المصلح

مارتن لوثر

حياته وتعاليمه

 

 

 

 

 

 

 

بحث تاريخي عقائدي لاهوتي

 

يقدمه

 

 

الدكتور

القس حنا جرجس الخضري

 

 

 

 

 

دار الثقافة

 

 

 

إهداء

 

 

                             إلى هذين الكنزين العظيمين اللذين منحهما لنا الرب لور (فوزية) وعمانوئيل (فرح) حنا جرجس الخضري

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فهرس الكتاب

 

 

إهداء...........................................................................

 

المقدمة ........................................................................

الفصل الأول: ميلاده ..........................................................

الوسط الذي نشأ فيه مارتن لوثر

عماده

حياته العائلية

حياته المدرسية

مارتن في مدرسة مجدبورج

مارتن في مدينة أبزناخ (أو اسناخ)

 

الفصل الثاني: مارتن الطالب في جامعة أرفورت ....................................

الفصل الثالث: الأستاذ مارتن لوثر يترك الجامعة وينزوي في الدير ..................

الفصل الرابع:  الأستاذ لوثر يصبح راهبا أغسطينيا..................................

سيامته كاهناً

شعاع نور في ليل حالك الظلام

مشكلة الخوف من الله ومن الخطية

الفصل الخامس: عودة لوثر للتدريس ..................................................

لوثر في روما                 

الفصل السادس: الاكتشاف العظيم لعقيدة التبرير بالإيمان ...............

الفصل السابع: صكوك الغفران .........................................................

الفصل الثامن: ماذا عملت يا لوثر؟ .....................................................

الفصل التاسع: مجمع هيدلبرج .........................................................

الفصل العاشر: لوثر أمام الكاردينال كاجتان ............................................

الفصل الحادي عشر: حوار مفتوح في مدينة ليبزج ..........................................

الفصل الثاني عشر: انفصال لوثر عن الكنيسة الكاثوليكية ....................................

الفصل الثالث عشر: كتابات لوثر العظمى ...................................................

المنشور الأول: أو المكتوب الأول إلى الأمة المسيحية الألمانية النبيلة

المكتوب الثاني: السبي البابلي للكنيسة                   المكتوب الثالث: الحرية المسيحية

 

الفصل الرابع عشر: فورمس "بوتقة التجربة" .................................................

الفصل الخامس عشر: قلعة فارتبوج والفارس جورج .........................................

الفصل السادس عشر: عودة المصلح في فيتمبرج .............................................

الفص السابع عشر: ثورة الفلاحين ............................................................

الفصل الثامن عشر: زواج الراهب مارتن لوثر................................................

الفصل التاسع عشر: صعوبات في وجه الكنيسة الناشئة........................................

                     زيارة لوثر وملانكثون لبعض الكنائس

الفصل العشرون: اجتماع مجلس الأمة "الدايت" في سبيرس "اوسبير" ودعي اللوثريون بروتستانت في سبيرس أولا (أع 26:11) اجتماع ماربورج ومشكلة العشاء الرباني "الافخارستيا"

 

الفصل الحادي والعشرون: مجمع أوكسبورج سنة 1530 كاثوليك وبروتستانت .............

الفصل الثاني والعشرون: وان مات يتكلم بعد .................................................

الفصل الثالث والعشرون: بعض الأمثلة من تعاليم لوثر .......................................

                           مفهوم الكرستولوجي

                           العشاء الرباني "الافخارستيا"

 

الفصل الرابع والعشرون: ما موقف الكنيسة الكاثوليكية والعلماء الكاثوليك من لوثر الآن؟

 

 

 

 

مقدمة

مارتن لوثر

  للأعلى

           من هذا الرجل. هل كان محقا في صراعه ونضاله ضد البابا وضد الإمبراطور وضد بعض الأمراء والرؤساء الكاثوليك؟ هل كان مخطئا أم محقا في قيامه بحركة الإصلاح؟ هل كان هرطوقيا أم أرثوذكسيا في عقائده وتعاليمه؟ هل كان البابا محقا أم مخطئا في حرمانه للوثر؟ هل كان الإصلاح بركة أم نقمة للعالم؟

                                                   سنحاول ان نجيب على هذه الأسئلة وأسئلة أخرى سوف تواجهنا  أثناء دراستنا لهذا الكتاب. ولنبدأ بالسؤال الأول وهو لماذا كتب هذا الكتاب؟

1- سوف يحتفل العالم المسيحي البروتستانتي كله في شهر أكتوبر "تشرين الأول" ونوفمبر "تشرين الثاني" بمرور خمسمائة سنة على مولد المصلح الألماني، الذي ولد في 10 نوفمبر سنة 1483م. ومع ان كنيستنا الإنجيلية في مصر هي كنيسة إنجيلية مشيخية الا انها تدين أولا للرب يسوع المسيح في كل شيء، وتدين للوثر وللوثرية بأشياء كثيرة.

2- ان احتفالنا بمناسبة مرور خمسمائة سنة على ميلاد المصلح الإنجيلي، لا يعني بأي حال من الأحوال ان الكنيسة الإنجيلية تقدس الأشخاص، أو تقدم عبادة خاصة لهؤلاء القديسين (2كو 14:13 في 21:4، اتس 27:5) بل تحاول ان تنظر إلى جهادهم وأعمالهم، فتسير في نفس الطريق الذي سلك فيه هؤلاء (عب 7:13). متجنبة على قدر الامكان الأخطاء التي سقطوا فيها، مقدمة المجد والكرامة لشخص الرب يسوع الذي حفظهم بنعمته شهودا أمناء.

3- كما ان الكنيسة في احتفالها بهذه المناسبة لا تريد ان تجرح الإخوة الأحباء من أي كنيسة أخرى لا توافقها في الرأي، أو العقائد، فليس هذا هدف الكنيسة الإنجيلية بل ان هدف كاتب هذا الكتاب هو:

4- ان يقدم دراسة ايجابية بقدر المستطاع عن شخصية المصلح الألماني، محاولا فيها ان يبين الظروف التاريخية والسياسية والدينية التي كانت تعيش فيها الكنيسة الكاثوليكية والمصلح. فكم من المرات قدمنا نحن البروتستانت انتقاداتنا اللاذعة القاسية لموقف البابا ليون وموقف الكنيسة الكاثوليكية عامة في قضية مارتن لوثر دون تفهم للتيارات الخفية السياسية التي لعبت دورا هاما في هذه القضية. ولا أريد بهذا ان ابرر البابا في حرمانه للوثر. لكني أريد ان أقول فقط ان لوثر قد عاش في فترة تاريخية معقدة.

5- ويتمنى الكاتب من كل قلبه ان يكون هذا الكتاب دافعا وحافزا للكثيرين على دراسة حياة مارتن لوثر والفترة التي عاش فيها على ان تكون الدراسة علمية مجردة من الخلفيات التي يحتفظ بها كل منا كاثوليكي أو أرثوذكسي أو بروتستانتي، عن المصلح وعن تعاليمه. ربما وصلت إلى بعضنا بطرق غير علمية وغير محايدة. 

6- لهذا السبب فقد حاولت ان أقدم بعض المراجع سواء على صفحات الكتاب نفسها أو في قائمة المراجع حتى يستطيع الشخص الذي يريد التعمق في دراسة حياة وتعاليم لوثر ان يجد بعض المراجع التي تساعده على الإلمام بهذا الموضوع.

7- ومع ان لوثر استعمل في بعض الأحيان، ألفاظاً وعبارات قاسية جارحة في وصفه للبابا، ونحن نأسف كثيرا جدا لهذا التطرف. الا ان شخصية لوثر وتعاليمه يمكن ان تكون مادة سنية لإثارة حوار بناء يقود إلى وحدة قوية بعد انفصال طويل لأن كثيرين من العلماء الكاثوليك في الوقت الحاضر يعترفون بان كنيسة وباباوات العصور الوسطى والعصر الذي عاش فيه لوثر يختلفون عن باباوات وكنيسة العصر الحال، خاصة بعد مجمع الفاتيكان الثاني.

8- كان لوثر يكن للبابا كل حب وتقدير واحترام ولم يغير فكره في ذلك الا بعد التأكيد من ان البابا كان يسعى للقبض علية ومحاكمته كهرطوقي.

9- لم يهاجم لوثر الكنيسة ولم يحاول ان يهجرها لأنه كان يرى فيها أما، فكان يسعى دائما لإصلاحها من الداخل.

10- ومع ان لوثر قد هاجم سلطان البابا وسلطان المجامع، الا ان سلطان المجامع مازالت موضوع جدل ونقاش بين الكنائس التي تؤمن بهذا السلطان الا ان لوثر كان متمسكا ليس فقط بالكتاب المقدس وحده، بل قبل أيضا أقوال الآباء التي لا تتعارض والكتاب المقدس. وقد اكتشف ان القديس اغسطينوس قد أدرك موضوع التبرير بالإيمان بطريقة تشبه إلى حد كبير إدراكه لهذه العقيدة؟!!! ألم يحث هو نفسه أيضا الرهبان في مدينة هيدلبرج على دراسة الكتب المقدسة وتعاليم الآباء؟

11- توجد حقيقة أخرى هامة جدا فيما يختص بلوثر والحوار المسكوني: لقد تمسك لوثر بالكتب المقدسة وشدد على دراستها، كما تمسك بتعاليم الآباء. كما ان الكنائس التقليدية القديمة كاثوليكية كانت أم أرثوذكسية قد فتحت الكتاب المقدس وخرج منها أيضا رجال أكفاء في العلوم التفسيرية والنقدية والتاريخية...........

                على هذا الأساس من تمسك المصلح بأقوال الآباء التي تتفق مع الكتاب المقدس، ثم تمسكه بالكتاب المقدس نفسه، أمكن للكنائس التقليدية القديمة وكنائس الإصلاح ان تجد أرضا جديدة تقف عليها للتفاهم. ففي الماضي كان ينظر التقليدي إلى البروتستانتي على انه شخص رافض للتقليد والآباء. وليس هذا صحيح لأن آباء الكنيسة الذين قبلوا الكتاب المقدس وعملوا به هم آباء مصلحين أيضا. ويجب علينا ان نحبهم ونحترمهم كما أحبهم واحترمهم رجال الإصلاح ورجعوا إلى كتاباتهم ولم يحاول المصلحون قط مهاجمة آباء الكنيسة الذين تمسكوا بالكتاب المقدس وعملوا به، بل وجدوا في هؤلاء الآباء سندا وعونا لكي يؤيدوا بأقوال هؤلاء الآباء وتعاليمهم الجديدة التي نادوا بها. ولهذا السبب نجد ان كتابات المصلحين قد امتلأت باقتباسات من أقوال الآباء، هذا ما حاول ان يفعله لوثر. وهذا ما حاول ان يفعله أيضا كثير من المصلحين. فعلى سبيل المثال نجد في كتابات جون كلفن المصلح الفرنسي ثلاثة آلاف اقتباس من كتابات الآباء، فعلينا نحن أبناء وورثة المصلحين ان نقبل كل تعاليم الآباء التي تتفق والكتاب المقدس ولا تعارض معه. وما أكثر تعاليم الآباء التي لا تتعارض قط مع الكتاب المقدس بل هي مأخوذة منه.

 

12- يجب ان نبحث بطريقة علمية وتاريخية صحيحة وواعية والأسباب الحقيقية التي أدت إلى ذلك الانقسام المخجل. إذ انه توجد أسباب سياسية كثيرة كانت وراء هذا الانقسام. ومما لا شك فيه انه لا يمكن ان نلقي بالمسئولية كلها على عاتق الظروف السياسية وحدها، لأنه كانت توجد أيضا أسباب عقائدية وتعليمية وراء هذا الانقسام ولكننا نعتقد بان الباحث والدارس المنقب يمكنه ان يدرك بان الظروف السياسية التي كانت تحيط بالكنيسة في عصورها الأولى وفي العصور اللاحقة وفي العصور الوسطى كانت سببا في كثير من الانقسامات التي حدثت فيها والتي نعاني منها نحن الآن، بالرغم من ان ظروفنا السياسية تختلف تماما عن الظروف في تلك الفترات التي عاشتها هذه الكنائس.

       لقد كانت تسيطر على تعاليم بعض المجامع وبعض الآباء والمصلحين، مفاهيم فلسفية وتعليمية الا ان بعضها تغير، مما يوجب علينا ان نجلس معا كاثوليك وأرثوذكس وبروتستانت ونطرح مشاكلنا على المائدة ونناقشها بصراحة وأمانة. 

13- يحتاج العصر الذي تعيشه الكنيسة اليوم شرقا وغربا إلى وحدة كاملة وترابط قوي وإيمان عميق في شخص الرب يسوع المسيح صخر الدهور، ويحتاج أيضا إلى محبة صادقة بلا رياء لكي تستطيع الكنيسة بنعمته ان تواجه تحديات وتيارات العصر الحاضر من الحاد وكفر ومادية وتعصب أعمى. ان الكنيسة كلها غربا وشرقا معرضة لهذه التحديات، وان كنا نثق ونؤمن بان وعد الله صادق وأمين وان أبواب الجحيم لن تقوى عليها فعلينا الا ننسى ان رغبة الله العظمى وأمره السامي واضحان في: صلاة الرب يسوع الشفاعية وهي ان نكون واحدا حتى نستطيع ان نحمل المسئولية الموضوعة على عاتقنا الا وهي ان يؤمن الجميع باسمه.

دار الثقافة


 

الفصل الأول

   للأعلى

ميلاده:

    من الغريب ان مرجريت زيكلر، تتذكر جيدا اليوم والساعة التي ولدت فيها ابنها مارتن لوثر ، الا انها لا تتذكر جيدا سنة الميلاد. ولقد حاول ملانكثون Melanchton)) الصديق المخلص والرفيق الأمين للوثر في جهاده، ان يعرف تاريخ ميلاده، فسأل أمه مرجريت، فقالت له انه ولد قبيل منتصف الليل في العاشر من شهر نوفمبر (تشرين الثاني). ولكنها لا تذكر السنة بالتحديد[1]

ولهذا السبب فقد اعتقد بعض المؤرخين ان مارتن لوثر ولد في العاشر من نوفمبر 1483[2] والبعض الأخرى يظن انه ولد في سنة 1484 أو 1485 [3]. اما مارتن لوثر نفسه، فكان يعتقد انه ولد وفي العاشر من نوفمبر 1482، إذ انه تقدم للامتحان في كلية (Erfurt) أرفورت في سنة 1505 ولم يكن من الممكن، بحسب دستور هذه الكلية، قبول أي طالب لهذا الامتحان قبل ان يبلغ الثانية والعشرين من عمره على ان ملانكثون، كان متمسكا لوقت ما ولأسباب نجهلها، بان مارتن ولد في العاشر من نوفمبر سنة 1484. وهذا ما قد سجله في كتابه "حياة لوثر" المؤرخ بتاريخ أول يونيو 1546 [4]، وهي السنة التي انتقل فيها المصلح إلى المجد. ولكن يعقوب أخا مارتن لوثر قال ان أخاه ولد في العاشر من نوفمبر 1483. ويعترف ملانكثون بصدق وأمانة يعقوب حتى انه قبل هذه الشهادة كوثيقة تاريخية، يرجع إليها معظم العلماء.

        وبناء على ذلك، تحتفل الكنائس اللوثرية في العالم كله بمرور خمسمائة سنة على ميلاد المصلح الديني الألماني مارتن لوثر في العاشر من نوفمبر سنة 1983م.

 

الوسط الذي نشأ فيه مارتن لوثر

        كان يوحنا لوثر ومرجريت زيكلر من عائلة ريفية متواضعة من أعمال أيزناج أو اسناخ “Eisenac”. ولقد اشتدت قسوة الحياة الريفية عليهما، لأنهما لم يكونا من أصحاب العقارات والأطيان[5] في منطقة تورنج (Thurrine) الزراعية والغنية بغاباتها وحقولها إلى أيسليبن (Eisleben) سعيا وراء لقمة العيش. ففي هذه المدينة التي تقع حاليا في ألمانيا الشرقية[6] وفي احد شوارعها الكبيرة وفي بيت مظلم يخلوا من كل وسائل الراحة والرفاهية والتنعم، ولد المصلح مارتن لوثر[7].

        من كان يعلم أو حتى يحلم بان هذا الطفل الصغير الفقير المتواضع النسب والحسب، سوف يغير بحياته وتعاليمه مجرى التاريخ ومصير كثير من دول العالم؟!!!

 

عماده

        تمسكت الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الوقت بفكرة الإسراع في تعميد الأطفال[8] وبما ان يوحنا (هانس) ومرجريت كانا كاثوليكيين محافظين على تقليد الكنيسة وطقوسها فقد طلبا عماد ابنهما في "يوم الثلاثاء" وهو غد ميلاده فحملاه إلى كنيسة القديس بطرس ليعمد هناك، وسمياه باسم مارتن لأنه ولد في ليلة عيد القديس مارتن[9].

        ومع ان يوحنا (هانس) لوثر لم يدرس دراسات عالية في الجامعة، الا انه كان على ما يبدو واسع الطموح كثير الجهاد، لا يخشى التعب ولا يهاب الصعاب وقد كتب مارتن فيما بعد يقول: (كان والداي فقيرين جدا، فكانت والدتي تحمل الأخشاب على ظهرها لإعالتنا لقد كانت حياتهما قاسية صارمة) وعندما تكلم لوثر عن أبيه قال: (لقد خلق عرقه مني ما أنا عليه الآن)[10]

          ولم يكن رجل طموح مثل هانس لوثر ليرضى بالفتات الساقط من موائد الفلاحين والعمال. ولذلك فقط دفعه طموحه هذا للسعي وراء مكان أفضل وعمل أجدى. ولهذا السبب فبعد مضي ستة اشهر من ميلاد مارتن، ترك أيسليبن متجها إلى مدينة (Mansdfeld) مانسفلد التي تبعد عن أيسليبن بحوالي ستة كيلومترات. وكانت هذه المنطقة غنية بمناجم النحاس والفضة ولم يمر وقت طويل على هذا الرجل المجتهد العامل الطموح، حتى قفز من درجة عامل إلى رئيس لثلاثة مسابك صغيرة[11] ولم يتوقف نجاحه وصعوده عند باب هذه المسابك الصغيرة، بل أصبح هو نفسه مالكا لحوالي أثنى عشر مسبكا[12] كما انه اختير عضوا في مجلس المدينة الذي كان يتكون من أربعة أعضاء لمساعدة الحاكم والاشتراك معه في الإدارة. وبهذا أصبح يوحنا (هانس) لوثر بورجوازيا في مدينة مانسفلد[13].

        أما مرجريت زيكلر فكانت هي أيضا سيدة مجتهدة عاملة نشيطة. ولقد رسم كراناش (Cranach)  الرسام المعاصر لها صورة تعبر عن حيرتها وقوتها ونشاطها... كما انها كانت أيضا سيدة فاضلة تقية. ولذلك فان كثيرات من جيرانها اتخذنها مثالا لهن[14] الا ان تقواها قد صبغت وتأثرت عميقا بالخرافات والعقائد التي انتشرت في عصرها. فكانت تؤمن كما كان يؤمن الكثيرون من أبناء عصرها بالقوات الشيطانية والحسد (وتأثير العين). كما انها كانت تعتقد ان الأرواح الشريرة تسكن الأماكن المظلمة والبرك والمستنقعات[15] وكانت تخشى من السحر وسلطانه حتى انها نسبت موت ابنها الثاني إلى سحر جارة من جيرانها؟!!![16]

 

حياته العائلية:

        كانت كثرة الأطفال في هذا العصر تعتبر بركة من بركات الله، وعلامة من علامات رضاه على الناس ولقد منح الرب يوحنا لوثر ومرجريت سبعة أطفال[17] فكانوا بلا شك يملأون البيت فرحا وسرورا. ومع ان يوحنا ومرجريت تركا القرية والزراعة، الا انهما احتفظا بالعقلية الريفية بوقت طويل جدا ولوثر نفسه كان يقول (انني فلاح أبا عن جد، ولقد كان كل أجدادي فلاحين)[18]. ومن بين العادات والمفاهيم المنتشرة في ذلك العصر، ليس فقط في القرى والفلاحين، بل في المدن أيضا بين المتعلمين. والتي كانت تسيطر بدورها على يوحنا لوثر ومرجريت المفهوم الخاطئ في تربية الأطفال واستعمال الشدة والقسوة في تهذيبهم. وهذا الأسلوب التربوي الذي اتبعه أهل ذلك العصر لا يدل بأي حال من الأحوال على تجرد الآباء والأمهات والمربين من العطف والمحبة والحنان ويذكر المصلح بعض العقوبات التأديبية التي ذاقها فيقول (لقد عاقبني أبي عقابا شديدا في يوم ما لدرجة اني هربت من أمامه واختفيت، ولم استطع ان آنس إليه الا بعد وقت طويل) ثم يقول عن أمه في يوم من الأيام ضربتني أمي بالسياط حتى انفجر الدم من جسمي بسبب حبة جوز بائسة[19] وبالرغم من هذه التأديبات والعقوبات القاسية التي تألم بها مارتن لوثر فأنه كان يدرك تمام الإدراك ان الهدف من كل هذه التأديبات كان تهذيبه وتعليمه وكانت كلها لخيره. كما يقول هو نفسه: (فبالرغم من ان عقاب والدي لي كان قد تعدى الحدود الا انهما لم يريدا الا خيري)[20].

        ومما لا شك فيه ان قسوة والديه في الطريقة التي اتبعاها لتهذيبه وتعليمه تركت انطباعات كثيرة وتأثيرات نفسية عميقة في شخصية مارتن لوثر مرهف الحس، ورقيق الشعور. بل دفعت به أيضا إلى نوع من الانطوائية. ولأجل هذا كتب فيما بعد يقول: (كان والدي في غاية القساوة معي، الامر الذي خلق مني إنسانا خجولا ولقد كانت قسوتها عاملا دفعني إلى الالتجاء إلى الدير لأصبح راهبا)[21] ان قسوة والدي مارتن لوثر في تربيته. ربما جعلته يفكر في الرهبنة هربا منهما الا انها لم تكن العامل الأساسي والوحيد الذي زج به إلى الدير وسوف نتعرض لهذه النقطة فيما بعد.

 

حياته المدرسية:

التلميذ مارتن في مدرسة مانسفلد:

        كان والدا مارتن في غاية القسوة في تهذيبهما له. كما سبقت الإشارة إلى ذلك. ولكنهما لم يريدا من هذه القسوة والشدة الا تربيته تربية مسيحية صالحة. وبناء على ذلك فقد سجلا اسمه في مدرسة المدينة التي كانت تقيم فيها العائلة لكي يحصل على اكبر قسط من التعليم حتى يستطيع فيما بعد ان يصبح متعلما ومثقفا وهذبا.

        فعندما بلغ سن السابعة[22] أو قبل ذلك بقليل عرف مارتن طريق المدرسة. وعلى ما يبدو كان نظام المدرسة والتدريس في ذلك العصر جافا قاسيا. ولقد انقسم العلماء هنا إلى فريقين. فريق يرى ان نظام التدريس كان فعلا جافا وقاسيا ممتلئا بالسطحيات والقشور (والحشو) خليا من الجوهريات والتعمق والتركيز. وبما انه خلا من التعمق والدرس العلمي والبحث الدقيق فقد استعمل المعلمون كوسيلة لتعليم الشدة والقهر والضرب وليس جذب التلاميذ وتشويقهم بطريقة عرض الدروس بوسائل جديدة وبأسلوب ممتع جذاب.

        والذين يؤيدون هذه النظرية اقتبسوا عدة مراجع وشواهد من كتاب ذلك العصر- على اننا نكتفي هنا بسرد بعض كتابات المصلح فقط فيما يخص هذا الموضوع. ففي سنة 1524 أرسل لوثر خطابات إلى حكام المدن ليحثهم على العمل على تأسيس مدارس وجامعات في مدنهم. ولقد ذكر في خطابه هذا بعض الانتقادات القاسية والمريرة عن التعاليم والمناهج لدرجة انه لصق اسم جهنم والمطهر بهذه المدارس. فهو يقول عن المدرسة (كنا نعذب... ولم نتعلم شيئا)[23] وعندما يتعرض لوصف قساوة معلميه وشدتهم في التعليم يقول (لقد ضربت 15 مرة في يوم واحد)[24]

        إلى هذه النصوص ونصوص أخرى رجع الكثيرون لكي يؤيدوا فكرة ان نظام التعليم كان خاليا من العمق ومصحوبا بالقسوة والعنف.

        اما الفريق الثاني فيتفق والفريق الأول على ان نظام التعليم في ذلك الوقت كان قاسيا بالفصل ولكن ليس بالدرجة التي حاول الكثيرون ان يصفوه بها مبالغين. كما بالغوا أيضا في كلامهم عن أسلوب الآباء في تهذيبهم للأبناء[25]. وصحيح ان المناهج كانت قليلة ومحدودة وهذا يرجع إلى قلة الكتب. الا ان الذين كانوا يرغبون في الدرس والبحث، كانوا يجدون أبوابا مفتوحة أمامهم في ذلك الوقت.

 

 

المناهج التي كانت تدرس:

        كانت تدرس كل المواد باللغة اللاتينية[26] فلقد درس مارتن في مدرسة مانسفلد قواعد اللغة اللاتينية، الوصايا العشرة، قوانين الإيمان، الصلاة الربانية وبعض الترانيم[27] والخطابة والمنطق والتاريخ وبعض العلوم الأخرى.

 

مارتن في مدرسة مجد بورج (Magde Bourg)

        لقد قرر الأب الطموح يوحنا لوثر ان يواصل ابنه دراساته، فأرسله لذلك إلى مدرسة اشتهرت في المنطقة بكفاءة معلميها وتقوى الذي يقومون بإدارتها: وهي مدرسة الإخوة الفرنسيسكان* في مجد بورج. إلى هذه المدرسة جاء مارتن من مانسفلد مع صديق له ميسور الحال يدعى يوحنا رينيك (Jean Reineke) لكي يواصلا دراستهما الثانوية.

