نؤمن ونعترف

 

كتاب العقائد للكنائس الإنجيلية المصلحة

 

 

 

 

 

ترجمها وقدم لها

 

 

 

جورج صبرا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المحتويات

 

تمهيد

مقدمة

قانون الإيمان النيقاوي- القسطنطيني

قانون إيمان الرسل

اعتراف الإيمان في جنيفا

اعتراف الإيمان للكنيسة المصلحة في فرنسا

اعتراف الإيمان الاسكتلندي

قواعد التعليم المسيحي (كاتخيسم هيدلبرغ)

اعتراف الإيمان الهلفيتي (السويسري) الثاني

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تمهيد

        لقد راودتني فكرة نقل الاعترافات الإنجيلية المصلحة الأساسية إلى اللغة العربية لوضعها في متناول الكنائس الإنجيلية في الشرق الأوسط منذ أيام دراستي اللاهوت في الخارج، الا انني لم أتفرغ لتنفيذها الا بعد ان عدت إلى لبنان وبدأت التدريس في كلية اللاهوت للشرق الأدنى فنظمت حلقة دراسية عنوانها "اعترافات حركة الإصلاح وعقائدها" في الفصل الثاني لسنة 1987-1988. وقد قام بعض الطلاب بمحاولة نقل بعض أقسام من الاعترافات التي درسناها إلى العربية كجزء من دراستهم لها. وقد استعنت بما قاموا به أثناء نقلي للاعترافات ككل. وهذا أول كتاب من نوعه لأن الكنائس الإنجيلية المصلحة في بلادنا لم تنقل إلى العربية أيا من اعترافات القرن السادس عشر بل نقل المرسلون الأجانب اعتراف إيمان واحد فقط في القرن السابع عشر هو اعتراف الإيمان الوستمنستري 1643م ولكنه يعتبر من نتاج الفترة المدرسية أو السكولاستيكية في التراث المصلح ولم يكتسب الرواج والانتشار الذي عرفته اعترافات القرن السادس عشر.

        اما عملية النقل فقد تمت في الدرجة الأولى من الترجمات الإنكليزية لهذه الاعترافات كما هي موجودة في كتاب Reformed Confessions of the 16th Century. Ed. By Arthur Cochrane (1966)، ولكنني كنت أعود دوما إلى النصوص الأصلية للمقارنة والتثبيت من الأساس في اللغات الفرنسية والألمانية واللاتينية كما هي منشورة في كتاب ويلهلم نيزل (W. Niesel): Bekenntnisschriften und Kirchenordunungen der nach Gottes Wort reformierten Kirche. (1985).

          وهنا أود ان اشكر طلابي السابقين السادة نديم نصار وبشارة موسى أوغلي ومعن بيطار وسهيل سعود الذين أسهموا في عملية النقل. كما اخص بالشكر الأستاذ الدكتور جبرائيل جبور الذي راجع لغتي العربية فصحح أخطاء جمة وحسن الأسلوب فكان لي شرف التتلمذ على يديه والاستفادة من معرفته الموسوعية للغة العربية وآدابها. كذلك اشكر الآنسة انستازيا جريديني التي طبعت الكتاب كله على الإله الكاتبة وعملت بدقة وصبر وإخلاص. وأخيرا أتقدم بالشكر الخاص لدائرة الشهادة والتعاون في "الاتحاد العالمي للكنائس المصلحة" التي سخت عليّ بمنحة لولاها لما تمكنت من نشر هذه الاعترافات في كتاب كهذا.

 

بيروت، لبنان

17 تموز 1990                                                       جورج صبرا

 

مقدمة

 

1.    هدف الكتاب وضرورته

يهدف هذا الكتاب إلى التعريف بالعقائد الأساسية للكنائس الإنجيلية المصلحة. والتعريف هذا ثنائي: داخلي وخارجي. فهو داخلي لأنه تعريف الإنجيليين في هذا الشرق العربي بعقائدهم التاريخية. وهو خارجي لأنه تعريف لغير الإنجيليين من مسيحيين وغير مسيحيين بهذه العقائد. فأن يكون غير الإنجيلي جاهلا العقائد الإنجيلية فهو امر متوقع مع انه مستغرب بعض الشيء حين نجده متفشيا في ارفع الأوساط الكنسية واللاهوتية العلمية لدى الكنائس المسيحية الأخرى خصوصا في هذا العصر المسكوني. وأما ان يكون الإنجيلي الشرقي جاهلا لعقيدته التاريخية فهذا امر غير طبيعي وغير مقبول ولعله احد أهم أسباب جهل الآخرين لعقيدته. وهذا هو واقع الحال في الكنائس الإنجيلية في هذه المنطقة التي تعرف بالشرق الأوسط وبالأخص في الكنائس المصلحة في سوريا ولبنان. ومرد ذلك يعود إلى طبيعة نشأة الحركة الإنجيلية وتطورها. فالمرسلون الأجانب الذين أتوا إلى هذه البلاد في القرن الماضي لم يفهموا رسالتهم في بادئ الامر على انها محاولة تأسيس كنائس مسيحية جديدة على أسس العقائد الإنجيلية التاريخية، بل قصدوا نشر الإنجيل بين اليهود والمسلمين وللغاية ذاتها حاولوا تجديد الكنائس الشرقية القديمة من خلال تبشيرها. لذلك فهم اكتفوا بتوزيع الكتاب المقدس والتشديد عليه مرجعا وحيدا للإيمان والأخلاق ولم يركزوا على العقائد الإنجيلية بشكل خاص الا بعد ان تأسست أول كنيسة إنجيلية محلية وأول مدرسة لتعليم اللاهوت وإعداد الخدام للكنيسة الناشئة. ولكن ثمة سبب آخر لعدم التشديد على العقائد الإنجيلية لدى المرسلين ومن ثم في الكنائس الإنجيلية التي نتجت عن عملهم وهو ان المناخ الديني الذي أتى منه أولئك المرسلون- وهنا نعني المرسلين الأمريكيين الذين جاءوا إلى لبنان وسوريا بشكل خاص- لم يكن يشدد على أهمية العقيدة والفكر اللاهوتي الأساسي ودورهما في الكنائس الإنجيلية. فالحركة الإرسالية في أوائل القرن التاسع عشر كانت احدى نتائج ما يسمى في تاريخ الكنائس الأمريكية "اليقضة (الدينية) الثانية الكبرى" (The Second Great Awakening) التي حدثت في منطقة إنكلترا الجديدة New England في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد اتسمت هذه اليقظة بالتشديد على الكتاب المقدس وعلى تجديد الحياة والاختبار الروحي للخلاص. وغالبا ما ترافق هذا التشديد على الكتاب المقدس وحده وعلى الاختبار الروحي والأمور العملية مع تجنب- ان لم نقا ازدراء-للنواحي اللاهوتية والعقيدة للحياة المسيحية. ولم يكن هذا هو موقف الإصلاح الإنجيلي الأصيل في القرن السادس عشر من اللاهوت والعقائد، وهذا من الأمور التي نود إبرازها من خلال هذا الكتاب. لكن ما يلفت الانتباه هو ان الإصلاح الإنجيلي وصلنا إلى هذه البلاد في القرن الماضي بشكل ناقص وغير مكتمل. ولا تزال كنائسنا تعاني من جراء الفقر اللاهوتي والعقيدي حتى يومنا هذا، ولعل أهم مظاهر هذه المعاناة هي مشكلة الهوية التي تجابه الكنائس الإنجيلية العربية. فهذه مسألة لا تجابه ولا تحل بمجرد الوجود والبقاء أو بالتبشير المستمر أو بالنشاطية Activism في مختلف المجالات الاجتماعي والتعليمية والإنسانية الخيرية. فالتعاطي الجدي مع مشكلة الهوية الإنجيلية في الشرق العربي لا يحصل من دون فكر أساسي مرتكز على عقائد تاريخية وعلى تراث لاهوتي حي. لكن هذا الكتاب لا يبغي طرح مشكلة الهوية الإنجيلية ومجابهتها، بل يحاول فقط ان يضع بين أيدي الإنجيليين وغير الإنجيليين الأسس العقيدية التي نبعت من حركة الإصلاح الإنجيلي في القرن السادس عشر والتي صيغت بشكل اعترافات إيمان.

2.    اعترافات إيمان من؟

بمن نعرف هنا؟ من هم الإنجيليون الذين ننشر هنا اعترافات إيمانهم؟ لقد وردت عبارة "الكنائس الإنجيلية المصلحة"  مرات عدة في ما سبق وهذا يقتضي توضيحا. ان الإصلاح الإنجيلي (أو البروتستنتي) لم تنتج عنه كنيسة واحدة موحدة إداريا وتنظيميا وعقيديا. وهو في الأساس لم يكن نتيجة عمل إنسان واحد أو جماعة واحدة. فمحاولات الإصلاح في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في العصور الوسطى كانت كثيرة ولكنها نضجت وأينعت في القرن السادس عشر فأنتجت حركات إصلاحية واسعة اتخذت أشكالا مختلفة. ويمكن تصنيف الحركات الإصلاحية إلى أربعة اتجاهات أساسية:

أ‌.       الإصلاح اللوثري_ الألماني الذي يرتبط بالراهب الاوغسطيني مارتن لوثر 1483-1546م وقد نتجت عنه الكنائس اللوثرية.

ب‌.  الإصلاح السويسري- الفرنسي الذي نتجت عنه الكنائس الإنجيلية المصلحة Reformed/ Reformee والمتأثر بالمصلح السويسري أولريخ زوينغلي Ulrich Zwingli 1484-1531م ولكن إلى حد اكبر بالمصلح الفرنسي جان كلفن 1506-1564م وبالفكر الكالفيني عامة.

ج‌.      الإصلاح الإنكليزي الذي نتجت عنه الكنيسة الانكليكانية Anglican والذي يعود         في منشأه إلى خلاف الملك هنري الثامن 1491-1547م مع بابا رومية وانفصاله عن رومية. وقد تأثر هذا الإصلاح بالفكر الإنجيلي اللوثري والمصلح مع إبقائه على الكثير من تراث الكنيسة الرومانية وتقليدها.

د‌.         الإصلاح المتطرف أو "المعمداني" Anabaptist وهو الذي يطلق على حركات وجماعات عدة في القرن السادس عشر في أوروبا، وقد تميزت هذه الجماعات برفضها معمودية الأطفال وأصرت على معمودية البالغين فقط حتى لو أدى ذلك إلى إعادة تعميد الناس، كما فصلت نفسها عن حياة المجتمع وشددت على العلاقة الفردية بين المؤمن والله بواسطة الروح القدس مباشرة من دون أي وسائط تاريخية كنسية وإنسانية. وقد نتج عن هذا الاتجاه الإصلاحي المتطرف جماعات دينية كثيرة مثل اتباع طوماس مونتزر 1490-1525 Thomas Muntzer وجمعية الأصدقاء أو الكويكرز Quakers وحركة الأخوة السويسرية وجماعة المينونيين Mennonites ومن ثم الكنائس المعمدانية التي تنظمت ونشأت في القرنين السابع عشر والثامن عشر في إنكلترا.

وفي ضوء هذا العرض السريع لاتجاهات الإصلاح الإنجيلي الأربعة يتضح إذن ان اعتراف الإيمان التي نحن في صددها هنا انما تعبر عن إيمان الكنائس الإنجيلية المصلحة أو الكلفينية (ب). وهذه هي الكنائس الإنجيلية الأساسية في لبنان وسوريا (ومصر أيضا) وتدعى اما "إنجيلية" فقط أو "إنجيلية مشيخية" Presbyterian .

3.    اعتراف إيمان- قانون إيمان- عقيدة

ما المقصود بعبارة "اعتراف الإيمان"؟ وهل ثمة فرق بين "قانون الإيمان" و"اعتراف الإيمان" و"عقيدة" ؟ الاعتراف بالشيء هو الإقرار به والدلالة عليه وإعلانه. فالاعتراف إذن تعبير عن موقف ما أو عن قرار ما أو عن شعور ما اما بواسطة الكلام أو الأفعال أو بالاثنين معا. والاعتراف بالمسيحية هو إعلان الإيمان بيسوع المسيح، أي هو استجابة الإيمان للبشارة أي الإنجيل. نجد أقدم الاعترافات بهذا المعنى في العهد الجديد ذاته: سأل يسوع تلاميذه "من يقول الناس اني انا؟..." فأجاب بطرس وقال له: "أنت المسيح" (مرقس 27:8-28). ونجد أيضا في رومية 9:10-10: "لأنك ان اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك ان الله أقامه من الأموات خلصت. لأن القلب يؤمن به للبر والفم يعترف به للخلاص". وهناك اعترافات أخرى كثيرة مثلها في العهد الجديد[1] "أنت المسيح". و"يسوع رب"وغيرها هي أقدم الاعترافات، أي أقدم الاستجابات الإيمانية لإعلان الإنجيل. الاعتراف المسيحي إذن هو جواب المؤمن على الخبر السار. لكن الاعتراف بالإيمان ليس عملا فرديا خاصا بل هو في جوهره عمل كنسي جماعي لأن الله لم يدع افرادا بل جماعة وشعبا ولم يعلن الإنجيل لأفراد بل لجماعة. لذلك فالبشارة تخلق جماعة حيث يقبل الاعتراف ويوقظ إيمانا يقيم شركة بين الشاهد والسامعين. وهذا ما يفسر كون اعتراف الإيمان في الجماعة المسيحية الأولى هو الجامع والرابط الموحد بين المؤمنين، فنراهم يرددونه في اجتماعات العبادة- وخاصة في ممارسة العشاء الربان- اما كترنيمة أو نشيد أو كصلاة تمجيد وحمد وبذلك يصبح الاعتراف جزءا أساسيا من العبادة (الليتورجيا) ويصير مقياسا للانتماء إلى المسيحية حين يستخدم في سر المعمودية . فكل من ينضم إلى الجماعة المؤمنة يجعل اعتراف الجماعة اعتراف شخصي. وفي أيام الاضطهاد والضيق يصبح الاعتراف بالإيمان شهادة المسيحيين في العالم وله. وفي كل ذلك يكتسب اعتراف الإيمان بعدا تعليميا وعقيديا خصوصا عند انضمام أعضاء جدد إلى الجماعة وفي مجالات التبشير والشهادة فيصبح قانونا للإيمان يحفظ البشارة ويحميها من الانحراف والتشويه ويظهر الكنيسة الحقة. ففي الأساس والمنشأ إذن ليس ثمة فرق بين "اعتراف الإيمان" و"قانون الإيمان" و"عقيدة" بل هي أسماء أطلقت على شيء واحد في تنوع وظيفته ودوره في الكنيسة الأولى والقديمة.وعلى الرغم من هذا فقد ارتأينا في هذا الكتاب ان نميز بين بعض الوثائق الإيمانية فنسمي بعضها "قانون إيمان" والبعض الاخر "اعتراف إيمان" وذلك من باب التميز التاريخي فقط بين ما اعترفت به الكنيسة الجامعة غير المنقسمة في القرون الأولى (قانون الإيمان النيقاوي- القسطنطيني وقانون إيمان الرسل) وبين ما نتج عن الإصلاح الإنجيلي. فهذا إذن تمييز تاريخي زمني فقط لا غير.

