde Bourg)

        لقد قرر الأب الطموح يوحنا لوثر ان يواصل ابنه دراساته، فأرسله لذلك إلى مدرسة اشتهرت في المنطقة بكفاءة معلميها وتقوى الذي يقومون بإدارتها: وهي مدرسة الإخوة الفرنسيسكان* في مجد بورج. إلى هذه المدرسة جاء مارتن من مانسفلد مع صديق له ميسور الحال يدعى يوحنا رينيك (Jean Reineke) لكي يواصلا دراستهما الثانوية.

        كان مارتن في الرابعة عشرة عندما التحق بهذه المدرسة. ومع انه لم يمكث في هذه المدينة الا عدة شهور، لأنه أصيب بمرض أضطره للعودة إلى مانسفلد، الا ان إقامته في هذه المدرسة كان لها تأثير عميق جدا على حياته ومستقبله فبالرغم انه لم يذكرها الا مرة واحدة في كتاباته[28] الا ان الأحداث التي وقعت فيها، لعبت دورا هاما جدا في حياته الروحية ونذكر منها:

1-   كان الامر الأول الذي أثر في نفس الشاب هذا هو الحياة في المدرسة نفسها. كان الإخوة الفرنسيسكان يشرفون على إدارتها وعلى التعليم فيها. ولقد اتصفت هذه الجماعة بروح التقشف والزهد والاتضاع والاماتات كما كان القديس فرنسيس الاسيزي. ولذلك فقد حاول بكل الوسائل غرس وتنمية هذه الروح في التلاميذ. ولكي يدربوهم على ممارسة هذه التمرين العملي الصعب، فقد طلبوا منهم ان يتسولوا في الشوارع طالبين صدقة من الناس[29] لذلك فانه من الخطأ إذن ان نقول ان مارتن كان يتسول لفقره، وسوف نرجع إلى هذه النقطة فيما بعد.

2-   كان الامر الثاني الذي أثر في حياة مارتن وتفكيره هو تعاليم مدرسية الإخوة الفرنسيسكان عن حياة الرهبنة. ولقد انتشرت في هذه الأيام فكرة ان الرهبنة وسيلة من وسائل الأكيدة على الحياة الأبدية والهروب من غضب الله.

3-   اما الحال الثالث الذي ترك في نفس ذلك الشاب المرهف الإحساس والشعور تأثيرا عميقا لا يمكن للأيام ان تلاشيه هو صورة وليم، احد الأمراء والأغنياء من بلدة أنهالت (Anhalt) الذي ترك العلم وكل أمجاده وجاء ليصبح راهبا ويعيش في الدير. وكان يجول في شوارع المدينة طالبا إحسان المحسنين. ولقد ظهرت عظامه تحت ثيابه لكثرة ما كان يعاني من الأعمال البدنية المتعبة وإذلال جسده وقهره. ويقول مارتن في وصفه لهذا الأمير: (لقد رايته بعيني يحمل كيسا على ظهره كحمار)[30] ويقال ان هذا الأمير كان يمارس هذه الأعمال التقوية وتعذيب جسده بهذه الطريقة لكي يكفر عن ذنوب أبيه السالفة[31] ولكي يحصل هو نفسه على الحياة الأبدية.

4-   حدث رابع مر به لوثر في هذه المدرسة: فلقد رأى لأول مرة كما يقال- نسخة من الكتاب المقدس، وعندما فتحه عن طريق الصدفة، وجد قصة الصبي صموئيل، فألتهمها التهاما ومنذ هذه اللحظة وهو يتوق شوقا لاقتناء هذا الكتاب العجيب[32].

5-   لقد مر الشاب مارتن بهذه الاختبارات في فترة قصيرة جدا لا تتعدى سبعة شهور. وقبل ان ينهي السنة الدراسية أصيب بمرض ورجع إلى مانسفلد للاستشفاء والعلاج وسط العائلة. وبينما كان على فراش المرض، أصيب أيضا أكير مانسفلد بمرض خطير جدا وكان يتوقع هو وكل مدينته موته القريب. ولذلك فقد أعلن ندمه على كل خطاياه، كما انه كان يقوم بأعمال صالحة كثيرة لكي يكفر عن ذنوبه ولكي ينال بأعماله الصالحة كما كان يعتقد، رضا ربه.

لعبت كل هذه الأحداث دورا هاما وكبير في حياة مارتن الروحية وفي مستقبله أيضا. كانت هذه الأحداث أو بعضها سببا في مرضه هذا؟ لا نعلم بالضبط، ولكننا نعتقد ان هذه الأحداث التي حدثت في فترة قصيرة كانت من الأسباب الهامة جدا التي دفعت مارتن إلى التفكير العميق في حياته الروحية وخاصة في مشكلة الموت والتبرير.

 

مارتن في مدينة أيزناخ أو اسناخ (Eisenach)

بعد مرور بضعة أسابيع على مرض مارتن بدأ يتماثل للشفاء. وعندئذ بدا يوحنا أيضا في البحث عن مدرسة أخرى. وأستقر أخيرا الرأي على مدينة ايزناخ. فان مارتن سوف يجد هناك عمه كونراد هيتر (Conrad Hutter) وهو قندلفت أو سكر ستاني لكنيسة القديس نيكولا في هذه المدينة[33] وهكذا سجل اسم مارتن في مدرسة القديس جورج في أيزناخ وبدأ من جديد عاما دراسيا آخر.

على ان عمه كونراد هيتر لم يعره اهتماما كبيرا. ولهذا السبب فقد انضم هذا الشاب إلى جماعة من الشباب في فرقة الترانيم المحلية. وكان يطوف الشوارع معهم مرنما ومستجديا في حاجة لهذا المال للمدرسة وللأكل والملابس، لأنه كان فقيرا. والذين يؤيدون هذه النظرية، يرجعون إلى أقوال مارتن نفسه عن انه كان من عائلة فقيرة، كانت أمه تحمل الحطب أو الخشب على ظهرها لاعالته... وقد كتب هو نفسه قائلا (لا تستهينوا بالصغار المتسولين لأني كنت مثلهم، نعم كنت فتى مسكيناً مستجدياً وارتقيت إلى ما انا عليه بقلمي..)[34] وكاتب آخر كتب يقول (ونظرا لفقر لوثر لم يدقق معه هؤلاء الآباء في مسألة المصروفات. ومع ذلك لم يستطع لوثر ان يسد مصاريفه الشخصية من جيبه الخالي... وكان من عاداته اثناء إقامته في مجد برج – ان يصحب جماعة من الزملاء الأصدقاء ممن ربطهم الفقر بأواصر الصداقة المتينة ويطوفون في شوارع المدينة يرددون الألحان والترانيم حتى يدبر الله لهم احد الأغنياء الذي يعطف عليهم ويرق لحالهم.. ويقدم لهم شيئا من الطعام[35].

أما الفريق الثاني من العلماء والمؤرخين يعتقد ان الفريق الأول الذي قدمنا بعضا من كتاباته يبالغ قليلا في وصف حالة مارتن بالبؤس المحزن والفقر المقنط والحاجة المؤلمة[36].

        ولفهم هذه النقطة يجب ان لا يغيب عن بالنا مرحلتين في حياة يوحنا لوثر: المرحلة الأولى وهي التي قضاها اثناء صباه في أيزناخ ثم هجرته منها لضيق الحال وقلة العيش فيها ولأنه لم يكن من ذوي الأملاك* حتى في ايسلبن لم تتحسن حالته الاجتماعية، ولذلك فقد تركها سريعا سعيا وراء العيش متجها إلى مدينة اشتهرت بالمناجم وهي مانسفلد وهناك استقر. ولم تكن الحياة بالنسبة له في بداية الامر لينة هنية، بل كان عليه ان يجاهد ويصارع ويناضل فلقد بدأ كعامل بسيط في منجم وبفضل اجتهاده في العمل وأمانته ودقته أصبح رئيسا لعمال ثلاثة مسابك، وبعد ذلك نشد الاستقلال فأصبح هو نفسه مالكا أثنى عشر مسبكا وفي سنة 1496 صار عضوا في مجلس المدينة ومساعدا لحاكمها وبذلك أصبح يوحنا لوثر واحدا من بورجوازي هذه المدينة[37].

        ومما لا شك فيه ان يوحنا لوثر كان من عائلة فقيرة جدا. ومما لا شك فيه أيضا ان مارتن وإخوته ذاقوا طعم الحرمان المر المؤلم وعاشوا فيه فترة. ولذلك فهو يتذكره ويذكره في كتاباته فمن المحتمل ان تكون أحوال يوحنا لوثر الاجتماعية والمالية بدأت في التحسن بعد ان وصل إلى مانسفلد بعدة سنوات، أي منذ سنة 1493 أو 1494 تقريبا. وكان مارتن في ذلك الوقت قد تجاوز العاشرة أو الحادية عشرة.

        وكيف يمكن إذن ان نشرح كتابات الكتاب وكتابات لوثر نفسه التي تتكلم عنه وعن حرمانه والإماتة النفسية وتسوله في الشوارع؟ ولحل هذه المشكلة توجد عدة اقتراحات:

1-   كان مارتن عضوا في فرقة الترنيم في مانسفلد ثم في مجدبورج وكذلك في ايزناخ. ومن المعروف بان أعضاء هذه الفرقة لم يكونوا من الفقراء المعوزين فقط بل كانت تظم أيضا أطفال بعض العائلات الغنية والمحترمة في المجتمع[38] وكان الهدف من تكوين هذه الفرق هو الترنيم في الكنائس وفي الشوارع أيضا. ولقد حاول المسئولون عن هذه الفرق ان يبثوا في نفوس المشتركين فيها روح التواضع وإنكار الذات عن طريق التسول وطلب الإحسان في الشارع. ولقد استخدم التلاميذ الفقراء هذه الوسيلة لسد حاجاتهم الدراسية وغير الدراسية.