        كان مارتن في الرابعة عشرة عندما التحق بهذه المدرسة. ومع انه لم يمكث في هذه المدينة الا عدة شهور، لأنه أصيب بمرض أضطره للعودة إلى مانسفلد، الا ان إقامته في هذه المدرسة كان لها تأثير عميق جدا على حياته ومستقبله فبالرغم انه لم يذكرها الا مرة واحدة في كتاباته[28] الا ان الأحداث التي وقعت فيها، لعبت دورا هاما جدا في حياته الروحية ونذكر منها:

1-   كان الامر الأول الذي أثر في نفس الشاب هذا هو الحياة في المدرسة نفسها. كان الإخوة الفرنسيسكان يشرفون على إدارتها وعلى التعليم فيها. ولقد اتصفت هذه الجماعة بروح التقشف والزهد والاتضاع والاماتات كما كان القديس فرنسيس الاسيزي. ولذلك فقد حاول بكل الوسائل غرس وتنمية هذه الروح في التلاميذ. ولكي يدربوهم على ممارسة هذه التمرين العملي الصعب، فقد طلبوا منهم ان يتسولوا في الشوارع طالبين صدقة من الناس[29] لذلك فانه من الخطأ إذن ان نقول ان مارتن كان يتسول لفقره، وسوف نرجع إلى هذه النقطة فيما بعد.

2-   كان الامر الثاني الذي أثر في حياة مارتن وتفكيره هو تعاليم مدرسية الإخوة الفرنسيسكان عن حياة الرهبنة. ولقد انتشرت في هذه الأيام فكرة ان الرهبنة وسيلة من وسائل الأكيدة على الحياة الأبدية والهروب من غضب الله.

3-   اما الحال الثالث الذي ترك في نفس ذلك الشاب المرهف الإحساس والشعور تأثيرا عميقا لا يمكن للأيام ان تلاشيه هو صورة وليم، احد الأمراء والأغنياء من بلدة أنهالت (Anhalt) الذي ترك العلم وكل أمجاده وجاء ليصبح راهبا ويعيش في الدير. وكان يجول في شوارع المدينة طالبا إحسان المحسنين. ولقد ظهرت عظامه تحت ثيابه لكثرة ما كان يعاني من الأعمال البدنية المتعبة وإذلال جسده وقهره. ويقول مارتن في وصفه لهذا الأمير: (لقد رايته بعيني يحمل كيسا على ظهره كحمار)[30] ويقال ان هذا الأمير كان يمارس هذه الأعمال التقوية وتعذيب جسده بهذه الطريقة لكي يكفر عن ذنوب أبيه السالفة[31] ولكي يحصل هو نفسه على الحياة الأبدية.

4-   حدث رابع مر به لوثر في هذه المدرسة: فلقد رأى لأول مرة كما يقال- نسخة من الكتاب المقدس، وعندما فتحه عن طريق الصدفة، وجد قصة الصبي صموئيل، فألتهمها التهاما ومنذ هذه اللحظة وهو يتوق شوقا لاقتناء هذا الكتاب العجيب[32].

5-   لقد مر الشاب مارتن بهذه الاختبارات في فترة قصيرة جدا لا تتعدى سبعة شهور. وقبل ان ينهي السنة الدراسية أصيب بمرض ورجع إلى مانسفلد للاستشفاء والعلاج وسط العائلة. وبينما كان على فراش المرض، أصيب أيضا أكير مانسفلد بمرض خطير جدا وكان يتوقع هو وكل مدينته موته القريب. ولذلك فقد أعلن ندمه على كل خطاياه، كما انه كان يقوم بأعمال صالحة كثيرة لكي يكفر عن ذنوبه ولكي ينال بأعماله الصالحة كما كان يعتقد، رضا ربه.

لعبت كل هذه الأحداث دورا هاما وكبير في حياة مارتن الروحية وفي مستقبله أيضا. كانت هذه الأحداث أو بعضها سببا في مرضه هذا؟ لا نعلم بالضبط، ولكننا نعتقد ان هذه الأحداث التي حدثت في فترة قصيرة كانت من الأسباب الهامة جدا التي دفعت مارتن إلى التفكير العميق في حياته الروحية وخاصة في مشكلة الموت والتبرير.

 

مارتن في مدينة أيزناخ أو اسناخ (Eisenach)

بعد مرور بضعة أسابيع على مرض مارتن بدأ يتماثل للشفاء. وعندئذ بدا يوحنا أيضا في البحث عن مدرسة أخرى. وأستقر أخيرا الرأي على مدينة ايزناخ. فان مارتن سوف يجد هناك عمه كونراد هيتر (Conrad Hutter) وهو قندلفت أو سكر ستاني لكنيسة القديس نيكولا في هذه المدينة[33] وهكذا سجل اسم مارتن في مدرسة القديس جورج في أيزناخ وبدأ من جديد عاما دراسيا آخر.

على ان عمه كونراد هيتر لم يعره اهتماما كبيرا. ولهذا السبب فقد انضم هذا الشاب إلى جماعة من الشباب في فرقة الترانيم المحلية. وكان يطوف الشوارع معهم مرنما ومستجديا في حاجة لهذا المال للمدرسة وللأكل والملابس، لأنه كان فقيرا. والذين يؤيدون هذه النظرية، يرجعون إلى أقوال مارتن نفسه عن انه كان من عائلة فقيرة، كانت أمه تحمل الحطب أو الخشب على ظهرها لاعالته... وقد كتب هو نفسه قائلا (لا تستهينوا بالصغار المتسولين لأني كنت مثلهم، نعم كنت فتى مسكيناً مستجدياً وارتقيت إلى ما انا عليه بقلمي..)[34] وكاتب آخر كتب يقول (ونظرا لفقر لوثر لم يدقق معه هؤلاء الآباء في مسألة المصروفات. ومع ذلك لم يستطع لوثر ان يسد مصاريفه الشخصية من جيبه الخالي... وكان من عاداته اثناء إقامته في مجد برج – ان يصحب جماعة من الزملاء الأصدقاء ممن ربطهم الفقر بأواصر الصداقة المتينة ويطوفون في شوارع المدينة يرددون الألحان والترانيم حتى يدبر الله لهم احد الأغنياء الذي يعطف عليهم ويرق لحالهم.. ويقدم لهم شيئا من الطعام[35].

أما الفريق الثاني من العلماء والمؤرخين يعتقد ان الفريق الأول الذي قدمنا بعضا من كتاباته يبالغ قليلا في وصف حالة مارتن بالبؤس المحزن والفقر المقنط والحاجة المؤلمة[36].

        ولفهم هذه النقطة يجب ان لا يغيب عن بالنا مرحلتين في حياة يوحنا لوثر: المرحلة الأولى وهي التي قضاها اثناء صباه في أيزناخ ثم هجرته منها لضيق الحال وقلة العيش فيها ولأنه لم يكن من ذوي الأملاك* حتى في ايسلبن لم تتحسن حالته الاجتماعية، ولذلك فقد تركها سريعا سعيا وراء العيش متجها إلى مدينة اشتهرت بالمناجم وهي مانسفلد وهناك استقر. ولم تكن الحياة بالنسبة له في بداية الامر لينة هنية، بل كان عليه ان يجاهد ويصارع ويناضل فلقد بدأ كعامل بسيط في منجم وبفضل اجتهاده في العمل وأمانته ودقته أصبح رئيسا لعمال ثلاثة مسابك، وبعد ذلك نشد الاستقلال فأصبح هو نفسه مالكا أثنى عشر مسبكا وفي سنة 1496 صار عضوا في مجلس المدينة ومساعدا لحاكمها وبذلك أصبح يوحنا لوثر واحدا من بورجوازي هذه المدينة[37].

        ومما لا شك فيه ان يوحنا لوثر كان من عائلة فقيرة جدا. ومما لا شك فيه أيضا ان مارتن وإخوته ذاقوا طعم الحرمان المر المؤلم وعاشوا فيه فترة. ولذلك فهو يتذكره ويذكره في كتاباته فمن المحتمل ان تكون أحوال يوحنا لوثر الاجتماعية والمالية بدأت في التحسن بعد ان وصل إلى مانسفلد بعدة سنوات، أي منذ سنة 1493 أو 1494 تقريبا. وكان مارتن في ذلك الوقت قد تجاوز العاشرة أو الحادية عشرة.

        وكيف يمكن إذن ان نشرح كتابات الكتاب وكتابات لوثر نفسه التي تتكلم عنه وعن حرمانه والإماتة النفسية وتسوله في الشوارع؟ ولحل هذه المشكلة توجد عدة اقتراحات:

1-   كان مارتن عضوا في فرقة الترنيم في مانسفلد ثم في مجدبورج وكذلك في ايزناخ. ومن المعروف بان أعضاء هذه الفرقة لم يكونوا من الفقراء المعوزين فقط بل كانت تظم أيضا أطفال بعض العائلات الغنية والمحترمة في المجتمع[38] وكان الهدف من تكوين هذه الفرق هو الترنيم في الكنائس وفي الشوارع أيضا. ولقد حاول المسئولون عن هذه الفرق ان يبثوا في نفوس المشتركين فيها روح التواضع وإنكار الذات عن طريق التسول وطلب الإحسان في الشارع. ولقد استخدم التلاميذ الفقراء هذه الوسيلة لسد حاجاتهم الدراسية وغير الدراسية.

2-   ان الكتاب الذين صوروا لنا مارتن بائسا فقيرا ومتسولا امام الأبواب، كان دليلهم على ذلك النصوص التي تتكلم عن يوحنا لوثر في حالة فقره ونضاله قبل ان يصل إلى حالة اليسر.

3-   لقد تألم مارتن فعلا عندما كان يقاسي الحرمان الحقيقي والفقر المادي الذي كان يعيشه مع إخوته في بيت أبيه في المرحلة الأولى من حياة أبيه يوحنا لوثر، وحتى بعد ان تغيرت أحوال أبيه الاجتماعية وتيسرت ظروفه ظل مارتن يشعر بحالة الفقر والحرمان بطريقة تكاد ان تكون واقعية في مجدبورج وفي ايزناخ عندما كان يطوف في الشوارع مع بعض رفاقه الأغنياء والفقراء مرنمين وهم يطلبون احسانات المحسنين. وبما انه كان يشعر بشعور الآخرين ويتألم لآلامهم. فقد اشترك معهم ليس فقط في جمع الكسر، بل كان يشعر بشعور الآخرين ويتألم لآلامهم. فقد اشترك معهم ليس فقط في جمع الكسر، بل كان يشعر في نفسه كما لو كانت هذه الكسر تجمع له شخصيا. ولهذا السبب، فعندما كتب عن المتسولون قال (وأنا أيضا كنت أتسول طالبا بعض الكسر من الخبز لا تحتقروا هؤلاء الصغار فاني كنت واحدا منهم)[39] . فان كان مارتن قد تألم كثيرا أثناء هذه التمارين الموسيقية والغناء في الشوارع، الا ان هذه كانت فرصة ذهبية فعن طريقها تعرف على عائلة كريمة النفس نبيلة الأخلاق ولقد ظل كل حياته مرتبطا بها ومحتفظا ومعتزا بذكرياتها العطرة هذه العائلة هي عائلة كونز كوتا وزوجته أورسول (Kunz Cotta Et Vrsdle) ويبدو ان هذه العائلة سمعته يرنم في الكنيسة، فدعته لتناول الطعام، وعندئذ بدأت روابط المحبة تتعمق، فأصبح مارتن كواحد من العائلة. ولقد كانت هذه السنوات التي قضاها مارتن تحت سقف هذا المنزل سنوات مشرقة شعر فيها بالسرور والارتياح والسعادة النفسية. كانت العائلة غنية ومثقفة وكان البيت مفتوحا، فكم من المواضيع اللاهوتية والدينية والتقوية التاريخية نوقشت أثناء تناول الطعام... وكم كان الشاب مارتن يصغي إلى هذه المناقشات التي دارت بين رب وربة البيت والآباء الفرنسيسكان وغيرهم. ولقد كانت هذه الفترة مشرقة في حياة الشاب مارتن لوثر.


 

هوامش الباب الأول

 


 

[1] Henri Strohl, Luther. Jusqu’n 1520. Presses Universitaies De France, p27.

[2] Roland H. Bainton’s Here J. Stand, A life of Martin Luther, A. Mentor Book, P. 16

[3] Denise Houticq, Luther Mon Ami. Labor et Fides, p. 12.

وانظر أيضا ميرل دوبينياه، ترجم عن الإنجليزية بقلم الشيخ ابراهيم الحوراني (تاريخ الإصلاح في القرن السادس عشر) منشورات مكتبة المشعل في بيروت باشراف رابطة الكنائس الإنجيلية في الشرق الاوس، الطبعة الثانية ص36-37.

[4] H. Strohl, Luther. Sa, Vie Et Sa Pensee, Ed. Oberlin, P.17.

[5] Ronald Baintaon, P.17-19.

[6] Albert Greiner, Luther, UN. Passione de verite, P. 8.

[7] A Greiner, Luther. Essai, Biographique, Labor Et Fides. P.19.

 - أ. موريس، حياة لوثر، ترجمة القس باقي صدقه ص6[8]

- ميل دوبينياه ص37.[9]

[10]A. Greiner. Essai. 19.

 

[11] A. Greiner. Un Pass. P.9. انظر أيضا ميرل دوبينياه، ص37

 

[12] R. Bainton, P19.

[13] A. Greiner…… 9-11

[14] G. Casalis, Luther Et L’Eglise Conffssante, Ed. Du. Cerf, 1983.  P.1-9.

[15] R. Bainton, 18-23.

[16] A. Greiner. Essai P.20.

[17] A. Greiner. Essai P.19, Hourtieq. P.12.

[18] A. Greiner. Essai P.19, Hourtieq. P.12.

[19] A. Greiner. P.19.

[20] A. Greiner.19-20.

[21] H. Strohl, Sa Vie … P.20.

[22] A. Greiner. P.19.

[23] Strohl, Luther Jusqu’en 1520, P.29-30.

[24] ……………………………….P.30.

[25] O. Schell, Martin Luther 2 Voi, Tubingue 1916, 1-4 Et, Strohl P. 29-30.

[26] D. Hourtic 9, 13.

- -ميرل دوبينياه، ص38.[27]

 

* ان الذي قام بتأسيس جماعة الإخوة الفرنسيسكان هو القديس العظيم والشهير فرنسيس الاسيزي وهو إيطالي الجنسية. ولقد اشتهر بحملاته التبشيرية في الكنيسة ولهذا السبب فهو يعد من المصلحين إذ انه حاول القيام بحملة تبشيرية إصلاحية داخل الكنيسة الكاثوليكية نفسها. كما انه اشتهر أيضا بمحبته الفياضة للناس وللحيوانات وللطبيعة. والجدير بالذكر ان القديس فرنسيس جاء إلى مصر في القرن الثالث عشرة سنة 1219 وتقابل مع السلطان الحاكم في ذلك العصر. فلقد جاء أثناء الحرب الصليبية لكي يقدم صورة أخرى حقيقية عن المسيحية التي شوهها بعض الجنود والقادة الصليبين بتصرفاتهم ووحشيتهم.

 في خطابه المرسل إلى عمدة مجدبورج والمؤرخ بتاريخ 15 يونيو 1522.[28]

Christian Egypt: Ancient and Modern. By. Ottor A. Meinardus. Ph. D, P. 40-4 sch. 1. P.70

 

[29] D. Hourtic q, P. 14.

[30] R. H. Bainton P. 25, Greiner P.20-21.

[31] D. Hourtic q, P. 14.

[32] Strohl, Luther Jusqu’en 1520 P.P. 3-32.

[33] Strohl 24- Strohl, Luther Jusqu’en 1520 P. 32.

 ميرل دوينياه 39-40[34]

 - أ. موريس، حياة لوثر، ترجمة القس باقي صدقه ص14. [35]

* انظر ما جاء في هذا الكتاب بشان ذلك

 

[36] Strohl. Jusqu’en 1520 P. 29-32

 انظر ما جاء في هذا الكتاب.[37]

[38] Strohl P. 24-25

[39]Strohl P. 24-25

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

مارتن الطالب في جامعة أرفورت (Erfurt) 

   للأعلى

أنهى مارتن دراسته الثانوية في مدرسة القديس جورج بمدينة أيزناخ عندما كان في الثامنة عشرة من عمرة ومع ان أباه يوحنا لوثر لم يكن مثقفا ثقافة جامعية، الا انه كان طموحا، واسع الرؤى فيما يتعلق بمستقبل ابنه. وخاصة ان أحواله المالية تحسنت، بل انه احتل مكانة اجتماعية مرموقة في مدينة مانسفلد. لهذه الأسباب قرر يوحنا لوثر ان يلحق ابنه بالجامعة لإتمام دراسته الجامعية فسجل اسمه في جامعة (Erfurt)  في مايو عام 1501. [1] وهي اقرب مدينة جامعية لمانسفلد.

وعندما رأى يوحنا ابنه طالبا جامعيا بدأت الأحلام التي غزاها طموحه الواسع تستولي على أفكاره وقلبه فقد كان يحلم بأن يرى ابنه محاميا مشهورا عظيما يشغل مركزا مرموقا في خدمة أمراء مدينة مانسفلد[2]. ولكن لكي يصل مارتن إلى هذا المقام المرغوب فيه كان عليه ان يقطع مرحلة طويلة من الدراسات في هذه الجامعة. وهنا في هذه المدينة بدا المصلح دراسته الجامعية.

درس الطالب مارتن الفلسفة على يد أستاذ بارز الشخصية، وهو العلامة بودوكوس الذي لقب بعلامة أيزناخ (ميرل دوبينياه ص40) كما انه درس أيضا على يد عدد كبير من أساتذة هذه الجامعة الذين اعتبروا من صفوة الأساتذة وأفضلهم: أمثال يوحنا جرفينستاين (Jean Grevenstein) ثم على يد (Gerard Hecker) وجرار هكر الذي صار فيما بعد راهبا في دير القديس اغسطينوس وهو نفس الدير الذي اختاره مارتن فيما بعد- وهو واحد من الذين قبلوا الإصلاح في آخر حياته.

ولقد استطاع الطالب مارتن في فترة الدراسة الجامعية ان يكون روابط صداقة قوية وعميقة مع بعض زملائه الطلبة. ولقد استمرت بعد هذه الروابط الودية طول حياته. بل ان بعضهم وقف وقفة مشرفة بجانبه للدفاع عنه وعن الإصلاح. ومن بين الذين تعرف عليهم أيضا، يوحنا لانج (Jeanlange) الذي ظهرت مواهبه الفذة في اللغة اليونانية ولقد كانا على صلة مستمرة بالمراسلة إلى ان فرق الموت بينهما. كما ان روابط الصداقة جمعته بالطالب جورج بوركاردت (Georges Burckardt) المسمى سبالاتين (Spalatin) والذي أصبح فيما بعد سندا[3]  قويا له في صراعه ونضاله ضد البابا والإمبراطور والأمراء.

        كان منهاج الجامعة يحتوي على دراسات للقواعد والمنطق والفلك والهندسة وعلوم ما وراء الطبيعة والموسيقى والفلسفة وكانت فلسفة أرسطو تسيطر على هذه العلوم، كما كانت تسيطر أيضا العلوم اللاهوتية الدينية بطريقة ملحوظة[4] ولهذا السبب كان مارتن مضطرا لأن يدرس فلسفات وتعاليم القرون الوسطى. فاطلع على كتابات اوكام (Occame) وسكوتس وتوما الاكويني فنتيرا وعلى كتابات بعض الكتاب الآخرين.

        ويعتقد البعض ان مارتن قد رأى الكتاب المقدس لأول مرة في جامعة أرفورت حيث اطلع على قصة صموئيل وحنة. على اننا نتفق مع بعض العلماء الذين يعتقدون انه تقابل لأول مرة مع الكتاب المقدس في مجدبورج أثناء دراسته الثانوية وليس في أرفورت أثناء دراسته الجامعية[5].

        وقد بالغ بعض المؤرخين وخاصة البروتستانت في سرد قصة مقابلة مارتن لوثر مع الكتاب المقدس ومما لا شك منه ان إطلاعه لأول مرة على قصة صموئيل الشاب وحنة ترك في نفس مارتن تأثيرا عميقا جدا. لذلك فقد غنى من كل قلبه لو استطاع اقتناء هذا الكتاب العجيب الفريد. وهنا أود ان الفت نظر القارئ الكريم إلى بعض المبالغات التي استخدمت ومازالت تستخدم (عن حسن قصد) في الكنائس الإنجيلية عندما تتعرض لشرح هذه الفكرة الخاصة باكتشاف لوثر للكتاب المقدس. فان البعض يعتقد ان الكنيسة الكاثوليكية كانت تمنع وتحرم دراسة الكتاب المقدس للعامة[6]  كما رأى البعض الآخر في نسختي الكتاب المقدس المربوطتين بسلاسل في كل مكن جامعة أرفورت والدير الذي التحق فيه لوثر، رأوا رمزا على الكتاب كان مسلسلا ومقيدا ومغلقا أمام الجميع. ومما لا شك فيه ان الكنيسة الكاثوليكية في ذلك العصر لم تشجع بأي حال من الأحوال العلمانيين على دراسة الكتاب المقدس، أو الإطلاع عليه بل احتفظت بحق تفسيره لأكليروسها، ولكنها لم تحرم الذين كانوا يريدون الإطلاع عليه من ذلك والدليل على ذلك ان الكنيسة لم تصدر أي قرار (بحسب ما نعرف) ضد أول طبعة من الكتاب المقدس التي ظهرت باللغة الألمانية في سنة 1466 في مدينة ستزاسبورج، أي قبل ان يولد مارتن لوثر نفسه[7].

        اما فيما يخص الكتاب المقدس المربوط بسلاسل فهذا لا يعني ان الإطلاع كان ممنوعا بل لكي لا تمتد إليه الأيدي غير الأمينة، خاصة ان الكتب في ذلك الوقت، كانت تعتبر كنوزا نادرة لقلتها. وكانت هذه العادة متبعة في بعض المكتبات خوفا من ضياع الكتب.

        على أي حال فان مارتن الذي بدا بالتعرف على الكتاب المقدس في مدرسة مجد بورج، استمر في دراسة هذا الكتاب العجيب الفريد دون ان يهمل دراساته العلمية والفلسفية فقد كان مارتن طالبا ناجحا مجتهدا في دراساته، عميقا في تفكيره وأبحاثه. ولذلك فقد سماه أصدقاؤه بمارتن الفيلسوف (A. Gre 23). وكان يلتهم الكتب التهاما وخاصة الكتب الدينية على ان موقفه من الدين كان موقفا غريبا مزدوجا فقد كان مشدودا إلى الدين بقوة غريبة وعجيبة وبميول داخلية عميقة، كما انه كان في الوقت نفسه يخاف كل الخوف ويرتعب كما من الموت. ويصفر وجهه ذعرا عندما كانت تثار مشكلة الدين أو عندما كان يذكر اسم الله أو اسم يسوع. فان اسم الله واسم يسوع كانا يذكرانه دائما بغضب الله وقضائه وبالدينونة الأخيرة وعندئذ كان يستولي عليه خوف رهيب لدرجة الموت. انه لم يستطع ولم يجرأ على ان يقترب من الله العادل القدوس الذي يبالغ في طلب القداسة والبر من الإنسان الخاطئ. لم يستطع ان يقترب من يسوع القدوس الذي صورته الكنيسة كقاض عادل جالس على عرش مرتفع عظيم وقد قبض بيديه على ميزان دقيق لكي يزن أعمال الناس من خير ومن شر لأنه هو الذي يدين وسيدين الأحياء والأموات.

        ان اختباراته في مدينة مجدبورج في الماضي (أنظر هذا الكتاب 34-36) أثارت في نفسه تسأولات كثيرة وعديدة فيما يختص بالموت وموقفه منه. لقد لاحقته فكرة الموت أينما حل وسيطرت على شعوره وضميره أينما وجد. والذي زاد الامر سوءا ان مارتن قد مر أيضا في أثناء دراساته في جامعة أرفورت ببعض الأحداث المؤلمة المحزنة. وكان أولها موت واحد من أصدقائه بمرض خطير، ثم اغتيال صديق آخر يدعى ألكسيس في ظروف غامضة. لقد ترك هذا الحادثان في نفس مارتن تأثيرا عميقا مما دفعه إلى ان يتساءل من جديد قائلا: ما مصيري امام الله لو كنت واحدا من هذين الصديقين اللذين طواهما الردى؟.. اما الحادث الثاني فقد لمسه بطريقة مباشرة وشخصية. ففي يوم الثلاثاء التالي لعيد القيامة سنة 1503 كان في طريقه مع صديق له إلى بيت والديه في مانسفلد وظهرت فجأة على الطريق أمامه حفرة حاول ان يتخطاها، ولكنه سقط على صخرة وجرح جرحا عميقا جدا في فخذه. وأسرع صديقه للبحث عن أقرب قرية لطلب المساعدة. وبينما كان مارتن مضرجا في دمائه رفع صلاة حارة للعذراء مريم ثم جاء الصديق، وحمل مارتن ورجع به إلى أرفورت. وفي نفس الليلة أصيب بنزيف فقد كمية كبيرة من الدم. في هذه اللحظة المخيفة المرعبة رفع مارتن مرة أخرى صلاة حارة إلى العذراء مريم لأنه كان يفضل ان يصلي لها لأنها لم تكن تثير في نفسه الخوف والرعب اللذين يشعر بهما امام الله أو امام يسوع[8] ولقد قال عن هذه الحادثة (شعرت باني سأموت متوكئا على مريم).