4.    الإصلاح الإنجيلي و"الاعتراف"

يتضح مما سبق ان فكرة الاعتراف بالإيمان بشكل إعلان خطي لم تكن وليدة حركة الإصلاح مع انها شهدت إعادة إحياء مهمة في زمن الإصلاح الإنجيلي واتخذت معه منحى جديدا. ومرد ذلك سببان: أولا، لقد شعرت الكنائس الإنجيلية الناشئة بالحاجة إلى اعترافات إيمانية وذلك بسبب احتجاجها لتوجيه لاهوتي وعقائدي ولمقاييس تعليمية واضحة تشرح الموقف الإنجيلي الحقيقي والصحيح  وتدافع عنه. فهي إذن قبل كل شيء محاولة لشرح كلمة الله والعقائد التاريخية المسكونية في أزمن جديدة وأوضاع متغيرة وفي مجابهة أخطاء وانحرافات جديدة. وثانيا، لقد احتاجت الكنائس الإنجيلية الفتية بأن تدافع عن نفسها أمام السلطات الزمنية ضد تهمة الهرطقة فأرادت من خلال هذه الاعترافات ان تبين اتفاقها مع تعاليم الكتاب المقدس والكنيسة الأولى. فبهذا المعنى هي أيضا شهادة دفاع عن استقامة رأيها وكذلك شهادة في وجه الاضطهاد. وهذا ما يفسر طول بعضها وإطالة الشرح فيها وهو ما يجعلها غير مناسبة للاستعمال في العبادة بل هي أنسب للكرازة والتعليم. وهنا ينبغي الإشارة إلى ان أهل الإصلاح لم يصيغوا اعترافاتهم كبدائل للاعترافات القديمة أو لقوانين الإيمان القديمة. بل اعتبروا وآمنوا انهم يحاولون قول الحقيقة ذاتها التي عبرت عنها القوانين القديمة بشكل جديد ولغة جديدة: يسوع هو الرب. يعتبر الإنجيليون المصلحون إذن ان اعترافاتهم تفسير لاهوتي للاعترافات الكتابية والمجمعية المسكونية. وهي اعترافات كنيسة جماعية لا فردية خاصة وهي تعبر عن مفهوم الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية للبشارة. فهي إذن ليست بديلة عن قوانين إيمان الكنيسة القديمة ولكن لا يمكن للإنجيليين ان يعودوا إلى القوانين القديمة الا عبر اعترافاتهم التاريخية، وكلاهما خاضعان لمقياس واحد وحيد هو كلمة الله الحية المشهود لها في الأسفار المقدسة.

5.    كيف تقرأ هذه الاعترافات وتفهم؟

على القارئ ان يعي أولا ان بين يديه نصوصا تاريخية، أي انها نتاج عصر معين وبيئة أو بيئات محددة وأوضاع مختلفة عن اوضعاع القرن العشرين. فالقرن السادس عشر كان عصر جدا ودفاع في اللاهوت ولغة اهل الفكر فيه ممن تعاطوا اللاهوت كانت لغة حادة وشديدة وعنيفة. أما اليوم فنحن في عصر مسكوني وقد حصل فيه تقارب كبير بين الكنائس المسيحية المختلفة على مستويات كثيرة منها المستوى العقائدي، كما انه حصل تقارب بين المسيحية من جهة وبين الأديان الأخرى خصوصا تلك التي تؤمن باله إبراهيم. فيجب إذن على القارئ الا يدع الأسلوب الشديد اللهجة والتعبير القاسي أحيانا والادانات المطلقة ان تشكل عثرة في وجه فهمه لهذه النصوص لأن هذه الأشياء هي أمور طبيعية تنطبق على كل فكر أو لاهوت أو تعليم ينشأ في زمن جدال ودفاع. ومن الضروري ان يعرف القارئ العصر الذي أنتج هذه الاعترافات والأوضاع التي أحاطت بكل نص فيها حتى يكون فهمه لها أفضل وأعمق. فمن هذا المنظار تكون هذه الاعترافات خاضعة للنقد التاريخي والإصلاح تماما كما هو كل نتاج بشري وكل تعبير إنساني عن الحقيقة النهائية. فإذا كان الكتاب المقدس ذاته يخضع لدراسات نقدية من اجل فهمه بطريقة أفضل فكم بالحري هذه الاعترافات الإيمانية التي تعبر الكتاب المقدس مرجعها ومعيارها الأخير. لقد امتاز التراث الإنجيلي المصلح الذي عبر عن إيمانه بواسطة اعترافات إيمان كثيرة بتشديده على طبيعة الاعتراف المؤقتة Provisional والنابعة من ظروف معينة ولذلك رحبت الكنائس المصلحة دوما باعترافات جديدة تعبر عن الإيمان المسيحي في عصور وأوضاع وبيئات مختلفة على أساس كلمة الله بدل الاكتفاء باعتراف واحد أو تعبير واحد كما هو الحال مثلا في الكنائس اللوثرية. لهذا لا نجد في الكنائس المصلحة اعترافا واحدا أو مجموعة اعترافات واحدة قانونية وملزمة بشكل قاطع لكل الكنائس المصلحة. الا ان كل هذا لا يعني إطلاقا بان اعترافات المصلحة وخصوصا تلك التي ننشر في هذا الكتاب هي مجرد نصوص تاريخية غير ملزمة. فهي تظل بعد كل نقد تاريخي ولاهوتي تعبر عن ثوابت أساسية ومبادئ إنجيلية أصيلة وتظهر الشخصية الإنجيلية المصلحة وروحانيتها. ولا يسعنا في هذه المقدمة ان نتطرق إلى موضوع تفسير الاعترافات والعقائد الإنجيلية فهذا امر يحتاج إلى مجلد مستقل غير أننا نود التشديد على ان الاعتراف الإيماني في التراث الإنجيلي المصلح ليس شريعة ومن يقرأ هذا الاعتراف بذهنية حرفية ومدرسية Scholastic جامدة سوف يعثر أو ينفر أو ينزعج بسبب ما فيها من تنوع وتغاير وحتى تعارض وتوتر في بعض محتوياتها. فالاعتراف في المفهوم المصلح ليس خلاصة نظريات عقائدية بل هو إقرار والتزام وجودي بالحقيقة الحية المسيحية.

6.    لماذا هذه الاعترافات فقط؟

لا تشكل الاعترافات المجموعة في هذا الكتاب كل الاعترافات الإنجيلية المصلحة. ولكننا اخترنا ما فيه فقط لسببين أساسيين:

أولا: أردنا ان يقتصر هذا الكتاب على الاعترافات التي صيغت في القرن السادس عشر فقط لأنها أقرب إلى الحديث الإصلاحي وأشد أصالة وأكثر أمانة في التعبير عن مضمون التراث المصلح وروحه من الاعترافات التي صدرت في القرنين اللاحقين. غير ان الاعترافات المنشورة هنا ليست هي الوحيدة في القرن السادس عشر ولكننا اكتفينا بها لأنها الأهم والأشد أثرا وفعلا في الكنائس المصلحة بحسب آراء المؤرخين واللاهوتيين.

وثانيا: اخترنا هذه الاعترافات لأن لها صفة عالمية وجامعة في العالم الإنجيلي المصلح ولأنها تحافظ في معظمها على عناصر مشتركة أساسية مع باقي فروع الإصلاح الإنجيلي خصوصا الإصلاح اللوثري.

        ان الكنائس الإنجيلية في الشرق العربي بحاجة إلى تعبير معاصر للإيمان، أي إلى "اعتراف إيمان" ولكن هذا غير ممكن دون معرفة التعابير التاريخية لإيمانها. فلعل هذا الكتاب يقدر لن يؤدي وظيفتين في الوقت نفسه فيعرف الإنجيليين المصلحين على ترائهم اللاهوتي والعقيدي ويحثهم على صياغة اعتراف إيمان معاصر لأن الكنيسة هي دائما بحاجة إلى التعبير عن إيمانها في كل جيل وكل عصر فانها بذلك تستجيب لما صنعه إلهها من اجل البشرية في يسوع المسيح فتؤدي الشهادة له بالتسبيح والحمد والاعتراف.


 

قانون الإيمان النيقاوي- القسطنطيني

381م

 

لمحة تاريخية

       

        يسمى قانون الإيمان هذا عامة "قانون الإيمان النيقاوي"، ولكن هذه التسمية الشائعة خاطئة لأنه ثمة قانون إيمان نيقاوي أصدره المجمع المسكوني الأول المنعقد في نيقية سنة 325م وهو غير هذا القانون الذي نتحدث عنه. فالقانون النيقاوي الأول أقصر من النيقاوي- القسطنطيني ويختلف عنه في بعض العبارات وان تشابها في المحتوى. ينسب قانون الإيمان النيقاوي- القسطنطيني إلى المجمع المسكوني الثاني المنعقد في القسطنطينية سنة 381م لمعالجة قضايا ثالوثية ناشئة عن المجمع الأول والفترة ما بينها. ان هذا القانون هو قانون الإيمان المسكوني الوحيد بالمعنى التام للكلمة لأنه معترف به في كل الكنائس المسيحية الشرقية والغربية، أي الشرقية غير الخلقدونية والأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية. وهو جزء أساسي من الليتورجيا واجتماعات العبادة في معظم الكنائس الشرقية والغربية. وليس هناك اختلاف على النص سوى في مسألة واحدة هي عبارة "والابن" (المنبثق من الآب والابن –Filioque  التي أضيفت إليه في الغرب. وقد استمرت كنائس الإصلاح الإنجيلي في استخدام النص الغربي مع إقرارها بأن هذه العبارة لم تكن في النص الأصلي الا انها تراها غير متعارضة مع كلمة الله التي لها الفصل النهائي في كل عقيدة وتعبير عن الإيمان.

 

قانون الإيمان النيقاوي- القسطنطيني (381م)

        أومن باله واحد، آب قادر على كل شيء، خالق السماء والأرض، كل ما يرى وما لا يرى. وبربّ واحد يسوع المسيح. ابن الله الوحيد. المولود من الآب قبل كل الدهور . اله من اله. نور من نور. اله حق من اله حق. مولود غير مخلوق. ذو جوهر واحد مع الآب. هو الذي به كان كل شيء. الذي من اجلنا نحن البشر، ومن اجل خلاصنا نزل من السماء. وتجسد بالروح القدس من مريم العذراء، وصار إنسانا، وصلب في عهد بيلاطس البنطي. وتألم. وقبر. وقام في اليوم الثالث كما جاء في الكتب. وصعد إلى السماء. وهو جالس عن يمين الآب. وسيأتي أيضا بمجد، ليدين الأحياء والأموات. الذي ليس لملكه انقضاء.

        وأومن بالروح القدس، الرب المحيي، المنبثق من الآب والابن، المسجود له والممجد مع الآب والابن، الذي تكلم بالأنبياء. وبكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية. واعتراف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا. وأترجى قيامة الموتى وحياة الدهر الآتي. آمين


 

قانون إيمان الرسل

لمحة تاريخية

        هناك رواية تقول بان قانون الإيمان هذا وضعه الرسل أنفسهم لذا سمي "قانون إيمان الرسل". ولكن البحث التاريخي يثبت ان هذه الرواية هي مجرد أسطورة من نسج التقوى انتشرت في القرن الرابع، هذا مع العلم ان مبادئ هذا القانون وبنوده مدعومة من العهد الجديد. يظهر هذا الاسم "قانون إيمان الرسل" لأول مرة حوالي سنة 390م في احد رسائل القديس أمبروزيوس. ويرجع الباحثون بأنه نص موسع لقانون إيمان أوجز وأقدم منه يدعى  "القانون الروماني القديم" Old Roman Creed الذي كان يستعمل في خدمة المعمودية والانضمام إلى الكنيسة. وقد جرى توسيع القانون الروماني هذا في ضوء التطورات في عقيدة الثالوث في القرن الرابع فاتخذ شكله الحالي الذي يظهر لأول مرة في إحدى كتابات القديس بيرمينوي St Pirminus في أوائل القرن الثامن. يستعمل هذا القانون في الكنائس الغربية فقط_ أي الكاثوليكية والإنجيلية- لأنه نشأ في الغرب ولم يعرف في الشرق الا حديثا. ولكن الكنائس الشرقية الأرثوذكسية لا ترفضه وان كانت لا تستخدمه.  