2-   ان الكتاب الذين صوروا لنا مارتن بائسا فقيرا ومتسولا امام الأبواب، كان دليلهم على ذلك النصوص التي تتكلم عن يوحنا لوثر في حالة فقره ونضاله قبل ان يصل إلى حالة اليسر.

3-   لقد تألم مارتن فعلا عندما كان يقاسي الحرمان الحقيقي والفقر المادي الذي كان يعيشه مع إخوته في بيت أبيه في المرحلة الأولى من حياة أبيه يوحنا لوثر، وحتى بعد ان تغيرت أحوال أبيه الاجتماعية وتيسرت ظروفه ظل مارتن يشعر بحالة الفقر والحرمان بطريقة تكاد ان تكون واقعية في مجدبورج وفي ايزناخ عندما كان يطوف في الشوارع مع بعض رفاقه الأغنياء والفقراء مرنمين وهم يطلبون احسانات المحسنين. وبما انه كان يشعر بشعور الآخرين ويتألم لآلامهم. فقد اشترك معهم ليس فقط في جمع الكسر، بل كان يشعر بشعور الآخرين ويتألم لآلامهم. فقد اشترك معهم ليس فقط في جمع الكسر، بل كان يشعر في نفسه كما لو كانت هذه الكسر تجمع له شخصيا. ولهذا السبب، فعندما كتب عن المتسولون قال (وأنا أيضا كنت أتسول طالبا بعض الكسر من الخبز لا تحتقروا هؤلاء الصغار فاني كنت واحدا منهم)[39] . فان كان مارتن قد تألم كثيرا أثناء هذه التمارين الموسيقية والغناء في الشوارع، الا ان هذه كانت فرصة ذهبية فعن طريقها تعرف على عائلة كريمة النفس نبيلة الأخلاق ولقد ظل كل حياته مرتبطا بها ومحتفظا ومعتزا بذكرياتها العطرة هذه العائلة هي عائلة كونز كوتا وزوجته أورسول (Kunz Cotta Et Vrsdle) ويبدو ان هذه العائلة سمعته يرنم في الكنيسة، فدعته لتناول الطعام، وعندئذ بدأت روابط المحبة تتعمق، فأصبح مارتن كواحد من العائلة. ولقد كانت هذه السنوات التي قضاها مارتن تحت سقف هذا المنزل سنوات مشرقة شعر فيها بالسرور والارتياح والسعادة النفسية. كانت العائلة غنية ومثقفة وكان البيت مفتوحا، فكم من المواضيع اللاهوتية والدينية والتقوية التاريخية نوقشت أثناء تناول الطعام... وكم كان الشاب مارتن يصغي إلى هذه المناقشات التي دارت بين رب وربة البيت والآباء الفرنسيسكان وغيرهم. ولقد كانت هذه الفترة مشرقة في حياة الشاب مارتن لوثر.


 

هوامش الباب الأول

 


 

[1] Henri Strohl, Luther. Jusqu’n 1520. Presses Universitaies De France, p27.

[2] Roland H. Bainton’s Here J. Stand, A life of Martin Luther, A. Mentor Book, P. 16

[3] Denise Houticq, Luther Mon Ami. Labor et Fides, p. 12.

وانظر أيضا ميرل دوبينياه، ترجم عن الإنجليزية بقلم الشيخ ابراهيم الحوراني (تاريخ الإصلاح في القرن السادس عشر) منشورات مكتبة المشعل في بيروت باشراف رابطة الكنائس الإنجيلية في الشرق الاوس، الطبعة الثانية ص36-37.

[4] H. Strohl, Luther. Sa, Vie Et Sa Pensee, Ed. Oberlin, P.17.

[5] Ronald Baintaon, P.17-19.

[6] Albert Greiner, Luther, UN. Passione de verite, P. 8.

[7] A Greiner, Luther. Essai, Biographique, Labor Et Fides. P.19.

 - أ. موريس، حياة لوثر، ترجمة القس باقي صدقه ص6[8]

- ميل دوبينياه ص37.[9]

[10]A. Greiner. Essai. 19.

 

[11] A. Greiner. Un Pass. P.9. انظر أيضا ميرل دوبينياه، ص37

 

[12] R. Bainton, P19.

[13] A. Greiner…… 9-11

[14] G. Casalis, Luther Et L’Eglise Conffssante, Ed. Du. Cerf, 1983.  P.1-9.

[15] R. Bainton, 18-23.

[16] A. Greiner. Essai P.20.

[17] A. Greiner. Essai P.19, Hourtieq. P.12.

[18] A. Greiner. Essai P.19, Hourtieq. P.12.

[19] A. Greiner. P.19.

[20] A. Greiner.19-20.

[21] H. Strohl, Sa Vie … P.20.

[22] A. Greiner. P.19.

[23] Strohl, Luther Jusqu’en 1520, P.29-30.

[24] ……………………………….P.30.

[25] O. Schell, Martin Luther 2 Voi, Tubingue 1916, 1-4 Et, Strohl P. 29-30.

[26] D. Hourtic 9, 13.

- -ميرل دوبينياه، ص38.[27]

 

* ان الذي قام بتأسيس جماعة الإخوة الفرنسيسكان هو القديس العظيم والشهير فرنسيس الاسيزي وهو إيطالي الجنسية. ولقد اشتهر بحملاته التبشيرية في الكنيسة ولهذا السبب فهو يعد من المصلحين إذ انه حاول القيام بحملة تبشيرية إصلاحية داخل الكنيسة الكاثوليكية نفسها. كما انه اشتهر أيضا بمحبته الفياضة للناس وللحيوانات وللطبيعة. والجدير بالذكر ان القديس فرنسيس جاء إلى مصر في القرن الثالث عشرة سنة 1219 وتقابل مع السلطان الحاكم في ذلك العصر. فلقد جاء أثناء الحرب الصليبية لكي يقدم صورة أخرى حقيقية عن المسيحية التي شوهها بعض الجنود والقادة الصليبين بتصرفاتهم ووحشيتهم.

 في خطابه المرسل إلى عمدة مجدبورج والمؤرخ بتاريخ 15 يونيو 1522.[28]

Christian Egypt: Ancient and Modern. By. Ottor A. Meinardus. Ph. D, P. 40-4 sch. 1. P.70

 

[29] D. Hourtic q, P. 14.

[30] R. H. Bainton P. 25, Greiner P.20-21.

[31] D. Hourtic q, P. 14.

[32] Strohl, Luther Jusqu’en 1520 P.P. 3-32.

[33] Strohl 24- Strohl, Luther Jusqu’en 1520 P. 32.

 ميرل دوينياه 39-40[34]

 - أ. موريس، حياة لوثر، ترجمة القس باقي صدقه ص14. [35]

* انظر ما جاء في هذا الكتاب بشان ذلك

 

[36] Strohl. Jusqu’en 1520 P. 29-32

 انظر ما جاء في هذا الكتاب.[37]

[38] Strohl P. 24-25

[39]Strohl P. 24-25

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

مارتن الطالب في جامعة أرفورت (Erfurt) 

   للأعلى

أنهى مارتن دراسته الثانوية في مدرسة القديس جورج بمدينة أيزناخ عندما كان في الثامنة عشرة من عمرة ومع ان أباه يوحنا لوثر لم يكن مثقفا ثقافة جامعية، الا انه كان طموحا، واسع الرؤى فيما يتعلق بمستقبل ابنه. وخاصة ان أحواله المالية تحسنت، بل انه احتل مكانة اجتماعية مرموقة في مدينة مانسفلد. لهذه الأسباب قرر يوحنا لوثر ان يلحق ابنه بالجامعة لإتمام دراسته الجامعية فسجل اسمه في جامعة (Erfurt)  في مايو عام 1501. [1] وهي اقرب مدينة جامعية لمانسفلد.

وعندما رأى يوحنا ابنه طالبا جامعيا بدأت الأحلام التي غزاها طموحه الواسع تستولي على أفكاره وقلبه فقد كان يحلم بأن يرى ابنه محاميا مشهورا عظيما يشغل مركزا مرموقا في خدمة أمراء مدينة مانسفلد[2]. ولكن لكي يصل مارتن إلى هذا المقام المرغوب فيه كان عليه ان يقطع مرحلة طويلة من الدراسات في هذه الجامعة. وهنا في هذه المدينة بدا المصلح دراسته الجامعية.

درس الطالب مارتن الفلسفة على يد أستاذ بارز الشخصية، وهو العلامة بودوكوس الذي لقب بعلامة أيزناخ (ميرل دوبينياه ص40) كما انه درس أيضا على يد عدد كبير من أساتذة هذه الجامعة الذين اعتبروا من صفوة الأساتذة وأفضلهم: أمثال يوحنا جرفينستاين (Jean Grevenstein) ثم على يد (Gerard Hecker) وجرار هكر الذي صار فيما بعد راهبا في دير القديس اغسطينوس وهو نفس الدير الذي اختاره مارتن فيما بعد- وهو واحد من الذين قبلوا الإصلاح في آخر حياته.

ولقد استطاع الطالب مارتن في فترة الدراسة الجامعية ان يكون روابط صداقة قوية وعميقة مع بعض زملائه الطلبة. ولقد استمرت بعد هذه الروابط الودية طول حياته. بل ان بعضهم وقف وقفة مشرفة بجانبه للدفاع عنه وعن الإصلاح. ومن بين الذين تعرف عليهم أيضا، يوحنا لانج (Jeanlange) الذي ظهرت مواهبه الفذة في اللغة اليونانية ولقد كانا على صلة مستمرة بالمراسلة إلى ان فرق الموت بينهما. كما ان روابط الصداقة جمعته بالطالب جورج بوركاردت (Georges Burckardt) المسمى سبالاتين (Spalatin) والذي أصبح فيما بعد سندا[3]  قويا له في صراعه ونضاله ضد البابا والإمبراطور والأمراء.