        فان كان مارتن قد تأثر بكل الأحداث التي مر بها سابقا والتي تحدثنا عنها وهي: مقابلته مع الكتاب المقدس، ورؤيته للأمير المتسول، موت بعض أصدقائه في ظروف مؤلمة، وباء الطاعون الذي كان يحصد الناس حصدا.. الخ.. فكل هذه الخطوب القاسية تركت تأثيرها العميق في نفس مارتن . ولكن على ما يبدو فان حادثة الخنجر كانت أقوى وأشد الأحداث في تأثيرها على نفس الشاب الجامعي لأنها اخترقت جسده وروحه. ولذلك فان من المحتمل ان يكون قد اعتبرها نداء مباشرا له من الله[9].

        اما الحادثة الثالثة فقد وقعت في 2يوليو 1505 وهو في طريقه في مدينة مانسفلد إلى أرفورت بينما كان يعبر غابة ستوترنهايم (Stotternheim) حيث اشتدت الزوابع وقصفت العواصف بشدة. وانتشر البرق والرعد في جلد السماء الملبدة بالغيوم السوداء. وفي وسط هذا الجو المظلم المخيف وفي وسط الغابة إذا بصاعقة هائلة تقتلع شجرة وتلقي بها عند قدميه وعندئذ ارتمى على الأرض وشعر انه في لحظاته الأخيرة وان الموت ليس عنه ببعيد[10] وعندئذ صرخ بدون تفكير طالبا النجدة والخلاص من القديسة حنه قائلا: (يا قديسة حنه أنقذيني سأكون راهبا بقية حياتي)*

        ويبدو ان مارتن شعر في هذه المرة أيضا ان صوت الله كان يدعوه. لقد عاش مارتن طفولته في جو يسيطر عليه الخوف والاضطراب والقلق: فكان والداه قاسيان في معاملتهم له وانتشار وباء الطاعون قد زاد خوفه وقلقه واضطرابه من الموت وكذلك أيضا الاحداث التي مر بها هذا الشاب الرقيق الإحساس رسمت امام عينيه صورتين لم يستطع الفرار منهما: صورة الله القاضي المخيف المرعب، ثم مصيره بعد الموت.

        ومع ان مارتن كان أسير هذه الأفكار الخاصة بالموت الا انه لم ييأس من الحياة، ولم تستطع هذه الأفكار ان تقوده إلى أي نوع من الأمراض النفسية كما ادعى البعض ذلك على غير حق والدليل على ذلك أنه أنهى دراسته الثانوية والجامعية بتفوق عظيم[11] وبعد ان أنهى دراسته للحصول على درجة البكالوريوس، قبلته الجامعة في احتفال رسمي عظيم مشرف لدراسة الحقوق إذ كان ترتيبه الثاني على سبعة عشر طالبا وقد كلف بالتدريس أثناء دراسته للحقوق.

          وهنا تفتح أبواب المجد والعظمة على مصراعيها امام الأستاذ الشاب مارتن لوثر. الأبواب التي كان يحلم بها كل طالب متفوق: انها أبواب العظمة والمجد التي كان يحلم بها يوحنا لوثر الذي ذهل وأعجب كل الإعجاب بابنه وبصعوده للمجد الاجتماعي، فقرر في ذلك اليوم الا يخاطبه فيما بعد "بأنت" ضمير المفرد المخاطب: بل ان يخاطبه قائلا "انتم" علامة على الاحترام والتقدير (وهذا ما كان يحلم به يوحنا لوثر، انه ابنه يرتقي في دراسته لكي يحتل مركزا مرموقا في المجتمع. فهل سيحقق الأستاذ الجامعي مارتن لوثر امال أبيه الكبيرة ويواصل صعوده للمجد الاجتماعي في مدينة مانسفلد؟؟!!!! 

هوامش الفصل الثاني

 

 

 


 

 أ. موريسون ص18.[1]

[2] A. Greiner. P. 22.

[3]  D. Hourticq P. 17-18.

[4] A. Greiner P.22.

  دكتور عزت زكي تاريخ الكنيسة (ح3) : المسيحية في عصر الإصلاح، ص39، (ميرل دوبنياه ص41).[5]

[6] Sch. P. 89-92, H. Strohl, Luther Jusqu’en 1520, P.30-32.

[7] H. Strohl, P. 31.

[8] D. Hourticq P. 17-18.

[9] A. Greiner. P. 24.

[10] D. Hourticq P.18.

[11] A. Greiner. P. 22.

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

الأستاذ مارتن لوثر يترك الجامعة وينزوي في الدير

   للأعلى

       

              بدا الأستاذ مارتن لوثر في إلقاء محاضراته في جامعة أرفورت، وكان في نفس الوقت يتابع دراسته أيضا في كلية الحقوق نزولا على رغبة أبيه وتحقيقا لها. ولم تمضي على هذه الحالة عدة أسابيع حتى وقعت له حادثة الصاعقة التي كادت ان تقضي على حياته وهو في طريق عودته من بيت والديه إلى أرفورت في 2 يوليو 1505.

     ورجع مارتن بذاكرته إلى الماضي وحاول ان يرى الأخطار التي تعرضت لها حياته وكيف أنقذ منها. ألم يصب بمرض خطير في سن الرابعة عشرة وهو يدرس في المدرسة الثانوية في مجدبورج؟ ألم يعتريه المرض مرة ثانية أثناء دراسته في أرفورت؟ ألم تتعرض حياته مرة أخرى للموت عندما سقط على خنجر؟ ألم تكن حياته مهددة بالوباء الذي انتشر في المنطقة وراح ضحيته عدد كبير من الناس؟!! فماذا ينتظر إذن؟!! لقد حصل على درجة علمية رفيعة وهو يتمتع باحترام أصدقائه وبمحبة وفخر والديه. لقد كان الناس يشيرون إليه بالبنان. وأبواب المجد الارضي فتحت امامه على مصراعيها. فماذا يريد بعد ذلك؟ .. كان يريد ويبحث عن الحياة الأبدية؟ (لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه)  (مر36:8) ولكن كيف يستطيع الإنسان ان يربح نفسه؟ كيف يستطيع الإنسان الخاطئ ان ينال الحياة الأبدية؟ أي ان ينال رضا الله البار العادل القدوس، ألم يصرخ لوثر نفسه قائلا: "أه لو كان في استطاعتي ان أكون رجلا تقيا وأرضي الله"[1] ولقد ظن ان أفضل طريق لإرضاء الله والحصول على بره هو الهروب من العالم والالتجاء للدير وعمل الاماتات ففي الدير سيكون بعيدا عن العالم وشواغله ومشاكله وتجاربه. هناك سوف يكرز وقته وحياته لله. سوف يقوم بعمل عدد كبير وهائل من أعمال الخير والاماتات التي ستكون كافيه لخلاصه وربما لخلاص آخرين وأيضا وهنا يقرر مارتن ان ينطلق إلى هذا المكان الهادئ المريح، لكي يستريح قلبه ويهدا ضميره. انه يريد الحصول على السماء بأعماله وسوف يعمل ويعمل إلى ان يحصل على حق الدخول إلى السماء. ولكن قبل ان يذهب إلى الدير، وفي ليلة 17 يوليو 1505 أي بعد حادثة العاصفة بأسبوعين دعا جماعة من أصدقائه وزملائه في الدراسة والتدريس لقضاء سهرة ممتعة معا. وأكلوا وشربوا وانشدوا الأناشيد ورنموا وضحكوا ثم تبادلوا الاخبار السارة وغير السارة. وفي نهاية هذه السهرة وقف مارتن لكي يلقي كلمة. وربما توقع البعض انه سيعلن لهم خبرا سارا من أخباره، ولأجل هذه المناسبة قد دعا بعضا من الذين ارتبطوا بروابط المحبة والصداقة لكي يشتركوا معه ويشاركوه في أفراحه وعندما بدا خطابه قال لهم بلهجة اختلط فيها المزاح بالجد: (الآن انتم تروني وغدا سوف لا تروني، ولهذا فقد دعوتكم لأودعكم)[2] فنظروا إليه مندهشين وظن البعض انه يمزح والبعض الاخر لم يفهم ماذا قصد مارتن بذلك... وعندئذ قام بتوزيع بعض أمتعته القليلة من ملابس وأشياء أخرى وعندئذ فهموا الا ان الامر لم يكن بالسهل تصديقه[3].

              وفي 18 يوليو 1505 كتب مارتن خطابا لوالديه ليعلن لهما خبر دخوله الدير. وفي نفس اليوم قدم استقالته للجامعة مع الخاتم الذي أعطى له كأستاذ واخيرا انطلق إلى دير القديس اغسطينوس للناسكين لينزوي فيه هناك باحثا عن الطريقة التي يستطيع بها ان يرضي الله وان يحصل بأعماله الحسنة واماتاته الجسدية على البر فهل استطاع بها ان يحصل على بر الله وهل هدأ ضميره...

             كان وقع خطاب مارتن على أبيه يوحنا كوقع الصاعقة على مارتن في الغابة. فعندما قرأ يوحنا لوثر الخطاب الذي أرسله له ابنه معلنا فيه خبر دخوله الدير حزن حزنا عميقا جدا، وكيف لا يحزن ويتألم وهو قد بنى آماله وفخره على نجاح وتقدم مارتن في دراسته. ففي لحظة واحدة انهار امام عينيه القصر الفخم الضخم الذي بدأ في بنائه منذ اثنين وعشرين عاما. ضاعت الآمال يا مارتن!! وفي غيضه وغضبه ضد ابنه بدأ يخاطبه من جديد قائلا: "أنت" بضمير المفرد بدل "انتم للاحترام" كان يوحنا لوثر ثائرا وغاضبا على ابنه ولم يرد ان يغفر له هذا الخطأ ولكن امام مرض الطاعون الذي طوى اثنين من أولاده في هذه الفترة وامام الإشاعات التي انتشرت بان يوحنا لوثر نفسه مريض رق قلبه وترأف على ابنه مارتن. فمع انه لم يغفر له كل المغفرة الا انه كف على الأقل عن مهاجمته.

 

 

 

 

 

 

 

هوامش الباب الثالث

 

 


 

[1] A. Greiner P. 25.

[2] D. Hourticq P. 19.

[3] Greiner P. 24.

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

الأستاذ لوثر يصبح راهبا اوغسطينيا

   للأعلى

      لماذا دخل مارتن لوثر الدير؟ حاول المتخصصون في الدراسات اللوثرية (Les Lutheroques)  ان يجدوا جوابا لهذا السؤال. فقدموا نظريات كثيرة ومعقدة. ولتبسيط الامر سوف لا نتعرض الا لنظريتين من هذه النظريات.

1-   يعتقد البعض ان قرار لوثر دخول الدير لم يكن ابن يوم وليلة، بل كان نتيجة تفكير طويل وصلاة مستمرة وعميقة.

      ألم يتأثر الشاب مارتن بحياة مدرسة مجدبورج؟ الم يترك أيضا الراهب الأمير انطباعات       عميقة في تأثيرها قوية في فاعليتها على نفس الشاب المرهف الإحساس عندما كان يراه        يجول متسولا في ثياب رثة وجسم نحيل ذلك كله لكي ينال الحياة الأبدية عن طريق             الرهبنة؟ فلم يدخل الدير إذن الا بعد فكر تفكيرا جديا عميقا.

2-   النظرية الثانية: يعتقد أصحاب هذه النظرية ان لوثر اتخذ هذا القرار بطريقة فجائية وبدون ترو أو دراسة أو تفكير. ففي اللحظة التي سقطت فيها الشجرة امام قدميه، وكادت ان تقضي على حياته، في هذه اللحظة عينها رأى ان حياته بلا قيمة وفي نفس الوقت رأى انه معرض للموت فصرخ مدفوعا بهذا التأثير الوقتي قائلا: (يا قديسة حنة إذا أنقذتني سأكون راهبا بقية حياتي). فان هذا النذر الذي نطق به مارتن لم يكن نذرا مدروسا بطريقة واعية مدركة  بل كان نذرا اضطراريا في ظرف يناسب بأي حال من الأحوال اتخاذ هذا القرار الذي كان يجب ان يتخذ في ظرف هادئ وعلى غير عجلة هذا ما يقوله أصحاب النظرية. ولتأييد فكرتهم هذه يقولون ان لوثر كان مضطرا، رغما عنه تحت ضغط الخوف من الموت لان ينطق بهذا النذر ولتراجع إلى كتابات لوثر نفسه للاستنارة بها في هذه المشكلة ففي كتاب كتبه سنة 1521 وقد أهداه إلى أبيه حاول لوثر ان يشرح في مقدمته السبب الذي من اجله نطق بهذا النذر في غابة ستوترنهايم فقال: (أتذكر .. اني قلت لك ان دعوة مخيفة من السماء قد وجهت إليّ، فلم أصر راهبا رغبة مني أو مسرة في الرهبنة بل دفعت بطريقة لا تقاوم للنطق بهذا النذر)[1] ويقول مولر (Muller) ان هذا النص يوضح لنا الأسباب الحقيقة التي من اجلها دخل لوثر الدير (لقد كان مدفوعا بطريقة لا تقاوم)[2]

وقد رجع الذين يتمسكون بهذه النظرية إلى لوثر والى ما كتبه في سنة 1539 عن حادث الصاعقة حيث قال انه ندم على هذا النذر كما اننا نجد في خطاب (Crotus Rubiduns) المؤرخ بتاريخ 16 أكتوبر سنة 1519 قول لوثر بان البرق هو الذي قرر مستقبله.

من هذه الشواهد السابقة يعتقد البعض ان لوثر اتخذ هذا القرار تحت تأثير الخوف من الموت الذي أثارته الصاعقة في نفسه. وبناء على ذلك كان يعتقد انه مضطر ان يوفي هذا النذر بلا رغبة ولا اقتناع.

فأمانه منه نحو هذا النذر وتمسكا بوعده دخل الدير. والسؤال الذي يجب ان نسأله هنا هو هل كان لوثر فعلا ملتزما بأن ينفذ ما قد وعد به في ظروف اضطرارية؟ ان العارفين بقوانين الكنيسة الكاثوليكية يؤكدون لنا بان النذر يصبح فعليا عندما يصرح به علانية وبطريقة رسمية. بل يمكن للناذر ان يتراجع في نذره أثناء فترة الاختبار[3] ومن المعروف والمسلم به ان مارتن لوثر لم يكن رجلا أميا جاهلا لا يعرف القوانين الكنسية بل كان رجلا متعلما مثقفا. ولقد مر أولا بفترة الاختبار بعد دخوله الدير، وكان يمكن له خلال هذه الفترة ان يتراجع في قراره هذا لو كان فعلا قد أخذه بطريقة عشوائية وتحت تأثير الخوف فقط.

        ونحن نعتقد ان لوثر لم يتخذ هذا القرار بطريقة عشوائية وبدون تفكير. هذا صحيح بأنه نطق بنذر الترهب امام الصاعقة التي كانت تهدد حياته. ولكن لو كان لوثر لم يفكر قط قبل ذلك في حياة الترهب، ولو كان فعلا ندم على نذره الذي نذره تحت تأثير الخوف من الموت، لكان في استطاعته قانونيا ان يسحب هذا الوعد الذي وعد به، أن فترة الاختبار التي كانت تسبق الاحتفال الرسمي برهبنته خصصت لهذا الامر.

        كان لوثر ابن عصره، ولقد اعتقد أهل ذلك العصر ان أسلم وأضمن طريقة للحصول على الخلاص هي الترهب. وكان الناس في القرون الوسطى ينظرون إلى الرهبان بكثير من الاحترام والتقدير، وخاصة الرهبان الذين اختاروا نظما قاسية للرهبنة. وبما ان لوثر كان يبحث عن الخلاص والهروب من غضب الله فلابد انه فكر مرارا في موضوع الرهبنة قبل حادث الصاعقة، وهذه الأخيرة لم تكن هي السبب الأول والأساسي الذي دفعه لاتخاذ هذا القرار، بل كانت العامل الذي ساعده على ان يقرر قرارا لم يستطع حتى الآن ان يخرجه إلى حيز الوجود فلقد رأى في حادث الصاعقة كما لو كان الله يدعوه، وشعر أيضا انه مرغم على ان يلبي هذه الدعوة ولأجل هذا يقول في خطابه لأبيه: (.. ان دعوة مخيفة من السماء قد وجهت إلي فلم أصر راهبا رغبة مني أو مسرة فيها...)

        وكما يبدو لي انه أراد ان يقول انه لم يصر راهبا حبا في الرهبنة في حد ذاتها، بل لأنه شعر بان الرهبنة تقوده إلى ما كان يبحث عنه من فترة طويلة الا وهو الخلاص. ان لحظة الصاعقة لم تكن هي اللحظة المصيرية كما يقول كروتوس روبيانوس (Crotus Rubianus) بل ان حادث الصاعقة لم يكن الا حلقة في سلسلة. والدليل على ذلك هو انه كان في مكانه_ كما سبقت الإشارة إلى ذلك- ان يتراجع في نذره هذا قبل ان ينطق به مرة ثانية عندما صرح به بطريقة رسمية علانية في سبتمبر 1506 ولكننا نرى العكس، فلقد استمر مارتن مدة طويلة يلتمس رضى أبيه وموافقته على نذره. وحتى 4 ابريل سنة 1507 يوم الاحتفال بسيامته كاهنا حاول مارتن ان يشرح لأبيه مزايا الرهبنة حتى ينال موافقته.

        وفي فترة الرهبنة كان مارتن راهبا مثاليا، لأنه كان يبحث عن خلاص نفسه واعتقد ان الطريق الأسلم كان الدير. وملانكثون الذي يعرف لوثر أكثر من أي شخص آخر يقول فيما يخص دخوله للدير ان الدافع الديني والخوف من الغضب الإلهي هما اللذان قادا لوثر إلى الدير لكي يكرس حياته بجملتها للحصول على الخلاص.

        واننا نعتقد ان هذا هو الهدف الأساسي الذي دفع لوثر لاتخاذ هذا القرار. لقد أراد ان يتحرر من العالم ومن مشاكله وشواغله. وكان مدفوعا برغبة قوية عميقة في الحصول على الخلاص. فأين يجد هذا الخلاص؟ ان المكان المثالي للحصول على هذا الخلاص المنشود والهروب من غضب الله هو الدير. لقد فكر في هذا الامر مدة طويلة، وهنا امام الصاعقة استطاع ان ينفذ ما فكر فيه طويلا.

        كانت مشكلة لوثر مشكلة دينية لازمته لمدة طويلة جدا في حياته، ولم يتحرر منها الا بعد ان قاده الروح القدس إلى الاختبار العظيم وهو اكتشاف عقيدة التبرير بالإيمان. على ان بعض كتاب السير (Biographes) الكاثوليك قد احتجوا في العصور البائدة واستمر هذا الاحتجاج إلى عصر ليس ببعيد على حقيقة ان لوثر كان يمر بأزمة روحية دينية حقيقية. فقد حاول دانيفل(Denifle) عبثا ان يشرح أهم الوثائق التي تتحدث عن أزمة لوثر يرجع تاريخها إلى سنة 1530. وبناء على ذلك لا توجد أي أزمة روحية حقيقية في حياة لوثر، وبحسب ما يعتقد دانيفل ان لوثر اخترع قصة بدون أساس، يهدف منها تشويه سمعة الكنيسة وتبرير عجزه وعدم مقدرته على حياة المثل الرهبانية العليا[4].

        ولا ينكر جرزار (Gerisar) وجود الأزمة بل يعترف بوجود لحظات صراع وحزن وغم في حياة لوثر. ويرجع كل هذا إلى ان لوثر كان يعاني من مرض نفسي يحتاج إلى علاج. وعلى أي حال فان الأغلبية الساحقة من العلماء الكاثوليك المتخصصين في دراسة لوثر وتعاليمه، يرفضون حاليا كتابات دانيفل وجرزار[5]* وسوف نناقش هذا الامر فيما بعد.

 

حياته في الدير

لقد أخطا دانيفل خطأ كبيرا عندما قال ان لوثر اخترع هذه الأزمة الروحية لكي يشنع بالكنيسة ولكي يبرر نفسه الفاشلة. في عدم مقدرته على تحمل حياة الرهبانية. وما يمكننا ان نقوله ردا على ذلك هو ان لوثر لم يرد قط ان يشنع بالكنيسة بل كان يكن لها كل حب وتقدير واحترام. وكل ما حاول ان يعمله فيما بعد ما هو الا إصلاح هذه الكنيسة التي يحبها. كما انه لم يكن عاجزا عن القيام بكل الواجبات المطلوبة من الرهبان، كما يدعي ذلك دانيفل، بل كان راهبا مثاليا. لا يقوم فقط بما تطلبه القوانين ونظم الرهبنة، بل كان يفعل أكثر من ذلك. الم يكتب فيما بعد قائلا: (لا ريب في اني كنت راهبا تقيا، فعشت حسب قوانين الرهبنة خير حياة فلو كان للراهب ان ينال السماء بأعماله الرهبانية لكنت أول نائلها ويشهد بذلك كل من عرفني من الرهبان ولو طال علي ذلك لقتلت به نفسي)[6].

    ولربما يقول معترض ان الذي كتب هذه السطور هو لوثر نفسه. فهناك شهادة أخرى تؤيد تماما هذا القول: فان فلاسيوس (Flacius) قص قصة حدثت له سنة 1549 فقد تقابل مع راهب في سنة 1543، وكان هذا الراهب مع لوثر في نفس الدير لمدة ثماني سنوات. ويشهد هذا الراهب بان لوثر كان يحافظ على قوانين الدير بدقة شديدة كما انه كان يحيا حياة التقوى ممارسا أعماله باجتهاد[7] والجدير بالذكر ان هذا الراهب لم ينضم أبدا للإصلاح. وهذا ما يعطي لهذه الشهادة قوتها.      

     وقد كان لوثر راهبا تقيا، بدافع التقوى ورغبة في الحصول على السماء وعلى بر الله بإعماله المحسنة، اختار ديرا قاسيا في نظامه، وهو الدير الاغسطينين في مدينة أرفورت. ولقد كانت قوانين هذا الدير شديدة صارمة جدا ومنها:

    الصلاة سبع مرات يوميا، والاستيقاظ في الساعة الواحدة صباحا فعندما كان يقرع الجرس الأول كان على الراهب ان يرسم علامة الصليب ويستعد لارتداد ثيابه، وعند سماع صوت الجرس الثاني كان عليه ان يترك قلايته مسرعا إلى الكنيسة ثم يسجد امام الهيكل ويصلي صلاة تعبدية للمخلص، إلى ان يحضر الجميع وعندئذ كانوا يصلون معا لمدة حوالي 40 دقيقة. كان على الرهبان أيضا الا يتناولا الا وجبة واحدة في الساعة الثانية بعض الظهر. لمدة تصل إلى نصف أيام السنة. وفي هذه الفترة كانوا لا يأكلون لحما ولا زبدة ولا جبنا ولا بيضا. كانت قلايات الشباب بدون تدفئة في الشتاء كما يقول ستروهل (كان السهر والصيام والبرد حقائق تاريخية وليست أساطير وقد مارسها فعلا الرهبان). وبالرغم من الصيام والسهر والأشغال اليدوية الأخرى، التي كان على كل راهب مبتدئ ان يقوم بها. فقد كلف كل راهب بان يقوم بجولات تسولية في المدينة. وكان الغرض من هذا التسول أولا: ان يتعود الراهب على التواضع والطاعة. ثانيا: لكي يمد الدير بالأشياء التي يحتاج إليها. ولقد اعتقد البعض ان  هذه العملية كانت إهانة لشاب مثقف جامعي، ولهذا السبب طلبت الجامعة من [8][9]الدير إعفاء لوثر من هذه المهمة[10] وفي حقيقة الامر كان هذا القانون يطبق على جميع الذين التحقوا جامعيين كانوا أو أميين، ألم يطبق هذا القانون على الأمير الانهالت؟ (انظر هذا الكتاب ص35).  ولوثر نفسه قال بطريقة تخلو تماما من لوم رئاسة الدير: ان اخوة الدير لا يقبلون الاستثناءات لأي شخص جديد أي كان[11]. اما فيما يخص موضوع تدخل رئيس الجامعة فليس لكي يعفوا مارتن من أي عمل من هذه الأعمال، بل لكي يسمح له بان يواصل دراساته وتدريسه وكان قانون الدير يسمح بذلك.

    ومن الواضح ان لوثر لم يتذمر أو يتبرم من مكثرة العمل أو دناءته، ولا من السهر والصيام والصلاة إذ ان هدفه من دخول الدير كان الحصول على رضى الله. وكان يريد ان يخلص نفسه من الهلاك الأبدي ومن غضب الله. فكيف يمكنه إذن- حسب ما اعتقد آنذاك – ان يحصل على الخلاص الا بالسهر والصلاة والصوم وتعذيب الجسد واستعباده؟!![12]

    اعتقد لوثر كما كان يعتقد كثيرون في هذه الفترة ان الخلاص أو إرضاء الله امر متوقف على ما يقوم به الإنسان من أعمال صالحة وصوم وصلاة وعمل اماتات الجسد. فعن طريق هذه الأعمال يمنح الله نعمته ولهذا السبب لم يكف جهدا عن القيام بهذه الأعمال، كما انه كان يقوم بأعمال وضيعة من غسل وكنس ورش وتسول في المدينة. لقد كان يقوم بما كلف به وما لم يكلف به من هذه الأعمال الوضيعة الشأن وكان يصلي أيضا أوقات وساعات طويلة، ألم يقضي عدة أيام في صومعته وهو يصلي حتى فقد الوعي تماما واضطر الإخوة ان يكسروا البابا لكي يقوموا بالإجراءات اللازمة لإنعاشه؟!!! ويقول هو نفسه (كانت حياتي عبارة عن صوم وسهر وصلاة وعرق، فقد كدت ان اقتل نفسي بالسهر وبالدراسة وبالصلاة وبالأعمال الكثيرة الأخرى)[13] كان يريد ان يجمع ما أمكنه من الاستحقاقات والأعمال الصالحة. ولذلك قال: (لقد رأى الآخرون في حياتي مظهرا عظيما للقداسة على انها لم تكن واضحة في عيني فقد كنت محطما وحزينا)[14] ورغم الاماتات والتضحيات والأعمال الصالحة التي كان يقوم بها لوثر لم يكن على يقين من خلاصه، وهذا هو السبب وراء شعوره بالحزن. كان يشعر دائما ان الله في ثورة ضده. وهذا ما قال له ستوبيتر معارضا انه ثائرا ضد الله.