قانون إيمان الرسل

        أومن بالله الآب الضابط الكل، خالق السماء والأرض. وبربنا يسوع المسيح ابنه الوحيد. الذي حبل به من الروح القدس. وولد من مريم العذراء. وتألم في عهد بيلاطس البنطي. وصلب ومات وقبر، ونزل إلى الهاوية. وقام أيضا في اليوم الثالث من بين الأموات. وصعد إلى السماء. وهو جالس عن يمين الآب الضابط الكل. وسيأتي من هنالك ليدين الاحياء والأموات. وأؤمن بالروح القدس. وبالكنيسة المقدسة الجامعة. وبشركة القديسين. وبمغفرة الخطايا. وبقيامة الموتى. وبالحياة الأبدية. آمين


 

اعتراف الإيمان في جنيفا

1536م

لمحة تاريخية

        بعد ان انضمت مدينة جنيفا إلى المدن السويسرية التي اعتنقت الإصلاح الإنجيلي دُعي المصلح جون كلفن 1509-1564 إليها للمساعدة في إعادة تنظيم المدينة على أسس الإصلاح الجديدة. فكان إسهام كالفن مهما في تثبيت الإصلاح في جنيفا. وقد صدرت عنه ثلاثة وثائق إصلاحية: مبادئ لنظام كنسي وكتاب تعليم مسيحي واعتراف إيمان ملزم لجميع أبناء المدينة. وقد قيل ان كالفن هو المؤلف الوحيد لاعتراف الإيمان هذا ولكن بعض المؤرخين في الفترة الحديثة يقولون ان المؤلف كان زميله وليام فاريل 1489-1565م الذي كان قد اصر على بقاء كالفن في جنيفا وسلمه مركزا قياديا فيها. ولكن الرأي السائد اليوم هو ان كالفن كان المؤلف الرئيسي أو على الأقل كانت له اليد الطولى في تأليف هذا الاعتراف الإيماني. وقد كتب أولا بالفرنسية ثم ترجمه كالفن إلى اللاتينية سنة 1538م.  

 

 

اعتراف الإيمان في جنيفا 1536 م

1

كلمة الله

        نؤكد أولا اننا نرغب في إتباع الكتاب المقدس وحده قاعدة للإيمان والتقوى دون ان نخلط معها أي شيء آخر من بدع البشر غير المتفق عليها مع كلمة الله. ولا نقبل لإدارتنا الروحية أي تعليم لا تبلغنا إياه هذه الكلمة دون زيادة أو نقصان، بحسب وصية الرب.

 

2

إله واحد وحيد

        وعلى أساس الكتاب المقدس نقر إذن باله واحد وحيد، إياه يجب ان نخدم ونعبد، وبه ينبغي ان نضع كل ثقتنا ورجائنا، متأكدين ان فيه وحده كل الحكمة والقدرة والعدل والخير والشفقة. وبما انه روح ينبغي ان يخدم بالروح والحق. لذلك فانه امر بغيض ان نضع ثقتنا أو رجائنا بأي شيء مخلوق أو نعبد غيره، ملائكة كان أو مخلوقات أخرى، أو ان نقر بأي مخلص آخر لنفوسنا غيره وحده،  قديسين كانوا أو بشرا على الأرض، أو ان نقدم العبادة التي يجب ان تقدم له وحده في شعائر خارجية أو طقوس دنيوية ظانين انه يسر بهذه الأمور، أو ان نضع صورة لتمثيل ألوهيته أو أية صورة أخرى للعبادة.

 

3

شريعة الله للكل على السواء

لأن لنا ربا وسيدا واحدا ذا سلطان على ضمائرنا ولأن مشيئته مبدأ العدل الوحيد نعترف ان حياتنا يجب ان تحكم بحسب وصايا شريعته المقدسة التي فيها كمال العدل، ولا ينبغي ان يكون لنا أي قاعدة أخرى للعيش الصالح والعادل، يجب ان لا نبتكر أعمالا صالحة أخرى إضافية غير المذكورة في سفر الخروج 20: "أنا الرب إلهك الذي أخرجك...." الخ.

 

4

الإنسان الطبيعي

        نقر ان الإنسان بالطبيعة أعمى، مظلم الفهم، فاسد القلب ومنحرف لدرجة ان بالاتكال على ذاته لا يستطيع ان يدرك معرفة الله الحق كما يجب ولا ان يكرس ذاته للأعمال الصالحة. بل على العكس، إذا ما تركه الله لطبيعته يحيا في جهل ويستسلم لكل إثم. لذا فهو يحتاج إلى تنوير الله كي يأتي إلى معرفة الخلاص الحقيقية، فيُقوم توجيه نزعاته ويصلح لطاعة بر الله.

 

5

الإنسان من ذاته هالك

        بما ان الإنسان كما ذكرنا، بطبيعته محروم وخال من نور الله وكل بر، نقر بأنه من ذاته لا يمكن ان يتوقع الا الغضب واللعنة الإلهية، لذا فيجب ان ينظر خارج ذاته من أجل وسيلة للخلاص.

 

 

 

 

 

6

الخلاص في المسيح

        نؤمن ان يسوع المسيح هو المعطى لنا من الآب لكي نستعيد به كل ما هو ناقص فينا. ونعتقد بما فعله يسوع المسيح وبما تألمه من اجل فدائنا كما هو مدون في قانون الإيمان الذي يتلى في الكنيسة، أي "أومن بالله الآب القادر على كل شيء....).

 

7

البر في المسيح

لذلك نعترف بالأمور التي يعطينا إياها الله في يسوع المسيح. أولا، بأننا صولحنا مع الله بعد ان كنا أعداء له في طبيعتنا خاضعين لغضبه ودينونته وقبلنا بالنعمة بشفاعة يسوع المسيح، فلنا غفران الخطايا ببره وبراءته، وقد غسلنا وطهرنا من كل عيب بدمه المسفوك.

 

8

التجديد في يسوع

ونعترف ثانيا بأننا نولد إلى طبيعة روحية جديدة بروحه، أي ان شهوات جسدنا الشريرة تمات بالنعمة فلا تعود تسيطر علينا، بل تشكل إرادتنا مشيئة الله للسير في طريقه وللسعي وراء ما يسره. لذلك فهو منقذنا من عبودية الخطية التي كنا أسراها، وبهذا نصبح قادرين على فعل الأعمال الصالحة وليس بأي شيء آخر.

 

9

غفران الخطايا ضرورة دائمة للمؤمنين

 

واخيرا نعترف بان تجديدنا يحدث بشكل أننا نبقى معه ضعفاء وناقصين طالما لم نطرح عنا  الجسد المائت فنبقى خطاة بؤساء ومساكين في حضرة الله. ومهما توجب علينا ان ننمو يوما في بر الله فانه لا نبلغ الكمال والتمام في هذه الحياة. لذا فنحن دوما في احتياج إلى رحمة الله من اجل غفران زلاتنا وتعدياتنا. فيجب ان نتطلع دائما إلى يسوع المسيح لا إلى أنفسنا من اجل التبرير وان نطمئن إليه ونثق به غير متكلين على أعمالنا.

 

10

كل صلاحنا في نعمة الله

لتمجيد الله وتسبيحه (كما يجب) ولحصولنا على السلام الحقيقي وراحة الضمير نعلم ونعترف بأننا ننال كل الخيرات من الله، كما قلنا سابقا، من رأفته وشفقته دون أي اعتبار لاستحقاق أعمالنا أو جدارتها، التي في حد ذاتها لا تستحق الا الضلال الأبدي. لكن مخلصنا الصالح الذي يقبلنا في شركة ابنة يسوع يعتبر اعمالنا في الإيمان مرضية ومقبولة لدية لا لأي استحقاق لها ولكن لأنه لا ينسب إلينا أي نقص مما فيها بل يقر بما ينبثق فيها من روحه فقط.

 

11

الإيمان

نعترف بان الدخول إلى كنوز صلاح الله العظيمة وغناه الممنوحة لنا بالإيمان ممكن بقدر ما نؤمن واثقين ومن القلب بوعود الإنجيل ونقتبل يسوع المسيح كما يعطينا إياه الآب وكما تعطينا إياه كلمة الله.

 

12

التضرع لله فقط والشفاعة للمسيح

كما أعلنا ان لنا ثقة ورجاء للخلاص وكل صلاح في الله وحده بيسوع المسيح كذلك نعترف بان علينا ان نضرع إليه في كل احتياجاتنا باسم يسوع، وسيطنا ومؤيدنا الذي له الدخول إلى الله. وكذلك يجب ان نقر بان كل الأشياء الحسنة تأتي من لدنه وحده فينبغي ان نشكره من اجلها. ونرفض من جهة أخرى شفاعة القديسين معتبرينها أوهاما من ابتداع البشر منافية للكتاب لأنها تنبع من عدم الثقة بكفاية شفاعة يسوع المسيح.

 

13

الصلاة المفهومة

وبما ان الصلاة الحقيقية هي التي تنبع من أعماق القلب وإلا فهي رياء وتخيلات، فلذلك نؤمن بان كل الصلوات يجب ان تتلى بفهم ووضوح. ولهذا نعتقد ان الصلاة التي علمنا ربنا تّظهر بطريقة لائقة ما يجب ان نسأله: (أبانا الذي في السموات... ولكن نجنا من الشرير. آمين).

 

 

14

الأسرار

نؤمن بان الأسرار التي رسمها الله لكنيسته هي تدريب لإيماننا لكي تحصنه وتثبته في مواعيد الله والشهادة للبشر. وان السرين اللذين أنشأتهما سلطة مخلصنا هما اثنان فقط: المعمودية وعشاء الرب. أما ما يعتقد به في مملكة البابا عن سبعة أسرار فذلك نعتبره خرافة وضلال.

 

15

المعمودية

المعمودية علامة خارجية يشير بها الله إلى انه يرغب في قبولنا أولادا له وأعضاء في ابنه يسوع. ففيها رمز اغتسالنا من الخطية الذي لنا في دم يسوع المسيح، وإماتة جسدنا التي لنا في موته كي نحيا فيه بالروح. وبما ان أولادنا ينتسبون إلى هذا العهد مع الرب فاننا متأكدون بأن هذا الرمز الخارجي ينطبق عليهم حقا.

 

16

العشاء المقدس

عشاء الرب إشارة بواسطة الخبز والخمر إلى الشركة الروحية الحقيقية التي لنا في جسده ودمه. نقر انه بحسب رسمه يجب توزيعه على جماعة المؤمنين لكي يشتركوا فيه كل من يرغب في ان يكون يسوع حياته. وبقدر ما كان القداس عند البابا رسما شيطانيا هالكا يفسد سر العشاء المقدس فهو مقيت لنا كعبادة أوثان مرذولة من الله. لأنهم يعتبرونه ذبيحة من اجل خلاص النفوس لدرجة ان الخبز فيه يعبد كالله. والى ذلك يتضمن تجديفات وأوهام رديئة وإساءة لكلمة الله التي تتلى دون منفعة أو تنوير.

 

17

التقاليد البشرية

لا نعتبر الاحكام الضرورية للسلوك الداخلي في الكنيسة والتي تتعلق بحفظ السلام والنزاهة والنظام الصالح في اجتماع المسيحيين تقاليد بشرية لأنها مشمولة في وصية بولس حيث يرغب في ان تجري كل الأمور بلياقة وترتيب. اما كل القوانين والأنظمة التي تفرض على الضمير وتلزم المؤمنين بأمور لم يوص بها الله أو تنشأ عبادة أخرى لله غير التي يأمر بها وبالتالي تميل إلى تحطيم الحرية المسيحية فهذه ندين كتعاليم شيطانية منحرفة في ضوء ما قاله الرب عن انه يكرم باطلا بتعاليم هي وصايا الناس. ان هذا هو تقيمنا لرحلات الحج والأديرة وتمييز الأطعمة وتحريم الزواج والاعترافات "السرية" وما شابه.

 

 

18

الكنيسة

نعترف بان كنيسة يسوع المسيح واحدة ولكننا نعترف أيضا بضرورة وجود جماعات المؤمنين في أمكنة كثيرة، وكل جماعة من هؤلاء تسمى كنيسة. ولكن بما ان ليس الكل يجتمع باسم ربنا بل بعضهم لتلويث اسمه بأعمالهم الدنسة نؤمن بان علاماتي تميز كنيسة المسيح الحقة هما اثنتان: الوعظ والتبشير الحق بإنجيله المقدس وسماعه والحفاظ عليه بأمانة، والإجراء الصحيح لسريه بالرغم من بعض النواقص والأخطاء لأن هذه الأخيرة باقية ما بقي البشر. واما حيث لا يعلن الإنجيل ولا يسمع ويقبل فلا نعترف بوجود كنيسة. لذا فان الكنائس الخاضعة لأحكام البابا هي مجامع شيطانية لا كنائس مسيحية.

 

19

 الحرم الكنسي

نعتبر ان نظام الحرم الكنسي امر مقدس ومفيد لأنه يوجد دوما من يزدري الله وكلمته ولا يأخذ بالنصيحة والتحذير والاحتجاج فمن هنا ضرورة تأديبه بشكل أعظم. وقد أنشا الرب هذا النظام لسبب جيد. فالهدف منه منع الاثمة من إفساد الصالحين بتصرفاتهم اللعينة ومن إهانة الرب، وتوبة المتكبرين. لذلك نعتقد بأنه من الناجح بحسب فريضة الله ان يفصل عن شركة المؤمنين حتى إعلان توبتهم عابدو الأوثان المنحرفون والقتلة واللصوص والفاسقون وشهود الزور ومحرضوا الفتن، والمشاكسون المفترون والسكارى والفاجرون بعد ان يكونوا قد حُذروا ولم ينصاعوا.