        كان منهاج الجامعة يحتوي على دراسات للقواعد والمنطق والفلك والهندسة وعلوم ما وراء الطبيعة والموسيقى والفلسفة وكانت فلسفة أرسطو تسيطر على هذه العلوم، كما كانت تسيطر أيضا العلوم اللاهوتية الدينية بطريقة ملحوظة[4] ولهذا السبب كان مارتن مضطرا لأن يدرس فلسفات وتعاليم القرون الوسطى. فاطلع على كتابات اوكام (Occame) وسكوتس وتوما الاكويني فنتيرا وعلى كتابات بعض الكتاب الآخرين.

        ويعتقد البعض ان مارتن قد رأى الكتاب المقدس لأول مرة في جامعة أرفورت حيث اطلع على قصة صموئيل وحنة. على اننا نتفق مع بعض العلماء الذين يعتقدون انه تقابل لأول مرة مع الكتاب المقدس في مجدبورج أثناء دراسته الثانوية وليس في أرفورت أثناء دراسته الجامعية[5].

        وقد بالغ بعض المؤرخين وخاصة البروتستانت في سرد قصة مقابلة مارتن لوثر مع الكتاب المقدس ومما لا شك منه ان إطلاعه لأول مرة على قصة صموئيل الشاب وحنة ترك في نفس مارتن تأثيرا عميقا جدا. لذلك فقد غنى من كل قلبه لو استطاع اقتناء هذا الكتاب العجيب الفريد. وهنا أود ان الفت نظر القارئ الكريم إلى بعض المبالغات التي استخدمت ومازالت تستخدم (عن حسن قصد) في الكنائس الإنجيلية عندما تتعرض لشرح هذه الفكرة الخاصة باكتشاف لوثر للكتاب المقدس. فان البعض يعتقد ان الكنيسة الكاثوليكية كانت تمنع وتحرم دراسة الكتاب المقدس للعامة[6]  كما رأى البعض الآخر في نسختي الكتاب المقدس المربوطتين بسلاسل في كل مكن جامعة أرفورت والدير الذي التحق فيه لوثر، رأوا رمزا على الكتاب كان مسلسلا ومقيدا ومغلقا أمام الجميع. ومما لا شك فيه ان الكنيسة الكاثوليكية في ذلك العصر لم تشجع بأي حال من الأحوال العلمانيين على دراسة الكتاب المقدس، أو الإطلاع عليه بل احتفظت بحق تفسيره لأكليروسها، ولكنها لم تحرم الذين كانوا يريدون الإطلاع عليه من ذلك والدليل على ذلك ان الكنيسة لم تصدر أي قرار (بحسب ما نعرف) ضد أول طبعة من الكتاب المقدس التي ظهرت باللغة الألمانية في سنة 1466 في مدينة ستزاسبورج، أي قبل ان يولد مارتن لوثر نفسه[7].

        اما فيما يخص الكتاب المقدس المربوط بسلاسل فهذا لا يعني ان الإطلاع كان ممنوعا بل لكي لا تمتد إليه الأيدي غير الأمينة، خاصة ان الكتب في ذلك الوقت، كانت تعتبر كنوزا نادرة لقلتها. وكانت هذه العادة متبعة في بعض المكتبات خوفا من ضياع الكتب.

        على أي حال فان مارتن الذي بدا بالتعرف على الكتاب المقدس في مدرسة مجد بورج، استمر في دراسة هذا الكتاب العجيب الفريد دون ان يهمل دراساته العلمية والفلسفية فقد كان مارتن طالبا ناجحا مجتهدا في دراساته، عميقا في تفكيره وأبحاثه. ولذلك فقد سماه أصدقاؤه بمارتن الفيلسوف (A. Gre 23). وكان يلتهم الكتب التهاما وخاصة الكتب الدينية على ان موقفه من الدين كان موقفا غريبا مزدوجا فقد كان مشدودا إلى الدين بقوة غريبة وعجيبة وبميول داخلية عميقة، كما انه كان في الوقت نفسه يخاف كل الخوف ويرتعب كما من الموت. ويصفر وجهه ذعرا عندما كانت تثار مشكلة الدين أو عندما كان يذكر اسم الله أو اسم يسوع. فان اسم الله واسم يسوع كانا يذكرانه دائما بغضب الله وقضائه وبالدينونة الأخيرة وعندئذ كان يستولي عليه خوف رهيب لدرجة الموت. انه لم يستطع ولم يجرأ على ان يقترب من الله العادل القدوس الذي يبالغ في طلب القداسة والبر من الإنسان الخاطئ. لم يستطع ان يقترب من يسوع القدوس الذي صورته الكنيسة كقاض عادل جالس على عرش مرتفع عظيم وقد قبض بيديه على ميزان دقيق لكي يزن أعمال الناس من خير ومن شر لأنه هو الذي يدين وسيدين الأحياء والأموات.

        ان اختباراته في مدينة مجدبورج في الماضي (أنظر هذا الكتاب 34-36) أثارت في نفسه تسأولات كثيرة وعديدة فيما يختص بالموت وموقفه منه. لقد لاحقته فكرة الموت أينما حل وسيطرت على شعوره وضميره أينما وجد. والذي زاد الامر سوءا ان مارتن قد مر أيضا في أثناء دراساته في جامعة أرفورت ببعض الأحداث المؤلمة المحزنة. وكان أولها موت واحد من أصدقائه بمرض خطير، ثم اغتيال صديق آخر يدعى ألكسيس في ظروف غامضة. لقد ترك هذا الحادثان في نفس مارتن تأثيرا عميقا مما دفعه إلى ان يتساءل من جديد قائلا: ما مصيري امام الله لو كنت واحدا من هذين الصديقين اللذين طواهما الردى؟.. اما الحادث الثاني فقد لمسه بطريقة مباشرة وشخصية. ففي يوم الثلاثاء التالي لعيد القيامة سنة 1503 كان في طريقه مع صديق له إلى بيت والديه في مانسفلد وظهرت فجأة على الطريق أمامه حفرة حاول ان يتخطاها، ولكنه سقط على صخرة وجرح جرحا عميقا جدا في فخذه. وأسرع صديقه للبحث عن أقرب قرية لطلب المساعدة. وبينما كان مارتن مضرجا في دمائه رفع صلاة حارة للعذراء مريم ثم جاء الصديق، وحمل مارتن ورجع به إلى أرفورت. وفي نفس الليلة أصيب بنزيف فقد كمية كبيرة من الدم. في هذه اللحظة المخيفة المرعبة رفع مارتن مرة أخرى صلاة حارة إلى العذراء مريم لأنه كان يفضل ان يصلي لها لأنها لم تكن تثير في نفسه الخوف والرعب اللذين يشعر بهما امام الله أو امام يسوع[8] ولقد قال عن هذه الحادثة (شعرت باني سأموت متوكئا على مريم).

        فان كان مارتن قد تأثر بكل الأحداث التي مر بها سابقا والتي تحدثنا عنها وهي: مقابلته مع الكتاب المقدس، ورؤيته للأمير المتسول، موت بعض أصدقائه في ظروف مؤلمة، وباء الطاعون الذي كان يحصد الناس حصدا.. الخ.. فكل هذه الخطوب القاسية تركت تأثيرها العميق في نفس مارتن . ولكن على ما يبدو فان حادثة الخنجر كانت أقوى وأشد الأحداث في تأثيرها على نفس الشاب الجامعي لأنها اخترقت جسده وروحه. ولذلك فان من المحتمل ان يكون قد اعتبرها نداء مباشرا له من الله[9].

        اما الحادثة الثالثة فقد وقعت في 2يوليو 1505 وهو في طريقه في مدينة مانسفلد إلى أرفورت بينما كان يعبر غابة ستوترنهايم (Stotternheim) حيث اشتدت الزوابع وقصفت العواصف بشدة. وانتشر البرق والرعد في جلد السماء الملبدة بالغيوم السوداء. وفي وسط هذا الجو المظلم المخيف وفي وسط الغابة إذا بصاعقة هائلة تقتلع شجرة وتلقي بها عند قدميه وعندئذ ارتمى على الأرض وشعر انه في لحظاته الأخيرة وان الموت ليس عنه ببعيد[10] وعندئذ صرخ بدون تفكير طالبا النجدة والخلاص من القديسة حنه قائلا: (يا قديسة حنه أنقذيني سأكون راهبا بقية حياتي)*

        ويبدو ان مارتن شعر في هذه المرة أيضا ان صوت الله كان يدعوه. لقد عاش مارتن طفولته في جو يسيطر عليه الخوف والاضطراب والقلق: فكان والداه قاسيان في معاملتهم له وانتشار وباء الطاعون قد زاد خوفه وقلقه واضطرابه من الموت وكذلك أيضا الاحداث التي مر بها هذا الشاب الرقيق الإحساس رسمت امام عينيه صورتين لم يستطع الفرار منهما: صورة الله القاضي المخيف المرعب، ثم مصيره بعد الموت.

        ومع ان مارتن كان أسير هذه الأفكار الخاصة بالموت الا انه لم ييأس من الحياة، ولم تستطع هذه الأفكار ان تقوده إلى أي نوع من الأمراض النفسية كما ادعى البعض ذلك على غير حق والدليل على ذلك أنه أنهى دراسته الثانوية والجامعية بتفوق عظيم[11] وبعد ان أنهى دراسته للحصول على درجة البكالوريوس، قبلته الجامعة في احتفال رسمي عظيم مشرف لدراسة الحقوق إذ كان ترتيبه الثاني على سبعة عشر طالبا وقد كلف بالتدريس أثناء دراسته للحقوق.