    لقد مضى الآن أكثر من عام على لوثر في الدير وهكذا اجتاز فترة الاختبار. ولا لوم ولا "غبار" عليه. وجاء اليوم الموعود الذي فيه استطاع مارتن لوثر ان يصرح بحرية تامة وبدون أي ضغط خارجي أو داخلي بنذره للرهبنة. فبدون تردد ولكي يواصل العمل في الحصول على خلاصه بنفسه، أعلن مارتن لوثر في سبتمبر 1506 نذره النهائي للرهبنة ودعى باسم الراهب اغسطينوس[15].

 

سيامته كاهنا

    بعد ان صرح الأخ مارتن اغسطينوس بنذره لحياة الرهبنة في سبتمبر 1506 قرر الدير سيامته كاهنا في الرابع من ابريل سنة 1507 في كاتدرائية أرفورت. وفي يوم 2مايو من نفس السنة أقام الدير حفلا عظيما بمناسبة أول قداس يقوم به الكاهن لوثر. ولقد اجتاز في هذا اليوم اختبارا مريرا قاسيا فقد قال: (عندما قمت في خدمة أول قداس لي شعرت اني على حافة الموت)[16]. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو: لماذا وصل لوثر إلى هذه الحالة يوم قيامه بأول قداس له؟ لماذا هذا الخوف والاضطراب والانزعاج، لدرجة ان رئيسه الذي كان واقفا بجانبه اضطر ان يسنده؟

    لقد أصبح مارتن الآن كاهنا: أي الشخص الذي يقوم بعمل معجزة تحول الخبز والخمر إلى جسد الرب. هذه المعجزة التي لا يستطيع أي علماني مهما كانت درجته أو مكانته أو عظمته في الدنيا. ان يعملها ان الله بجلاله وعظمته سيكون بين يديه بعد فترة قليلة عندما ينطق بالكلمات الجوهرية. قائلا هذا هو جسدي وهذا هو دمي. سوف يختفي هذا الخبز الذي يمسكه الآن بين يديه كذلك الخمر أيضا ويحل محلها كلية وجزئية المسيح* فهل يمكن لي انا الإنسان الخاطئ ان أمسك بين يدي الله البار القدوس الذي أضطرب اضطرابا عظيما من الوجود في حظرته؟!!

    هذا هو السبب الذي جعل مارتن يضطرب ويخاف وينزعج في نفسه بل شعر ان قواه تدهورت وان ساقيه لا تقويان على حمل جسده. كان هذا الاختبار بالنسبة للكاهن الجديد قاسيا ومريرا. على أي حال انتهى القداس وجاء المدعوون ليقدموا تهانئهم المعتادة للكاهن الجديد. وكان عليه ان يلقي كلمة في حفل الطعام. وفي هذه الكلمة وصف الحياة الرهبانية بأنها (الحياة السعيدة الإلهية) هل كان يقصد بذلك النتيجة التي تؤدي إليها الحياة الرهبانية؟..  وفي هذه الحفلة رفع أبوه يوحنا لوثر بالقول: (هل من العدل ان يمدحوا هكذا رجلا لم يقم أي وزن لإرادة أبيه مكسرا وصية من أقدس وصايا الله؟) كان يقصد الوصية الرابعة الخاصة بإكرام الوالدين- فعلى أي حال ان دلت هذه الكلمات على شيء تدل على ان يوحنا لوثر لم يكن حتى الآن راضيا كل الرضى عن ابنه[17]. انتهى الحفل ورجع كل واحد إلى أعماله، كذلك مارتن إلى قلايته وابتدأ من جديد دراساته وتأملاته وصراعه. كان مارتن في صراع مستمر لأنه كان يرى الله دائما كما لو كان قاضيا مخيفا ويسوع المسيح ديانا للأحياء والأموات.

    لقد اعتقد البعض ان الخطية هي السبب الأول والدائم الذي كان يثير الخوف والرعب والاضطراب في نفس لوثر ومما لا شك فيه ان الخطية كانت سببا من أسباب اضطراب لوثر، على انها لم تكن السبب الأول والأساسي، لأن السبب الأول والأساسي  في اضطراب وخوف لوثر كان مفهومه الخاطئ عن شخص الله. فقد تصور الله قاضيا مرعبا مخيفا كما تصور يسوع المسيح ديانا مهيبا ولم يحاول ان يرى الله كأب محب ولم يحاول ان يرى يسوع المسيح مصلوبا على الصليب بدافع الحب، لكنه كان يرى دائما يسوع المسيح جالسا على العرش ليدين الأحياء والأموات، فهو الذي يأمر بان يلقي الأشرار في العذاب الأبدي. فحسب مفهومه هذا يكون يسوع قد جاء لكي يهلك لا لكي يخلص الهالكين.

 

شعاع من نور في ليل حالك الظلام

مقابلة الشاب لوثر مع ستوبيز (Staupitz)

     لقد هرب لوثر من العالم وألقى بنفسه في أحضان الدير، ظانا انه سيجد داخل جدرانه الشامخة المرتفعة وفي الصلوات التي يرفعها الرهبان ليل نهار سيجد الملجأ والسلام اللذين يبحث عنهما. ولقد مرت الأيام والشهور، بل سنتان، ومازال في شكوكه وصراعه وخوفه من الله القاضي الذي يعاقب الخطاه ويطاردهم أينما وجدوا.

    وفي احد الأيام أصيب مارتن بمرض خطير وأشرف على الموت. وعندئذ بدأت اضطراباته من جديد أمام مشكلة الموت والخوف من الله تثار من جديد وجاء إليه راهب شيخ وتحدث معه طويلا. ولقد وثق الراهب الشاب فيه واطمأن إليه. فقص عليه بعضا من مشاكله الروحية، ومخاوفه من عقاب الله الديان العادل. وعندئذ ذكر الراهب الشيخ راهبنا الشاب بما يقول قانون الإيمان (أومن بغفران الخطايا) ثم أردف قائلا أنا أومن بمغفرة الخطايا[18] كان لهذه الكلمات البسيطة التي كان يرددها لوثر كل يوم في قانون الإيمان وقعا جديدا وتأثيرا عميقا جدا في نفسه وهكذا بدأ يفكر ان الله لا يدين فقط بل يغفر الخطايا أيضا.

    ولا نعلم بالضبط من الناحية التاريخية فيما إذا كانت مقابلة هذا الراهب الشيخ مع لوثر تمت قبل أو بعد مقابلة له مع النائب العام للأديرة الاغسطينية في ألمانيا. ولكننا نعلم ان ستوبيتز لعب دورا هاما في حياة لوثر.

    كان ستوبتز نائبا عاما لكل الأديرة الاغسطينية في ألمانيا. ولقد تميز بنبل أخلاقه ودقة سلوكه وسمو حياته الروحية والتواضع وكان مثاليا في حياته ووداعته ومحبته. وبما انه كان مسئولا عن كل الأديرة الاغسطينية في ألمانيا فقد كان كثير الترحال. ومن المحتمل ان يكون قد تقابل مع الراهب الاغسطيني (مارتن) لأول مرة في أرفورت أو فيتمبرج (Wittemberg) وربما في سنة 1507 أو 1508 لكن الأهم من هذا كله هو المقابلة التي حدثت بين هذين الرجلين: بين رجل تقي عميق الإيمان مستنير، ومطلع ليس فقط على أقوال الآباء، وخاصة كتابات القديس اغسطينوس بل على الكتب المقدسة أيضا. وشاب قلق مضطرب يبحث بجد وأمانة عن طريق الخلاص وهنا يتقابل هذا الشاب المضطرب الخائف من الله مع هذا الرجل الواثق من الله والمحب له.

    وبدون شك فان الرئيس العام يوحنا ستوبيتز شجع هذا الشاب الراهب على ان يفضي إليه بأسراره وان يعترف بخطاياه وان يشاركه همومه ومشاكله الروحية. ومما لا شك فيه أيضا ان لوثر انتهز هذه الفرصة فرصة القلب المفتوح لكي يعترف له بكل شيء. يعترف له بشكوكه اضطراباته وخوفه من الله. وتوجد بعض الوثائق التي سجلت لنا بعض من المناقشات والمحادثات والرسائل التي تمت بين لوثر وستوبيتز وبين لوثر وآخرين. فما هي المشاكل التي كانت تقلق لوثر والتي حاول ستوبيتز مساعدته في حلها؟

 

 

1-   مشكلة الخوف من الله والخطية:  

من المشاكل التي ناقشها لوثر مع ستوبيتز(Staupitz) مشكلة الخوف من الله، ثم الخوف من ارتباكه خطية مميتة. ولابد ان ستوبيتز في شرحه للوثر جروح المسيح قد ابرز له موضوع محبة الله. "الله محبة" فلا خوف في المحبة بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى الخارج (1يو19،8،4) فإذا كنا ننظر إلى الله كأب محب لا نجد مكانا للخوف. وفي احد الأيام لاحظ المرشد وجه لوثر عابسا فسأله عن سبب عبوسه وكان الجواب هو خوفه من الخطية وغضب الله[19] ثم قال له ستوبيتز اني مرة أخرى (لقد تعاهدت مع الله أكثر من ألف مرة بان أكون قديسا وحنثت بوعدي ولم استطع، فان لو يرحمني الله في المسيح فاني هالك)[20].

2-   مشكلة الاختيار (Predestination) :

ومن المشاكل الأخرى التي سببت للوثر القلق والاضطراب مشكلة الاختيار. فكان يتساءل، عمن يضمن له انه واحد من المختارين؟ وهل الله هو الذي يختار الإنسان أم الإنسان هو الذي يختار الله؟ فان كان الاختيار مبنيا على الأعمال الصالحة والاماتات، فهل أعمالي الصالحة واماتاتي كافية بان  تجعلني واحدا من المختارين؟ وان كان الاختيار متوقفا على قصد الله وحده فهل انا واحد من هؤلاء الذين سبق الله فعينهم للحياة الأبدية؟ (رو9) وكيف يمكنني ان اعرف ذلك؟ وهل استطاع مرشد لوثر الروحي ان يطمئن قلبه المضطرب وروحه المنزعجة. فلقد كتب لوثر خطابا في سنة 1542 إلى كونت مانسفلد الذي كان يمر بنفس المشكلة، وقال في خطابه انه شديد الأسف لسبب اضطرابه وقلقه امام مشكلة الاختيار. ثم أردف قائلا: (لقد كنت انا أيضا غارقا في هذه الأفكار. ولو لم ينتشلني الدكتور ستوبيتز أو بالاحرى لو لم يستخدم الله الدكتور ستوبيتز لانتشالي لفقدت حياتي وصرت من مدة طويلة في الجحيم)[21].

        من هذا النص يمكننا ان نرى ان لوثر كان مشغولا وقلقا على مستقبله الأبدي. كما سيتضح ان مرشده الروحي استطاع ان يدخل السلام إلى قلبه، ولو جزئيا. يقول لوثر انه تحدثت ذات يوم مع ستوبيتز عن مشكلة الاختيار التي كانت تقلقه، فقال له ان جروح المسيح هي التي تقدم للعالم المعنى الحقيقي للاختيار لا شيء آخر ثم قال له أيضا، ان الذين يريدون ان يناقشوا مشكلة الاختيار عليهم ان يثبتوا أنظارهم على جروح المسيح فان الله بذل ابنه لكي يتألم بدل الخطاة[22]  ومن يؤمن بهذا فهو في الطريق المستقيم. كان ستوبيتز عميقا جدا في الروحيات وفي الفكر أيضا. فقد فتح عيني الراهب الشاب على حقيقة ان الله ليس هو القاضي المخيف الذي يطارد الإنسان، بل بالعكس هو الآب المحب ومحبته لا حدود لها فهل يمكن للوثر ان يخاف من هذا الإله؟!!

        لقد لعب رئيس أديرة الاغسطيني دورا هاما جدا في حياة لوثر، [23]وهذا الأخير لم ينسى فضله ففي خطاب قد كتبه في سنة 1545 يدعو فيه ستوبيتز "أباه" بين لوثر كيف انه مدين له بالعقيدة الإنجيلية وبميلاده الثاني في المسيح[24] كما انه مدين له أيضا بنور الإنجيل الذي أنار حياته.. وفي خطاب آخر كتبه إلى أبيه الروحي يذكره بحديث بينهم على المائدة بخصوص موضوع التوبة فقال: (ان الكلمات التي قلتها لي بدت لي كما لو كانت آتية من السماء، وعندما قلت ان التوبة الحقيقية تبدأ بمحبة البر ومحبة الله).

        لقد كان تأثير ستوبيتز على لوثر عميقا. فقد كانت زيارته لهذا الشاب الراهب ومناقشاته معه عبارة عن شعاع من نور في ليل حالك الظلام فأنار طريقه وهدى خطواته فقد استطاع هذا الرجل بنعمة الله وبصلاته الحارة وبمحبته العميقة وبمعرفته للكتاب المقدس استطاع ان يقود هذا الشاب إلى الحق الإلهي ولو جزئيا! فان كان لوثر يدعى أبا للإصلاح الألماني، فان ستوبيتز كان الأب الروحي للوثر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هوامش الفصل الرابع

 


 

[1] H. Strohl, Luther Jusqu’en 1520 P. 37.

[2] A. V. Muller Cite’ Par Strohl, P. 37.

[3] H. Grisar S J, Luther 3 Vol, Fribourg 1911. P.12.

[4] H. Strohl. Savie… P.39.

[5] R. Stauffer, Le Catholicisme a La d’couverte de Luther, Delachaux & Niestle, P.P 11-24

 

Denife *  كاتب لاهوتي كاثوليكي دومنيكاني كتب أربعة مجلدات سنة 1904 تحتوي على هجوم عنيف ضد المصلح بعنوان "لوثر واللوثرية" وترجمت هذا الكتب إلى الفرنسية في سنة 1910-1913 ولقد اشتهر هذا الكاتب في العالم كله  بكتاباته عن القرون الوسطى. اما الأستاذ جرزار (كرزار) فهو كاثوليكي أيضا، أستاذ، كاهن يسوعي كتب ثلاث مجلدات حولي في 2600 صفحة تحت عنوان لوثر. لم يستعمل نفس الأسلوب القاسي الذي استعمله دانيفل في هجومه، غير ان أسلوبه المعسول كان يخفي سما اشد فتكا من الأسلوب الجاف القاسي الذي استخدمه  دانيفل.

[6] R. H. Bainton. P. 34, H. Strohl. Savie P. 36, Greiner. P.29 دومينياه 5، ص 46

[7] Grisar.3. Vol. P. 692.

[8]  R. Baintoh P. 27-28.

[9] H. Strohl, P. 45-46.

 د. عزت زكي، ص41[10]

[11]H. Strohl, P. 46.

 

[13]. Grisar P.25.

[14]………………………….

[15] D. Hourticq. P. 21-22

 

[16] Grisar P. 28-30.

 

وهو اعتقاد الكنيسة الكاثوليكية في عقيدة الافخارستيا وسوف نرجع إلى هذا الموضوع في الحديث عن مفهوم لوثر والكنيسة الكاثوليكية في الافخارستيا.*

[17]. D. Hourticq. P. 22-23.

ميرل دوبينياه ص 49-52[18]

[19] Grisar P. 37

[20] Luther. Comm. Gal (1531), D. Hourticq 23. ميرل دوبيناه ص48

[21] WBR9, 3716, P. 627, 1.215.

[22] …………… TI2, 1940.

[23] W. TI2, 1820 (D262)

[24] Kostlin1, 71.

 

 

 

  

 

 

الفصل الخامس

عودة لوثر للتدريس

  للأعلى

كان ستوبيتز (Stauptiz)  عميدا لكلية اللاهوت في فيتمبرج [1] عندما قابل ستوبيتز الراهب لوثر رأى فيه الشخص القلق المضطرب لكنه وجد فيه ذكاءا ملحوظا، وتقوى صادقة بلا رياء وجدية في العمل ورغبة في البحث والدراسة. كما شعر بما يجول في خاطره من مشاكل روحية.

        ويبدو ان ستوبيتز وضع في قلبه ان يساعد هذا الراهب الشاب لكنه كان يفكر في الطريقة المناسبة لمساعدته سيما وانه يسكن معه في نفس المدينة كما انه كان كثير التنقل وأخيرا وجد هذا الرجل طريقة لمساعدته. فقد فكر ان يخرج هذا الشاب من الوسط الذي كان يعيش فيه وان يحضره إلى جامعة فيتمبرج.

        ويعتقد البعض ان إرسال لوثر إلى فيتمبرج ثم بناء على قرار اتخذته جمعيته وكان لستوبيتز دور كبير في هذا القرار الذي صدر بعد اجتماع في ميونخ في 18 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1508.

        وفي خريف سنة 1508 ترك الراهب اغسطينوس وستة من اخوة الدير أرفورت وانطلقوا إلى المدينة الجامعية الصغيرة في فيتمبرج وأقاموا في دير القديس اغسطينوس. وقد كلف لوثر بإلقاء المحاضرات في الجامعة عن فلسفة أرسطو.[2] وفي الوقت نفسه كان يتابع دراساته في كلية اللاهوت[3].

        وبعد انتهاء العام الدراسي وبعد ان تقدم أيضا لبعض الامتحانات في فيتمبرج للحصول على درجة البكالوريوس في العلوم اللاهوتية، طلب منه ان يرجع إلى أرفورت. رجع فعلا إلى المدينة قبل ان ينهي الامتحانات التي بدأها في فيتمبرج واضطر ان يتقدم من جديد لاجتياز الامتحانات التي كانت تجريها كلية أرفورت إذ انها كانت لا تقبل بسهولة الدرجة التي كانت تمنحها جامعة فيتمبرج[4].

        نجح لوثر في كل هذه الامتحانات وعين أستاذا في هذه الكلية التي درس فيها لمدة قصيرة جدا قبل دخوله الدير في سنة 1505. وهكذا بدا لوثر من جديد التدريس في جامعة أرفورت في سنة 1509 وسنة 1510 [5].

كانت الفترة التي قضاها الأستاذ الطالب مارتن لوثر في التدريس والدرس في جامعة فيتمبرج فترة عظيمة جدا، فقد استطاع خلالها ان يغير الجو الذي كان يعيش فيه وان يجد له نخبة جديدة من الإخوة والأصدقاء. كما انه استطاع أيضا ان يدرس في كلية اللاهوت. وبالرغم من هذا كله كانت المشاكل الخاصة بموضوع خلاصه الأبدي والخوف من الله القاضي ترافقه في كل مكان. ان هذه الفترة تعتبر من أهم الفترات في حياة لوثر إذ اشتد فيها القلق الروحي.

        ولم تبدأ صداقته القوية العميقة مع رئيس الأديرة غالبا الا بعد سنة 1511. وحتى هذا الرجل لم يستطع ان يحل جزءا من مشاكله.

 

لوثر في روما

        في أثناء هذا الصراع النفسي العنيف، وبينما كان لوثر يجتاز فترة البحث عن طريقة يستطيع ان يهدأ بها غضب الله القاضي القاسي، لاحت له الفرصة الذهبية فجأة بحسب اعتقاده. فقد كانت توجد بعض الخلافات بين الأديرة الاغسطينية في ألمانيا فيما يخص موضوع تجمع هذه الأديرة في جمعية واحدة. ولقد ذهب ستوبيتز نفسه عدة مرات إلى روما لمقابلة الرئيس العام لعرض هذه القضية عليه. لكن المشكلة لم تحل واختار دير أرفورت لوثر لكي يذهب للدفاع عن هذه القضية لدى الرئيس العام لجماعة الاغسطينيين وليس لدى البابا*[6] .

        وعندما سمع لوثر بان الاختيار قد وقع عليه للذهاب إلى روما للدفاع عن هذه القضية. فاض قلبه بالفرح وامتلأت نفسه بالسعادة والاطمئنان. وكيف لا يشعر بالسعادة والفرح لذهابه إلى روما!! المدينة التي يقيم فيها البابا نفسه وكيل المسيح على الأرض وخليفة الرسول بطرس. المدينة التي استشهد فيها بطرس وبولس. روما التي شاهدت صراع ونضال المسيحيين الأولين الأبطال، الذين استطاعوا ان يحصلوا على خلاص أرواحهم من العذاب الأبدي بصبرهم وعذابهم وآلامهم وتضحياتهم حتى الموت. روما التي امتلأت بالكنائس وبذخائر** القديسين وعن طريق زيارة بعض هذه الكنائس وبعض ذخائر القديسين يستطيع الإنسان التائب ان يحصل على غفرانات كثيرة ولسنين عديدة. أليس هذا ما كلن يبحث عنه من سنين عديدة؟ ألم يكن هذا ما تتوق إليه نفسه من مدة طويلة؟ بل ألم يدخل الدير لأجل هذا السبب عينه؟

        نعم كانت هذه الفرصة من السماء، لأنها فتحت عيني لوثر فيما بعد، وبعد عدة سنوات على حقيقة عظيمة.

        كانت تلك هي المرة الأولى التي يزور فيها روما، (أورشليم المقدسة) غادر لوثر أرفورت مع صديقه الذي أرسل معه في هذه المهمة في خريف سنة 1510 كانت الرحلة طويلة ومرهقة: فقد استغرقت ما يقرب من 35 يوما ذهابا ومثلها للعودة كما مكثا شهرا في روما وكانا يسيران بسرعة 40 كيلومتر تقريبا في اليوم[7].

           مما لا شك فيه بان لوثر قد اهتم بموضوع الدفاع عن القضية التي حضر من اجلها وهي موضوع النزاع الخاص بالأديرة الاغسطينية، ولم يوفق في هذا الامر. وبقيت القضية معلقة. على ان الذي كان يهم لوثر أكثر من ذلك الذي كان يشغل باله نهارا وليلا ويثقل قلبه، هو موضوع خلاصه ولهذا فقد بدأ حال وصوله إلى روما يطوف شوارعها ويزور كنائسها ويسجد طويلا مصليا ومتعبدا امام هيكلها. فلقد عزم ان يعترف اعترافا شاملا كاملا لكي يحصل على اكبر عدد من النعم التي وعد بها الله عن طريق ذخائر القديسين الموجودة في المدينة. هذا ما كان ينتظره لوثر من المدينة المقدسة. ولكنه بدأ يتعثر لا بل يتأثر شديدا جدا عندما رأى حالة الرهبان الذين نزل عليهم ضيفا وحالة الكنائس والاكليريوس عامة. كان بعضهم يعيش عيشة البذخ والرفاهية، كأمراء وحكام لا خدام معلمين ومبشرين وخادمين.[8]

        وبالرغم من هذا فقد واصل بجد واجتهاد زياراته للكنائس والمقابر والأمكنة المقدسة التي يتمتع من يزورها تائبا بالغفران. فقد كان ينتهز هذه الفرصة القصيرة لكي يحصل على اكبر عدد من الغفرانات.

        وفي يوم من الأيام وجد نفسه امام كنيسة القديس يوحنا. وعندما دخل تلك الكنيسة الصغيرة شعر بالأسى إذ كانت أمه ما زالت على قيد الحياة. فمت المتعارف عليه انه إذا أقام كاهن قداسا مساء الأحد في هذه الكنيسة فان روح أم الكاهن الذي يقيم القداس تخرج من المطهر ولأجل هذا السبب فانه تأسف شديدا لأنه لم يستطع ان ينتهز هذه الفرصة لخلاص أمه من المطهر[9]. ولقد راودته نفس الفكرة عندما عرف بان صعوده على السلم المقدس يمكن ان يخلص والديه من المطهر. وبما انه كان يريد ان يحصل على اكبر عدد من الغفرانات الممكنة له وللعائلة. وبما ان والديه كانا على قيد الحياة ولا فائدة من عمل هذه التضحية التي لا تفيدهما فقد قام بصعود السلم المقدس لكي يخلص جده الذي كان يحبه كثيرا من المطهر.

        لكن ما هذا السلم المقدس؟ (Scala Santa)[10] كان امام كنيسة روما سلم مكون من ثمان وعشرين درجة يقال ان المسيح صعد عليه للمثول امام بيلاطس عند محاكمته. وكان المعروف ان من يصعد هذا السلم على ركبتيه مصليا على كل درجة الصلاة الربانية يحصل على غفران خطايا الشخص الذي يهمه في المطهر. وعندما وصل لوثر إلى آخر درجة ناجى جده قائلا: (هل خرجت الآن من المطهر أيها الجد العزيز؟ وهل أنت سعيد الآن؟) وبعد هذه المناجاة شعر بسؤال يدور في ذهنه وهو: هل خرج جدي فعلا من المطهر؟ وهل هذا صحيح؟ كم يدري؟ ولقد تضاربت الآراء حول هذه القصة الخاصة بصعود لوثر على هذا السلم.