 

20

خدمة الكلمة

لا نعترف برعاة في الكنيسة غير رعاة كلمة الله الأمناء، يرعون خراف يسوع المسيح بالإرشاد والحث والتعزية والنصح والاستنكار من جهة، ويقاومون كل التعاليم الباطلة وخدع الشيطان دون ان يخلطوا مع تعاليم الكتاب النقي أحلامهم وتخيلاتهم التافهة من جهة أخرى. ولا نجيز لخدام الكلمة سلطانا غير سلطان القيادة والحكم والسياسة على شعب الله المعهود إليهم بكلمته التي لهم بها سلطة الامر والدفاع والوعد والتحذير، وبدونها لا يستطيعون- ولا يجب ان يحاولوا- أي شيء.

        وكما نقبل الخدام الحقيقيين لكلمة الله وسفرائه ينبغي ان نصغي إليهم كما لله ذاته، ونعتبر ان خدمتهم تكليف الهي ضروري في الكنيسة. من جهة أخرى نعتقد انه يجب عدم احتمال الأنبياء الغواة والكذبة الذي يتخلون عن نقاوة الإنجيل وينحرفون في بدعهم، وهم ليسوا رعاة كما يزعمون بل ذئاب مفترسة ويجب ان يمسكوا ويطردوا من شعب الله.

 

21

الحكام

نعتبر ان سيادة الملوك والأمراء وغيرهم من الحكام والقادة وسلطانهم هو امر مقدس وترتيب حسن من الله. وبما انهم يتبعون دعوة مسيحية في تأديتهم وظيفتهم في الدفاع عن المبتلين والأبرياء أو في إصلاح خبث المنحرفين ومعاقبتهم يتوجب علينا ان نكرمهم ونهابهم ونقدم لهم الاحترام والخضوع وننفذ أوامرهم والقيام بما يوكلوننا به بقدر ما نستطيع ودون التعدي على الله. وخلاصة القول انه يجب ان نعتبرهم كممثلين لله وكنواب عنه وكل من يقاومهم يقاوم الله ذاته. أن مهماتهم تكليف مقدس من الله أوكلهم بها كي يحكمونا. لذلك نعتقد انه واجب على جميع المسيحيين ان يضرعوا إلى الله من اجل ازدهار رؤساء بلادهم وأسيادها، وان يطيعوا التشريعات والقوانين التي لا تخالف وصايا الله، وان يعززوا السعادة والسلام والخير العام، جاهدين في مؤازرة كرامة رؤسائهم وسلام الشعب، رافضين إثارة الشغب والشقاق. ونصرح من جهة أخرى ان جميع من لا يتصرفون بأمانة تجاه رؤسائهم ولا اهتمام صحيح لهم بخير البلد الذي يعيشون فيه يظهرون بذلك عدم أمانتهم لله.   


 

اعتراف الإيمان للكنيسة المصلحة في فرنسا

1559م

لمحة تاريخية

 

عانت الحركة الإنجيلية في فرنسا اضطهادات مريرة قاسية في القرن السادس عشر. وقد ظهر أول اعتراف إيمان إبان الاضطهادات التي حصلت في باريس في شهر أيلول من سنة 1557م حين القي القبض على خمسة وثلاثين عضو من الكنيسة الإنجيلية في المدينة وأعدم سبعة منهم على الفور. فكتب الإنجيليون رسائل إلى إخوانهم في سويسرا يحثونهم فيها على التدخل لدى ملك فرنسا ليوقف الاضطهاد. وأرسلوا أيضا إلى جون كلفن في جنيفا بيانا موجزا عن إيمانهم في ثمانية عشر فصل مع مقدمة إلى الملك فرنسا، وكان قد طلب مرارا في السابق من كلفن ان يصوغ اعتراف إيمان الإنجيليين في فرنسا الا انه لم يكن يحبذ ان يتفرد إنسان واحد بكتابة اعتراف إيمان. والمرجح ان ما صدر عنه كان عملا مشتركا ضمه هو وتيودور بيزا Th Beza وبيار فيريه P. Viret. وقد صاغ هؤلاء خمسة وثلاثين بندا أو فصلا وضموا إليها ما كان قد أرسله إليهم الإنجيليون الفرنسيون سنة 1557م. وحين هدأت الاضطهادات في 1558-1559م دعت الكنيسة الفرنسية الإنجيلية إلى مجمع عام لكل كنائسها لغرض وضع دستور للكنيسة الإنجيلية في فرنسا على أساس اعتراف واحد للإيمان. وهكذا فقد اجتمع سريا 20 مندوبا يمثلون 72 كنيسة في أيار 1559م في بيت خاص في باريس. وبعد أربعة أيام من المداولات تبنى المجتمعون النص الذي وصلهم من جنيفا مع بعض التعديلات القليلة فأصبحت الفصول 40 بدل من 35. وقُدم هذا الاعتراف سنة 1560م إلى الملك فرنسا، فرنسوا الثاني، مرفقا بمقدمة بليغة من كنيسة مضطهدة تستصرخ عدله. وقد تبنت هذا النص كل كنائس فرنسا الإنجيلية سنة 1571م في المجمع الوطني المنعقد في لا روشيل La Rochelle لذلك يدعى أيضا "اعتراف لا روشيل". ثم اعتراف به في ألمانيا في مجمعي فيزل Wesel سنة 1568م وأمدن Emden سنة 1571م. وقد اثر هذا الاعتراف بالكنائس المصلحة في هولندا واسكتلندا وإنكلترا. وأعيد تأكيده سنة 1936م من قبل الكنائس المصلحة في فرنسا. وكتب النص الأصلي باللغة الفرنسية.

 

 

اعتراف الإيمان للكنيسة المصلحة في فرنسا 1559م

 

1

الله

نؤمن ونعترف باله واحد، بسيط في جوهر واحد، روح، أبدي، لا يرى ولا يتغير، غير متناه، لا يدرك ولا يوصف، كلي القدرة، كلي الحكمة، كلي الصلاح، كلي العدل وكلي الرحمة.

 

2

كشف الله لذاته

هذا الإله يكشف ذاته للبشر: أولا، في أعماله وفي خلقه إياهم وأيضا في حفظهم وضبطهم. ثانيا، وبشكل واضح، في كلمته التي أعلنها في البدء في أقوال ثم دونت في كتب ندعوها الأسفار المقدسة.

 

3

الكتاب المقدس

هذه الأسفار المقدسة تؤلف في مجملها الكتب القانونية للعهدين القديم والجديد كما يلي: اسفار موسى الخمسة، أي التكوين والخروح واللاوين والعدد والتثنية، ثم يشوع والقضاة وراعوث وصموئيل الأول وصموئيل الثاني والملوك الأول والملوك الثاني وإخبار الأيام الأول وأخبار الأيام الثاني وسفر عزرا الأول، ثم نحميا وسفر استير وأيوب ومزامير داود وأمثال سليمان وسفر الجامعة ونشيد الإنشاد، ثم اشعياء وارميا ومراثي ارميا وحزقيال ودانيال وهوشع، يوئيل وعاموس وعوبديا ويونان وميخا وناحوم وحبقوق وصفنيا وحجي وزكريا وملاخي. ثم الإنجيل المقدس بحسب متى وبحب مرقس وبحسب لوقا وبحسب يوحنا. ثم سفر لوقا الثاني المسمى أيضا أعمال الرسل، ثم رسائل بولس، واحدة إلى اهل رومية واثنتان إلى اهل كورنثوس وواحدة إلى اهل غلاطية وواحدة إلى اهل افسس وواحدة إلى اهل فيلبي وواحدة إلى اهل كولوسي واثنتان إلى اهل تسالونيكي واثنتان إلى تيموثاوس وواحدة إلى تيطس وواحدة إلى  فيلمون. ثم الرسالة إلى العبرانيين ورسالة القديس يعقوب والرسالة الأولى والثانية للقديس بطرس ورسائل القديس يوحنا الثلاث ورسالة القديس يهوذا واخيرا رؤيا القديس يوحنا.

 

 

4

الكتاب المقدس دستور الإيمان

نعلم ان هذه الأسفار هي قانونية وهي دستور إيماننا الأكيد. ليس بسبب إجماع الكنيسة على قبولها بالدرجة الأولى بل بسبب شهادة الروح القدس الداخلية التي تمكننا من تمييز الأسفار المقدسة عن كتب كنيسة أخرى، التي وان كانت مفيدة فإننا لا نستطيع ان نبني عليها مبادئ الإيمان.

 

5

سلطة الكتاب المقدس

نؤمن بان الكلمة موجودة في هذه الأسفار منبثقة من الله ومنه وحده ينبع سلطانها، لا من البشر. وبقدر ما هي قاعدة كل حق إذ تحتوي على كل ما هو ضروري لخدمة الله ولخلاصنا لا يحق أي إنسان، ولا للملائكة، ان يضيف عليها أو يزيل عنها أو يغيرها. وبالتالي لا يحق لأي سلطة سواء قامت على أساس الأقدمية أو العرف أو العدد أو الحكمة البشرية أو أحكام أو إعلانات أو مراسيم أو قرارات أو مجامع أو رؤى أو معجزات ان تتعارض مع هذه الأسفار المقدسة. بل على العكس ان هذه الأسفار هي المرجع الأساسي لفحص كل الأشياء وضبطها وإصلاحها. ولذلك نحن نعترف بثلاثة قوانين للإيمان: قانون إيمان الرسل وقانون الإيمان النيقاوي- (القسطنطيني) وقانون الإيمان الاثناسي لكونها تطابق كلمة الله.

 

6

الثالوث القدوس

تعلمنا الأسفار المقدسة بأن الإله الواحد البسيط الجوهر الذي به اعترفنا هو في ثلاثة اقانيم: الآب والابن والروح القدس. الآب، السبب الأول، هو مصدر كل الأشياء وأصلها. الابن، وهو كلمته وحكمته الأزلية. الروح القدس، وهو قوته وقدرته وفاعليته. الابن مولود من الآب أزليا. والروح منبثق من الآب والابن أزليا. ان الاقانيم الثلاثة غير مختلطة وهي متمايزة لكنها غير منفصلة، من الجوهر ذاته، وهي متساوية في الأبدية والقدرة. وبهذا نقر بما ثبتته المجامع القديمة ونستنكر كل الشيع والهرطقات التي رفضها المعلمون القديسون أمثال القديس هيلاريوس والقديس اثناسيوس والقديس أمبروزيزس والقديس كيرلس.

 

7

الخلق

نؤمن ان الله في اقانيمه الثلاثة المتعاونة خلق بقدرته وحكمته وصلاحه الذي لا يدرك كل الأشياء، السماوات والأرض وكل ما فيهما وأيضا الأرواح غير المرئية، التي سقطت بعضها إلى الهلاك بينما استمر بعضها الآخر في الطاعة. ونؤمن ان الأرواح الساقطة عدوة لكل صلاح وبالتالي لكل الكنيسة. اما الأرواح الخيرة المحفوظة في نعمة الله فهي في خدمة تمجيد اسم الله وتعزيز خلاص المختارين.

 

8

عناية الله

نؤمن ان الله خالق الكل هو أيضا ضابط الكل، وهو الذي ينظم ويعين بإرادته السائدة كل ما يحدث في العالم، ولكنه ليس باعث الشر ولا هو المسؤول عنه، لأن إرادته هي القاعدة النهائية المعصومة لكل حق وعدل، وإنما لديه طرق عجيبة لاستخدام الشياطين والخطاة فيقدر ان يحول شرهم خيرا مع العلم انهم وحدهم مسؤولون عن الشر. واننا باعترافنا ان العناية الإلهية ترتب كل الأشياء ننحني بكل اتضاع امام الأسرار التي لم تعلن لنا ولا نسأل ما هو فوق إرادتنا لكننا نستخدم ما قد أعلن لنا في الكتاب المقدس من اجل سلامنا وسلامتنا، إذ ان الله الذي تخضع له كل الأشياء يعتني بنا عناية أبوية بحيث لا تسقط شعرة واحدة من رؤوسنا الا بمشيئته. وهو يضبط الشياطين وكل أعدائنا بحيث لا يستطيعون أذيتنا دون سماحه.

 

9

الإنسان

نؤمن ان الإنسان خُلق نقيا وكاملا على صورة الله، وانه سقط بإرادته وبذنبه من النعمة التي أعطي، وهكذا تغرب عن الله، مصدر البر وكل صلاح. فصارت طبيعته فاسدة تماما. وبما ان عقله أعمي وقلبه افسد فقد أضاع كل كمال ولم يعد هناك صلاح فيه. ومع انه مازال قادرا على التمييز بين الخير والشر فاننا مع ذلك نعتقد ان نوره يضحي ظلاما حين يطلب الله فلا يستطيع الاقتراب منه بإدراكه وعقله أبدا. ومع انه مازال يملك الإرادة التي تحثه على فعل هذا أو ذاك فانها أسيرة الخطية كليا حتى انه لا يملك فعل الخير الا بقدر ما يعطيه إياها الله.

 

10

الخطيئة الوراثية

نؤمن ان ذرية آدم كلها مستعبدة للخطيئة الأصلية، وهي شر متوارث من آدم لا مقلد له فحسب، كما يقول أتباع بلاجيوس الذي نمقت أخطائهم ولا نعتبر من الضرورة ان نبحث في كيفية انتقال الخطيئة من إنسان لآخر لأن ما أعطاه الله لآدم لم يكن له وحده بل لكل ذريته، لذا ففي شخص آدم حُرمنا من كل الأشياء الصالحة وسقطنا معه إلى حالة الخطيئة والشقاء.

 

11

قوة الخطيئة

نؤمن ان هذا الشر (المتوارث) هو حقا خطيئة تكفي لدينونة كل الجنس البشري حتى الأجنة في أرحام أمهاتهم، وان هذه هي نظرة الله للخطيئة. وتبقى الخطيئة الأصلية خطيئة حتى بعد المعمودية ولكن الدينونة تزول عن أولاد الله بسبب نعمته ومحبته المجانيتين. ونؤمن ان الخطيئة هي حالة انحراف تثمر الحقد والتمرد باستمرار حتى ان معظم القديسين وان قاوموها يبقوا ملطخين بضعف وبنقائص كثيرة في هذه الحياة.  