          وهنا تفتح أبواب المجد والعظمة على مصراعيها امام الأستاذ الشاب مارتن لوثر. الأبواب التي كان يحلم بها كل طالب متفوق: انها أبواب العظمة والمجد التي كان يحلم بها يوحنا لوثر الذي ذهل وأعجب كل الإعجاب بابنه وبصعوده للمجد الاجتماعي، فقرر في ذلك اليوم الا يخاطبه فيما بعد "بأنت" ضمير المفرد المخاطب: بل ان يخاطبه قائلا "انتم" علامة على الاحترام والتقدير (وهذا ما كان يحلم به يوحنا لوثر، انه ابنه يرتقي في دراسته لكي يحتل مركزا مرموقا في المجتمع. فهل سيحقق الأستاذ الجامعي مارتن لوثر امال أبيه الكبيرة ويواصل صعوده للمجد الاجتماعي في مدينة مانسفلد؟؟!!!! 

هوامش الفصل الثاني

 

 

 


 

 أ. موريسون ص18.[1]

[2] A. Greiner. P. 22.

[3]  D. Hourticq P. 17-18.

[4] A. Greiner P.22.

  دكتور عزت زكي تاريخ الكنيسة (ح3) : المسيحية في عصر الإصلاح، ص39، (ميرل دوبنياه ص41).[5]

[6] Sch. P. 89-92, H. Strohl, Luther Jusqu’en 1520, P.30-32.

[7] H. Strohl, P. 31.

[8] D. Hourticq P. 17-18.

[9] A. Greiner. P. 24.

[10] D. Hourticq P.18.

[11] A. Greiner. P. 22.

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

الأستاذ مارتن لوثر يترك الجامعة وينزوي في الدير

   للأعلى

       

              بدا الأستاذ مارتن لوثر في إلقاء محاضراته في جامعة أرفورت، وكان في نفس الوقت يتابع دراسته أيضا في كلية الحقوق نزولا على رغبة أبيه وتحقيقا لها. ولم تمضي على هذه الحالة عدة أسابيع حتى وقعت له حادثة الصاعقة التي كادت ان تقضي على حياته وهو في طريق عودته من بيت والديه إلى أرفورت في 2 يوليو 1505.

     ورجع مارتن بذاكرته إلى الماضي وحاول ان يرى الأخطار التي تعرضت لها حياته وكيف أنقذ منها. ألم يصب بمرض خطير في سن الرابعة عشرة وهو يدرس في المدرسة الثانوية في مجدبورج؟ ألم يعتريه المرض مرة ثانية أثناء دراسته في أرفورت؟ ألم تتعرض حياته مرة أخرى للموت عندما سقط على خنجر؟ ألم تكن حياته مهددة بالوباء الذي انتشر في المنطقة وراح ضحيته عدد كبير من الناس؟!! فماذا ينتظر إذن؟!! لقد حصل على درجة علمية رفيعة وهو يتمتع باحترام أصدقائه وبمحبة وفخر والديه. لقد كان الناس يشيرون إليه بالبنان. وأبواب المجد الارضي فتحت امامه على مصراعيها. فماذا يريد بعد ذلك؟ .. كان يريد ويبحث عن الحياة الأبدية؟ (لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه)  (مر36:8) ولكن كيف يستطيع الإنسان ان يربح نفسه؟ كيف يستطيع الإنسان الخاطئ ان ينال الحياة الأبدية؟ أي ان ينال رضا الله البار العادل القدوس، ألم يصرخ لوثر نفسه قائلا: "أه لو كان في استطاعتي ان أكون رجلا تقيا وأرضي الله"[1] ولقد ظن ان أفضل طريق لإرضاء الله والحصول على بره هو الهروب من العالم والالتجاء للدير وعمل الاماتات ففي الدير سيكون بعيدا عن العالم وشواغله ومشاكله وتجاربه. هناك سوف يكرز وقته وحياته لله. سوف يقوم بعمل عدد كبير وهائل من أعمال الخير والاماتات التي ستكون كافيه لخلاصه وربما لخلاص آخرين وأيضا وهنا يقرر مارتن ان ينطلق إلى هذا المكان الهادئ المريح، لكي يستريح قلبه ويهدا ضميره. انه يريد الحصول على السماء بأعماله وسوف يعمل ويعمل إلى ان يحصل على حق الدخول إلى السماء. ولكن قبل ان يذهب إلى الدير، وفي ليلة 17 يوليو 1505 أي بعد حادثة العاصفة بأسبوعين دعا جماعة من أصدقائه وزملائه في الدراسة والتدريس لقضاء سهرة ممتعة معا. وأكلوا وشربوا وانشدوا الأناشيد ورنموا وضحكوا ثم تبادلوا الاخبار السارة وغير السارة. وفي نهاية هذه السهرة وقف مارتن لكي يلقي كلمة. وربما توقع البعض انه سيعلن لهم خبرا سارا من أخباره، ولأجل هذه المناسبة قد دعا بعضا من الذين ارتبطوا بروابط المحبة والصداقة لكي يشتركوا معه ويشاركوه في أفراحه وعندما بدا خطابه قال لهم بلهجة اختلط فيها المزاح بالجد: (الآن انتم تروني وغدا سوف لا تروني، ولهذا فقد دعوتكم لأودعكم)[2] فنظروا إليه مندهشين وظن البعض انه يمزح والبعض الاخر لم يفهم ماذا قصد مارتن بذلك... وعندئذ قام بتوزيع بعض أمتعته القليلة من ملابس وأشياء أخرى وعندئذ فهموا الا ان الامر لم يكن بالسهل تصديقه[3].

              وفي 18 يوليو 1505 كتب مارتن خطابا لوالديه ليعلن لهما خبر دخوله الدير. وفي نفس اليوم قدم استقالته للجامعة مع الخاتم الذي أعطى له كأستاذ واخيرا انطلق إلى دير القديس اغسطينوس للناسكين لينزوي فيه هناك باحثا عن الطريقة التي يستطيع بها ان يرضي الله وان يحصل بأعماله الحسنة واماتاته الجسدية على البر فهل استطاع بها ان يحصل على بر الله وهل هدأ ضميره...

             كان وقع خطاب مارتن على أبيه يوحنا كوقع الصاعقة على مارتن في الغابة. فعندما قرأ يوحنا لوثر الخطاب الذي أرسله له ابنه معلنا فيه خبر دخوله الدير حزن حزنا عميقا جدا، وكيف لا يحزن ويتألم وهو قد بنى آماله وفخره على نجاح وتقدم مارتن في دراسته. ففي لحظة واحدة انهار امام عينيه القصر الفخم الضخم الذي بدأ في بنائه منذ اثنين وعشرين عاما. ضاعت الآمال يا مارتن!! وفي غيضه وغضبه ضد ابنه بدأ يخاطبه من جديد قائلا: "أنت" بضمير المفرد بدل "انتم للاحترام" كان يوحنا لوثر ثائرا وغاضبا على ابنه ولم يرد ان يغفر له هذا الخطأ ولكن امام مرض الطاعون الذي طوى اثنين من أولاده في هذه الفترة وامام الإشاعات التي انتشرت بان يوحنا لوثر نفسه مريض رق قلبه وترأف على ابنه مارتن. فمع انه لم يغفر له كل المغفرة الا انه كف على الأقل عن مهاجمته.

 

 

 

 

 

 

 

هوامش الباب الثالث

 

 


 

[1] A. Greiner P. 25.

[2] D. Hourticq P. 19.

[3] Greiner P. 24.

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

الأستاذ لوثر يصبح راهبا اوغسطينيا

   للأعلى

      لماذا دخل مارتن لوثر الدير؟ حاول المتخصصون في الدراسات اللوثرية (Les Lutheroques)  ان يجدوا جوابا لهذا السؤال. فقدموا نظريات كثيرة ومعقدة. ولتبسيط الامر سوف لا نتعرض الا لنظريتين من هذه النظريات.

1-   يعتقد البعض ان قرار لوثر دخول الدير لم يكن ابن يوم وليلة، بل كان نتيجة تفكير طويل وصلاة مستمرة وعميقة.

      ألم يتأثر الشاب مارتن بحياة مدرسة مجدبورج؟ الم يترك أيضا الراهب الأمير انطباعات       عميقة في تأثيرها قوية في فاعليتها على نفس الشاب المرهف الإحساس عندما كان يراه        يجول متسولا في ثياب رثة وجسم نحيل ذلك كله لكي ينال الحياة الأبدية عن طريق             الرهبنة؟ فلم يدخل الدير إذن الا بعد فكر تفكيرا جديا عميقا.