        فقد اعتقد البعض ان لوثر سمع وهو يصعد هذا السلم صوتا يقول له: (اما البار فبالإيمان يحيا) فانسحب من بين الزاحفين، (دكتور عزت زكي) ص44 ثم أ. موريسون ترجمة القس باقي صدقة ص31، (Bainton) ص38 على ان  بعض العلماء يرى بان لوثر لم يكتشف حقيقة البر بالإيمان التي تكلم عنها الرسول بولس (رو16،16:1) مقتبسا إياها من سفر حبقوق 4:2 عند صعوده على هذا السلم بل ان هذه القصة ما هي الا أسطورة  من الأساطير التي أضافها التقليد البروتستانتي (Strohl 86) ويقول هؤلاء العلماء بان الذين يعتقدون ان لوثر قد اكتشف عقيدة التبرير بالإيمان عند صعوده هذا السلم يرجعون إلى قصة قد كتبها بولس لوثر- ابن لوثر وهو طبيب- ويقول انه سمع هذه القصة من فم أبيه وهو في سنة الحادية عشرة من عمره[11]      على ان العالم (Kostlin) لا يشك في صحة هذه الرواية الا انه يرى بان البعض بالغ كثيرا في استعمالها. اما (Buchwald) فقد اكتشف في مكتبة زويكاو (Zwickav) مخطوطة تحل لنا هذه المشكلة ففي عظة ألقاها لوثر في يوم 15 سبتمبر (أيلول) سنة 1545 قال فيها ( لقد أردت وأنا في روما ان اخلص جدي من المطهر وصعدت سلم بيلاطس وكنت أتلو على كل درجة الصلاة الربانية. لأنه قيل بان الذي يفعل هكذا يستطيع ان يخلص نفسا. ولكن عند وصوله إلى النهاية تساءلت: من يعرف إذا كان هذا الامر حقيقية)؟

        ويحتمل ان ابن لوثر – بولس- الذي سمع هذه القصة وهو في سن الحادية عشر من عمره حاول ربطها بعبارات أخرى لأبيه كان قد شرح بها أهمية رسالة رومية بالنسبة له بعد عودته من مدينة روما.

        ونحن نعتقد ان لوثر لم يكتشف عقيدة التبرير بالإيمان الا بعد عدة سنوات من زيارة لروما ويحتمل بان فكرة التبرير بالإيمان لمعت امامه وهو يصعد هذا السلم الامر مع ان هذا غير مؤكد كما ان موضوع التبرير بالإيمان لم يظهر في تعاليمه قبل سنة 1513. وهذا واضح من هذه الناحية. لأن لوثر ذهب إلى روما سنة 1510 وبعد ان رجع بدا التدريس في فيتمبرج سنة 1511 ولم تتغير عقيدته ولم تتحسن حالته في صراعه وشكوكه فيما يخص مفهومه عن الله القاضي القاسي. لقد ذهب إلى روما يملؤه الأمل في الحصول على السلام الداخلي ولكنه رجع منها مثقلا وحزينا وبائسا ولهذا فقد بدأ من جديد الصراع في الحصول على الخلاص وعلى إرضاء الله القاضي...

        وعندما رجع من روما أرسل إليه ستوبيتز يطلب منه بان يعد نفسه للتدريس إذ انه يريد بان يحل محله في تدريس الكتاب المقدس. لكن لوثر رفض هذا العرض رفضا باتا بدون تصنع أو تواضع ظاهري ولكن ستوبيتز عرفه بان هذا أمر وبما انه راهب يجب عليه ان يطيع أوامر رئيسه وتحت هذا الضغط قبل لوثر هذا المركز. ولقد وصل إلى فيتمبرج في صيف 1511 واقترح ستوبيتز ان يعين لوثر نائبا لرئيس دير الاغسطينيين فعلا نائبا للرئيس، وفي 4 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1512 تقدم للامتحان حتى يسمح له بالتدريس في الجامعة بدرجة أستاذ كرسي، وفي 19 أكتوبر (تشرين الأول)  من نفس السنة حصل على دكتوراه في العلوم اللاهوتية، وهكذا صار لوثر أستاذا وواعظا في جامعة ودير فيتمبرج ولكنه ظل يبحث عن الخلاص وكيفية إرضاء الله…

 

 

 

 

 

       

 

هوامش الفصل الخامس

 


 

[1] أنشئت جامعة فيتمبرج سنة 1502 عندما حث أسقف مجدبورج أخاه فريدرك الحكيم ملك سكونيا على تأسيس جامعة في إمارته. واستقر الرأي على تأسيس الجامعة في المدينة الصغيرة (فيتمبرج) التي لم يكن عدد سكانها في ذلك الوقت يتجاوز 2500 شخصا (Bainton P.39) وقد ضحك الملك عندما عرف بأنه قد وقع اختيار المجلس على هذه المدينة وقال أحد أعضاء المجلس: من يدري فربما تصبح هذه المدينة موضوع أحاديث الناس أكثر من أي جامعة أخرى(Hourticq P.23).

 

[2] Strohl P. 70 ميرل دوبينياه ص 53.

[3] Greiner P. 36.

[4] Hourticq P. 23-24, Strohl P.38.

[5] ………………………………………….

*لم يذهب لوثر إلى روما لمقابلة البابا لعرض هذه المشكلة عليه، كما يعتقد البعض، بل لمقابلة الرئيس العام لهذه الرهبنة.

** ذخائر القديسين هب بعض البقايا من الأنبياء القديسين أو أمتعتهم: مثل عظمة من عظام القديس يوحنا أو النبي اليشع، أو شعرة من رأس العذراء أو قطعة من ثوب الرب يسوع... الخ.

[6] Hourticq P. 24.

[7] Strohl P.84.

ميرل دوبينياه ص55، د. عزت زكي ص43-44.

[8] Strohl P. 86.

[9] Hourticq P.25.

[10] Baintoh, 38.

* لقد وجدت هذه القصة في مكتبة ر. ستادت   Rudolf Stadt ومؤرخه بتاريخ 7 أغسطس (آب) سنة 1582، D539  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل السادس

الاكتشاف العظيم

   للأعلى

        عندما اقترح ستوبيتز اسم مارتن لوثر لكي يكون أستاذا في جامعة فيتمبرج لتدريس الكتب المقدسة بدلا منه، هل كان يعرف بأنه قد وضعه في الطريق السليم الذي سيؤدي به إلى اكتشاف الحقيقة العظمى: حقيقة التبرير بالإيمان؟ وهل كان يعلم عندما حاول ان يرغمه باعتباره رئيسه بان يقبل باسم الطاعة كراهب هذا العمل، انه يدفع امامه عملاقا كبيرا سوف يستخدمه الرب لتغيير أوضاع كثيرة دينية وسياسية واجتماعية ليس فقط في ألمانيا بل في كثير من بلاد العالم؟

                            كان ستوبيتز نبيا عندما امر الراهب الشاب قائلا: (... ان للرب إلهنا عملا عظيما في الكنيسة يحتاج إلى نشاط شاب مثلك.. ان لله عملا في السماء وعلى الأرض وهو في حاجة إليك حييت أم مت فاعمل ما يطلبه مند ديرك وما آمرك انا به) (ميرل دوبينياه ص59).

                    عين لوثر أستاذا لتدريس الكتب المقدسة. في جامعة فيتمبرج كما سبقت الإشارة إلى ذلك في سنة 1511. وهنا بدأت العناية الإلهية تهيئ له الطريق من كل ناحية فهو يتمتع برعاية صديقه وأبيه الروحي ستوبيتز، كما انه أصبح أستاذا لتدريس الكتب المقدسة. وفي دراسته لهذه الكتب المقدسة بالذات بدأ يبحث ويتعمق ويفتش. وفي أثناء بحثه ودراساته  وصل إلى تلك الحقيقة العظيمة والتي كانت تعد بالنسبة له اكتشافا محررا: وهي عقيدة التبرير بالإيمان.

                     متى اكتشف لوثر هذه العقيدة؟ لم يكتشفها أثناء صعوده سلم بيلاطس في روما سنة 1511 ولكننا نتفق مع بعض العلماء الذين يعتقدون بان الراهب الاوغسطيني قد توصل إلى هذه الحقيقة العظيمة ربما في سنة 1512 أو سنة 1513 أو سنة 1514[1].

     يقول جرينر (Greiner) انه من الصعب تحديد تاريخ هذا الاكتشاف، وسيظل تحديد هذا التاريخ بطريقة دقيقة غير معروف، لكن العلماء حاولوا دراسة الظروف التي مر بها الراهب، لكي يتمكنوا من ان يجدوا تاريخا ولو نسبيا فمن المعروف انه قام بالتدريس في أرفورت من سنة 1509-1510.

        وفي سنة 1511 عين أستاذا في جامعة فيتمبرج. وكان يلقي محاضراته هناك عن الكتب المقدسة. ولقد اتفق معظم العلماء على ان المحاضرات التي كان يقوم بالقائها الراهب الاتساذ كانت كالآتي:

من سنة 1513-1515 محاضرات في سفر المزامير.

من سنة 1515-1516 محاضرات في رسالة رومية.

من سنة 1516-1517 رسالة غلاطية.

من سنة 1517-1518 الرسالة إلى العبرانيين.[2] 

        فمن المحتمل ان يكون لوثر قد توصل إلى هذا الاكتشاف العجيب في الفترة التي كان يلقي فيها محاضراته عن سفر المزامير (1513-1515). ويعتقد الكثيرون من المتخصصين في الدراسات اللوثرية ان المزامير التي كانت تتكلم عن بر الله، أو عن طلب بر الله، وقداسة الله، أو عن رحمة الله ومحبته هي المزامير التي قادته ان يسأل أسئلة كثيرة، مثل أيمكن لله ان يكون بارا؟ وهل يمكن ان يكون عادلا وفي نفس الوقت رحيما؟ فان كان الله يحب البر والعدل ويبغض الشر والإثم فكيف يمكن ان يكون رحيما مع الإنسان الخاطئ الأثيم؟ ألم يكن هذا مصدر خوفه واضطرابه وانزعاجه من الله؟...

        وفي دراساته للبر الذي يتكلم عنه سفر المزامير ربما رجع إلى بعض الكلمات في رسالة بولس الرسول إلى رومية والتي كانت بعض عباراتها بالنسبة له مثل باب مغلق وسفر مختوم مثل: (لأن فيه معلن بر الله بإيمان لإيمان كما هو مكتوب اما البار فبالإيمان يحيا) (رومية 17:1، حب 14:2)

        ان بعض أساتذة لوثر علموا بان بر الله هو عطية من الله ولكن هذه العطية تمنح للذين يتعاونون مع النعمة، أي انه يوجد تعاون بين الله المانح لهذه النعمة وبين الإنسان الذي يتقبل هذه النعمة ولكي يحصل الإنسان على الخلاص يجب عليه ان يعمل أعمالا صالحة يستطيع بها وعن طريقها ان يحصل على بر الله. وكان لوثر يعمل ليل نهار هذه الأعمال الصالحة لكي يحصل على الخلاص[3]  وكان رفقاءه يشهدون بذلك. اما هو فكان يشعر دائما بالرغم من هذه الأعمال الصالحة. بأنه خاطئ وان الله القاضي القاسي يطالبه ببر أعظم وبأعمال أكثر.

        اما مطاليب هذه الإله المغالي في طلب البر أصبحت كلمة بر في عيني لوثر كلمة تشمئز منها نفسه ويقشعر لها بدنه لدرجه انه قال (لقد كرهت هذه الكلمة)، ولماذا كرهها؟ يواصل لوثر شرحه بالقول (لقد فهمت عبارة "بر الله" بمعنى ان الله بار، وبما انه بار فهو يعاقب الخطاة والاثمة. ولهذا نرى لوثر وقد ذهب ابعد من ذلك حينما قال (لم استطع ان أحب هذا الإله البار المنتقم، بل كرهته... وكنت أقول لنفسي ألم يكتفي الله بان يحكم علينا بالموت بسبب الخطية ابائنا؟ ألم يعذبنا بناموسه القاسي علينا حتى يضيف إلى آلامنا آلاما أخرى بإنجيله الذي يعلن فيه بره وغضبه وثورته)[4] وتذكرنا هذه الكلمات الأخيرة بما قاله ستوبيتز مرة (أنت الثائر ضد الله وليس الله هو الثائر ضدك). ويواصل لوثر فيقول: (كنت ابحث من دون هوادة لفهم هذا النص القائل: لأنه فيه معلن بر الله بإيمان لإيمان كما هو مكتوب اما البار فبالإيمان يحيا) (رو 17:1) كانت رغبتي عارمة لفهم هذا الاصطلاح الذي استعمله الرسول في هذه الرسالة. ماذا يقصد بهذه العبارة (بر الله) ..؟ كنت أتأمل ليل نهار فاحصا هذه الكلمات "بر الله" معلن في الإنجيل... اما البار فبالإيمان يحيا...؟

        وبدأ لوثر يفكر ويصلي ويتأمل، (وأخير أشفق الله علي وعندئذ بدأت افهم ان عبارة "بر الله" تعني ان الإنسان المؤمن يحيا بالبر الذي يمنحه له الله. فان معنى هذه الجملة ان الإنجيل يعلن بر الله. على ان هذا البر الذي يبررنا به الله. هو رحمة منه ننالها عن طريق الإيمان. كما هو مكتوب وأما البار فبالإيمان يحيا وحلا شعرت بأنني أولد من جديد وان أبواب السماء قد فتحت على مصراعيها أمامي ومن هذه اللحظة بدأ الكتاب كله يظهر امام عيني بمظهر آخر وبقدر ما كنت اكره عبارة بر الله. صرت أحبها وصارت لها معزة خاصة عندي... وهكذا أصبح هذا النص بالنسبة لي باب السماء... وقد بدأت في قراءة كتابات القديس اغسطينوس عن الروح والحرف وكانت دهشتي عظيمة عندما وجدته يشرح هذه المشكلة بطريقة مشابهه تماما لطريقتي[5].

        هنا بدا المصلح يفهم حقيقية ومصدر عقيدة التبرير بالإيمان. كان يعتقد قبلا بان مصدر البر وأساسه الأعمال الصالحة والتضحيات واماته الجسد والفقر والجوع والصيام وإنكار الذات... الخ وكان يظن انه مطالب بالقيام بهذه الأعمال التي تؤدي للبر لذلك كان يثبت نظره على نفسه: على مارتن لوثر، الذي يستطيع بأعماله الصالحة وتضحياته وبصيامه وإنكار ذاته ان يخلص مارتن لوثر من يد القاضي القاسي الذي يزن أعماله بميزان دقيق. ولكن عندما أدركته نعمة الله كما يقول نفسه (وأخير أشفق الله علي... انفتحت عيناه وأبصر النور بنور الله نفسه) بنورك نرى نور (مز 9:36) عندئذ فقط فهم بر الله بطريقة تختلف تماما عن الطريقة التي علم بها كثير من أساتذته* فبر الله بحسب مفهوم لوثر هو هبة الله للإنسان وبه يصبح الإنسان مبررا في عيني الله. فان التبرير (أو الخلاص من الخطية ) لا يتوقف على أعمال الإنسان الصالحة، كثيرة كانت أم قليلة لكنه بإيمان الإنسان الخاطئ المعترف بخطاياه والنادم عليها من قلبه امام الإله البار وحتى هذا الإيمان هو عطية الله (لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان وهذا ليس منكم هو عطية الله) (أف 8:2-10) ولكن على الإنسان ان يفتح قلبه لقبول عطية الله الذي ينير له الطريق ويكشف له حالته على حقيقتها.

        وقد استعمل لوثر عبارتين لكي يشرح بهما فكره عن بر الله: عبارة (البر الفعال) (La Justice Active) ثم عبارة: (البر السلبي)  (La Justice Passive) فماذا يقصد لوثر بهذين الاصطلاحين؟

          ان البر الفعال هو البر الذي يمنحه الله للإنسان: فهو عمل الله ويسمى بر الله العامل أو النشيط أو الايجابي، لأن الله هو الذي يمنح أو يخلق فينا هذا البر. اما البر السلبي فهو عبارة عن موقف الإنسان امام الله إزاء عملية التبرير. فالإنسان لا يأتي إلى الله بأعماله الصالحة النشيطة التي تبرره امام الله، بل تأتي سلبيا (بلا عمل) والله يبرر هذا الإنسان: فالإنسان هنا متقبل في هذه الحالة أي ان الله هو الذي يقوم بعملية التبرير المجاني. والإنسان ما عليه الا أن يمد يده لكي يقبل هذا التبرير من الله الفاعل والعامل والمقدم لهذا البر[6].

        كانت تعاليم أوكام تنادي بأن الله قاضي عادل ويحكم على الإنسان بحسب أفعاله وتصرفاته أما لوثر فقد تغير مفهومه الكتابي وبدأ يعتبر الله أبا محبا ينظر إلى الإنسان كابن له فيمنحه البر. ففي الحالة الأولى الإنسان فاعل للبر وفي الحالة الثانية الله فاعل البر: فهو الذي يمنح هذا البر مجانا للإنسان والرجوع إلى قول القديس اغسطينوس "ان السبب الذي من اجله يسمى بر الله، لأنه هو الذي يمنحنا هذا البر ويبررنا به). وهذا على عكس ما علم به أرسطو الذي يعتقد بأن البر يتبع أعمالنا وهو نتيجته. وأما لوثر فهو يعتبر ان بر الله يسبق أعمالنا وان أعمالنا هي ثمار[7].

        ومن هنا يتضح ان لوثر لا يرفض الأعمال الصالحة ولا يقلل من شأنها إذا كانت أثمارا لبر الله لكنه يريد ان يبرر أولا عمل الله في التبرير. فالله وحده هو الذي يبرر الإنسان الخاطئ. فبعد ان يحصل الإنسان على بر الله (ومن الله وحده) بعمل أعمالا صالحة، لا لكي يخلص بها أو ينال عن طريقها ثوابا بل لأنه صار خليقة جديدة بالنعمة وتجدد قلبه وتغيرت حياته، فانه يريد بدوره ان يكون عاملا صالحا في المجتمع الذي يحيا فيه. ويرى لوثر فكرة أخرى في بر الله. فان بر الله يظهر أيضا في حكمنا على أنفسنا. فعندما نعترف بخطيانا فإننا نعترف في نفس الوقت ببر الله. أي اننا نعترف بان الله هو المحق في حكمه واننا مخطئون في أحكامنا وتصرفاتنا[8] (1يو8:1-10).

        ولكن قبل ان نختم هذا الفصل نود ان نسأل هذا السؤال: كيف وأين اكتشف لوثر هذه العقيدة: عقيدة التبرير بالإيمان؟

        اما كيف فقد انقسم الدارسون في الرد على الكيفية إلى قسمين:

1-    اعتقد البعض ان هذا الاكتشاف لم يكن ابن يوم وليلة بل كان وليد البحث الطويل والصلاة الحارة والاضطرابات والخوف.....[9].       

2-    والبعض الاخر رأى ان هذه الفكرة طرأت على ذهنه بطريقة فجائية وسريعة كاختبار بولس وهو في طريقه إلى دمشق. وقد رجع هؤلاء إلى قول لوثر نفسه الذي شعر القارئ عندما يقرأه كما لو كان هذا الحدث قد حدث بطريقة فجائية سريعة. وهذا واضح من المقدمة التي كتبها في سنة 1545 بالايجابة فيما يختص بأين أو مكان حدوث الاختبار فيحتمل ان لوثر قد اجتاز في هذا الاختبار العظيم عندما كان يقوم بإعداد محاضراته في برج الدير في جامعة فيتمبرج[10].

 

 


 

[1] G. Casalis. P.32, Strohl P.97.

[2]G. Casalis. P.25, Strohl P.93-99, Strohl Savie P.70, Bainton P. 45-46.

[3] Greiner P. 36.

[4] Strohl P.94.

[5] Strohl P.94.

*  أقول هنا كثير من أساتذته- وليس كل أساتذته- لأنه من الظلم بل من الإجحاف ان توصم الكنيسة الكاثوليكية كلها بعدم فهم النصوص الكتابية. فبالرغم من الحالة الروحية الضعيفة التي وصلت إليها الكنيسة في هذا العصر فقط  احتفظ الرب لنفسه بشهوده أمناء في الكنيسة ومن أبناء الكنيسة الكاثوليكية مثل ستوبيتز الذي كان واحد من هؤلاء الشهود... (لأنه لم يترك نفسه بلا شاهد...) (أع 17:14).

 

[6] W4, 241, 25, W3, 199, 18

[7] Strohl P. 126.

[8] W3, 29, 9-16, W3, 31, 3-7 D595.

[9] Str., P.93.

[10] Bainton P.46, Greiner P.39.

 

 

 

 

 

 

الفصل السابع

صكوك الغفران

  للأعلى 

يعتقد البعض ان المصلح الألماني قد قام بثورة عنيفة وحرب شعواء ضد الكنيسة الكاثوليكية بعد ان اكتشف حقيقة التبرير بالإيمان، ولم يستطع ان يبقى بعد ذلك داخل هذه الكنيسة لذا فقد ترك الكنيسة وبدأ كنيسة جديدة لوثرية أو بروتستانتية لكن الحقيقة التاريخية تدل على عكس ذلك تماما فبعد ان اكتشف لوثر هذه العقيدة العظيمة وهي حقيقة التبرير بالإيمان أو بعد ان افتقدته نعمة الله بمعنى اصح وبعد ان انفتحت عيناه، ولم يترك لوثر الكنيسة الكاثوليكية أبدا ولم يفكر قط ولا لحظة واحدة ان يهجر الكنيسة المحبوبة التي كان ينظر إليها في ذلك الوقت بكثير من الحب والاحترام والتقدير[1].

        فمع ان لوثر قد فهم موضوع التبرير بالإيمان في سنة 1513 أو في سنة 1514 لكنه لم يترك الكنيسة بعد هذا الاختبار العجيب. بل ظل فيها كابن وخادم أمين لها. نعم لقد تغير سلوكه تغيرا كليا بعد هذه الاختبار. كما تحول هذا الراهب الخائف المضطرب الذي يقضي وقتا طويلا امام كرسي الاعتراف إلى شخص جديد بعد ان زالت مخاوفه واضطرابه. كل هذا صحيح، ولكن غير الصحيح هو ان لوثر ثار ضد الكنيسة الكاثوليكية بعد اكتشافه لعقيدة التبرير بالإيمان مباشرة. بل على العكس فان لوثر واصل دراساته وأبحاثه ومحاضراته في الجامعة، وفي خدماته في الكنائس والدير الذي كان مسئولا عنه.كان يمارس نفس الأعمال والخدمات التي كان يقوم بها من قبل لكن بدل ان يقوم بهذه الأعمال مرغما حزينا متألما لأنه كان يريد ان يحصل عن طريقها وبها على بر الله والمصالحة مع القاضي القاسي. فانه يقوم بها وقلبه قد امتلأ بالفرح والسلام والاطمئنان. هكذا ظل لوثر راهبا وكاهنا وأستاذا في الكنيسة الكاثوليكية بعد اختباره العظيم في سنة 1513 أو 1515. حتى سنة 1517 وبالتحديد في يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول) عندما علق على كاتدرائية جامعة فيتمبرج 95 احتجاجا ضد ما يدعى بصكوك الغفرانات.

 

صكوك الغفران:   

                   ما هي صكوك الغفران. ان فكرة صكوك الغفران لم تكن جديدة في ذلك الوقت، بل يرجع تاريخها إلى زمن الحروب الصليبية، فقد منح بعض البابوات هذه الامتيازات إلى الذين كانوا يذهبون إلى الحرب مخاطرين بحياتهم. وبعد ذلك كانت تمنح أيضا للذين كانوا يذهبون إلى الأماكن المقدسة. كما انها منحت أيضا للذين كانوا يساهمون في أعمال "البر" والإحسان كبناء الكنائس والمستشفيات... الخ[2].

                     ولكي نفهم هذه المشكلة على حقيقتها يجدر بنا ان نذكر القارئ ببعض الحقائق والظروف الدينية والتاريخية والسياسية والاجتماعية. وهنا يجب ان نسأل هذا السؤال على أي أساس كانت تبيع الكنيسة الكاثوليكية في هذا الوقت صكوك الغفرانات؟

                لقد علمت الكنيسة في ذلك الوقت بان الحصول على الخلاص يتم عن طريق التعاون بين الله والبشر، أي ان نعمة الله تتعاون مع الإنسان وتساعده على ان ينال خلاصه عن طريق عملية الفداء التي قام بها المسيح وعن طريق اعماله الصالحة. ولهذا السبب نرى لوثر الكاثوليكي المدقق يحاول ليل نهار الحصول على الخلاص بأعماله الحسنة.

وكان الرأي السائد ان بعض القديسين قاموا بأعمال صالحة كافية لخلاصهم فقط. فينما قام البعض الاخر باعمال حسنة كثيرة زادت عن حاجتهم: مثل السيد المسيح الذي لم يكن في حاجة أبدا إلى أعمال حسنة، ولكنه عمل كثيرا جدا. كذلك قامت السيدة العذراء مريم والرسل وعدد كبير من الأنبياء والقديسين في تاريخ الكنيسة على مر العصور باعمال صالحة كثيرة جدا زادت عما كانوا في حاجة إليه لخلاصهم. وهذا ما كانت تسميه الكنيسة بحسنات القديسين الزائدة. وهذه الحسنات الزائدة مودعة في بنك الكنيسة وهي ملك لها وللكنيسة الحق في التصرف فيها كما تشاء ومتى تشاء. فمن حق الكنيسة ان توزع هذه الحسنات المودعة تحت تصرفها على النفوس التي لم تستطع ان تعمل أعمال حسنة كافية لخلاصها أثناء حياتها على الأرض.

لقد نادى بهذه النظرية الكسندر هالس في القرن الثالث عشر وكذلك القديس توما الاكويني القديس بونافانتير[3] وبما ان الكنيسة كانت المسئولة عن الأعمال الحسنة الزائدة. والتي تدعى كنز الكنيسة. لذلك كان يمكنها ان تبيع أيضا بعضا من هذه الأعمال الحسنة لمن هم في حاجة إليها ولم يستطيعوا في حياتهم التكفير عن ذنوبهم وخطاياهم.

وفي بداية الامر أحاطت الكنيسة هذه العقيدة بعدة احتياطيات وشروط. فكان الحاصل على صك الغفران لا يخلص الا من المطهر فقط وليس من الجحيم. ومن يريد ان يحصل على هذا الصك كان عليه ان يعترف وأن يتوب عن خطاياه. كما كان يمنح هذا الصك مجانا للفقراء.