 

12

الاختيار الهي في يسوع المسيح

نؤمن ان الله بمشورته الأبدية الثابتة يدعو من هذه الحالة من الفساد والدينونة التي أصابت الجنس البشري هؤلاء الذين اختارهم بجوده ورحمته في يسوع المسيح دون اعتبار أعمالهم ليظهر فيهم غنى رحمته، تاركا الباقين في الفساد والدينونة ليظهر بهم عدله. فالمختارون ليس أفضل من المتروكين ولا العكس إلى ان يظهر فيهم قصد الله الثابت المقرر في يسوع المسيح من قبل تأسيس العالم. ولا يستطيع أي إنسان ان ينال مكافأة كهذه من ذاته لأننا بالطبيعة لا نملك أي شعور أو ميل أو فكر صالح ما لم يضعه الله أولا فينا.

 

 

 

 

 

13

الخلاص في المسيح

نؤمن ان كل ما هو ضروري لخلاصنا قد قُدم وأُعلن لنا في المسيح يسوع، فهو قد أعطي لنا لأجل خلاصنا و"صار لنا حكمة من الله وبرا وقداسة وفداء"[2]. ولذا فان رفضناه ننكر رحمة الآب، ملجأنا الوحيد.

 

14

التجسد

نؤمن ان يسوع المسيح، حكمة الله وابنه الأزلي، اتخذ جسدنا ليكون إلها وإنسانا في شخص واحد. فهو إنسان مثلنا خاضع لمعانات الجسد والروح ولكنه منزه عن لطخة الخطيئة. وهو إنسان من نسل إبراهيم وداود مع انه حبل به بقوة الروح القدس السرية. وفي هذا نمقت كل الهرطقات التي أثارت الاضطراب في الكنيسة قديما، وخصوصا أوهام سرفيتوس الشيطانية الذي ينسب إلى الرب يسوع ألوهية عجيبة غريبة داعيا إياه فكرة كل الأشياء ومثالها وابن الله الشخصي أو المجازي، ناسبا إليه أيضا جسدا مكونا من ثلاثة عناصر غير مخلوقة، وبذلك يخلط الطبيعتين ويزيلهما.

 

15

طبيعتان في شخص واحد

نؤمن انه بشخص واحد، أي في يسوع المسيح، تجتمع الطبيعتان وتتحدان فعلا وبدون انفصال، ومع ذلك تبقى لكل طبيعة خصائصها المميزة، فتحافظ الطبيعة الإلهية في هذا الاتحاد على صفاتها: غير مخلوقة وغير متناهية وتعم على كل شيء. وكذلك الطبيعة البشرية تبقى محدودة، لها صورتها وقياسها وصفاتها. ومع ان يسوع المسيح في قيامته من الأموات وهب صفة الخلود لجسده فانه لم يحرمه طبيعته الحقيقية، لذا فإننا نعتبر ان ألوهيته لا تنتقص من إنسانيته.

 

 

 

 

16

هدف التجسد

نؤمن ان الله بإرساله ابنه قصد إظهار محبته وجوده الفائق لنا، باذلا إياه للموت لإكمال كل بر ومقيما إياه من الأموات ليؤمّن لنا الحياة السماوية.

 

17

مصالحتنا مع الله

نؤمن بأننا صولحنا مع الله بالذبيحة الكاملة التي قدمها الرب يسوع على الصليب وتبررنا أمامه. لأننا غير مقبولين لديه ولا ننال نعمة التبني الا بقدر ما يغفر (كل) خطايانا ويمحوها محوا تاما. لذلك نصرح بأننا بالمسيح نطهر ونتكمل، وبموته تبررنا تبريرا كاملا وبواسطته وحده نتحرر من آثامنا وتعدياتنا.

 

18

التبرير نعمة

نؤمن ان تبريرنا يستند على غفران الخطايا وفي ذلك كل سعادتنا كما يقول المرنم وفي المزمور 2:32. وبالتالي نرفض كل الوسائط الأخرى للتبرير امام الله. إذ نركن فقط إلى الطاعة التي أطاعها يسوع المسيح دون ان ندعي أي فضل أو استحقاق، تلك الطاعة التي تُنسب لنا لتطهيرنا من خطايانا ولنجد نعمة وقبولا في حضرة الله. وبالحقيقة نؤمن أننا إذا ابتعدنا ولو قليلا عن هذا الركن لن نجد راحة في أي مكان آخر بل نبقى مضطربين. فإننا لن نكون في سلام مع الله الا حين نقبل ان يحبنا يسوع المسيح لأننا في ذواتنا نستحق البغض.

 

19

الصلاة بواسطة المسيح

نؤمن ان بهذه الوساطة لنا الحرية والامتياز ان ندعو الله واثقين من تعامله معنا كأب. لأن لا اقتراب لنا لآب  الا بهذا الوسيط، ولكي يستجاب لنا باسمه علينا ان نجعل حياتنا خاضعة تحت لوائه.

 

 

20

التبرير بالإيمان

نؤمن بأننا جُعلنا شركاء هذا البر بالإيمان وحده، كما قيل انه تألم من اجل خلاصنا "لكي لا يهلك كل من يؤمن به"[3] . وهذا يحدث بقدر ما نستعين بالاستفادة من وعود الحياة المعطاة لنا فيه، ونشعر بأثرها حين نقبلها واثقين من ثباتنا في كلمة الله واكيدين من صحتها. لذا فان التبرير الذي لنا بالإيمان يعتمد على الوعود المجانية التي بها يعلن الله عن محبته لنا ويشهد لها.

 

21

هبة الإيمان

نؤمن اننا نستنير في الإيمان بقوة الروح القدس السرية وان الإيمان هبة مجانية خاصة يمنحها الله لمن يشاء، لذلك ليس للمختارين أي مدعاه للفخر بل هم ملزمون بالشكر المضاعف لكونهم فضلوا على غيرهم. ونؤمن أيضا ان الإيمان لا يعطى للمختارين لإدخالهم إلى السبيل الصحيح فحسب بل أيضا لتأمين استمرارهم فيه حتى النهاية. فكما ان الله هو بادئ العمل فهو مكمله أيضا.

 

22

حياة التجديد والأعمال الصالحة

نؤمن اننا نولد بالإيمان إلى حياة جديدة بعد ان كنا خاضعين بالطبيعة للخطيئة. فبالنعمة ننال الإيمان لنحيا في قداسة وفي مخافة الله بقبولنا الوعد المعطى لنا في الإنجيل الا وهو ان الله يعطينا روحه القدوس. ولا يعوقنا هذا الإيمان أبدا عن طهارة الحياة أو يحولنا عن حب الصلاح، بل على العكس انه يولد فينا كل عمل صالح. وبالرغم من ان الله يعمل فينا لأجل خلاصنا ويجدد قلوبنا لما هو صالح فاننا نعترف ان الأعمال الصالحة التي نعمل صادرة من روحه ولا يمكن ان تحسب لنا برا أو ان تخولنا للتبني لأننا ينبغي دائما في حالة شك وقلق في قلوبنا إذا لم نركن إلى الكفارة التي حررنا بها يسوع المسيح.

 

 

 

 

23

مكانة الشريعة والأنبياء

نؤمن ان بمجيء يسوع المسيح أكملت طقوس الشريعة وانتهت، ولكن بالرغم من ان الشعائر لم تعد تستخدم الا ان جوهر الشريعة والحق الذي فيها يبقيان في ذلك الشخص الذي أتم الشريعة، واننا فضلا على ذلك نعتقد بوجوب الاستعانة بالشريعة والأنبياء من اجل توجيه حياتنا وتثبيتنا في وعود البشارة.

 

24

تعاليم وممارسات مرفوضة

نؤمن انه لما كان يسوع المسيح شفيعنا الأوحد قد أوصانا ان نسأل الآب باسمه وبما انه غير جائز لنا ان نصلي الا بما يتفق مع تعاليم كلمة الله، فان كل مزاعم البشر عن شفاعة القديسين الموتى هي ضلال ومكيدة  شيطانية لتحويل الناس عن العبادة الصحيحة. ونرفض أيضا كل الوسائط الأخرى التي يحاول البشر ان يقتنوا بها فداء لأنفسهم امام الله لأنها تنتقص من ذبيحة يسوع المسيح وآلامه.

وأخيرا، نعتبر المطهر ضلالة من الصنع ذاته الذي أنتج النذور الرهبانية ورحلات الحج وحظر الزواج والامتناع عن أكل اللحوم والتقيد بطقوس لأيام معينة والاعترافات السرية وصكوك الغفران وكل الأشياء التي بواسطتها يحاول بعضهم ان يستحقوا الغفران والخلاص. نرفض كل هذه الأمور ليس فقط لكونها ترتبط بفكرة الاستحقاق بل أيضا لأنها بدع بشرية تستعبد الضمير.

 

25

خدام الكلمة

لما كنا نتمتع بالمسيح بواسطة الإنجيل وحده نؤمن ان ترتيب الكنيسة المؤسس بسلطته مقدس ومنيع، وان الكنيسة لا يمكن ان تكون من دون رعاة للتعليم يجب ان نحترم ونصغي إليهم بوقار إذا كانوا مدعوين بالطريقة الصحيحة وخداما مخلصين. وليس هذا لأن الله ملزم بوسائل ثانوية كهذه بل لأنه شاء ان يستخدمها ليحكمنا بها. وبهذا نزدري كل الحالمين والرؤيويين الذين يودون، ان استطاعوا، ان يزيلوا خدمتي التبشير بالكلمة وإجراء السرين.

 

 

26

حياة الإيمان كنسية

نؤمن انه لا يجوز ان ينعزل الإنسان المسيحي ويرضى ان يبقى وحده منعزلا، بل على الجميع ان يشتركوا معا في حفظ وحدة الكنيسة وفي الخضوع للتعاليم المعلنة ولنير يسوع المسيح في أي موضوع أسس الله فيه كنيسة حقة، وان كان الحكام وقراراتهم معارضة لها. فكل من لا يشترك في الكنيسة أو يفصل نفسه عنها يعارض كلمة الله.

 

27

الكنيسة الحقة

مع ذلك نؤمن انه من الضروري التمييز بحذر وحكمة بين الكنيسة الحقة وغيرها لأن

هذا الاسم قد أسيء استعماله كثيرا. نقول إذن وبحسب كلمة الله ان الكنيسة هي شركة المؤمنين الذين يتفقون على إتباع كلمته والتقوى الطاهرة التي تعلمها، الذين يسيرون قدوما بها كل أيام حياتهم، ينمون فيها ويصيرون ثابتين في مخافة الله بقدر ما يشعرون بالحاجة للنمو والاندفاع إلى الامام. ومهما تكن جهودهم المستمرة فلا رجاء لهم الا بغفران خطاياهم. ولكننا لا ننكر بان بين المؤمنين يوجد مراؤون وهالكون ولكن شرهم لا يمكن ان يزيل اسم الكنيسة.

 

28

الكنائس الباطلة

في هذا الاعتقاد نعلن انه لا كنيسة حيث كلمة الله لا تُقبل ولا يُصار إلى اعتراف بالخضوع لها ولا تُستخدم الأسرار. لذا فإننا ندين الاجتماعات البابوية لكون كلمة الله منفية عنها، ولكون أسرارها مفسدة أو مزيفة أو محطمة وفيها أوهام وعبادة أوثان. ففي اعتقادنا ان كل الذين يشتركون في هذه الأفعال يفصلون أنفسهم عن جسد المسيح ويقطعون صلته به. ومع ذلك، بما ان أثرا ما للكنيسة باق في البابوية، فيبقى أيضا جوهر المعمودية وقوتها لأن فعالية المعمودية لا تعتمد على الذي يعمد، لذلك نعترف بأن المعمدين فيها لا يحتاجون إلى إعادة معمودية. ولكن بسبب فسادها لا نستطيع ان نقدم أولادنا للمعمودية فيها دون التعرض للتلويث والفساد.

 

 

 

29

أنواع الخدام

اما بالنسبة للكنيسة الحقة فنؤمن انه يجب ان تساس بحسب ما وضع ربنا يسوع المسيح. فيجب ان يكون فيها رعاة ومناظرون وشمامسة حتى يتخذ التعليم الحق مجراه، وتصلح الأخطاء وتقمع، وتسد حاجات المعوزين، وأيضا من اجل عقد الاجتماعات باسم الله ليتعلم ويتنور الكل على السواء.

 

30

الرعاة متساوون تحت رأس واحد: المسيح

نؤمن بأن لكل الرعاة الحقيقيين، حيثما كانوا، السلطة نفسها تحت رأس واحد. أسقف واحد وحيد سيد وجامع، هو يسوع المسيح. وبالتالي فلا حق لأي كنيسة بأن تدعي السلطان أو السيادة على أي كنيسة أخرى.

 

31

الدعوات للخدمة

نؤمن انه لا ينبغي ان يحاول شخص ان يسود في الكنيسة من سلطته الذاتية بل يجب ان ينبع ذلك من الاختيار بقدر الامكان وكما يأذن الله. ونضيف هذا الاستثناء خصوصا لأنه في بعض الأحوال وحتى في أيامنا الحاضرة، إذ قد تعثر وضع الكنيسة الحقة، رأى الله انه من الضروري ان يقيم أشخاصا بطريقة استثنائية ليجدد الكنيسة المتخبطة في الدمار والخراب. ومع ذلك نؤمن بان هذه القاعدة ملزمة: يجب على كل الرعاة والمناظرين والشمامسة ان يثبتوا دعوتهم للخدمة.