2-   النظرية الثانية: يعتقد أصحاب هذه النظرية ان لوثر اتخذ هذا القرار بطريقة فجائية وبدون ترو أو دراسة أو تفكير. ففي اللحظة التي سقطت فيها الشجرة امام قدميه، وكادت ان تقضي على حياته، في هذه اللحظة عينها رأى ان حياته بلا قيمة وفي نفس الوقت رأى انه معرض للموت فصرخ مدفوعا بهذا التأثير الوقتي قائلا: (يا قديسة حنة إذا أنقذتني سأكون راهبا بقية حياتي). فان هذا النذر الذي نطق به مارتن لم يكن نذرا مدروسا بطريقة واعية مدركة  بل كان نذرا اضطراريا في ظرف يناسب بأي حال من الأحوال اتخاذ هذا القرار الذي كان يجب ان يتخذ في ظرف هادئ وعلى غير عجلة هذا ما يقوله أصحاب النظرية. ولتأييد فكرتهم هذه يقولون ان لوثر كان مضطرا، رغما عنه تحت ضغط الخوف من الموت لان ينطق بهذا النذر ولتراجع إلى كتابات لوثر نفسه للاستنارة بها في هذه المشكلة ففي كتاب كتبه سنة 1521 وقد أهداه إلى أبيه حاول لوثر ان يشرح في مقدمته السبب الذي من اجله نطق بهذا النذر في غابة ستوترنهايم فقال: (أتذكر .. اني قلت لك ان دعوة مخيفة من السماء قد وجهت إليّ، فلم أصر راهبا رغبة مني أو مسرة في الرهبنة بل دفعت بطريقة لا تقاوم للنطق بهذا النذر)[1] ويقول مولر (Muller) ان هذا النص يوضح لنا الأسباب الحقيقة التي من اجلها دخل لوثر الدير (لقد كان مدفوعا بطريقة لا تقاوم)[2]

وقد رجع الذين يتمسكون بهذه النظرية إلى لوثر والى ما كتبه في سنة 1539 عن حادث الصاعقة حيث قال انه ندم على هذا النذر كما اننا نجد في خطاب (Crotus Rubiduns) المؤرخ بتاريخ 16 أكتوبر سنة 1519 قول لوثر بان البرق هو الذي قرر مستقبله.

من هذه الشواهد السابقة يعتقد البعض ان لوثر اتخذ هذا القرار تحت تأثير الخوف من الموت الذي أثارته الصاعقة في نفسه. وبناء على ذلك كان يعتقد انه مضطر ان يوفي هذا النذر بلا رغبة ولا اقتناع.

فأمانه منه نحو هذا النذر وتمسكا بوعده دخل الدير. والسؤال الذي يجب ان نسأله هنا هو هل كان لوثر فعلا ملتزما بأن ينفذ ما قد وعد به في ظروف اضطرارية؟ ان العارفين بقوانين الكنيسة الكاثوليكية يؤكدون لنا بان النذر يصبح فعليا عندما يصرح به علانية وبطريقة رسمية. بل يمكن للناذر ان يتراجع في نذره أثناء فترة الاختبار[3] ومن المعروف والمسلم به ان مارتن لوثر لم يكن رجلا أميا جاهلا لا يعرف القوانين الكنسية بل كان رجلا متعلما مثقفا. ولقد مر أولا بفترة الاختبار بعد دخوله الدير، وكان يمكن له خلال هذه الفترة ان يتراجع في قراره هذا لو كان فعلا قد أخذه بطريقة عشوائية وتحت تأثير الخوف فقط.

        ونحن نعتقد ان لوثر لم يتخذ هذا القرار بطريقة عشوائية وبدون تفكير. هذا صحيح بأنه نطق بنذر الترهب امام الصاعقة التي كانت تهدد حياته. ولكن لو كان لوثر لم يفكر قط قبل ذلك في حياة الترهب، ولو كان فعلا ندم على نذره الذي نذره تحت تأثير الخوف من الموت، لكان في استطاعته قانونيا ان يسحب هذا الوعد الذي وعد به، أن فترة الاختبار التي كانت تسبق الاحتفال الرسمي برهبنته خصصت لهذا الامر.

        كان لوثر ابن عصره، ولقد اعتقد أهل ذلك العصر ان أسلم وأضمن طريقة للحصول على الخلاص هي الترهب. وكان الناس في القرون الوسطى ينظرون إلى الرهبان بكثير من الاحترام والتقدير، وخاصة الرهبان الذين اختاروا نظما قاسية للرهبنة. وبما ان لوثر كان يبحث عن الخلاص والهروب من غضب الله فلابد انه فكر مرارا في موضوع الرهبنة قبل حادث الصاعقة، وهذه الأخيرة لم تكن هي السبب الأول والأساسي الذي دفعه لاتخاذ هذا القرار، بل كانت العامل الذي ساعده على ان يقرر قرارا لم يستطع حتى الآن ان يخرجه إلى حيز الوجود فلقد رأى في حادث الصاعقة كما لو كان الله يدعوه، وشعر أيضا انه مرغم على ان يلبي هذه الدعوة ولأجل هذا يقول في خطابه لأبيه: (.. ان دعوة مخيفة من السماء قد وجهت إلي فلم أصر راهبا رغبة مني أو مسرة فيها...)

        وكما يبدو لي انه أراد ان يقول انه لم يصر راهبا حبا في الرهبنة في حد ذاتها، بل لأنه شعر بان الرهبنة تقوده إلى ما كان يبحث عنه من فترة طويلة الا وهو الخلاص. ان لحظة الصاعقة لم تكن هي اللحظة المصيرية كما يقول كروتوس روبيانوس (Crotus Rubianus) بل ان حادث الصاعقة لم يكن الا حلقة في سلسلة. والدليل على ذلك هو انه كان في مكانه_ كما سبقت الإشارة إلى ذلك- ان يتراجع في نذره هذا قبل ان ينطق به مرة ثانية عندما صرح به بطريقة رسمية علانية في سبتمبر 1506 ولكننا نرى العكس، فلقد استمر مارتن مدة طويلة يلتمس رضى أبيه وموافقته على نذره. وحتى 4 ابريل سنة 1507 يوم الاحتفال بسيامته كاهنا حاول مارتن ان يشرح لأبيه مزايا الرهبنة حتى ينال موافقته.

        وفي فترة الرهبنة كان مارتن راهبا مثاليا، لأنه كان يبحث عن خلاص نفسه واعتقد ان الطريق الأسلم كان الدير. وملانكثون الذي يعرف لوثر أكثر من أي شخص آخر يقول فيما يخص دخوله للدير ان الدافع الديني والخوف من الغضب الإلهي هما اللذان قادا لوثر إلى الدير لكي يكرس حياته بجملتها للحصول على الخلاص.

        واننا نعتقد ان هذا هو الهدف الأساسي الذي دفع لوثر لاتخاذ هذا القرار. لقد أراد ان يتحرر من العالم ومن مشاكله وشواغله. وكان مدفوعا برغبة قوية عميقة في الحصول على الخلاص. فأين يجد هذا الخلاص؟ ان المكان المثالي للحصول على هذا الخلاص المنشود والهروب من غضب الله هو الدير. لقد فكر في هذا الامر مدة طويلة، وهنا امام الصاعقة استطاع ان ينفذ ما فكر فيه طويلا.

        كانت مشكلة لوثر مشكلة دينية لازمته لمدة طويلة جدا في حياته، ولم يتحرر منها الا بعد ان قاده الروح القدس إلى الاختبار العظيم وهو اكتشاف عقيدة التبرير بالإيمان. على ان بعض كتاب السير (Biographes) الكاثوليك قد احتجوا في العصور البائدة واستمر هذا الاحتجاج إلى عصر ليس ببعيد على حقيقة ان لوثر كان يمر بأزمة روحية دينية حقيقية. فقد حاول دانيفل(Denifle) عبثا ان يشرح أهم الوثائق التي تتحدث عن أزمة لوثر يرجع تاريخها إلى سنة 1530. وبناء على ذلك لا توجد أي أزمة روحية حقيقية في حياة لوثر، وبحسب ما يعتقد دانيفل ان لوثر اخترع قصة بدون أساس، يهدف منها تشويه سمعة الكنيسة وتبرير عجزه وعدم مقدرته على حياة المثل الرهبانية العليا[4].

        ولا ينكر جرزار (Gerisar) وجود الأزمة بل يعترف بوجود لحظات صراع وحزن وغم في حياة لوثر. ويرجع كل هذا إلى ان لوثر كان يعاني من مرض نفسي يحتاج إلى علاج. وعلى أي حال فان الأغلبية الساحقة من العلماء الكاثوليك المتخصصين في دراسة لوثر وتعاليمه، يرفضون حاليا كتابات دانيفل وجرزار[5]* وسوف نناقش هذا الامر فيما بعد.

 

حياته في الدير

لقد أخطا دانيفل خطأ كبيرا عندما قال ان لوثر اخترع هذه الأزمة الروحية لكي يشنع بالكنيسة ولكي يبرر نفسه الفاشلة. في عدم مقدرته على تحمل حياة الرهبانية. وما يمكننا ان نقوله ردا على ذلك هو ان لوثر لم يرد قط ان يشنع بالكنيسة بل كان يكن لها كل حب وتقدير واحترام. وكل ما حاول ان يعمله فيما بعد ما هو الا إصلاح هذه الكنيسة التي يحبها. كما انه لم يكن عاجزا عن القيام بكل الواجبات المطلوبة من الرهبان، كما يدعي ذلك دانيفل، بل كان راهبا مثاليا. لا يقوم فقط بما تطلبه القوانين ونظم الرهبنة، بل كان يفعل أكثر من ذلك. الم يكتب فيما بعد قائلا: (لا ريب في اني كنت راهبا تقيا، فعشت حسب قوانين الرهبنة خير حياة فلو كان للراهب ان ينال السماء بأعماله الرهبانية لكنت أول نائلها ويشهد بذلك كل من عرفني من الرهبان ولو طال علي ذلك لقتلت به نفسي)[6].

    ولربما يقول معترض ان الذي كتب هذه السطور هو لوثر نفسه. فهناك شهادة أخرى تؤيد تماما هذا القول: فان فلاسيوس (Flacius) قص قصة حدثت له سنة 1549 فقد تقابل مع راهب في سنة 1543، وكان هذا الراهب مع لوثر في نفس الدير لمدة ثماني سنوات. ويشهد هذا الراهب بان لوثر كان يحافظ على قوانين الدير بدقة شديدة كما انه كان يحيا حياة التقوى ممارسا أعماله باجتهاد[7] والجدير بالذكر ان هذا الراهب لم ينضم أبدا للإصلاح. وهذا ما يعطي لهذه الشهادة قوتها.      