         على ان هذه الشروط سرعان ما تغيرت مع مرور الوقت، بل أصبحت صكوك الغفران تجارة رابحة شائعة لجأت إليها الكنيسة- للأسف الشديد- في ظروف كثيرة كلما احتاجت إلى المال، بل تطورت الفكرة حتى ان بعض الدول والأمراء استعملوها لابتزاز المال.[4]

        وبما اننا نتكلم عن صكوك الغفران فيجب ان نشرح أيضا فكرة ذخائر القديسين لأنها متصلة اتصالا وثيقا بهذا الموضوع.

 

ذخائر القديسين:

        عبارة عن بقايا من القديسين أو بقايا أمتعتهم. ولقد منح بعض البابوات غفرانات عديدة لمن يزور هذه البقايا. وكان المقصود بهذه الغفرانات تقصير المدة التي يجب على الإنسان ان يقضيها في المطهر. فمثلا كانت توجد غفرانات لإعفاء الإنسان من العذاب في المطهر لمدة مائة سنة أو خمسين سنة أو عشرين سنة.. الخ يتوقف هذا على نوع الغفران والثمن الذي دفع فيه أو التضحية التي بذلت لأجله.

        كما منحت بعض الغفرانات لمن قاموا بزيارة الأماكن المقدسة، بعيدة كانت أو قريبة، مثل أورشليم أو روما.

        لهذا السبب نرى الملك فريدرك الثالث ملك ساكس يحاول جمع اكبر عدد من ذخائر القديسين. ففي الرحلة التي قام بها إلى أورشليم سنة 1493 أحضر معه كمية كبيرة منها وكانت ذات أهمية عظيمة. ويقال انه احضر معه إحدى أسنان القديس جيروم، وأربعة أجزاء من جسد يوحنا فم الذهب، وأربعة خصل من شعر مريم العذراء، وقطعة من لفائف يسوع. وأشياء أخرى كثيرة.

        وفي سنة 1509 وصلت ذخائر القديسين المعروضة في كاتدرائية فيتمبرج إلى خمسين ألف وخمس قطع. وفي سنة 1518 وصل عدد هذه الذخائر في نفس المدينة إلى 17443 قطعة وهذه الكمية تعطي إعفاء من المطهر لمدة 127799 سنة، 116 يوم[5]

        وكما قلنا فقد استخدمت الكنيسة في مرات كثيرة هذه الوسيلة كلما احتاجت إلى المال. ولذلك لجأ كل من البابا ليون العاشر وألبرت رئيس أساقفة إحدى الإمارات الألمانية إلى استغلال هذه الوسيلة لجمع المال الذي كانا في حاجة إليه.

        جلس البابا ليون العاشر على كرسي القديس بطرس في سنة 1513 ونظرا لأنه كان من عائلة آل يتشي العريقة فقد تمسك ليون بحياة الرفاهية والبذخ وتعظم المعيشة والإسراف كما انه كان شغوفا أيضا بالفن والعمارة ولذلك فقد عزم على إجراء بعض المباني والإصلاحات في كنيسة القديس بطرس. ولتمويل هذا المشروع الضخم فقد أصدر قرارا في 31 مارس (آذار) سنة 1515 ببيع صكوك غفران كاملة. ولما رفضت بعض الولايات الألمانية هذا المشروع. فقد عرضه البابا على  البرت (Albrecht) رئيس أساقفة ماينس (Mayence) ووعده بنصف ثمن الصكوك. وكان البرت يمر في هذا الوقت بأزمة مالية شديدة لكثرة الديون التي تراكمت عليه. فقد كان طموحا يحاول الوصول إلى المناصب الدينية والدنيوية في آن واحد.  ولقد استطاع فعلا ان يكون رئيس أساقفة لثلاثة أبرشيات ومنتخبا  لمقاطعة ماينس (Mayence) وقد وصل إلى بعض هذه المناصب بطرق غير قانونية وبدون حق[6] ووصل إلى البعض الاخر عن طريق الرشوة. ودفع المبالغ الكبيرة من المال ولذلك فقد لجأ إلى بنك (Fugger) الذي أقرضه المال الذي كان في حاجة إليه ولكن بفائدة تبلغ 20%[7].

        لذلك قبل البرت عقد الصفقة مع البابا ليون العاشر في الرابع والعشرين من ابريل (نيسان) سنة 1516.

        وقد اتفقا على ان توزع الأموال المجموعة من بيع صكوك الغفران بالطريقة الآتية: النصف للبابا في ايطاليا لبناء كنيسة القديس بطرس والنصف الباقي يدفع مباشرة لبنك (Fugger) لتسديد القرض وفوائده.

        وكان هذا حلا مثاليا ومريحا مرضيا للطرفين فهل كان هذا مرضيا لله؟!!! كان الحل مرضيا للبابا الذي شرع في إصلاح وبناء كنيسة القديس بطرس كما كان حلا مريحا ومرضيا أيضا لألبرت رئيس الأساقفة لسد ديونه وكان مريحا أيضا للبنك الذي سوف يسترد أمواله وكان مفيدا ومرضيا للذين يقومون ببيع الصكوك إذ كانوا يتقاضون عمولة عن عملهم وكان أخيرا مربحا ومرضيا ومطمئنا للذين يشترون هذه الصكوك لكي تستريح ضمائرهم وتطمئن قلوبهم على المستقبل.

        كل هذه الأمور كانت حقيقة وأكيدة اما الامر الغير حقيقي فهو مدى فاعلية هذه الصكوك في نظر الله هذا هو نفس السؤال الذي سأله لوثر عندما تسلق السلم المقدس في روما: عندما قال: (من يعرف إذا كان هذا صحيحا؟!!) ولهذا السبب عينه قام لوثر في يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول) بتعليق 95 احتجاجا على صكوك الغفران. ويعتبر هذا التاريخ فعلا بداية تاريخ الإصلاح.

        لم تكن هذه المرة الأولى التي اظهر فيها لوثر عدم موافقته على عقيدة الغفران. فالدارس المدقق لتعاليم وعظات لوثر يلاحظ ان أستاذ فيتمبرج وعظ عدة مرات ضد صكوك الغفران[8] فقد وعظ ضد صكوك الغفران وشرح طريقة التوبة الحقيقية والرجوع إلى الله في يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1516؟  قبل ان يعلق هذه الاعتراضات على باب الكاتدرائية بسنة كاملة ولقد نشرت هذه العظة[9] كما انه ألقى عظة من المزامير في ربيع عام 1517 مبينا فيها ان التوبة الحقيقية هي رفض الصكوك لأنه طريق سهل.[10] وقد سبق له ان كتب تصريحا من 97 نقطة شرح فيه أفكاره الدينية وعرضها للمناقشة كما انه انتقد أصحاب المدارس الفكرية[11]

        وبعد ان تعاملت نعمة الله مع هذا الرجل، لم يكف أبدا عن توصيل وتسليم ما قد تسلمه من الرب يسوع إلى اللذين كانوا يعيشون بعيدين عن نور انجيل المسيح المحرر. ولهذا فقد دعى الجامعة وأساتذتها لمناقشة موضوع صكوك الغفران. ولكي يسهل امر المناقشة فقد كتب الخمسة والتسعين احتجاجا على صكوك الغفران التي كانت تباع في بعض الإمارات الألمانية. فقد علق هذه الاحتجاجات على باب كاتدرائية فيتمبرج في المكان الذي كانت تعلق فيع عادة الإعلانات الخاصة بالكتدرائية والجامعة.

        كان المسئول عن الحملة الدعائية لصكوك الغفران في بعض الولايات الألمانية لألبرت رئيس أساقفة ماينس، وهو الكاهن الدومينكاني يوحنا تتزل. وقد نظم حملات واسعة النطاق للدعاية والوعظ فكان يصل الى المدن التي كان يريد ان يبيع فيها الصكوك في موكب ضخم عظيم يتقدمه مناد يدعو الجماهير بصوت عال للتجمع، وعندما كانت تتجمع الجماهير كان يقف ليخطب فيهم  خصوصا وقد كان خطيبا جيدا وكانت عظاته مركزة على صكوك الغفران وفوائدها. فمن الفوائد التي وعظ عنها الدومنيكاني انها تحرر النفوس من عذاب المطهر الأليمة. وكان معروفا ان كل نفوس البشر تمر بالمطهر الا نفوس القديسين لأن الأغلبية الساحقة- ان لم تكن النفوس كلها الا العدد القليل جدا من القديسين لابد وان تذوق عذابات المطهر التي قد تضارع في بعض الأحيان عذابات الجحيم. وما أقسى عذابات الجحيم!!! وما أقسى عذابات المطهر!!!

        وبعد إثارة سامعيه بعظات من هذا النوع كان يختم عظته بجملة أصبحت جملة شهيرة في التاريخ "في نفس اللحظة التي ترن فيها دراهمكم في الصندوق تخرج النفس المطهرية حرة منطلقة الى السماء"[12] .

        لقد أساء تتزل (Tetzel) إساءة عظيمة الى الكنيسة الكاثوليكية في طريقة وعظه عن صكوك الغفران. على أي حال فان هذه البدعة لم تكن جديدة في الكنيسة بل ان الكنيسة مارستها في ظروف كثيرة. ولكننا نريد ان نلفت نظر القارئ هنا إلى نوعين من صكوك الغفران.

1-   صكوك الغفران للأحياء. وكان على كل من يريد الحصول على هذا الصك ان يندم على خطاياه وان يعترف بها امام الكاهن ثم ينفذ العقوبات التي يفرضها عليه الكاهن بعد الاعتراف لكي يكفر عن ذنوبه المرتكبة.

2-   النوع الثاني الصكوك للأموات: وهو الحصول على صك لتحرير نفس مطهريه من المطهر وكان يمكن الحصول على هذا الصك كتابة وينص الصك على عدد السنين التي يريد الطالب ان يعفى منها النفس المطهرية في المطهر. وكان لك صك ثمن معين سواء في التضحيات الشخصية أو الآلام أو دفع مبلغ من المال... ولكن ما كان يهم تتزل، هو ان ترن النقود في صندوق الجمع.....

 

لقد كلف تتزل بان يعظ عن صكوك الغفران في الولايات الألمانية التابعة لرئيس الأساقفة ألبرت وحدها دون غيرها لأن بعض الامارات الأخرى لم تقبل الاتفاق الذي تم بين البرت والبابا ليون العاشر. وبناء على ذلك منعت الصكوك فيها، مثل مدينة فيتمبرج* وبما ان الملك فردرك قد منع بيع هذه الصكوك في ولايته ساكس** فلقد ذهب كثيرون عبر الحدود لشرائها من المناطق التي كانت تباع فيها. وهنا وجد لوثر نفسه امام مشكلة عقائدية خطيرة.

ويبدو انه تقابل مع عدد لا بأس منه من الذين كانوا يعترفون له في كرسي الاعتراف، وعندما كان يطلب منهم التوبة الحقيقية والندم الصادق، كانوا يخرجون من جيوبهم صكوك الغفران ضاحكين مستهزئين قائلين نحن لا نحتاج الآن إلى هذه النصائح، ويلوحون بها في وجهه. ماذا يعمل لوثر؟!!!.

لابد وان لوثر- رجل الصلاة- قضى أوقات طويلة جدا امام عرش الله في الصلاة والتأمل قبل ان يقوم بكتابة هذه الاحتجاجات. لقد عاش هذا الامر قبل ذلك، وعلم عنه عدة مرات، فلماذا لا يلخص عظاته وتأملاته وأفكاره في عدة جمل قصيرة ضد بيع صكوك الغفران؟!!! وفعلا جلس لوثر وبدأ يكتب عدة نقاط احتجاج على هذه التعاليم الخاصة بصكوك الغفران، ووصلت هذه النقاط التي كان يسجلها بقلمه إلى خمس وتسعين نقطة. وكانت هذه النقاط مكتوبة بأسلوب سريع وهادئ. ثم علقها على باب كاتدرائية فيتمبرج في يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1517[13].

وتوجد عدة حقائق جديرة بالذكر فيما يخص هذه البنود.

1-               تاريخ تعليق هذه الاحتجاجات: علق لوثر هذه في يوم 31 أكتوبر سنة 1517، وهو عشية عيد جميع القديسين[14] ولقد اعتاد الشعب ان يأتي من كل حدب وصوب من ولايات ساكسونيا للاحتفال بهذا العيد في أول نوفمبر (تشرين الثاني) للحصول على الغفران الذي يحصل عليه الزائرون لهذه الكاتدرائية المليئة بذخائر القديسين الغنية بالغفران والجدير بالملاحظة ان الهجوم ضد صكوك الغفران، لم يكن موجها ضد تتزل وحده، بائع الصكوك، بل ان لوثر بجسارته هذه هاجم أيضا في نفس الوقت كل من يحميه أو يناصره أي الملك فردريك نفسه[15] وخاصة لأن هذا الملك كان قد اعد مجموعة ضخمة من ذخائر القديسين وصلت إلى ما يقرب من 17000 ذخيرة يمكنها ان تمنح ما يقرب من 127.000 سنة إعفاء من عذابات المطهر[16].

2-               الامر الثاني هو ان تكون اللغة التي كتب بها لوثر هذه الاحتجاجات. هي الألمانية لغة الشعب، لكنه كتبها باللغة اللاتينية لغة المثقفين والمتعلمين. وكأنه يدعو أولا وقبل كل شيء الاكليروس كله والعلماء والمثقفين لمناقشة هذا الامر العقائدي الخطير بهدوء وبطريقة علمية مدروسة وصحيحة. لقد كان يدعوا أولا العلماء والمعلمين (اللاهوتيين) لدراسة هذا الموضوع وتحميلهم المسئولية الثقيلة.

3-               الامر الثالث، المكان: لقد وضع لوثر هذه الاحتجاجات على باب الكاتدرائية في فيتمبرج. ومع انه علقها في المكان الذي كانت تعلق فيه إعلانات الكنيسة والجامعة الا ان هذا المكان بالذات كان يخص الكنيسة أكثر من الجامعة.

            فقد أراد لوثر بهذه الحركة ان يعلن للكنيسة عامة بأنه في الكنيسة، بل ومن اجلها يقوم بهذا العمل. ولم يسمح لنفسه بان يهاجم الكنيسة. ولم يخطر على باله حتى تلك اللحظة أو في أي لحظة ان يترك الكنيسة أو يهاجمها أو ان يندد بتعاليمها. بل كان يحبها ويحترمها. ولهذا السبب فقد كتب في هذه الاحتجاجات يقول: (ونحن لا نريد ان نقول أي شيء أو نعتقد بأي شيء- لا يتفق وتعاليم الكنيسة الكاثوليكية[17]  وبما ان لوثر لم يفكر قط في الانفصال عن الكنيسة ولم يكن يريد الا إصلاحها من الداخل فقد قام بكتابة هذه النقاط كما انه قام أيضا في نفس اليوم الذي علق فيه هذه الاحتجاجات بكتابة خطاب في غاية الأدب والرقة والاحترام والخضوع الكامل وأرسله إلى رئيس أساقفة ماينس يشرح فيه سوء استعمال صكوك الغفران ويتوسل إليه ان يتدخل سريعا ويأمر بإيقاف هذه العملية[18]*.

        كان لوثر يجهل الاتفاق الذي تم بين ليون العاشر وألبرت وبنك فيكر. بل كان يعتقد بان رئيس الأساقفة لا يعلم بهذه الاتفاقية. لذلك فقد رأى انه من الواجب عليه ان يلتمس منه باسم الرب يسوع ان يتدخل سريعا لحسم الأمور، وإبعاد هؤلاء الوعاظ ومنعهم من الوعظ. ولقد أرسل مع خطابه هذا نسخة من الاحتجاجات.

        وكان ينتظر لوثر رد على هذا الخطاب، ولكن للأسف طال الانتظار. لأن البرت أرسل خطابه وصورة من الاحتجاجات إلى روما[19].

        وقد سبق ان اشرنا إلى ان المصلح قد كتب هذه الاعتراضات باللغة اللاتينية داعيا بذلك العلماء والأساقفة والكهنة لأن يناقشوا معه هذه البنود. ولم يتحرك احد من المسئولين. بل بالعكس قام بعض الطلاب- رغم رغبة لوثر- بترجمة هذه الاحتجاجات الخمس والتسعين إلى اللغة الألمانية[20] وحالا تناولتها المطابع وقامت بطبعها ثم ترجمت إلى لغات أخرى، وفي خلال أسبوعين انتشرت داخل ألمانيا وخارجها. بفضل اللذين جاءوا لكي يحتفلوا بعيد جميع القديسين.

        فلقد جاء هؤلاء للحصول على صكوك الغفران فرجعوا إلى بلادهم حاملين معهم احتجاجات المصلح المدعمة من الكتابات المقدسة ضد هذه الصكوك.

 

ما هي محتويات هذه الصكوك

بما ان بائعي هذه الصكوك ادعوا انها تمنح الحياة الأبدية للتائبين وتخرج النفوس المطهرية من المطهر، فان لوثر قدم في أول احتجاج الطريقة السليمة التي يستطيع بها الإنسان الخاطئ التائب ان يحصل على الحياة الأبدية، وهي التوبة الحقيقية وانسحاق القلب (مر 17:51)، وليست بشراء صك الغفران ثم الانغماس في الحياة الشريرة.

وبما انه ليس من السهل لضيق المكان هنا ذكر وتحليل كل هذه الاحتجاجات الخمس والتسعين. لذلك نكتفي بإشارة إلى بعضها أو ما قصد لوثر ان يعلمه عن طريقها:

الاعتراض الأول: (عندما قال ربنا وسيدنا يسوع المسيح "توبوا" أراد بذلك ان تكون حياة المؤمن كلها توبة مستمرة وقد قال لوثر في مكان آخر: (المؤمن هو البار الخاطئ)[21]

الاعتراض الخامس: (لا يستطيع البابا- حتى لو أراد- ان ينقذ الإنسان من عقوبة قانون الا ما سنه هو نفسه بمحض إرادته.

الاعتراض السادس: (ليس في سلطان البابا ان يزيح أو يلاشي عن الإنسان عقاب خطيئته أو يغفر له، وإنما يعلن للخاطئ ان خطاياه قد غفرت).

الاعتراض الحادي والعشرون: (ضل الذين يقولون بأنه متى رنت النقود في صندوق الجمع تخلص النفس من المطهر منطلقة إلى السماء).

الاعتراض الثاني والثلاثون: (ضل الذين يتوهمون بأنهم في أمان بسبب الغفران، فانهم مع تعاليمهم هالكون).

الاعتراض السادس والثلاثون: (ان المسيحي الحقيقي، الذي يترك خطاياه بقلب منسحق نادم، تغفر خطاياه ولا حاجة له إلى صكوك غفران).

الاعتراض الثلث والأربعون: (على المسيحي ان يفهم حقيقة ان الذي يحسن إلى مسكين أو يقرض محتاجا يقوم بعمل أفضل من شراء صكوك الغفران)

ولابد ان لوثر يشير بهذا الاعتراض الأخير إلى ما قد ادعته الكنيسة في استخدام بيع استحقاقات القديسين لكنز لها وتحت تصرفها. ان الكنز هو انجيل المسيح يسوع المحرر وهو قوة الله للخلاص لكل من يؤمن (رو16:1-17)

 

ويمكننا ان نلخص محتويات هذه الاحتجاجات في الآتي:

الاحتجاجات من (1-29) : مجموعة من الاحتجاجات ضد صكوك الغفران للنفوس المطهرية، وحاول لوثر ان يبين ان سلطان البابا لا يمتد لأبعد من الأرض وليس له سلطان على الأرواح في المطهر، ثم يرجع إلى متى 19:16 ليبين ان سلطان الحل والربط نافذ المفعول هنا على الأرض فقط وليس في السماء.

الاحتجاجات من (30-86) : مجموعة أخرى يتكلم فيها عن الصكوك الخاصة بالأحياء. ويشرح لوثر ان الشرط الأساسي للحصول على الغفران هو التوبة الحقيقية.

الاحتجاجات من (69-90) : في هذه المجموعة من الاعتراضات يحذر المصلح الذين يرتكبون الخطايا والموبقات بدعوى انهم حصلوا على صكوك غفران. كما انه يتكلم عن المبالغة في سلطان البابا.

الاحتجاجات من (91-95): ويختم المصلح الألماني هذه الاحتجاجات بتحذير الشعب من الأنبياء الكذبة الذين ينادون للشعب بالسلام، ولا سلام حقيقي (خر 10:13-16) ويعلن للشعب ان دخول السماء أو الحصول على الخلاص ليس طريقا سهلا هينا لينا، يشترى ويباع بالمال، بل كما هو مكتوب"انه بضيقات كثيرة ينبغي ان ندخل ملكوت السماوات (أع 22:14) ان دخول ملكوت السماوات لا يتم بالوعود الكاذبة وغير الحقيقية، بل بالتوبة الحقيقية وانسحاق القلب وقبول الرب يسوع المسيح كمخلص. ويمكننا ان نقول ان الإصلاح قد بدأ فعلا في ألمانيا يوم 31 أكتوبر اليوم الذي تحتفل به كل الكنائس القديمة وبعض الكنائس الإنجيلية المصلحة الآن. كنقطة انطلاق للإصلاح وبدايته.

 

 

 

 

 

هوامش الفصل السابع

 


 

[1] Strohl P.214., Greiner P.49-50.

[2] R. Bainton, P.54.

[3] H. Strohl P. SA. Vie 122-123.

[4] A. Greiner P. 52-53.

[5] H. Strohl P.245; Greiner un Passiome, P.27.

[6] Elsie Singmaster, the story of his life., P. 44-45., Greiner. Un pass. P.29-32

[7] Daneil Oliver, Le Proces Luther, 1517-1521. Faxard. P. 21-23, Strohl, 244-245, casalis 49; R. Bainton, P.56-57.

[8] R. Bainton, P.54.

[9] WL 65. ss.

[10] Strohl Sa vie 116.

[11] E. Singmaster,  46, Strohl Sa vie 118.

د. عزت زكي، ص48.

[12] A. Greiner P.53, R. Bainton, P.54.

[13]Daneil Oliver, P.14.

*ان تتزل لم يصل إلى فيتمبرج ولم يكن مسموحا له ببيع صوك فيها.

** لم يمنع فريدرك بيع هذه الصكوك لأنه رأى فيها منافسا خطيرا لذخائر القديسين التي جمعها وعرضها في كاتدرائية فيتمبرج، واضعافا لدخل هذه الذخائر.

 

[14] A. Greiner, Um Passionne P.30-32.

[15] G. Casalis. P. 52;

[16] Greiner Bio. P.54.

[17] G. Casalis. P.53.

[18] WBrl, 48.

[19] E. Sing Master P. 46-49.

يوجد نص هذا الخاطب مترجما باللغة العربية في أ. موريسون. ترجمة القس باقي.

[20] E. Singmaster, 49, WBr 62, P. 152,1,10. Luther a Scheurl

[21] H. Strohl, P. 253.

 

 

 

 

 

 

الفصل الثامن

ماذا عملت يا لوثر

   للأعلى

بدء القضية:

          كان لوثر أول المندهشين من رد الفعل الذي أحدثته هذه الاعتراضات الخمس والتسعين. ألم يذكر ذلك في خطابه للبابا. ان انتشار هذه الاعتراضات بهذه السرعة وهذه الكيفية يعد معجزة. وكل ما كان يقصده من كتابتها هو ان تناقش أولا في الجامعة وعلى المستوى الجامعي فقط. ولكن بعد ان ترجم الطلبة هذه الاحتجاجات انتشرت ليس فقط في ألمانيا بل في كثير من البلاد المجاورة. وبدأ الجامعيون والعاميون، التجار وأصحاب الحرف في دراستها بل أصبحت موضوع أحاديث الناس. أما منافسو لوثر فقد رأوا ان نهايته قد اقتربت، وان مصيره سيكون الحرق على خشبة مثل الذين سبقوه في هذه الجرأة وقد سبق ان قلنا بأن لوثر أرسل في نفس اليوم الذي علق فيه هذه الاعتراضات نسخة منها مع خطاب خاص إلى رئيس الأساقفة. وعندما استلم ألبرت هذا الخطاب انشغل انشغالا عظيما. ولم يكن سبب انشغاله هو الناحية التعليمية أو العقائدية أو الروحية بل ان الذي أزعجه في هذا الخطاب انه رأى فيه تهديدا واضحا لمشروعه المالي إذ انه كان يعلق آمالا كبارا على نجاح هذا المشروع لكي يسدد عنه طريقه ديونه الكثيرة وحالا أرسل نسخة من الخطاب إلى البابا ليون العاشر. واستلم البابا رسالة رئيس أساقفة ألمانيا  وقرأها، ثم أعاد قراءتها، انها معارك رهبان سكارى. لقد فسر البعض هذه الجملة بمعنى ان ليون العاشر لم يعر هذا الامر اهتماما كبيرا[1] بينما حقيقة الامر غير ذلك.

        وربما لم يعر ليون هذا الامر اهتماما كبيرا في أول لحظة ولكنه حالا أدرك خطورة الموقف كان خطيرا فعلا بل في غاية الخطورة، إذ ان المصالح الرومانية كانت مهددة، وبدأ يفكر في حل.

        ومع ان رئيس أساقفة ألمانيا كان قد أرسل هذه الاحتجاجات إلى روما الا انه لم يقف مكتوف اليدين، كما ان الراهب الدومنيكاني تتزل. طلب من جامعة فرانكفورت ان تدرس هذه الاحتجاجات وبعد دراستها أقروا بأنها تحتوي على 116 خطأ عقائدي وبناء عليه رفع الامر إلى روما بأن لوثر هرطوق[2] يجب محاكمته.

        عندما وصل تقرير رئيس الأساقفة والجامعة ، طلب البابا من الكاردينال كاجتان (Cajetan) وهو دومينيكاني ومن أعظم علماء الفاتيكان في ذلك الوقت ان يكتب له تقريرا عن هذا الموضوع[3] ومن أول ديسمبر (كانون أول) بدأ كاجتان في دراسة الخمسة والتسعين احتجاجا كذلك السبعة والتسعين التي سبق ان عرضها للمناقشة في سنة 1517 أي قبل ظهور هذه الاعتراضات الخمسة والتسعين وفي آخر ديسمبر (كانون الأول)  قدم كاجتان تقريره. وخلاصته:

        ان لوثر يهاجم الكنيسة الكاثوليكية في قضيتين:

1-   لا خلاص بالأعمال الحسنة أو بالاستحقاقات الشخصية.