 

32

الوحدة والتنوع بين الكنائس

تؤمن أيضا انه من المستحب والمفيد ان يستنبط المدبرون المنتخبون فيها بينهم الوسائل التي  يجب تبنيها لإدارة الجسد كله، شرط ان لا يحيدوا عما رسمه ربنا يسوع المسيح، وهذا لا يمنع أبدا من ان يكون هناك أنظمة وفرائض خاصة بأماكن معينة، كما هو ملائم.

 

 

33

الأنظمة الكنسية

لكننا نرفض كل البدع البشرية وكل القوانين التي يدخلها البشر تحت ستار خدمة الله، والتي بواستطها يقيدون الضمائر، ونقبل فقط كل ما من شأنه ان يقود إلى الوئام ويحفظ الجميع في الطاعة من كبيرهم إلى صغيرهم. وفي هذا علينا إتباع ما صرح به الرب يسوع المسيح فيما يتعلق بالحرم الكنسي، فنحن نقبل به ونعترف بأنه ضروري في شروطه ونتائجه.

 

34

ماهية الأسرار

نؤمن ان الأسرار أضيفت إلى الكلمة لأجل زيادة في التثبيت لكي تكون لنا عربون نعمة الله وختمه، وعونا وعزاء لإيماننا بسبب الضعف الذي فينا، وبأنها علامات خارجية يعمل الله بروحه من خلالها لأنه لا يستخدم العلامات عبثا. ولكننا نعتبر بأن جوهر الأسرار وحقيقتها هما في يسوع المسيح وبأنها في حد ذاتها ليست سوى دخان وخيال.

 

35

سر المعمودية

نعترف بسرين فقط للكنيسة ككل: الأول، هو المعمودية وهي عربون التبني لأن بها نلحم بجسد المسيح كي نُغسل ونُطهر بدمه لنتجدد في نقاوة الحياة بروحه القدوس. ونعتقد أيضا بأنه على الرغم من اننا نعمد مرة واحدة فان الربح الذي ترمز إليه المعمودية يطال كل حياتنا ويستمر إلى مماتنا، فلنا إذا شهادة ثابتة ان يسوع المسيح هو أبدا برنا وقداستنا. ومع ان المعمودية هي سر الإيمان والتوبة فإننا نقول بناء على سلطة المسيح بوجوب منحها لأولاد المؤمنين لأن الله يدعو الأولاد الصغار إلى الكنيسة مع والديهم.

 

36

سر العشاء الرباني

نعترف ان العشاء الرباني، السر الثاني، هو شهادة الاتحاد الذي لنا بالمسيح، الذي مات وقام من اجلنا مرة واحدة وأيضا يغذينا حقا بجسد ودمه لكي نكون واحدا فيه وتكون حياتنا شركة. وبالرغم من كونه في السماء حتى يجيء ليدين كل الأرض فإننا نؤمن بأنه يغذينا ويقوينا بجوهر جسده ودمه بقوة روحه السرية التي لا تدرك. نؤمن ان هذا يحدث روحيا، لا لأننا نضع التخيل والأوهام مكان الواقع والحقيقة، بل لأن عظمة هذا السر تفوق إدراك حواسنا وقوانين الطبيعة، وباختصار لأنه سر سماوي لا يمكن ان يدرك الا بالإيمان.

 

37

فاعلية الأسرار

نؤمن كما سبق وقلنا، ان الله يعطينا في العشاء الرباني- كما في المعمودية- حقا وفعلا ما يضعه أمامنا، وبالتالي فانه يمنحنا في هذه العلامات ان نمتلك ونستمتع حقا بما تمثله لنا. لذا فان جميع الذين يتقدمون كإناء إلى مائدة المسيح المقدسة بإيمان طاهر ينالون حقا المشار إليه في العلامة، لأن جسد المسيح ودمه مأكل ومشرب للنفس كما الخبز والخمر هما غذاء للجسد.

 

38

ضرورة الأسرار

لذلك نعتقد بأن الماء مع كونه عنصرا واهنا يشهد لنا بالحقيقة عن اغتسال نفوسنا الداخلي في دم يسوع المسيح بقوة روحه، وان الخبز والخمر الممنوحين لنا في السر مشربنا. ولذا نرفض مذهب المتحمسين الذين يقللون من شأن الأسرار ويرفضون قبول هذه العلامات والإشارات بالرغم من قول المخلص: "هذا هو جسدي وهذه الكأس هي دمي"[4].

 

39

السلطات المدنية

نؤمن انها إرادة الله ان يحكم العالم بواسطة القوانين والحكام لكي يكبح جماح شهواته المختلة. وقد أسس الله ممالك وجمهوريات وأنواع من الامارات بعضها وراثي وبعضها غير ذلك، وزودها بكل ما يتصل بالحكم العادل، وهو يريد ان يعتبر موجدها، وقد وضع السيف في أيدي الحكام لقمع التعديات على وصايا العشر. فلأجل ذلك يتوجب علينا الا نكتفي بالخضوع لهم كرؤساء بل ان نكرمهم ونجلهم على اعتبار أنهم يقومون مقام الله وينوبون عنه.

 

 

 

40

طاعة السلطات المدنية

نعتبره واجبا علينا إذن، ان نطيع شرائعهم وقوانينهم ونؤدي الرسوم والضرائب والمستحقات الأخرى، ونحتمل نير الخضوع بارادة حسنة حرة، حتى ولو كانوا من غير المؤمنين شرط ان لا تُمس سيادة الله. لذا نمقت كل الذين يرفضون السلطة لتأسيس جماعة تكون فيها الملكية فوضوية ويطاح فيها بنظام العدالة.


 

اعتراف الإيمان الاسكتلندي

1560م

 

لمحة تاريخية

 

في بداية مسيرة الحركة الإصلاحية في اسكتلندا قدمت عريضة إلى البرلمان الاسكتلندي تطالب بالإصلاح الكنسي والديني. فعين البرلمان لجنة مؤلفة من ستة أشخاص وأوكل إليهم مهمة صياغة خلاصة التعليم أو العقيدة التي يريدون ان يعتنقوا لينظر فيها البرلمان ويضعها أساسا للإيمان الحق وتطبق في المملكة كلها. وتألفت اللجنة من جون وينرم J. Winram وجون سبوتيسود J. Spottiswood وجون دوغلاس J. Douglas وجون راو J. Row وجون ويلوك J. Willock وجون نوكس  J.Knox. وكان هذا الأخير، جون نوكس 1513-1572م، من ابرز شخصيات اسكتلندا الإنجيلية وقد اعتنق الإنجيلية في سنة 1554م وأمضى فترة في فرنسا وألمانيا وجنيفا حيث التقى جون كلفن وتأثر بالإصلاح السويسري. ويرجع المؤرخون انه كان المؤلف الأساسي لاعتراف الإيمان الذي صاغته هذه اللجنة وانتهت منه في غضون أربعة أيام. فتبنى البرلمان هذا الاعتراف في 24 آب، 1560م، وظل العقيدة الأساسية في كنيسة اسكتلندا إلى ان وُضع اعتراف الإيمان الوستمنستري Westminster Conf في 1643م وتبناه الاسكتلنديون في سبيل توحيد إيمان الكنائس المصلحة في أوروبا الا إنهم لم يتخلوا عن اعترافهم الأول. وقد كتب اعتراف الإيمان هذا في اللهجة الاسكتلندية الأصلية.

 

 

اعتراف الإيمان الاسكتلندي 1560م

 

الفصل الأول

الله

نعترف ونقر باله واحد أحد، وبه وحده ينبغي ان نلزم، إياه وحده يجب ان نخدم، إياه وحده يجب ان نعبد، وبه وحده يجب ان نثق. فهو أزلي، لا متناه، لا حد له، غير مدرك، كلي القدرة، غير منظور، واحد في الجوهر ولكن متمايز في ثلاثة أشخاص (أقانيم): الآب والابن والروح القدس. نعترف ونقر بأن كل الأشياء في السماء وعلى الأرض، ما يرى وما لا يرى، به خُلقت وتُحفظ في وجودها، تحكم وتوجد بعنايته الفائقة إلى غاية رسمتها حكمته الأزلية وصلاحه وعدله والى غرض إظهار مجده.

 

الفصل الثاني

خلق الإنسان

نعترف ونقر بأن إلهنا خلق الإنسان، أي أبانا الأول آدم، على صورته ومثاله، وأعطاه حكمة وسيادة وعدلا وإرادة حرة ووعيا للذات ولم يكن في طبيعة الإنسان الكاملة نقص. من هذا السمو والكمال سقط الرجل والمرأة كلاهما. المرأة خُدعت من الحية والرجل أطاع صوت المرأة، وتآمر كلاهما على سلطان جلال الله، الذي كان قد انذرهما بالموت بكلام واضح أنه إذا تجرأ واكلا من الشجرة المحرمة.

 

الفص الثالث

الخطيئة الأصلية

بهذا التعدي المسمى عامة الخطيئة الأصلية طمست صورة الله في الإنسان كليا، وصار الإنسان وأبناؤه بالطبيعة معادين لله، عبيدا للشيطان وخداما للخطيئة. وهكذا تسلط الموت الأبدي وساد على كل من لم يولد أيضا من فوق. والولادة الجديدة تحدث بقوة الروح القدس فتخلق في قلوب المختارين من الله إيمانا وثيقا بوعد الله المصرح به في كلمته. بهذا الإيمان نعتصم بالمسيح يسوع وبالنعم والبركات الموعود فيه.

 

الفصل الرابع

إعلان الوعد

نؤمن إيمانا راسخا ان الله، بعد تحول الإنسان المخيف والرهيب عن طاعته، نشد آدم مرة أخرى وناداه موبخا وأدانه بخطيئته، وفي الختام قطع له وعدا سارا جدا: ان نسل المرأة يسحق رأس الحية، أي انه سيدمر أعمال الشيطان. وقد رُدد هذا الوعد بوضوح اكبر من وقت لآخر، وقُبل بفرح وبثبات من كل المؤمنين من آدم إلى نوح ومن نوح إلى إبراهيم ومن إبراهيم إلى داود، وهكذا دواليك حتى تجسد يسوع المسيح. وقد رأى الكل (نعني الآباء المؤمنين تحت الشريعة) يوم المسيح يسوع البهيج وابتهجوا حقا.

 

الفصل الخامس

استمرارية الكنيسة ونموها وحفظها

نؤمن بالتأكيد ان الله حفظ الكنيسة وأرشدها وكثرها وكرمها وزينها ودعاها من الموت إلى الحياة في كل العصور منذ آدم حتى مجيء المسيح يسوع بالجسد. لأنه دعا إبراهيم من أرض أبيه وأرشده وضاعف نسله، وحفظه بطريقة مدهشة وأنقذ نسله بدهشة اكبر من عبودية فرعون وطغيانه، وأعطاهم شرائعه وأنظمتة وشعائره، ولهم أعطى ارض كنعان. وبعد ان زودهم بقضاة ثم بشاوول، أعطاهم داود ليكون ملكا، وله قطع وعدا بأن يقيم بعده نسله الذي يخرج من أحشائه ويثبت كرسيّ مملكته إلى الأبد. ولهذا الشعب ذاته أرسل من وقت إلى لآخر أنبياء يدعونهم إلى طريق إلههم الحق الذي ضلوا عنه أحيانا بعبادة الأوثان. ومع انه اضطر بسبب عنادهم المزدري للبر إلى ان يسلمهم لأيدي أعدائهم، كما هددهم قبلا على لسان موسى، فدمرت المدينة المقدسة وأُحرق الهيكل بالنار وأقفرت الأرض بأكملها لمدة سبعين سنة، فانه أعادهم برحمة إلى أورشليم حيث أعيد بناء المدينة والهيكل، واحتملوا كل التجارب وهجمات الشيطان إلى ان جاء المسيح بحسب الوعد.

 

الفصل السادس

تجسد المسيح يسوع

لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه، حكمته الأزلية، وجوهر مجده إلى العالم، الذي اتخذ الطبيعة البشرية من جوهر امرأة عذراء بواسطة الروح القدس. وهكذا ولد نسل داود البار، ملاك مشورة الله العظيمة، المسيح الموعود ذاته، الذي نقر ونعترف بأنه عمانوئيل، اله حق وإنسان حق، طبيعتان كاملتان متحدتان ومجتمعتان في شخص واحد. وهكذا فإننا اعترفنا هذا ندين بدع آيروس ومارسيون ويوتيخوس ونسطوريوس وغيرها من البدع الملعونة والمفسدة التي تنكر ألوهية المسيح أو حقيقة إنسانيته أو تخلطهما أو تفصلهما.

 

 

 

الفصل السابع

في وجوب كون الوسيط إلها حقا وإنسانا حقا

نقر ونعترف بأن هذا الاتحاد المدهش بين الألوهية والإنسانية في المسيح يسوع نشأ من قضاء الله الأزلي الثابت الذي منه ينبع خلاصنا وعليه يعتمد.

 

الفصل الثامن

الاختيار الإلهي

الإله والآب الأزلي ذاته، الذي بالنعمة وحدها اختارنا في ابنه المسيح يسوع قبل تأسيس العالم، عينه ليكون رأسنا وأخانا وراعينا وأسقف أرواحنا العظيم. ولكن، بما ان التعارض بين عدل الله وخطايانا كان عظيما لدرجة انه لا يستطيع بشر ان يبلغ الله،تعين على ابن الله ان ينزل إلينا ويتخذ لنفسه جسدا من جسدنا ولحما من لحمنا وعظما من عظامنا ليصبح الوسيط بين الله والإنسان، معطيا قوة لجميع المؤمنين به ليصيروا أبناء الله. وكما يقول لنفسه: "اصعد إلى أبي وأبيكم والهي وإلهكم". لقد أعيد لنا في هذه الأخوة المقدسة كل ما فقدناه في آدم. لذا لا نخاف ان ندعوا الله أبانا، ليس لأنه خلقنا فقط- لأننا في هذا نشترك مع الهالكين- بل لأنه أعطانا ابنه الوحيد أخا لنا، ومنحنا نعمة لنعترف به ولنعتنقه كوسيطنا الوحيد. وأيضا قد تعين على المسيح والفادي ان يكون إلها حقا وإنسانا حقا لأنه استطاع ان يحتمل عقاب تعدينا ويقدم نفسه امام قضاء أبيه بدلا عنا ليتألم عن تعدياتنا وعصياننا، وبالموت يغلب الذي كان موجود الموت. وبما ان الألوهية وحدها لا يمكنها ان تموت والإنسانية لا تستطيع التغلب على الموت، فقد جمع الاثنين في شخص واحد، لكي يتألم ضعف الواحد ويخضع للموت الذي استحققناه وتنتصر الأخرى، أي الألوهية، في قدرتها اللامتناهية التي لا تقهر، فاقتنى لنا حياة وحرية ونصرا دائما. هكذا نعترف ويقينا نؤمن.