     وقد كان لوثر راهبا تقيا، بدافع التقوى ورغبة في الحصول على السماء وعلى بر الله بإعماله المحسنة، اختار ديرا قاسيا في نظامه، وهو الدير الاغسطينين في مدينة أرفورت. ولقد كانت قوانين هذا الدير شديدة صارمة جدا ومنها:

    الصلاة سبع مرات يوميا، والاستيقاظ في الساعة الواحدة صباحا فعندما كان يقرع الجرس الأول كان على الراهب ان يرسم علامة الصليب ويستعد لارتداد ثيابه، وعند سماع صوت الجرس الثاني كان عليه ان يترك قلايته مسرعا إلى الكنيسة ثم يسجد امام الهيكل ويصلي صلاة تعبدية للمخلص، إلى ان يحضر الجميع وعندئذ كانوا يصلون معا لمدة حوالي 40 دقيقة. كان على الرهبان أيضا الا يتناولا الا وجبة واحدة في الساعة الثانية بعض الظهر. لمدة تصل إلى نصف أيام السنة. وفي هذه الفترة كانوا لا يأكلون لحما ولا زبدة ولا جبنا ولا بيضا. كانت قلايات الشباب بدون تدفئة في الشتاء كما يقول ستروهل (كان السهر والصيام والبرد حقائق تاريخية وليست أساطير وقد مارسها فعلا الرهبان). وبالرغم من الصيام والسهر والأشغال اليدوية الأخرى، التي كان على كل راهب مبتدئ ان يقوم بها. فقد كلف كل راهب بان يقوم بجولات تسولية في المدينة. وكان الغرض من هذا التسول أولا: ان يتعود الراهب على التواضع والطاعة. ثانيا: لكي يمد الدير بالأشياء التي يحتاج إليها. ولقد اعتقد البعض ان  هذه العملية كانت إهانة لشاب مثقف جامعي، ولهذا السبب طلبت الجامعة من [8][9]الدير إعفاء لوثر من هذه المهمة[10] وفي حقيقة الامر كان هذا القانون يطبق على جميع الذين التحقوا جامعيين كانوا أو أميين، ألم يطبق هذا القانون على الأمير الانهالت؟ (انظر هذا الكتاب ص35).  ولوثر نفسه قال بطريقة تخلو تماما من لوم رئاسة الدير: ان اخوة الدير لا يقبلون الاستثناءات لأي شخص جديد أي كان[11]. اما فيما يخص موضوع تدخل رئيس الجامعة فليس لكي يعفوا مارتن من أي عمل من هذه الأعمال، بل لكي يسمح له بان يواصل دراساته وتدريسه وكان قانون الدير يسمح بذلك.

    ومن الواضح ان لوثر لم يتذمر أو يتبرم من مكثرة العمل أو دناءته، ولا من السهر والصيام والصلاة إذ ان هدفه من دخول الدير كان الحصول على رضى الله. وكان يريد ان يخلص نفسه من الهلاك الأبدي ومن غضب الله. فكيف يمكنه إذن- حسب ما اعتقد آنذاك – ان يحصل على الخلاص الا بالسهر والصلاة والصوم وتعذيب الجسد واستعباده؟!![12]

    اعتقد لوثر كما كان يعتقد كثيرون في هذه الفترة ان الخلاص أو إرضاء الله امر متوقف على ما يقوم به الإنسان من أعمال صالحة وصوم وصلاة وعمل اماتات الجسد. فعن طريق هذه الأعمال يمنح الله نعمته ولهذا السبب لم يكف جهدا عن القيام بهذه الأعمال، كما انه كان يقوم بأعمال وضيعة من غسل وكنس ورش وتسول في المدينة. لقد كان يقوم بما كلف به وما لم يكلف به من هذه الأعمال الوضيعة الشأن وكان يصلي أيضا أوقات وساعات طويلة، ألم يقضي عدة أيام في صومعته وهو يصلي حتى فقد الوعي تماما واضطر الإخوة ان يكسروا البابا لكي يقوموا بالإجراءات اللازمة لإنعاشه؟!!! ويقول هو نفسه (كانت حياتي عبارة عن صوم وسهر وصلاة وعرق، فقد كدت ان اقتل نفسي بالسهر وبالدراسة وبالصلاة وبالأعمال الكثيرة الأخرى)[13] كان يريد ان يجمع ما أمكنه من الاستحقاقات والأعمال الصالحة. ولذلك قال: (لقد رأى الآخرون في حياتي مظهرا عظيما للقداسة على انها لم تكن واضحة في عيني فقد كنت محطما وحزينا)[14] ورغم الاماتات والتضحيات والأعمال الصالحة التي كان يقوم بها لوثر لم يكن على يقين من خلاصه، وهذا هو السبب وراء شعوره بالحزن. كان يشعر دائما ان الله في ثورة ضده. وهذا ما قال له ستوبيتر معارضا انه ثائرا ضد الله.

    لقد مضى الآن أكثر من عام على لوثر في الدير وهكذا اجتاز فترة الاختبار. ولا لوم ولا "غبار" عليه. وجاء اليوم الموعود الذي فيه استطاع مارتن لوثر ان يصرح بحرية تامة وبدون أي ضغط خارجي أو داخلي بنذره للرهبنة. فبدون تردد ولكي يواصل العمل في الحصول على خلاصه بنفسه، أعلن مارتن لوثر في سبتمبر 1506 نذره النهائي للرهبنة ودعى باسم الراهب اغسطينوس[15].

 

سيامته كاهنا

    بعد ان صرح الأخ مارتن اغسطينوس بنذره لحياة الرهبنة في سبتمبر 1506 قرر الدير سيامته كاهنا في الرابع من ابريل سنة 1507 في كاتدرائية أرفورت. وفي يوم 2مايو من نفس السنة أقام الدير حفلا عظيما بمناسبة أول قداس يقوم به الكاهن لوثر. ولقد اجتاز في هذا اليوم اختبارا مريرا قاسيا فقد قال: (عندما قمت في خدمة أول قداس لي شعرت اني على حافة الموت)[16]. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو: لماذا وصل لوثر إلى هذه الحالة يوم قيامه بأول قداس له؟ لماذا هذا الخوف والاضطراب والانزعاج، لدرجة ان رئيسه الذي كان واقفا بجانبه اضطر ان يسنده؟

    لقد أصبح مارتن الآن كاهنا: أي الشخص الذي يقوم بعمل معجزة تحول الخبز والخمر إلى جسد الرب. هذه المعجزة التي لا يستطيع أي علماني مهما كانت درجته أو مكانته أو عظمته في الدنيا. ان يعملها ان الله بجلاله وعظمته سيكون بين يديه بعد فترة قليلة عندما ينطق بالكلمات الجوهرية. قائلا هذا هو جسدي وهذا هو دمي. سوف يختفي هذا الخبز الذي يمسكه الآن بين يديه كذلك الخمر أيضا ويحل محلها كلية وجزئية المسيح* فهل يمكن لي انا الإنسان الخاطئ ان أمسك بين يدي الله البار القدوس الذي أضطرب اضطرابا عظيما من الوجود في حظرته؟!!

    هذا هو السبب الذي جعل مارتن يضطرب ويخاف وينزعج في نفسه بل شعر ان قواه تدهورت وان ساقيه لا تقويان على حمل جسده. كان هذا الاختبار بالنسبة للكاهن الجديد قاسيا ومريرا. على أي حال انتهى القداس وجاء المدعوون ليقدموا تهانئهم المعتادة للكاهن الجديد. وكان عليه ان يلقي كلمة في حفل الطعام. وفي هذه الكلمة وصف الحياة الرهبانية بأنها (الحياة السعيدة الإلهية) هل كان يقصد بذلك النتيجة التي تؤدي إليها الحياة الرهبانية؟..  وفي هذه الحفلة رفع أبوه يوحنا لوثر بالقول: (هل من العدل ان يمدحوا هكذا رجلا لم يقم أي وزن لإرادة أبيه مكسرا وصية من أقدس وصايا الله؟) كان يقصد الوصية الرابعة الخاصة بإكرام الوالدين- فعلى أي حال ان دلت هذه الكلمات على شيء تدل على ان يوحنا لوثر لم يكن حتى الآن راضيا كل الرضى عن ابنه[17]. انتهى الحفل ورجع كل واحد إلى أعماله، كذلك مارتن إلى قلايته وابتدأ من جديد دراساته وتأملاته وصراعه. كان مارتن في صراع مستمر لأنه كان يرى الله دائما كما لو كان قاضيا مخيفا ويسوع المسيح ديانا للأحياء والأموات.

    لقد اعتقد البعض ان الخطية هي السبب الأول والدائم الذي كان يثير الخوف والرعب والاضطراب في نفس لوثر ومما لا شك فيه ان الخطية كانت سببا من أسباب اضطراب لوثر، على انها لم تكن السبب الأول والأساسي، لأن السبب الأول والأساسي  في اضطراب وخوف لوثر كان مفهومه الخاطئ عن شخص الله. فقد تصور الله قاضيا مرعبا مخيفا كما تصور يسوع المسيح ديانا مهيبا ولم يحاول ان يرى الله كأب محب ولم يحاول ان يرى يسوع المسيح مصلوبا على الصليب بدافع الحب، لكنه كان يرى دائما يسوع المسيح جالسا على العرش ليدين الأحياء والأموات، فهو الذي يأمر بان يلقي الأشرار في العذاب الأبدي. فحسب مفهومه هذا يكون يسوع قد جاء لكي يهلك لا لكي يخلص الهالكين.