2-   ان السلطة الكنسية غير معصومة وعلى المؤمن الاعتماد على الروح القدس الذي يرشده والرجوع إلى الكتاب المقدس[4].

 

وفي 3 فبراير (شباط) 1518 كلف البابا ليون الرئيس العام للأغسطينيين بأن يصدر أمره إلى ستوبيتز المسئول عن الرهبانيات الاغسطينية في ألمانيا بأن يعمل ما في وسعه لكي يسحب لوثر احتجاجاته وان يعلن طاعته وخضوعه وإلا فلابد من محاكمته في روما.

        ولقد ظهرت ردود الفعل على هذه الاحتجاجات الخمسة والتسعين في أماكن كثيرة، فقد عقد تتزل اجتماعا في العشرين من يناير (كانون الثاني) 1518 في دير فرانكفورت على نهر الودر لكي يرد عليها. وتعالت أصوات الوعاظ المكلفين ببيع صكوك الغفران مطالبين بحرق لوثر.

        عندما كتب لوثر هذه الاحتجاجات كتبها بطريقة موجزة جدا لكي تناقش وتدرس في الجامعة وعلى مستوى جامعي. ولكنه لما وجد انها انتشرت في طول البلاد وعرضها وأصبحت في متناول العالم والجاهل. وخشى ان تفهم الاحتجاجات وتفسر بطريقة خاطئة. لذلك نشر عظة في مارس (آذار) 1518 عن النعمة والصكوك يشرح فيها هذه المشكلة بطريقة واضحة[5] وزاد الجدل والنقاش بين الطرفين لدرجة ان تتزل تطرق وقام بحرق الاحتجاجات الخمسة والتسعين وردا على هذا الفعل قام الطلبة أيضا بحرق بعض صكوك الغفران[6] التي كان تتزل مكلفا ببيعها.

 

 

 

هوامش الفصل الثامن

 


 

[1] Greiner P.59.

[2] Daneil Olivier, P.26.

[3] Strohl P. 268, D. Hourticq P. 37.

[4] Strohl Savie P. 124,; Strohl P. 268, Hourticq P.37, 38.

[5] W. 1, 239 SS

[6] Strohl P.268, 269.

 

 

 

 

 

 

الفصل التاسع

مجمع هيدلبرج (Heidelberg)

   للأعلى

        لقد وجد ستوبيتز- الصديق المخلص للوثر في موقف حرج جدا امام طلب البابا، وعلى أي حال فانه كان مضطرا لأن يعرف لوثر هذا الامر. ورد المصلح في 31 مارس (آذار) سنة 1518 على خطاب أبيه الروحي شارحا اقتناعه بالآراء التي ينادي بها وانه لن يتخلى عنها ما لم يقتنع كتابيا. وبناء عليه كان ستوبيتز مضطرا ان يدعو لوثر للمثول امام مجمع من الرهبان وتحدد تاريخ الاجتماع في يوم 25 أبريل (نيسان) 1518 ومكانه في مدينة هيدلبرج. ولقد أراد لوثر ان ينتهز هذه الفرصة لكي يشرح للإخوة الرهبان أفكاره العقائدية ليس فقط فيما يخص صكوك الغفران والمطهر بل في مواضيع أخرى[1] ولقد دعم حديثة باقتباسات من كتابات القديس بولس الرسول ثم من كتابات القديس اغسطينوس الذي كان يعتبره المفسر الأمين لبولس.

        انتهت المنافسة في جو هادئ لطيف، على ان لوثر لم يستطع ان يقنع معارضيه من الدومنيكان أتباع توما الاكويني وخاصة كبار السن منهم الا انه ترك في نفوس الشباب تأثيرا عميقا جدا بل ان كثيرين منهم  قرروا من تلك اللحظة تأييد لوثر تأييدا كليا. لقد كان من بين الطلبة الذين سمعوا لوثر وتأثروا به في هذا اليوم مارتن بيسر (Martin Bucer) [2] الذي أصبح من أعظم المصلحين فيما بعد في ستراسبورج.[3]

        وبما ان لوثر لم يسحب هذه القرارات وصمم على التمسك بها فقط طلب منه ان يكتب إلى البابا خطابا يشرح فيه موقفه. وبدأ لوثر دعوته إلى فيتمبرج في 15 مايو (أيار) 1518 في الكتابة للبابا شارحا محتويات هذه الاحتجاجات والقصد منها، ثم كتب أيضا خطابا يظهر فيه خضوعه الكامل له. كان لوثر في ذلك الوقت يثق في البابا كل الثقة. ولذلك شرح له في ذلك المكتوب الطريقة التي استعملها بائعوا الصكوك. وكيف ان هذا الامر يعتبر عارا وإهانة للمسيح. وكما طلب من رئيس أساقفة ألمانيا التدخل السريع لمنع هذه المهازل. فقد توسل إلى البابا أيضا بان يتدخل سريعا لمجد الرب وقد ختم لوثر خطابه بعبارات تدل على خضوعه واحترامه للبابا. ولطول الخطاب نقتبس منه الخاتمة فقط (... أيها الأب الأقدس انني القي بنفسي امام قداستكم خاضعا بكل مالي وبكل حالي أحيوني أو اقتلوني، أرفضوا أو أقبلوا قضيتي واحكموا بخطئي أو بصوابي كما تشاءون وانني اقبل صوتكم كما لو كان صوت المسيح متكلما عاملا فيكم فان كنت استحق الموت فلن ارفضه... لأن للرب الأرض وملؤها، فليكن اسم الرب مباركا، وليحفظكم الرب للأبد، أمين)[4].

        ومن يقرأ هذا الخطاب كله يلاحظ من أول وهلة خضوع لوثر التام للبابا ثم ثقته المطلقة فيه. وكيف لا يثق فيه وهو يعتقد ان ليون رجل قد كرس حياته للخدمة وانه نائب المسيح على الأرض ولا يعمل الا لمجد المسيح فلذلك يلقي بنفسه تحت قدمي هذا الرجل عارضا مشكلته عليه واثقا فيه وفي رسوليته وغيرته لمجد المسيح وحده. لقد أرسل لوثر تفسيره للاحتجاجات التي تدعى بالحلول أو القرارات[5] ثم خطابه الموجه للبابا ، إلى رئيسه وصديقه ستوبيتز وكتب هذا الأخير تقريره عن ما حدث في مجمع هيدلبرج وأرسل الملف إلى روما فوصل إليها في نصف يونيو (حزيران) 1518. ولما وصل ملف لوثر إلى روما وأحيل إلى بريرياس (Priearias) المسئول عن الشئون القانونية والمالية وقدم المسئول القانوني تقريره الآتي:

        كل من يدعو باسم الكنيسة ليس لها حق في ان تتصرف وان تسلك بالطريقة التي سلكت فيها فيما يختص بموضوع صكوك الغفران فهو هرطوق ويجب محاكمته. وقد استعمل بعض العبارات الجارحة في وصف لوثر (Stvohl 273) *

        وبناء على هذا التقرير أصدرت روما في أول يوليو (تموز) أمرها إلى لوثر لكي يحضر إلى المحاكمة في خلا ستين يوما من استلامه الرسالة وهذه المدة لا تكفي الا لقطع المسافة بين فيتمبرج وروما وقد وصلت إليه في السابع من أغسطس (آب).

        ترى هل يذهب لوثر إلى روما؟

 

 

 

 

 

 

هوامش الفصل التاسع

 


 

[1] W1, 350, 374; I 160, 169.

[2] Haurticq.

[3] W Br. 175 p174, 1, 46.

  [4]  ميرل دوبينياه ص 119- 120، أ. موريسون 47-50.

Strohl 272-273.

[5] W 1  522-628, 9  181.

* Stvohl 273.

 

 

 

 

 

 

 

الفصل العاشر

لوثر امام الكاردينال كاجيتان (Cajetan)

   للأعلى

كان لوثر لا يريد ان يحاكم امام محكمة رومانية، بل امام محكمة ألمانية، ليس خوفا على حياته، بل كان يعلم جيدا ان ذهابه إلى روما يعني قتل القضية ودفنها.

        ولذلك فقد كتب إلى حامية الملك فريدرك. كما انه كتب إلى صديق له يدعى سبالاتين(Spalatin) وكان زميلا له في الدراسة وأصبح سكرتير البلاط الملكي              *(Strohl 274)  .

        اعتبر لوثر من ذلك الوقت هرطوقا ويجب ان يحاكم كهرطوقي ولذلك فقد وعد الإمبراطور العجوز فاكسيمليان بمعاقبته ومطاردته كهرطوقي (Daniel Oliview 39-42). ولقد كلف الكاردينال كاجتان للقيام بالإجراءات اللازمة لدى السلطات الألمانية لكي يسلمه للمحاكمة في روما.

        كان الكردينال يعتقد بان مهمة إخراج لوثر من ألمانيا ليحاكم في روما ليست بالمهمة الصعبة، إذ ان الإمبراطور اظهر رغبته في مقاومة كل الهرطقات، فما كان عليه الا ان يقنع الأمير المنتخب فريدرك الساكسوني بتسليمه. وكان فريدرك رجلا نزيها شريفا ويحتل مكانة ممتازة في الإمبراطورية وكان أيضا متقدما في السن وسياسيا محنكا. ولذلك كان يدرك تمام الإدراك ان روما والإمبراطور ماكسيميليان، لن يتبع سياسة العنف ليرغماه على تسليم لوثر للمحاكمة. على ان البلاط الروماني حاول بطرق عديدة وبكل الوسائل ان يكسب هذا الأمير إلى جانبه. فقد استعمل الترغيب مرة والشدة أخرى. ولذلك ذهب الكاردينال كاجيتان حاملا معه وعدا من البابا بمنح الأمير وردة الذهب: وهو أسمى نيشان تمنحه البابوية. كما انه اسر له أيضا عن نية البابا في إرسال كميات كبيرة من صكوك الغفران كان قد طلبها من عدة سنين[1] وبأسلوب دبلوماسي طلب منه ان يسلم له لوثر لكي يحاكم في روما على هرطقته. وامام هذا الطلب كان فريدرك رابط الجأش، قوي العزيمة، صلب كالصخر لا تلينه الوعود ولا يهزه الوعيد، فأجاب الكاردينال بان لوثر لا يمكن ان يحاكم في محكمة لا تعرف قانونا الا الكتب المقدسة. ولكن على أي حال لم يكن عنده مانع بان يتقابل قداسته مع لوثر في مدينة أوجسبورج (Augsbourg).  وامام هذا الامر الواقع لم يجد الكاردينال مناصا الا القبول ظانا بأنه يستطيع ان يقنعه بأخطائه المزعومة فيسحب اعتراضاته وينكرها. وعندئذ طلب الإذن من روما بمقابلة الراهب العاصي. ووافقته روما على المقابلة. على ان فريدرك اشترط على الكردينال الا يرغم لوثر على الانسحاب ان لم يرد هو نفسه ذلك. على ان تكون المناقشة ودية. وحالا أرسل إلى لوثر خطابا يؤمن نية لوثر في رحلة الذهاب من فيتمبرج إلى اوجسبورج والعودة منها يضمن سلامته.

        كان لوثر يجهل بعض تفصيلات هذه الرحلة والشروط التي وضعها فريدرك لضمان سلامته في الطريق ومقابلة كاجتان، ولكنه كان لا يجهل أبدا ان رفضه سحب هذه الاعتراضات أو تمسكه بها سيقوده حتما إلى الحكم عليه بالحرق. ولابد ان صورة بعض الذين حكمت الكنيسة بهرطقتهم. مثلت امام عينيه وكتب إليه الأصدقاء والمحبون ان يمتنع عن الذهاب إلى اوجسبورج ولكنه ثبت وجهه للذهاب إليها. وفي الطريق كتب إلى صديق له يقول: "ليمت لوثر ويحيا المسيح"[2] .

        وصل لوثر إلى هذه المدينة الغنية الجميلة التي اشتهرت بفرسانها وأمرائها والسلطات الكنسية فيها. وبدأت المقابلة بين الكاردينال كاجتان ممثل البابا والراهب لوثر في يوم الثلاثاء الموافق 12 أكتوبر (تشرين الأول) 1518.

        وقد استقبله العاهل الرسولي استقبالا حسنا. وبعد هذا الاستقبال اللطيف دخل الكاردينال في طلب الموضوع.

        وقد اتفق معظم المؤرخين والمتخصصين في الدراسات اللوثرية على ان الطلب الأول الذي طلبه كاجتان من لوثر هو ان يتنازل عن تعاليمه التي نادى بها[3] فقال له إذا كان هذا هو كل المطلوب منه عمله هناك فلماذا إذن القيام بهذه الرحلة الطويلة المتعبة والمرهقة وكان في الامكان طرح هذا الطلب عليه في فيتمبرج؟!!!

        كانت التعليمات التي تلقاها كاجتان من روما، تأمره بعدم المناقشة فان الكاردينال طالب لوثر بشيء واحد ولم يطلب أي شيء آخر غير ان ينكر صحة تعاليمه. فان كل ما يريده من الراهب هو ان يعلن خطأه في تعليمه وتفسيره وانه مستعد ان يتراجع عما علم به. وأما لوثر فلم يكن ينتظر أي شيء الا ان يقتنع من الكتب المقدسة ومن كتب الآباء بأنه على خطأ وعندئذ حاول كاجتان ان يلعب على الوتر الحساس في المصلح فطلب منه ان يتراجع عن تعاليمه حتى تعيش الكنيسة في سلام. وقد ردد عدة مرات هذه الكلمات: انسحب، تراجع، أنكر هذه التعاليم كما اذكر ان البابا لا يريد الا ذلك وعندئذ يرجع السلام إلى الكنيسة والى لوثر أيضا. على ان لوثر طلب من الكردينال ان يتكرم ويشرح له أخطاءه حتى يستطيع ان يتراجع عنها فان لم تشرح له أخطاءه وان لم يقتنع بالشرح الذي يجب ان يكون مدعما بما في الكتب المقدسة وأقوال الآباء، فانه لن يستطيع التراجع عنها ولا قيد أنمله. وامام إصرار هذا الراهب العنيد الذي سيلقبه فيما بعد بحيوان فيتمبرج بدأ الكردينال يشرح للراهب بعض الأشياء التي علم بها لوثر والتي لا تتفق وتعاليم الكنيسة.

        ومن الأخطاء الرئيسية في رأي ممثل الكرسي البابوي إنكاره كنز الكنيسة، أي ان الكنيسة ليس من حقها ان تتصرف في أعمال القديسين الزائدة (مشكلة التبرير بالإيمان) هذا الامر الذي أنكره لوثر في الاحتجاج رقم 58 الذي تمسك به أيضا في القرارات التي أرسلها للبابا، ثم تمسكه بفكرة ان فاعلية الفرائض المقدسة متوقفة على إيمان الشخص وليس على الفريضة في حد ذاتها واعترض أيضا كاجتان على مفهوم لوثر لعصمة البابا. وهنا طلب لوثر إمهاله يوما للتفكير في الإجابة وقبل طلبه (Strohl 227).

        وفي يوم الأربعاء 13 أكتوبر (تشرين الأول) ظهر لوثر امام الكردينال كاجتان وقد صاحبه هذه المرة رئيس الأديرة الاغسطينية، صديقه ستوبيتز، وأربعة من النواب واثنان من المحامين بأمر من الملك فريدرك، وكاتب قانوني. وقد قرأ الكاتب إقرار لوثر بأنه لا يريد ان يقتنع الا من الكتب المقدسة. وعندئذ كرر الكاردينال كلامه: قائلا بأنه لا يريد الا انسحاب لوثر واعترافه انه مخطئ. وهذا كل ما يريده قداسة البابا. وأما لوثر فكرر بدوره انه لا يريد هو أيضا الا شيئا واحدا وهو ان يقتنع بأخطائه قبل ان يعترف بها[4].

        وقال لوثر انه على استعداد لأن يقبل حكم جامعة بازل أو فريبورج أو لوفان أو باريس. وعندما سمع كاجتان هذا الاقتراح لم يستطع ان يضبط نفسه ولا ان يحكم غيظه ضد هذا الراهب المتمرد العنيد، وصرخ فيه قائلا: (انه لا يريد ان يتناقش معه، وانه لم يأت هنا لكي يتناقش معه بل لكي يسمع اعترافا ويري ندما وسأله ان كان مستعدا ان يعترف بخطأه؟) وخشى ستوبيتز ان تتطور الأمور في المناقشة فتدخل حالا واقترح على الكاردينال ان يتفضل ويمنح لوثر فرصة أخرى يكتب فيها اعتقداته ثم يتكرم في فحصها[5]. كان كاجتان لا يريد ان يرجع إلى روما دون حل، فقبل اقتراح ستوبيتز.

        وفي يوم الخميس الموافق 14 أكتوبر انتهز لوثر الفرصة لكي يشرح عقيدته في موضوع سلطان البابا فهو يعتقد بان المجمع في حكمه يفوق سلطان البابا منفردا بل ان شخصا مؤمنا يعتمد على الكتاب المقدس ويرجع إليه في أحكامه وتفسيره ان يثبت خطاء البابا. ولكي يؤيد كلامه من المكتوب رجع إلى قصة بطرس وبولس وقال ألم يوبخ بولس بطرس على خطأه علانية (غلا 11:2-17) [6] ثم قال انه لا يمكنه ان يقبل ما يرفضه ضميره.

        ثم تحدث عن الإيمان الذي يحرر الإنسان بالنعمة؟ انه يخلق الإنسان خليقة جديدة وهذه الخليقة الجديدة التي هي عمل الله تأتي بالثمار الصالحة.

        وفي يوم الجمعة الموافق 15 أكتوبر (تشرين الأول) 1518 جاء لوثر وقدم للكاردينال كاجتان إجاباته مكتوبة، اما الكردينال فلم يتفضل الا بإلقاء نظرة عابرة وسريعة جدا دون قراءة دقيقة للإجابات ثم بدا من جديد ما قد بدأ به أول في أول مقابلة له مع راهب فيتمبرج قائلا: (أأنت على استعداد ان تسحب أقوالك واحتجاجاتك وتعترف بخطائك أم لا؟) وكان رد لوثر انه ان لم يثبت له من الكتاب المقدس ومن أقوال الآباء أخطاءه المزعومة فلن يتراجع. فصرخ الكردينال في وجه لوثر قائلا: (اختف من هنا ولا ترني وجهك الا إذا قررت الخضوع والاعتراف بأخطائك)[7].

        وفي مساء نفس اليوم طلب الكردينال مقابلة ستوبيتز وطلب منه ان يستعمل سلطانه وتأثيره على لوثر لكي يجعله يتراجع. وكم كان هذا الموقف حرجا ومؤلما وقاسيا على أب يحب ابنه ويعطف عليه. نعم لقد كان لقاء ستوبيتز مع لوثر في ذلك المساء لقاء قاسيا. وطلب الأب الروحي من الابن الاعتدال وعدم المخاطرة وإظهار روح الخضوع. وقبل لوثر إرضاء لأبيه الروحي ان يكتب خطابا في 17 أكتوبر إلى الكردينال واعدا بالا يتكلم فيما بعد عن مشكلة صكوك الغفران بشرط الا يهاجم ثم أعلن أيضا استعداده بسحب كل ما كتب أو علم، بشرط ان يقنعوه من الكتب المقدسة ومن أقوال الآباء بخطأ ما كتب أو علم (ميرل دوبينياه 154-155).

        كان ستوبيتز حائرا ومتألما بخصوص لوثر وكان يفكر كيف يمكن ان يخرجه من هذا المأزق؟ لقد فكر ستوبيتز في عدة طرق لكي ينقذ ابنه الروحي من هذه الأزمة: هل يحسن ان يهرب لوثر إلى باريس؟ أم يخفيه في مكان آمن؟ وأخيرا فكر بان يحله من نذوره ويطلقه... وهكذا فعل.

        وترك ستوبيتز ابنه مارتن في اوجسبورج في 16 أكتوبر. اما محامي لوثر فقد نصحه بان يقدم طلبا مكتوبا قبل مغادرة المدينة باستئناف القضية لكي ينظر فيها من جديد رجال محايدون[8].

        اما الكردينال كاجتان فقد كتب خطابا إلى الملك فريدرك يشره فيه تفاصيل مقابلته مع لوثر ويلتمس منه ان يسلمه إلى روما أو يطرده من مقاطعته ويحثه على القيام بواجبه كمسيحي وان يسلم هذا الهرطوقي إلى السلطة الكنسية لمحاكمته.

        وفي يوم 14 ديسمبر (كانون الأول) كتب الملك فريدرك خطابا أظهر فيه دبلوماسيته وحزمه فقد ذكر الكردينال بأنه ليس في حاجة إلى من يعرفه بواجبه كمسيحي لأنه مسيحي.[9] وبخصوص موضوع لوثر قال انه سوف يعمل ما في وسعه لضمان صمته كما عرفه أيضا بأنه سوف يجمع بعض الضرائب للمساهمة في الحرب ضد الأتراك.

        اما لوثر فقد وصل إلى فيتمبرج في نهاية شهر أكتوبر وكان قد مضى على تعليق هذه الاحتجاجات سنة كاملة. وبالرغم من هذه المشاكل فان لوثر كان يواصل نشاطه في التدريس ودراسة الكتاب المقدس بل أراد ان يتعمق في دراسته أكثر فأكثر. ولذلك فقد بدأ يدرس باجتهاد اللغة اليونانية مع شاب نابه اسمه ملانكثون وصل إلى فيتمبرج وانظم إلى هيئة التدريس في شهر أغسطس (آب) 1518 وهو الذي أصبح الذراع الأيمن للمصلح فيما بعد وبينما كان لوثر في طريقه إلى فيتمبرج وهو عائد إلى أوجسبورج وجد خطابا في انتظاره في مدينة نورمبرج (Nuremberg) من صديقه وزميله سبالاتين سكرتير الملك فريدرك يعرفه بان الامر قد صدر بالقبض عليه وتسليمه إلى روما كما عرفه أيضا بخطاب كاجتان للأمير الذي أرسله ليحثه على تسليم لوثر. وذكر سبالاتين في خطابه بان الأمير لا يريد ان يترك لوثر في فيتمبرج[10] وفي     8مارس (آذار) عرف لوثر بان ميلتيتز (Miltitz) في طريقه للحصول على إذن بالقبض عليه وتسليمه إلى روما. ولأول مرة شعر لوثر بان روما ضد المسيح[11] وهنا نشر مكتوبه لدعوة مجمع عام للنظر في قضيته.

        كان كارل فون ميلتيتز ألماني الجنسية، ذكيا وسياسيا محنكا. ودبلوماسيا ماهرا بالرغم من صغر سنه، وقد كلف من قبل البلاط الروماني بان يذهب إلى ألمانيا لإحضار لوثر للمحاكمة. وقد جاء لمقابلة الملك فريدرك حاملا في إحدى يديه سوطا وفي اليد الأخرى هدية.

        وكانت الهدية هي تسليم الملك فريدرك وسام الوردة الذهبية. وعندما بدأ الكلام معه بخصوص تسليم لوثر إلى روما نبه الملك – الذي كان أكثر دبلوماسية وأطول خبرة وحنكة في الأمور السياسية- الدبلوماسي الشاب بأن الخطر سيكون عظيما إذا هرب لوثر إلى بوهيميا حيث يمكن ان يتجدد الصراع العقائدي والسياسي القديم. فاقتنع ميليتز بهذا الرأي. ولقد لاحظ الملك رغبة الشاب في النجاح في مهمته ولذلك أوحى إليه بان لوثر لا يطلب الا الاقتناع بأخطائه. وربما إذا وجد رجلا حكيما يمكن ان يقتنع. فطلب ميليتز مقابلة لوثر وهذا ما كان يسعى إليه الأمير إذا انه كان يريد ان يثبت ان لوثر كان ومازال محقا في طلبه للمناقشة وليس للخضوع دون اقتناع.

        وقد تقابل الرجلان يومي 6،5 يناير (كانون الثاني) 1519 في مدينة ألتنبرج (Altenbourg) وخرج ميليتز بانطباعات طيبة من هذه المقابلة. ونتيجة لهذه المقابلة قبل لوثر ألا يتكلم فيما بعد عن صكوك الغفران شريطة الا يهاجم[12] وطلب ميليتز إلى البابا دون ان يستشير كاجتان ان يسند هذه القضية إلى قضاة ألمان للحكم فيها. لكن آك نشر هجوما في 29 ديسمبر (كانون الأول) 1518 ضد أحد زملاء لوثر وهو الدكتور كارلستادت (Carlstadt) وفي حقيقة الامر لم يكن كارلستادت هو المقصود بهذا النقد بل لوثر نفسه وكان هذا الهجوم حلا للوثر من العهد الذي قطعه مع مليتز وأصبح حرا في الدفاع عن آرائه ضد هذا الهجوم، ولم يعرف لوثر بموضوع آك الا بعد اجتماع 6 يناير (كانون الثاني) وظل الصراع بين آك  وكارلستادت مستمرا.

        ثم جاء موت الإمبراطور ماكسيمليان في يوم 11 يناير (كانون الثاني) بمثابة هدنة مؤقتة لوقف هذا الصراع بين الطرفين فقد احتل موت الإمبراطور العجوز ماكسيمليان وانتخاب إمبراطور جديد المكانة الأولى في عقول الناس وانقسم أمراء وملوك الإمبراطورية فقد ايد بعضهم شارل الأسباني بينما ايد الآخرون فرانسوا الأول. كما انقسم الأمراء فيما بينهم على تعيين الإمبراطور الروماني، فان البلاط الروماني كان في حيرة: يميل تارة إلى واحد وتارة إلى آخر[13] وانتهت هذه المعارك السياسية بانتخاب شارل الأول ملك أسبانيا والذي حكم ألمانيا باسم شارل الخامس. وهو حفيد الإمبراطور ماكسيمليان[14] وعندما تربع الإمبراطور الجديد على عرش هذه الإمبراطورية المترامية الأطراف كان في التاسعة عشرة من عمره. وقد انتخب في يوم 28 يوليو (تموز) 1519[15].