 

 

 

 

 

الفصل التاسع

موت المسيح وآلامه ودفنه

 

نعترف بان الرب يسوع قدم ذاته ذبيحة طوعية لأبيه من اجلنا، وعانى معارضة الخطاة، وكان "مجروحا لأجل معاصينا، مسحوقا لأجل آثامنا"، وهو حمل الله الطاهر البريء الذي أدين في حضرة قاضي ارضي كي يغفر لنا امام كرسي دينونة إلهنا، وانه لم يكابد موت الصليب القاسي، الذي كان لعنه من قضاء الله فحسب، بل عانى أيضا ولفترة غضب أبيه الذي يستحقه الخطاة. ولكن مع ذلك نؤمن بأنه بقي الابن المبارك والحبيب الوحيد لأبيه حتى في وسط كربه وعذابه الذي كابده في الجسد والنفس ليصنع كفارة كاملة لخطايا شعبة. على هذا الأساس نعترف ونصرح بأنه ليس ثمة ذبيحة أخرى للخطية، وان أكد احد ان ثمة ذبيحة أخرى للخطية فلا نتردد بالقول بأنه تجديف على موت المسيح وكفارته الأبدية التي اقتنى لنا.

 

الفصل العاشر

القيامة

نؤمن يقينا ان ربنا يسوع الذي صلب ومات وقبر ونزل إلى الهاوية قام أيضا من اجل تبريرنا وللقضاء على مسبب الموت، لأنه من المستحيل ان تأسر احزان الموت مبدع الحياة. وبقيامة الموتى أحي الذين خضعوا للموت وعبوديته. نعلم ان قيامته تأكدت بشهادة أعدائه وبقيامة الموتى التي "تفتحت قبورهم وخرجوا من القبور ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين". كما انها تأكدت بشهادة ملائكته ومن خلال حواس رسله وعقولهم ومن الكثيرين الذين تحادثوا معه وأكلوا وشربوا معه بعد قيامته.

 

الفصل الحادي عشر

الصعود

 

 لا نشك في ان الجسد نفسه المولود من العذراء والمصلوب والمائت والمدفون والقائم من الموت صعد إلى السماوات لإتمام كل الأشياء، حيث باسمنا ولأجل راحتنا دفع له كل سلطان في المساء وعلى الأرض، وهو يجلس عن يمين الله الآب بعد ان تسلم مملكته، وهو شفيعنا ووسيطنا الوحيد. وهو وحده من بين الأخوة سيملك المجد والإكرام والامتياز حتى يجعل أعداءه موطئا لقدميه كما نؤمن يقينا ان ذلك سيحصل في الدينونة الأخيرة. نؤمن ان الرب يسوع ذاته سيأتي أيضا بشكل ظاهر للدينونة الأخيرة كما شوهد عند صعوده. ونؤمن انه عندئذ يأتي وقت إحياء كل الأشياء وردها إلى أصلها وان كل الذين من البدء عانوا العنف والأذى والشر من اجل البر يرثون الأبدية الموعودة لهم منذ البداية. ولكن العصاة المعاندين والمضطهدين القساة والأشخاص البذيئين وعابدي الأوثان وكل غير المؤمنين على مختلف أجناسهم سيطرحون خارجا في زنزانة الظلام التام "حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفأ". ان ذكرى ذلك اليوم والدينونة المزمع تنفيذها فيه لا تكبحان شهواتنا الجسدية فحسب بل تعطينا عزاء لا يقدر بان لا تهديدات أمراء العالم ولا الخوف من أخطار حاضرة أو موت يمكن ان تجعلنا ننكر أو نتخلى عن تلك الشركة المباركة التي لنا نحن الأعضاء مع الرأس، شفيعنا الوحيد المسيح يسوع، الذي نعترف ونقر بأنه المسيح الموعود ورأس كنيسته الوحيد والمشرع العادل وكاهننا العلي الأوحد والمؤيد والوسيط. ونمقت بشدة كل من يتجرأ ان يدعي لنفسه هذه الامتيازات والمناصب، ملاكا كان أم إنسانا، ونعتبره مجدفا على رئيسنا السيد الأعظم، المسيح يسوع.

 

الفصل الثاني عشر

الإيمان بالروح القدس

لا ينبثق إيماننا وتأكيده من لحم ودم، أي من قوة طبيعية فينا، وإنما من وحي الروح القدس، الذي نعترف بأنه الله المتساوي مع الآب والابن وهو الذي يقدسنا ويقودنا بعمله إلى كل حق، الذي بدونه نبقى أبدا أعداء لله وجاهلين ابنه، المسيح يسوع. لأننا بالطبيعة مائتون، عمي، منحرفون حتى اننا لا نحس عندما نوخز ولا نرى النور عندما يشع ولا نوافق على مشيئة الله حين تعلن الا إذا أوحي روح الرب ما هو مائت فينا وأزال الظلمة من عقولنا وأخضع قلوبنا المعاندة لطاعة مشيئته المباركة. لذا، كما نعترف ان الله الآب خلقنا حين لم نكن وان ابنه ربنا يسوع فدانا حين كنا أعداء له، كذلك نعترف ان الروح القدس يقدسنا ويجددنا دون أي استحقاق لنا قبل تجديدنا أو بعده. وبكلام أوضح: كما أننا لا ندعي أي شرف ومجد في عملية خلقنا وفدائنا، كذلك هو الامر بالنسبة لتجديدنا وتقديسنا، لأننا من أنفسنا لسنا قادرين ان نفتكر شيئا صالحا واحدا ولكن الذي بدأ عمله فينا يكملنا فيه لتسبيح نعمته التي لا نستحق ولتمجيدها.

 

 

الفصل الثالث عشر

سبب الأعمال الصالحة

نعترف بان سبب الأعمال الصالحة ليس إرادتنا الحرة ولكن روح الرب يسوع الذي يسكن في قلوبنا بالإيمان الحقيقي ويثمر أعمالا حسب ما أعد الله لنا لنسلك فيها. فإننا نؤكد بجرأة انه من التجديف القول بان المسيح يقيم في قلوب أولئك الذين ليس فيهم روح التقديس. لذلك لا نتردد في التأكيد بان القتلة والظالمين والمضطهدين القساة والزناة والفاحشين وعابدين الأوثان والسكارى واللصوص وكل فاعلي الإثم ليس لهم الإيمان ولا شيء من روح الرب يسوع طالما هم مستمرون في الشر بعناد. لأنه حين يمتلك روح الرب يسوع، الذي يستلمه أولاد الله المختارون بالإيمان، قلب أي إنسان يجدده ويصلحه فورا حتى ان ذلك الإنسان يصير يكره ما كان يحب قبلا ويحب ما كان يكره سابقا. ومن ثم تأتي المعركة المستمرة بين الجسد والروح (القدس) في أولاد الله. فالجسد- كالإنسان الطبيعي الفاسد- يتلهف لما هو ممتع وملذ له ويحسد في المحن ويتكبر في الازدهار، وهو ميال أبدا إلى إهانة جلال الله. لكن روح الله الذي يشهد لأرواحنا بأننا أبناء الله يقوينا لنقاوم المتع القذرة ويجعلنا نئن في حضرة الله من اجل الخلاص من عبودية الفساد حتى نتغلب في النهاية على الخطيئة، كيلا تسود في أجسادنا المائتة . البشر الآخرون لا يعرفون هذا النزاع لأنهم لا يملكون روح الله ولكنهم يتبعون الخطية رغبة ويطيعونها ولا يشعرون بالندم إذ يتصرفون حسب تحريض الشيطان وطبيعتهم الفاسدة. ولكن أبناء الله يحاربون الخطيئة ويتنهدون ويحزنون حين يجدون أنفسهم مجربين لفعل الشر، وإذا ما سقطوا ينهضون من جديد نادمين حقا وصدقا. يعملون هذه الأمور لا بقدرتهم ولكن بقدرة الرب يسوع وبدونه لا يستطيعون شيئا.

 

الفصل الرابع عشر

الأعمال المحسوبة صالحة امام الله

نعترف ونقر بان الله أعطى الإنسان شريعته المقدسة التي لا يحرم فيها كل الأعمال التي تغضب جلاله الإلهي وتسيء إليه فحسب بل يوصي أيضا بالأعمال التي تسره والتي وعد بان يكافئها. فهذه الأعمال على نوعين: النوع الأول التي تعمل  لمجد الله، والثاني هي الأعمال التي تُعمل لمنفعة القريب، وكلا النوعين مؤكدان في مشيئة الله المعلنة. النوع الأول يشتمل على الإقرار باله واحد وبعبادته وتكريمه والدعاء إليه في كل الشدائد وبتبجيل اسمه القدوس، وسماع كلمته والإيمان بها والاشتراك في سريه المقدسين. اما النوع الثاني فيشتمل على إكرام الأب والأم، والأمراء والحكام والسلطات العليا، ومحبتهم ومساندتهم وإطاعة أوامرهم إذا لم تكن مخالفة لوصايا الله، وإنقاذ حياة الأبرياء وكبح الطغيان والدفاع عن المقهورين، وحفظ أجسادنا نظيفة مقدسة والعيش في تيقظ واعتدال والتعاطي بعدل مع كل الناس في القول والفعل، واخيرا كبح الرغبة في إيذاء القريب. كل هذه الأعمال مقبولة من الله وهو يسر بها لأنه أوصى بها. كل الأفعال المنافية لها خطايا وهي لا تسره بل تغيظه، مثل عدم الدعاء له وحده وقت الضيق وعدم سمع كلمته بوقار وشجبها واحتقارها وعبادة الأوثان أو حيازتها والدفاع عن عبادتها وعدم احترام اسم الله المقدس، وتدنيس سري المسيح يسوع وإساءة استعمالهما أو شجبهما وعصيان الذين أقامهم الله في السلطة أو مقاومتهم دون ان يكونوا تخطوا حدود وظائفهم والقتل أو الموافقة عليه والحقد أو السماح بسفك دم بريء حيث نستطيع ان نمنع ذلك.

الخلاصة: نعترف ونؤكد على ان خرق أية وصية أخرى من النوع الأول أو الثاني هو خطيئة، والخطيئة تثير استياء الله وغضبه على العالم المتغطرس العقوق. لذلك نؤكد ان الأعمال الصالحة هي وحدها التي تُصنع بالإيمان وإطاعة لوصية الله الذي بين لنا في شريعته الأمور التي يسر بها. ونؤكد بان الأعمال الشريرة ليست تلك التي تعمل صراحة ضد وصايا الله فقط، بل أيضا في الأمور الدنيوية وعبادة الله، الأمور التي لا اجازة لها الا رأي الإنسان وابتكاره. فقد رفض الله هذه الأمور منذ البدء، كما نتعلم من كلمات النبي اشعياء ومعلمنا المسيح يسوع: "باطلا يعبدونني وهم يعلمون تعاليم هي وصايا الناس".

 

الفصل الخامس عشر

كمال الشريعة ونقص الإنسان

نعترف ونقر بان شريعة الله هي منتهى العدل والإنصاف والقداسة والكمال، وهي توصي بأمور ان عُلمت تماما تقدر ان تمنح الحياة وتوصل الإنسان للسعادة الأبدية. لكن طبيعتنا فاسدة وضعيفة وناقصة لدرجة انه يستحيل علينا ان نتمم أعمال الشريعة. وحتى بعد الولادة الجديدة ان قلنا انه ليس لنا خطيئة نضل أنفسنا وليس حق الله فينا. لذلك من الضروري ان نتمسك بالمسيح يسوع في بره وكفارته لأنه هو غاية الشريعة وكمالها ولأننا به نُحرر حتى لا تقع لعنة الله علينا، وان لم نتمم الشريعة في أكملها. فالله الآب يرانا في جسد ابنه المسيح يسوع ويقبل طاعتنا الناقصة حاسبا إياها كاملة ويستر ببر ابنه أعمالنا الملطخة. هذا لا يعني بأننا تحررنا بحيث اننا لا ندين بالطاعة للشريعة- إذ سبق وأقررنا بمكانتها- ولكننا نؤكد انه ليس إنسان على الأرض ما عدا المسيح يسوع قد أطاع- أو يطيع أو سيطيع- الشريعة فعلا بالطاعة التي تتطلبها. بعد ان نعمل كل الأشياء علينا ان نخر ساجدين ونعترف صادقين بأننا عبيد بطالون. لذلك فكل من يفاخر بجدارة أعماله أو يضع ثقته في نوافل الأعمال انما يفاخر بما لا وجود له ويضع ثقته في أوثان لعينة.  