 

شعاع من نور في ليل حالك الظلام

مقابلة الشاب لوثر مع ستوبيز (Staupitz)

     لقد هرب لوثر من العالم وألقى بنفسه في أحضان الدير، ظانا انه سيجد داخل جدرانه الشامخة المرتفعة وفي الصلوات التي يرفعها الرهبان ليل نهار سيجد الملجأ والسلام اللذين يبحث عنهما. ولقد مرت الأيام والشهور، بل سنتان، ومازال في شكوكه وصراعه وخوفه من الله القاضي الذي يعاقب الخطاه ويطاردهم أينما وجدوا.

    وفي احد الأيام أصيب مارتن بمرض خطير وأشرف على الموت. وعندئذ بدأت اضطراباته من جديد أمام مشكلة الموت والخوف من الله تثار من جديد وجاء إليه راهب شيخ وتحدث معه طويلا. ولقد وثق الراهب الشاب فيه واطمأن إليه. فقص عليه بعضا من مشاكله الروحية، ومخاوفه من عقاب الله الديان العادل. وعندئذ ذكر الراهب الشيخ راهبنا الشاب بما يقول قانون الإيمان (أومن بغفران الخطايا) ثم أردف قائلا أنا أومن بمغفرة الخطايا[18] كان لهذه الكلمات البسيطة التي كان يرددها لوثر كل يوم في قانون الإيمان وقعا جديدا وتأثيرا عميقا جدا في نفسه وهكذا بدأ يفكر ان الله لا يدين فقط بل يغفر الخطايا أيضا.

    ولا نعلم بالضبط من الناحية التاريخية فيما إذا كانت مقابلة هذا الراهب الشيخ مع لوثر تمت قبل أو بعد مقابلة له مع النائب العام للأديرة الاغسطينية في ألمانيا. ولكننا نعلم ان ستوبيتز لعب دورا هاما في حياة لوثر.

    كان ستوبتز نائبا عاما لكل الأديرة الاغسطينية في ألمانيا. ولقد تميز بنبل أخلاقه ودقة سلوكه وسمو حياته الروحية والتواضع وكان مثاليا في حياته ووداعته ومحبته. وبما انه كان مسئولا عن كل الأديرة الاغسطينية في ألمانيا فقد كان كثير الترحال. ومن المحتمل ان يكون قد تقابل مع الراهب الاغسطيني (مارتن) لأول مرة في أرفورت أو فيتمبرج (Wittemberg) وربما في سنة 1507 أو 1508 لكن الأهم من هذا كله هو المقابلة التي حدثت بين هذين الرجلين: بين رجل تقي عميق الإيمان مستنير، ومطلع ليس فقط على أقوال الآباء، وخاصة كتابات القديس اغسطينوس بل على الكتب المقدسة أيضا. وشاب قلق مضطرب يبحث بجد وأمانة عن طريق الخلاص وهنا يتقابل هذا الشاب المضطرب الخائف من الله مع هذا الرجل الواثق من الله والمحب له.

    وبدون شك فان الرئيس العام يوحنا ستوبيتز شجع هذا الشاب الراهب على ان يفضي إليه بأسراره وان يعترف بخطاياه وان يشاركه همومه ومشاكله الروحية. ومما لا شك فيه أيضا ان لوثر انتهز هذه الفرصة فرصة القلب المفتوح لكي يعترف له بكل شيء. يعترف له بشكوكه اضطراباته وخوفه من الله. وتوجد بعض الوثائق التي سجلت لنا بعض من المناقشات والمحادثات والرسائل التي تمت بين لوثر وستوبيتز وبين لوثر وآخرين. فما هي المشاكل التي كانت تقلق لوثر والتي حاول ستوبيتز مساعدته في حلها؟

 

 

1-   مشكلة الخوف من الله والخطية:  

من المشاكل التي ناقشها لوثر مع ستوبيتز(Staupitz) مشكلة الخوف من الله، ثم الخوف من ارتباكه خطية مميتة. ولابد ان ستوبيتز في شرحه للوثر جروح المسيح قد ابرز له موضوع محبة الله. "الله محبة" فلا خوف في المحبة بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى الخارج (1يو19،8،4) فإذا كنا ننظر إلى الله كأب محب لا نجد مكانا للخوف. وفي احد الأيام لاحظ المرشد وجه لوثر عابسا فسأله عن سبب عبوسه وكان الجواب هو خوفه من الخطية وغضب الله[19] ثم قال له ستوبيتز اني مرة أخرى (لقد تعاهدت مع الله أكثر من ألف مرة بان أكون قديسا وحنثت بوعدي ولم استطع، فان لو يرحمني الله في المسيح فاني هالك)[20].

2-   مشكلة الاختيار (Predestination) :

ومن المشاكل الأخرى التي سببت للوثر القلق والاضطراب مشكلة الاختيار. فكان يتساءل، عمن يضمن له انه واحد من المختارين؟ وهل الله هو الذي يختار الإنسان أم الإنسان هو الذي يختار الله؟ فان كان الاختيار مبنيا على الأعمال الصالحة والاماتات، فهل أعمالي الصالحة واماتاتي كافية بان  تجعلني واحدا من المختارين؟ وان كان الاختيار متوقفا على قصد الله وحده فهل انا واحد من هؤلاء الذين سبق الله فعينهم للحياة الأبدية؟ (رو9) وكيف يمكنني ان اعرف ذلك؟ وهل استطاع مرشد لوثر الروحي ان يطمئن قلبه المضطرب وروحه المنزعجة. فلقد كتب لوثر خطابا في سنة 1542 إلى كونت مانسفلد الذي كان يمر بنفس المشكلة، وقال في خطابه انه شديد الأسف لسبب اضطرابه وقلقه امام مشكلة الاختيار. ثم أردف قائلا: (لقد كنت انا أيضا غارقا في هذه الأفكار. ولو لم ينتشلني الدكتور ستوبيتز أو بالاحرى لو لم يستخدم الله الدكتور ستوبيتز لانتشالي لفقدت حياتي وصرت من مدة طويلة في الجحيم)[21].

        من هذا النص يمكننا ان نرى ان لوثر كان مشغولا وقلقا على مستقبله الأبدي. كما سيتضح ان مرشده الروحي استطاع ان يدخل السلام إلى قلبه، ولو جزئيا. يقول لوثر انه تحدثت ذات يوم مع ستوبيتز عن مشكلة الاختيار التي كانت تقلقه، فقال له ان جروح المسيح هي التي تقدم للعالم المعنى الحقيقي للاختيار لا شيء آخر ثم قال له أيضا، ان الذين يريدون ان يناقشوا مشكلة الاختيار عليهم ان يثبتوا أنظارهم على جروح المسيح فان الله بذل ابنه لكي يتألم بدل الخطاة[22]  ومن يؤمن بهذا فهو في الطريق المستقيم. كان ستوبيتز عميقا جدا في الروحيات وفي الفكر أيضا. فقد فتح عيني الراهب الشاب على حقيقة ان الله ليس هو القاضي المخيف الذي يطارد الإنسان، بل بالعكس هو الآب المحب ومحبته لا حدود لها فهل يمكن للوثر ان يخاف من هذا الإله؟!!

        لقد لعب رئيس أديرة الاغسطيني دورا هاما جدا في حياة لوثر، [23]وهذا الأخير لم ينسى فضله ففي خطاب قد كتبه في سنة 1545 يدعو فيه ستوبيتز "أباه" بين لوثر كيف انه مدين له بالعقيدة الإنجيلية وبميلاده الثاني في المسيح[24] كما انه مدين له أيضا بنور الإنجيل الذي أنار حياته.. وفي خطاب آخر كتبه إلى أبيه الروحي يذكره بحديث بينهم على المائدة بخصوص موضوع التوبة فقال: (ان الكلمات التي قلتها لي بدت لي كما لو كانت آتية من السماء، وعندما قلت ان التوبة الحقيقية تبدأ بمحبة البر ومحبة الله).

        لقد كان تأثير ستوبيتز على لوثر عميقا. فقد كانت زيارته لهذا الشاب الراهب ومناقشاته معه عبارة عن شعاع من نور في ليل حالك الظلام فأنار طريقه وهدى خطواته فقد استطاع هذا الرجل بنعمة الله وبصلاته الحارة وبمحبته العميقة وبمعرفته للكتاب المقدس استطاع ان يقود هذا الشاب إلى الحق الإلهي ولو جزئيا! فان كان لوثر يدعى أبا للإصلاح الألماني، فان ستوبيتز كان الأب الروحي للوثر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هوامش الفصل الرابع

 


 

[1] H. Strohl, Luther Jusqu’en 1520 P. 37.

[2] A. V. Muller Cite’ Par Strohl, P. 37.

[3] H. Grisar S J, Luther 3 Vol, Fribourg 1911. P.12.

[4] H. Strohl. Savie… P.39.

[5] R. Stauffer, Le Catholicisme a La d’couverte de Luther, Delachaux & Niestle, P.P 11-24

 

Denife *  كاتب لاهوتي كاثوليكي دومنيكاني كتب أربعة مجلدات سنة 1904 تحتوي على هجوم عنيف ضد المصلح بعنوان "لوثر واللوثرية" وترجمت هذا الكتب إلى الفرنسية في سنة 1910-1913 ولقد اشتهر هذا الكاتب في العالم كله  بكتاباته عن القرون الوسطى. اما الأستاذ جرزار (كرزار) فهو كاثوليكي أيضا، أستاذ، كاهن يسوعي كتب ثلاث مجلدات حولي في 2600 صفحة تحت عنوان لوثر. لم يستعمل نفس الأسلوب القاسي الذي استعمله دانيفل في هجومه، غير ان أسلوبه المعسول كان يخفي سما اشد فتكا من الأسلوب الجاف القاسي الذي استخدمه  دانيفل.