 

 

 

 

 

 

 

هوامش الفصل العاشر

 


 

*  لا نعرف الا القليل كيف بدأت العلاقة بين لوثر والملك فريدرك، فان البعض يعتقد بان ملك ساكسونيا (فريدرك) سمع مرة لوثر يعظ فأعجب به وقال ان هذا الراهب ليس إنسانا جاهلا فارتبط به من ذلك الوقت (Daniel Oliverier, 28) ويقول البعض الاخر بأنه لم يراه الا مرة واحدة (G. Casalis) والبعض الاخر يعتقد بأنه لم يتكلم مع المصلح أكثر من عشرين دقيقة (Greiner 61, Bainton 69) وعلى ما يبدو فان الملك فريدرك كان يحب لوثر ويحترمه كثيرا فهو الذي سهل له وسيلة السفر والعناية بحراسته في رحلته إلى هيدلبرج ومن تلك اللحظة لم يتخل الملك فريدرك عن الدفاع عن المصلح والوقوف إلى جانبه.

 

[1] Strohl P. 267, Strohl sa vie p.128.

[2] W BR 1 96.

[3] R Bainton P. 69-71, Greiner un Pass.. 34-38; Daniel Oliverier 60-62; Strohl sa vie p.128

[4] Strohl P. 267-278. Houeticq P. 41-43.

[5] W. 9-16.

[6] W2 10-12.

[7] Daniel Oliverier P.63-66.

[8] W Br. 1, 104P. 123.

[9] Strohl P. 281-285.

[10] W Br. 1, 116; 1 118.

[11] W Br 1, 121.

[12] Strohl P. 130-131.

[13] Strohl sa vie P. 133.

[14] Greiner un Pass.. 36-37.

[15] Strohl P.286.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الحادي عشر

حوار مفتوح في مدينة ليبزج(Leipzig)

   للأعلى

ظهر منافس جديد للمصلح وهو الدكتور آك (Eck) الذي شن هجوما عقائديا عنيفا ضد الدكتور كارلستادت، وكان أستاذا في جامعة فيتمبرج وصديقا حميما للوثر. وعندما بدا الدكتور آك في انتقادات لتعاليم كارلستادت كان في الحقيقة يريد ان يسحب مارتن لوثر إلى المناقشة معه، إذ انه كان يعتقد دون ان يصرح بذلك علانية ان الطريقة التي اتبعها كاجتان طريقة غير صحيحة  وانه هو الشخص الكفء الذي في استطاعته ان يناقش لوثر وان يوقفه عند حده. وقد تحدد  ميعاد ومكان الاجتماع لحوار مفتوح بين العميد آك  والدكتور كارلستادت.  وابتدأ من 22 يونيو (حزيران) 1519 توافد الجماهير على مدينة ليبيزج وتوجه أساتذة وطلبة جامعة فيتمبرج إلى المدينة وكان عدد كبير منهم مسلحين[1] وبدا الحوار في الأسبوع الأول [2] بين الدكتور آك وبين الدكتور كارلستادت  كان آك  في قوة الذاكرة حاد الذكاء عليم بأقوال الآباء وتعاليمهم متبحرا في دراسة قرارات المجامع.، كما انه كان خطيبا مفوها. اما كارلستادت  فقد تميز بمعرفته للكتب المقدسة معرفة جيدة. وقد تعمق في دراستها وفهمها وبعد خطاب الافتتاح الذي ألقاه (موزيلانزس) (Mosellanus) عميد جامعة ليبيزج بدأ الحوار بعد الظهر. وكان المتكلم الأول هو الدكتور آك واستطاع ان يجذب انتباه عدد كبير بسلاسة أسلوبه وقوة حجته وتمكنه من معرفة أوال الآباء اما كارلستادت فكان يستشهد في خطابه بعدد كبير من الكتب في جمعها ووضعها أمامه. وكان موضوع النقاش في هذه الأيام مركزا على مشكلة حرية الإرادة.

        وفي يوم الأحد الموافق 29 يونيو (حزيران) طلب دون بارنيم (Barnim) من لوثر ان يعظ في الكنيسة للشعب الذي جاء معه من فيتمبرج وكانت عظته في انجيل متى 13:16-20 ولقد ترك تأثيرا قويا وعميقا لدرجة ان السلطات منعته من الوعظ مرة ثانية هناك.

        ظل الحوار بين آك وكارلستادت وان كان تفوق آك ورجحان كفته ظاهرا. وفي يوم 4 يوليو وهو اليوم الذي كان ينتظره آك بفارغ الصبر من عدة شهور لمناقشة الدكتور مارتن لوثر ودار الحوار لمدة خمسة أيام حول سلطان البابا. وحاول آك ان يستخدم أقوال الآباء في إقناع لوثر وشدد آك على ان الذي لا يعترف بسلطان البابا روما لا يعتبر عضوا في كنيسة يسوع المسيح. وعندئذ سأله لوثر ماذا تقول إذا في الذين قدموا حياتهم وعاشوا الإيمان المسيحي بكل تقوى وقداسة؟ لا بل استشهد من اجل اسمه في الكنائس الشرقية؟ واستطرد أيضا يقول: ما رأيك في موقف بولس الذي وبخ بطرس علانية، هل كان بطرس معصوما من الخطأ؟  وواصل دفاعه بالقول: وما رأيك في المجامع فقد حكم الواحد على الاخر وحرمه، فمن هو الحارم الحقيقي ومن هو المحروم الحقيقي؟... وفي نهاية الامر وجه لوثر أنظار السامعين إلى الأساس الثابت القوي المتين وهو الكتاب المقدس، الكتاب الوحيد المعصوم الذي يجب ان يرجع إليه المؤمن لأنه كلمة الله.

        وفي الأسبوع التالي واصل كارلستادت حواره مع آك وانتهى النقاش في يوم 15 يوليو (تموز) 1519. ويعتبر هذا الحوار نقطة من النقاط التي وسعت الفجوة بين الفريقين ومع ان السامعين أحسوا في أحيان كثيرة ان لوثر كان قويا في حجته عميقا في تفكيره جديدا في أسلوبه روحيا في كلامه، الا ان لوثر نفسه اعترف بأنه لم يكن بالقوة التي كان ينتظرها وبالرغم من اعترافه هذا فقد تغير اتجاه عدد لا بأس به من الحاضرين وقبلوا أفكاره الجديدة بفضل هذه المناقشات، على رأسهم السكرتير الخاص للدكتور آك[3] ولكن للأمانة العلمية يجب ان نعترف ان آك قد أحرز بعض النجاح في هذا الحوار لكنه بالغ فيه مبالغة كبيرة جدا عندما حمل بنفسه خبر هذا النجاح إلى روما.

        لم يستطع الكونت جورج دفع المبلغ الذي طلبته جامعة باريس لبحث الحوار الذي دار في مدينة ليبزج بين الدكتور آك وكارلستادت ولوثر ولذلك لم تقم جامعة باريس بدراسته وتقديم رأيها فيه وأما جامعة كولوني ولوفان فقد قدمتا تقريرا دون أي مقابل تحكمان فيه بهرطقة لوثر[4].

        واعتبر آك حوار ليبيزج نجاحا شخصيا وعظيما. ولذلك فقد انطلق إلى روما وبدأ في تحريك الأمور وإثارة النفوس ضد لوثر. فعندما وصل يوم 15 مارس (آذار) قبله البابا ليون بفرح عظيم. واعتبروه الرجل الذي يجب الرجوع إليه في هذا الموضوع. وتكونت لجنة جديدة للحكم على لوثر ضمت كل من أكوليتي (Accolite)) وكاجتان (Cajetane) وآك (Eck) [5]. ولقد كلف آك بإكمال قائمة أخطاء لوثر. وفي يوم 15 يونيو (حزيران) 1520 صدر القرار الذي يهدد بحرمان لوثر إذا لم يعترف باخطاءه وهرطقته في غضون ستين يوما ولقد منح آك  سلطانا مطلقا لتنفيذ هذا القرار وتطبيق الحرمان على كل من يعترض على تنفيذه.

 

 

 

 

هوامش الفصل الحادي عشر

 

 


 

[1] Daniel Olivier 46-50; Daniel Olivier 105.

[2] لقد انقلبت عربة كارلستادت عند وصوله إلى المدينة على ان هذه الحادثة لم تعطل الحوار

[3]   Houeticq P. 49..

[4] Daniel Olivier  p. 118-119.

[5] Daniel Olivier, P. 133.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني عشر

انفصال لوثر عن الكنيسة الكاثوليكية

  للأعلى

منذ ان بدأت الأزمات تواجه لوثر وحتى شهر ديسمبر سنة 1519 لم يفكر المصلح ولم يحاول ان يترك الكنيسة الكاثوليكية. فعندما كان يتصارع ضد مخاوفه وقلقه واضطراباته وهو طالب كان يصارع ويناضل للحصول على خلاصه في الكنيسة ولما لم يجد حلا لمشكلته الروحية أثناء دراسته الثانوية التحق بالدير واستمر في الصلاة والبحث ليحصل على الخلاص عن طريق الصلوات والفروض والطقوس التي عملت بها الكنيسة. في أثناء هذه المراحل كان لوثر يؤمن بان الخلاص الذي يبحث عنه هو في الكنيسة، ولا يجب ان يبحث عنه الا في داخلها. وحتى بعد ان دخل النور إلى قلبه فجدده، وبعد ان اكتشف الاكتشاف العظيم: وهو ان الخلاص بالإيمان والاعتماد على شخص الرب يسوع المسيح وحده وليس بالأعمال لكي لا يفتخر احد، لم يفكر لوثر ولا لحظة واحدة ان يهجر الكنيسة المحبوبة. بل نراه راهبا مطيعا لرؤسائه وكاهنا مثاليا وأستاذا قديرا في محاضراته وتدريسه. وفي الكنيسة أدرك نعمة الله، وفيها أيضا أراد هذا المصلح العظيم ان يعلن انجيل المسيح الذي هو قوة الله للخلاص لكل من يؤمن (رو16:1-17).

      كان لوثر ابنا مطيعا ومخلصا للكنيسة، ولهذا السبب فقد ظل في داخلها ولم يحاول تركها كما انه كان يثق ثقة تكاد تكون عمياء في البابا.        كان يحب هذا الرجل ويكن له كل الاحترام والتقدير والخضوع. كما كان يحب ويقدر رؤساءه رهبانا كانوا أو كهنة أو أساقفة. واستمرت هذه الثقة في رؤسائه. تملأ قلبه وفكره. ومن منطلق ثقته في رؤساءه ومحبته للكنيسة وإخلاصه لها علق لوثر الخمسة والتسعين بندا على باب كاتدرائية فيتمبرج مطالبا الكنيسة والمسئولين فيها باستبعاد كل عقيدة لا تتفق وطهارة تعاليمها الرسولية ولأجل ذلك فقد كتب ملخصا إلى رئيس أساقفة منطقته. وكذلك إلى البابا وآخرين. وقد اعتقد في ذلك الوقت بان ما يقوم به سيلاقي بلا شك تشجيعا وترحيبا عظيمين. ولكن للأسف الشديد، لم يجد منهم ترحيبا ولا تشجيعا. وعلى قدر ما بذل هذا الشاب من جهده في إصلاح هذه الكنيسة من الداخل على قدر ما كان يرى الكنيسة ترفض هذا الإصلاح، بل تحتقره وتضطهده. ولقد استطاع ان يحتفظ بمحبته العميقة للبابا واحترامه له مدة طويلة (ميرل بو 221-223). وقد شجعه على الاحتفاظ بهذه المحبة للبابا ليون العاشر اعتقاده بأن الاخبار لا تصل إليه الا مشوهة أو انه لا يعرف ألا الناحية السلبية من الموضوع. وهذا الامر كان صحيحا جزئيا الا ان ثقته في بعض المسئولين بدأت تهتز، حتى في البابا نفسه عندما علم بخبر وصول ميليتيز لكي يحضره إلى روما للمحاكمة. لقد قام الدومنيكان بحرب شعواء ضده وكذلك الكردينال كاجتان وآك والآن ميليتيز. كل هؤلاء جندوا أنفسهم لكي يجروه جرا إلى روما لا لكي يدافع عن ما يؤمن به بطريقة ديمقراطية حرة، بل لكي يلصقوا به تهمة الهرطقة.

        ولقد اتفق بعض المؤرخين على ان ثقة لوثر في البابا بدأت تهتز اهتزازا عنيفا بل تزول تماما عندما علم في يوم 8 ديسمبر بوصول ميليتيز إلى ألمانيا للقبض عليه. ففي هذا اليوم ولأول مرة خطرت له فكرة ان البابا هو ضد المسيح[1].

        بدأت هذه الفكرة تكبر وتختمر في رأسه وكانت الحوادث التي مرت به، وصراعه العنيف مع الكنيسة ومع قادتها والمسئولين فيها يقوي اعتقاده بهذه الفكرة. ومما ساعد أيضا على نمو هذه الفكرة في ذهنه، هو موقف الكنيسة والبابا بعد مناقشة ليبيزج. فقد ذهب إلى روما لكي يعلن بنفسه هذا النصر العظيم الذي استطاع به ان يحطم لوثر. ولقد استقبله البابا استقبالا رائعا وكون حالا لجنة جديدة لكي تدرس موضوع حرمان لوثر. وهذا ما كان يسعى إليه آك. فأصبح عضوا في هذه اللجنة التي ضمت معلمين لاهوتيين وقانونيين وبعد دراسات طويلة واجتماعات عديدة. صدر القرار بحرمان لوثر في يوم 15 يونيو (حزيران) 1520 وأرسل في يوم 23 من نفس الشهر ونشر في أغسطس وأصبح نافذ المفعول في أكتوبر.[2] وعلى ما يعتقد البعض ان نص الحرمان- أو على الأقل جزء كبير منه كان من تأليف آك. وقيل أيضا انه قدم هذا النص على البابا لكي يوقع عليه عندما كان البابا يقضي فترة استجمام وراحة في منزل خاص ويقضي أوقاته في الصيد. (Daniel Olivier 134) وفي مقدمة قرار الحرمان صلاة كتبها البابا ومنها: (...قم يا رب وانصر حقك ضد الثعالب المفترسة التي تعمل على تخريب كرمك، ضد الوحوش البرية التي تدمره... قم يا بطرس واذكر كنيستك الرومانية المقدسة... قوموا يا جميع القديسين وتضرعوا إلى الله) (أ. موريسون 69، م. دوبينياه 214-215) وبعد هذه الصلاة يجيء نص الحرمان الذي يحتوي على الرد على 41 احتجاجا من احتجاجات لوثر التي حكمت الكنيسة بهرطقتها.

1-   ان يعلن خطأ تعليمه في غضون شهرين من استلام هذا الحرمان.

2-   ان يمتنع عن الوعظ والتعليم والكتابة والنشر.

3-   ان يحرق كتبه التي كتبها.

هذا الحرم صدر ضد مارتن لوثر ينطبق أيضا على كل الذين يتعاونون معه أو يدافعون عنه كما حث القرار كل الكاثوليك، ليس فقط على رفض تعاليمه بل، على عدم التعامل مع كل من يعتنق مذهبه[3] وقد انتشر هذا الخبر في ألمانيا انتشار البرق في سرعته. وخاصة ان الذين تولوا نشره أمثال آك كانوا مغرضين.

        ماذا يعمل لوثر إذا؟

        لقد سبق وان شرحنا ان لوثر كان يحاول حتى ذلك الوقت ان يوصل انجيل الخلاص للكنيسة. كان يحاول ان يبشر في الكنيسة وان يصلحها. ولم يحاول قط ان يهاجم لأنه كان يكن لها حبا عميقا. أما الآن فقد تغير فكره، إذ انه وجد ان الكنيسة لا ترفض الإصلاح فقط، بل انها تريد قتله والوقوف ضده حتى لا يقوم بالتبشير، وفي نفس الوقت فقد سمع بأخبار اجتماع آك مع البابا في روما، ثم سمع أيضا بأخبار الحرمان.

ماذا يعمل لوثر؟

امام هذه المشاكل والاضطرابات.

 

 

 

 

 

هوامش الفصل الثاني عشر

 


 

[1] W. Br, 1, 121. P. 270, 1. 12, Strohl, 283.

للتوسع في دراسة وبحث هذا الموضوع يجب الرجوع إلى هذه الشواهد.

Yoes congar, Martin Luther- SA  Foi; Sa Ke’forme, etudes Le theobogie historiques Les editions du CERF P. 56-58.

[2] Hourticq Notes 17.

أ. موريسون ص70، 71- دوبينياه 214-215.

[3] Daniel Olivier P. 130-140.

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث عشر

كتابات لوثر العظمى

   للأعلى

كانت هذه الفترة بالنسبة للوثر فترت تعب و إرهاق وانتاج عظيم، فبالرغم من هذه الاضطرابات والتهديدات لم يكف لوثر عن التدريس والزيارات والكتابة والتأليف. فقد قام في ذلك العام بكتابة ثلاثة كتيبات تدعى "كتابات المصلح العظمى". وعظمة هذه الكتيبات ليست في كبر حجمها بل في معناها والرسالة التي احتوت عيها هذه الكتيبات. لقد كتبت ونشرت في ظروف دينية وسياسية واجتماعية معينة. والمنشور الأول من هذه المنشورات عنوانه:

 

الكتيب الاول:   إلى الأمة المسيحية الألمانية النبيلة

        لقد خرج هذا الكتيب من المطبعة في شهر أغسطس (آب) 1520 أي بعد انتهاء الحوار اللاهوتي الذي استمر اكثر من أسبوعين في ليبيزج بين لوثر ومنافسيه.

        وبعد انتخاب الإمبراطور الجديد شارل الخامس (Greiner72) .

محتويات هذا الكتيب:

        يقول لوثر قي مقدمته: (مضى وقت الصمت وجاء وقت الكلام)[1] وكان يريد بهذه الجملة ان يلفت نظر اصدقاءه ومنافسيه إلى ان وقت الصمت والطاعة العمياء والخضوع الذي لا فائدة منه، قد مضى وجاء الوقت الذي يجب ان يتكلم فيه فلا فائدة من الصمت (ارميا 17:20-9) ولقد كتب لوثر هذا المكتوب باللغة الالمانية لغة الشعب وتخاطفه القراء حال ظهوره. لدرجة ا نال 4000 نسخة التي ظهرت منه اختقت خلال الستة ايام الاولى من ظهورها[2].

        وقد دعا لوثر في هذا الكتيب الامة الالمانية كلها، وعلى راسها الامبراطور الجديد والملوك والامراء الى القيام بواجباتهم ليس اتجاه المدينة التي انتخبوا لها فحسب بل ايضا للقيام بواجباتهم الروحية التي تتطلب اصلاحا جذريا عجز المسئولون (الاكليريوس) عن القيام له. ويستعمل لوثر في هذا الكتاب لهجة وطنية مناشدا الشعب ان ينفض عن كاهله  التدخل الاجنبي غي شئون الامة الامانية، وان يحمل بنفسة المسئولية فس قيادة الامة والكنيسة. وقال ان الرومانس قد وضعوا ثلاثة حواجز لكي يحتفظوا بالسلطان في المانسا وهي:

1.     الحاجز الاول الضي تفرضه الكنيسة الرومانية هو ان السلطان الروحي فوق السلطان الزمني فلقد طالبنه كنيسة روما بخضوع الاباطرة والملوك والامراء للسلطة الروحية العليا الا وهي سلطان البابا وسلطة الكنيسة ويرفض لوثر هذا المفهوم ويقول انه لا يوجد امام الله اكليريوس علمانيون فان مجيء المسيح غير اوضاع كاهن العهد القديم لأن المسيح هة كاهن العهد الجديد: وهو الكاهن والذبيحة في نفس الوقت كما انه دعى ايضا جميع المؤمنين الذين يقبلونه بالايمان ان يكونوا كهنة مثله فليس الكاهن المرنسم وحده الكاهن الحقيقي بل ان الكاهن الحقيقي هو الذي يقبل المسيح يسوع مخلصا وفاديا[3] وهذا ما يدعى بكهنوت جميع المؤمنين ولقد افتبس عدة فصول كتالية لكي يثبت فكرته هذه (رؤ 6:1، 10:5، 6:20، 1بط 9:2) فهو يقول ان عبارة كاهن تساوي تماما في المفهوم الكتابي مؤمن أو معمد أو مجدد (رو 1:12، عب 5:13، 1بط 5:1، 9)[4]. فلا يوجد اذن فرق بين الاكليريوس والشعب [5] ولا توجد طبقة اكليروسية حاكمة مسيطرة وطبقة علمانية مسيطرة عليها. كلنا ملوك وكهنة الله أبينا. لنا نفس الامتيازات وعلينا نفس الواجبات. وعلى كل مؤمن ان يقوم بالعمل الموكل اليه فالخادم يعمل كخادم والمدبر يعمل كمدبر والحاكم كحاكم... الخ... هذا هو الحاجز الاول الذي فرضته الكنيسة على الشعول وحاول لوثر هدمه[6].

2.     الحاجز الثاني الذي حاول هدمه هو حق الاحتفاظ بتفسير الكتاب للاكليروس فقط: غفد نادت الكنيسة بان رجال الالكيروسفقط هم الذين لهم حق تفسير الكتاب المقدس. اما لوثر فقد  نادى بان تفسير الكتاب المقدس لا يجب ان يكون حكرا على الاكليروس فقط، بل للجميع، لأن روح الله هو الذي يعمل في القارئ كاهنا كان أو علمانيا عالما أو عاميا لكي يفهم المكتوب. فان الله الذي جعل حمارا يتكلم لكي يوبخ نبيه الا يمكنه ان يتكلم على فم انسان تقي لكي يوبخ البابا. فان لوثر يدعوا الجميع إلى فتح الكتاب ليس فقط لقراءته بل لتفسيره ايضا.

3.     اما الحاجز الثالث الذي حاول هدمه فهو الادعاؤ بان البابا وحده له الحق في دعوة المجمع فيقول ان الذي دعى لإنعقاد اول مجمع في التاريخ هم الرسل كلهم وليس بطرس وحده كما ان البابا لم يكن هو الذي دعى لعقد مجمع نيقية أو صدق على قراراته.

لكن يعد عملية الهدم التي قام بها لوثر في كتاباته فانه لا يترك الانقاض، بل يحاول ان يبني مجتمعا جديدا. فهو يدعوه لاصلاح الادارة العامة قي روما. وينادي ايضا باصلاح  التعليم وتنظيم المساعدات الاجتماعية والعمل على تنظيم الكنيسة بطريقة أخرى.

 

الكتيب الثاني:  الاسر البابلي للكنيسة:

        كان الكتيب الول موجها إلى الامة الالمانية كلها وكتبه بلغت الشعب اما هذا الكتيب فانه يوجهه إلى جماعة العلماء في الغلوم الدينية اي اللاهوتيين والى المثقفين ولذلك فقد كتبه باللغة اللاتينية. ولثد ظهر في 6 اكتوبر (تشرين الاول) 1520 [7] . يقول فيه لوثر ان سلطان البابا مؤسس على مفهوم خاطئ لعقيدة الفرائض* زلم يقبل لوثر من الفرائض السبع** التي عملت بها الكنيسة الا اثنتين:

        وهما فريضة الافخارستيا أو عشاء الرباني، وفرسضة المعمودية. كما انه سمح بقبول فريضة التوبة كفريضة مهمة.

        وقد نعرض لوثر في هذا الكتيب لمسالة العشاء الرباني. وكان المصلح الالماني الذي عاش في القرن السادس عشر متمسكا بحضور المسيح فعليا وحقيقيا في الخبز والخمر، بدرجة تفوق عقيدة كثيرين من الكاثوليك في الوقت الحاضر. اذ انه علم بطريقة واضحة وصريحة ان الخبز والخمر يحملان فيهما حقيقة وغعلا وليس بطريقة رمزية أو استعارية جسد ودم يسوع المسيح.

        فعندما نطق السد قائلا: هذا هو جسدي، وهذا هو دمي فان جسد الرب ودمه حلا فعلا في الخبز والخمر، وان المؤمن عندما يأكل الخبز وبشرب الخمر انما يأكل ويشرب جسد الرب يسوع ودمه. على ان لوثر رفض كليا وجزئيا عقيدة التحول (La Trr Hssvbstahtiation ) اذ قال عنها انها فكرة غير كتابية الا انه يميل لاستعمال بعض الاصطلاحات الاخرى مثل: Impanation أو Conssubstahitiation  بمعنى الحضور المزدوج أو وجود شيئين في وقت واحد فكان لوثر يعتقد بحلول المسيح في الخبز والخمر، وهذا الحلول هو حلول ازدواجي وليس بدلي: بمعنى ان جسد المسيح لا يحل محل الخبز والخمر بعد ان يختفي هذان العنصران عندما ينطق الكاهن بالكلام الجوهري، بل هو حلول ازدواجي بمعنى ان الخبز والخمر يظلان كما هما بدون تعير أو تحول والمسيح يحل فيهما. فهذه العملية تشبه عملية التجسد فان اللاهوت لم يلاشي الناسوت عندما حل فيه لكن حل كل ملء اللاهوت في الناسون واحتفظ كل منهما بطبيعته[8] وبنفس الطريقة فان الخبز يظل خبزا والخمر يظل خمرا ويحل فيهما المسيح الذي نتناوله بالايمان عند ممارسة فريضة  العشاء الرباني.

        ان ما كان سخشاه لوثر في مشكلة العشاء الرباني هو المفهوم الشعبي له وابعاد ال