[6] R. H. Bainton. P. 34, H. Strohl. Savie P. 36, Greiner. P.29 دومينياه 5، ص 46

[7] Grisar.3. Vol. P. 692.

[8]  R. Baintoh P. 27-28.

[9] H. Strohl, P. 45-46.

 د. عزت زكي، ص41[10]

[11]H. Strohl, P. 46.

 

[13]. Grisar P.25.

[14]………………………….

[15] D. Hourticq. P. 21-22

 

[16] Grisar P. 28-30.

 

وهو اعتقاد الكنيسة الكاثوليكية في عقيدة الافخارستيا وسوف نرجع إلى هذا الموضوع في الحديث عن مفهوم لوثر والكنيسة الكاثوليكية في الافخارستيا.*

[17]. D. Hourticq. P. 22-23.

ميرل دوبينياه ص 49-52[18]

[19] Grisar P. 37

[20] Luther. Comm. Gal (1531), D. Hourticq 23. ميرل دوبيناه ص48

[21] WBR9, 3716, P. 627, 1.215.

[22] …………… TI2, 1940.

[23] W. TI2, 1820 (D262)

[24] Kostlin1, 71.

 

 

 

  

 

 

الفصل الخامس

عودة لوثر للتدريس

  للأعلى

كان ستوبيتز (Stauptiz)  عميدا لكلية اللاهوت في فيتمبرج [1] عندما قابل ستوبيتز الراهب لوثر رأى فيه الشخص القلق المضطرب لكنه وجد فيه ذكاءا ملحوظا، وتقوى صادقة بلا رياء وجدية في العمل ورغبة في البحث والدراسة. كما شعر بما يجول في خاطره من مشاكل روحية.

        ويبدو ان ستوبيتز وضع في قلبه ان يساعد هذا الراهب الشاب لكنه كان يفكر في الطريقة المناسبة لمساعدته سيما وانه يسكن معه في نفس المدينة كما انه كان كثير التنقل وأخيرا وجد هذا الرجل طريقة لمساعدته. فقد فكر ان يخرج هذا الشاب من الوسط الذي كان يعيش فيه وان يحضره إلى جامعة فيتمبرج.

        ويعتقد البعض ان إرسال لوثر إلى فيتمبرج ثم بناء على قرار اتخذته جمعيته وكان لستوبيتز دور كبير في هذا القرار الذي صدر بعد اجتماع في ميونخ في 18 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1508.

        وفي خريف سنة 1508 ترك الراهب اغسطينوس وستة من اخوة الدير أرفورت وانطلقوا إلى المدينة الجامعية الصغيرة في فيتمبرج وأقاموا في دير القديس اغسطينوس. وقد كلف لوثر بإلقاء المحاضرات في الجامعة عن فلسفة أرسطو.[2] وفي الوقت نفسه كان يتابع دراساته في كلية اللاهوت[3].

        وبعد انتهاء العام الدراسي وبعد ان تقدم أيضا لبعض الامتحانات في فيتمبرج للحصول على درجة البكالوريوس في العلوم اللاهوتية، طلب منه ان يرجع إلى أرفورت. رجع فعلا إلى المدينة قبل ان ينهي الامتحانات التي بدأها في فيتمبرج واضطر ان يتقدم من جديد لاجتياز الامتحانات التي كانت تجريها كلية أرفورت إذ انها كانت لا تقبل بسهولة الدرجة التي كانت تمنحها جامعة فيتمبرج[4].

        نجح لوثر في كل هذه الامتحانات وعين أستاذا في هذه الكلية التي درس فيها لمدة قصيرة جدا قبل دخوله الدير في سنة 1505. وهكذا بدا لوثر من جديد التدريس في جامعة أرفورت في سنة 1509 وسنة 1510 [5].

كانت الفترة التي قضاها الأستاذ الطالب مارتن لوثر في التدريس والدرس في جامعة فيتمبرج فترة عظيمة جدا، فقد استطاع خلالها ان يغير الجو الذي كان يعيش فيه وان يجد له نخبة جديدة من الإخوة والأصدقاء. كما انه استطاع أيضا ان يدرس في كلية اللاهوت. وبالرغم من هذا كله كانت المشاكل الخاصة بموضوع خلاصه الأبدي والخوف من الله القاضي ترافقه في كل مكان. ان هذه الفترة تعتبر من أهم الفترات في حياة لوثر إذ اشتد فيها القلق الروحي.

        ولم تبدأ صداقته القوية العميقة مع رئيس الأديرة غالبا الا بعد سنة 1511. وحتى هذا الرجل لم يستطع ان يحل جزءا من مشاكله.

 

لوثر في روما

        في أثناء هذا الصراع النفسي العنيف، وبينما كان لوثر يجتاز فترة البحث عن طريقة يستطيع ان يهدأ بها غضب الله القاضي القاسي، لاحت له الفرصة الذهبية فجأة بحسب اعتقاده. فقد كانت توجد بعض الخلافات بين الأديرة الاغسطينية في ألمانيا فيما يخص موضوع تجمع هذه الأديرة في جمعية واحدة. ولقد ذهب ستوبيتز نفسه عدة مرات إلى روما لمقابلة الرئيس العام لعرض هذه القضية عليه. لكن المشكلة لم تحل واختار دير أرفورت لوثر لكي يذهب للدفاع عن هذه القضية لدى الرئيس العام لجماعة الاغسطينيين وليس لدى البابا*[6] .

        وعندما سمع لوثر بان الاختيار قد وقع عليه للذهاب إلى روما للدفاع عن هذه القضية. فاض قلبه بالفرح وامتلأت نفسه بالسعادة والاطمئنان. وكيف لا يشعر بالسعادة والفرح لذهابه إلى روما!! المدينة التي يقيم فيها البابا نفسه وكيل المسيح على الأرض وخليفة الرسول بطرس. المدينة التي استشهد فيها بطرس وبولس. روما التي شاهدت صراع ونضال المسيحيين الأولين الأبطال، الذين استطاعوا ان يحصلوا على خلاص أرواحهم من العذاب الأبدي بصبرهم وعذابهم وآلامهم وتضحياتهم حتى الموت. روما التي امتلأت بالكنائس وبذخائر** القديسين وعن طريق زيارة بعض هذه الكنائس وبعض ذخائر القديسين يستطيع الإنسان التائب ان يحصل على غفرانات كثيرة ولسنين عديدة. أليس هذا ما كلن يبحث عنه من سنين عديدة؟ ألم يكن هذا ما تتوق إليه نفسه من مدة طويلة؟ بل ألم يدخل الدير لأجل هذا السبب عينه؟

        نعم كانت هذه الفرصة من السماء، لأنها فتحت عيني لوثر فيما بعد، وبعد عدة سنوات على حقيقة عظيمة.

        كانت تلك هي المرة الأولى التي يزور فيها روما، (أورشليم المقدسة) غادر لوثر أرفورت مع صديقه الذي أرسل معه في هذه المهمة في خريف سنة 1510 كانت الرحلة طويلة ومرهقة: فقد استغرقت ما يقرب من 35 يوما ذهابا ومثلها للعودة كما مكثا شهرا في روما وكانا يسيران بسرعة 40 كيلومتر تقريبا في اليوم[7].

           مما لا شك فيه بان لوثر قد اهتم بموضوع الدفاع عن القضية التي حضر من اجلها وهي موضوع النزاع الخاص بالأديرة الاغسطينية، ولم يوفق في هذا الامر. وبقيت القضية معلقة. على ان الذي كان يهم لوثر أكثر من ذلك الذي كان يشغل باله نهارا وليلا ويثقل قلبه، هو موضوع خلاصه ولهذا فقد بدأ حال وصوله إلى روما يطوف شوارعها ويزور كنائسها ويسجد طويلا مصليا ومتعبدا امام هيكلها. فلقد عزم ان يعترف اعترافا شاملا كاملا لكي يحصل على اكبر عدد من النعم التي وعد بها الله عن طريق ذخائر القديسين الموجودة في المدينة. هذا ما كان ينتظره لوثر من المدينة المقدسة. ولكنه بدأ يتعثر لا بل يتأثر شديدا جدا عندما رأى حالة الرهبان الذين نزل عليهم ضيفا وحالة الكنائس والاكليريوس عامة. كان بعضهم يعيش عيشة البذخ والرفاهية، كأمراء وحكام لا خدام معلمين ومبشرين وخادمين.[8]

        وبالرغم من هذا فقد واصل بجد واجتهاد زياراته للكنائس والمقابر والأمكنة المقدسة التي يتمتع من يزورها تائبا بالغفران. فقد كان ينتهز هذه الفرصة القصيرة لكي يحصل على اكبر عدد من الغفرانات.

        وفي يوم من الأيام وجد نفسه امام كنيسة القديس يوحنا. وعندما دخل تلك الكنيسة الصغيرة شعر بالأسى إذ كانت أمه ما زالت على قيد الحياة. فمت المتعارف عليه انه إذا أقام كاهن قداسا مساء الأحد في هذه الكنيسة فان روح أم الكاهن الذي يقيم القداس تخرج من المطهر ولأجل هذا السبب فانه تأسف شديدا لأنه لم يستطع ان ينتهز هذه الفرصة لخلاص أمه من المطهر[9]. ولقد راودته نفس الفكرة عندما عرف بان صعوده على السلم المقدس يمكن ان يخلص والديه من المطهر. وبما انه كان يريد ان يحصل على اكبر عدد من الغفرانات الممكنة له وللعائلة. وبما ان والديه كانا على قيد الحياة ولا فائدة من عمل هذه التضحية التي لا تفيدهما فقد قام بصعود السلم المقدس لكي يخلص جده الذي كان يحبه كثيرا من المطهر.

        لكن ما هذا السلم المقدس؟ (Scala Santa)[10] كان امام كني