 

الفصل السادس عشر

الكنيسة

وكما نؤمن باله واحد آب وابن وروح قدس كذلك نؤمن بثبات انه منذ البدء كانت هي الآن وستكون حتى نهاية العالم كنيسة واحدة وشركة واحدة وجماعة بشر مختارين من الله، الذين يعبدونه بالحق ويضمونه بالإيمان الصحيح في المسيح يسوع، رأس الكنيسة، التي هي جسد المسيح يسوع وعروسه. هذه الكنيسة جامعة لأنها تحتوي المختارين من كل العصور والممالك والأمم ومن كل لسان، يهودا كانوا أو أممين، الذين لهم شركة مع الله الآب ومع ابنه المسيح يسوع بواسطة تقديس الروح القدس. لذلك تسمى شركة لا أشخاصا دنيويين بل قديسين، مواطنين في أورشليم السماوية ولهم ثمار لا تحصى منافعها: اله واحد ورب واحد يسوع وإيمان واحد ومعمودية واحدة. خارج هذه الكنيسة لا حياة ولا سعادة أبدية. لذلك نمقت تماما تجديف القائلين بأن الإنسان العائش حسب الإنصاف والعدل سيخلص مهما كان اعترافه الديني. فبما انه لا حياة ولا خلاص بدون المسيح يسوع، كذلك لا حصة لأحد فيه الا للذين أعطاهم الآب لابنه المسيح يسوع والذين يأتون إليه ويقرون بتعاليمه ويؤمنون به (نشمل الأولاد مع الأهل المؤمنين). وهذه الكنيسة غير منظورة، معلومة لدى الله فقط، الذي وحده يعلم من اختار، وهي تشمل أيضا المختارين الراحلين، الكنيسة المنتصرة، والذين مازالوا أحياء يحاربون الخطيئة والشيطان،. وأيضا الذين سيحيون فيما بعد.

 

الفصل السابع عشر

خلود الأنفس

المختارون الراحلون راقدون في سلام ومرتاحون من أعمالهم، ليس لأنهم نائمون ومنسيون كما يدعي بعض المتطرفين، بل لأنهم قد تحرروا من كل خوف ووجع ومن كل التجارب التي يتعرض لها مختاروا الله في هذه الحياة التي بسببها نسمى نحن الكنيسة المجاهدة. ولكن الهالكين وغير المؤمنين يعانون كربا وعذابا وآلاما لا توصف. لا هؤلاء ولا أولئك في رقاد بحيث أنهم لا يشعرون بالفرح أو العذاب، بل كما ورد في مثل المسيح في لوقا 16، وفي كلام السيد للص (على الصليب)، وفي كلمات النفوس الصارخة من تحت المذبح: "حتى متى أيها السيد القدوس والحق لا تقضي وتنتقم لدمائنا من الساكنين على الأرض"[5].

 

الفصل الثامن عشر

علامات تمييز الكنيسة الحقة من الباطلة وما هو مرجع التعليم

بما ان الشيطان قد عمل منذ البدء ليضفي على مجمعه الموبوء اسم كنيسة الله، وحرض المجرمين القساة ليضطهدوا ويزعجوا ويضايقوا الكنيسة الحقة وأعضاءها كما فعل قايين بهابيل، وعيسو بيعقوب وكل كهنوت اليهود بالمسيح يسوع ويرسله من بعده، لذا فانه من الضروري ان تُميز الكنيسة الحقة عن المجامع الدنسة بعلامات واضحة وكاملة حتى لا نُخدع ونخلط بين الاثنتين فنجلب دينونة علينا. ان العلامات والسمات والأمارات الأكيدة التي بها تميز عروس المسيح الطاهرة عن الزانية الرهيبة والكنيسة الباطلة ليست الأقدمية ولا اللقب المغتصب ولا التسلسل الوراثي ولا مكانا معينا ولا عدد البشر الموافقين على الخطأ، لأن قايين كان قبل هابيل وشيت زمنا ولقبا، وأورشليم تقدمت على كل أماكن الأرض فكان فيها كهنة منحدرون من هارون وقد تبع الكتبة والفريسيين والكهنة عدد أكبر من الذين تبعوا مخلصين المسيح يسوع وتعليمه. ولكن لا نظن بأن ثمة إنسانا عاقلا يعتبر ان احد الأمور المذكورة كانت كنيسة الله. لذلك فاننا نؤمن ونعترف ونؤكد ان علامات الكنيسة الحقة هي أولا، التبشير الحقيقي بكلمة الله التي كشف الله ذاته بها لنا كما تعلن كتب الأنبياء والرسل، ثانيا، الإجراء الصحيح لأسرار المسيح يسوع والذي يجب ان يُرافق بكلمة الله وبوعده ختما لهما في قلوبنا وتأكيدا عليهما. وأخيرا، قواعد الانضباط الكنيسة المعمول بها باستقامة كما تقضي كلمة الله بحيث تقمع الرذيلة وتغذي الفضيلة. حيثما ترى هذه العلامات وتستمر لفترة، سواء أكان عددها كاملا أم لم يكن، فهناك بلا شك كنيسة المسيح وهو في وسطه كما وعد. ليست هذه هي الكنيسة الجامعة التي تحدثنا عنها آنفا بل هي كنائس محلية كما كانت في كورنثوس وغلاطية وافسس وغيرها من الأماكن التي أنشا بولس خدمة فيها وسماها هو كنائس الله. هذه هي الكنائس التي نقول نحن سكان مملكة اسكتلندا المعترفون بالمسيح يسوع انها لدينا في مدننا وقرانا ومقاطعاتنا  المصلحة وذلك بسبب التعليم في كنائسنا المتضمن في كلمة الله المكتوبة، أي العهد القديم والجديد- في الكتب المعتبرة قانونية أصلا. نؤكد بان هذه الكتب تعبر تعبيرا واضحا عن كل ما هو ضروري للإيمان من اجل خلاص الإنسان. فمسألة تفسير الكتاب المقدس ليست شأن فرد خاص أو إنسان مسؤول، ولا شان كنيسة بسبب أسبقية أو مكانة لها فوق غيرها- سواء أكانت مكانة شخصية أم جغرافية- وإنما تفسير الكتاب يخص روح الله الذي به كتب. وحين ينشأ خلاف حول الفهم الصحيح لأحد مقاطع الكتاب أو أعداده أو حول إصلاح مساوئ في كنيسة الله يجب الا نسأل ماذا قال أو فعل البشر سابقا بقدر ما يجب ان نسعى لفهم ما يتكلم به الروح القدس بانتظام في كل الكتاب وما فعله يسوع وأمر به. لأن الجميع متفقون ان روح الله، روح الوحدة، لا يقدر ان يناقض نفسه. فإذا خالف تفسير ما أو رأى لاهوتي أو كنيسة أو مجمع كلمة الله الجلية المدونة في أي مقطع من الكتاب فمن الأكيد انه ليس الفهم الصحيح ولا المعنى الحقيقي للروح القدس وان وافقت عليه وأقرته مجامع وممالك وأمم. لا نجرؤ ان نقبل أو نقر بأي تفسير يتعارض مع مبدأ إيماننا الأساسي أو مع أي نص كتابي صريح أو مع قاعدة المحبة.   

 

افصل التاسع عشر

سلطة الكتاب المقدس

وكما نؤمن ونعترف بان كتاب الله كاف لتعليم رجل الله وجعله كاملا، كذلك نؤكد ونصرح بأن سلطة الكتاب هي من الله ولا تعتمد على بشر أو ملائكة. لذا فاننا نؤكد ان القائلين بان لا سلطة للكتاب الا تلك المعطاة له من الكنيسة مجدفون على الله ومضرون للكنيسة الحقة التي تسمع صوت قرينها وتطيع راعيها دوما، ولكنها لا تدعي بأنها سيدة فوق صوت سيدها.

 

الفصل العشرون

في المجامع العامة وسلطتها وسبب دعوتها

وان كنا لا ندين بتسرع ما قد وضعه لنا أُناس صالحون في مجامع عامة وقانونية فاننا لا نقبل دون تمييز كل ما أُعلن للبشر باسم المجامع العامة، لأنه من الواضح ان بعض المجامع، بما انها مجامع بشر، قد أخطأت في أمور مهمة وذات شأن. لذا فنحن نقبل ونعتنق قرارات المجمع بقدر ما يثبتها المجمع بكلمة الله الصريحة. ولكن ان قام بعضهم مدعين تحت ستار مجمع صياغة بنود إيمان جديدة أو قرارات منافية لكلمة الله، فيجب ان نرفضها تماما ونعتبرها تعاليم شيطانية تبعد نفوسنا عن صوت الإله الواحد لإتباع عقائد وتعاليم بشرية. ان سبب انعقاد المجامع العامة لم يكن لسن قوانين جديدة دائمة لم يسنها الله قبلا ولا لإضافة بنود جديدة على إيماننا ولا لإضفاء السلطة على كلمة الله أو لجعلها كلمته أو تفسيرها تفسيرا صحيحا لم يكن قبلا موجودا في كلمته وبإرادته المقدسة، بل ان سبب انعقاد المجامع- على الأقل التي منها تستحق هذا الاسم- كان لدحض الهرطقات من جهة وللاعتراف العلني بالإيمان للأجيال اللاحقة، وقد فعلت ذلك بسلطة كلمة الله المدونة، لا بالرأي أو الامتياز القائل بالعصمة بسبب عددهم. هذا ما نعتبره السبب الأولي لانعقاد المجامع. اما السبب الثاني فكان لتثبيت النظام والإدارة الحسنة وتأكيد احترامها في الكنيسة حيث يلائم، كما في بيت الله، ان تعمل كل الأشياء "بلياقة وبحسب ترتيب"[6]. هذا مع العلم بأننا لا نعتقد بأنه يمكن تحديد نظام ما أو ترتيب طقوس معينة لكل العصور والأزمنة والأمكنة. فان الطقوس والشعائر التي يبتكرها الإنسان زمنية وزائلة لذا يجوز، بل يجب، تغييرها عندما تعزز الأوهام في الكنيسة بدل ان تقوم في بنائها.

 

الفصل الواحد والعشرون

الأسرار

كما انه كان للآباء الخاضعين للشريعة، فضلا عن الذبائح، سران أساسيان، أي الختان والفصح، وان من رفضهما لم يحسب من شعب الله، كذلك نحن نقر ونعترف بأنه لدينا في زمن الإنجيل سران أساسيان فقط أنشاهما الرب يسوع وفرضا لاستعمال جميع الذين يحسبون أعضاء في جسده: نعني المعمودية والعشاء أو مائدة الرب يسوع المسماة أيضا شركة جسده ودمه. لقد انشأ الله هذين السرين في العهد القديم والجديد ليس لوضع تمييز ظاهر بين شعبه والذين كانوا خارج العهد فحسب بل أيضا لتدريب إيمان أولاده، ولختم تأكيد وعده في قلوبهم بالاشتراك في هذين السرين، وتثبيت ارتباطهم واتحادهم وشركتهم المباركة التي ينعم بها المختارون مع رأسهم. المسيح يسوع. لذا فاننا ندين بشدة التأكيد الباطل لبعضهم بأن الأسرار هي رموز فقط لا غير. ليست الأسرار رموزا فحسب. اننا نؤمن إيمانا أكيدا بأننا في المعمودية نُطعم في المسيح يسوع لنصير شركاء بره، الذي به سترت خطايانا وغفرت. وأيضا نؤمن بأن في العشاء المقام بطريقة صحيحة يتحد المسيح يسوع بنا فيصبح حقا غذاء وطعاما لنفوسنا. ولا نتخيل في ذلك استحالة الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه الطبيعيين، كما يعلم الرومانيون [7] وكما يؤمنون خطأ. وإنما هذا الاتحاد والارتباط مع جسد المسيح يسوع ودمه الذي نحصل عليه في الاستعمال الصحيح للأسرار يحدث بواسطة الروح القدس الذي بالإيمان الحق يحملنا فوق كل الأشياء المرئية والجسدية الأرضية ويغذينا بجسد المسيح يسوع ودمه الذي كسر وسفك مرة من اجلنا، ولكنه الآن في السماء يشفع لنا لدى الآب. وعلى الرغم من البعد بين جسده الممجد في السماء وبيننا نحن البشر الزائلين، فانه يجب ان نؤمن يقينا بان الخبز الذي نكسره هو شركة جسد المسيح والكأس الذي نبارك شركة دمه، لذا نعترف ونؤمن بلا شك بان المؤمنين عند ممارستهم الصحيحة لمائدة الرب يأكلون جسد الرب يسوع ويشربون دمه بحيث يثبت فيهم وهم فيه. يصيرون لحما من لحمه وعظما من عظمه، حتى انه كما منح الله الأزلي السرمدي جسد المسيح يسوع حياة وخلودا بعد ان كان بالطبيعة فاسدا وفانيا، كذلك يمنحنا مأكل جسد المسيح يسوع ومشرب دمه. ونسلم بان ذلك لا يُعطى لنا في تلك اللحظة فقط ولا يُعطى بقوة الأسرار وحدها، بل نؤكد بان المؤمنين في ممارستهم الصحيحة لمائدة الرب يتحدون بالمسيح يسوع بشكل لا يفقهه الإنسان الطبيعي. وأيضا نؤكد بأنه على الرغم من عدم استفادة المؤمنين كما يجب في وقت الممارسة ذاتها وذلك بسبب إهمالهم وضعفاتهم فان هذا السر يثمر لاحقا لأنه بذر حي مزروع في تربة جيدة. فالروح القدس الذي لا يمكن فصله عما انشأ الرب يسوع لن يحرم المؤمن ثمرة ذلك الفعل السري. لكننا نعود ونكرر بان كل هذا يأتي من الإيمان الحق الذي يدرك المسيح يسوع، وهو وحده يجعل السر فعالا فينا. لذلك، فان كل من يفتري علينا قائلا أننا نؤمن ان الأسرار هي مجرد رموز فقط لا غير يكون كلامه تجريحا ومناقصا للحقائق الصريحة. لكننا نقر صراحة بأننا نميز بين المسيح يسوع في جوهره الأبدي وعناصر الرموز في هذا السر، فلا نعبد العناصر عوضا عما ترمز إليه ولا نستخف بها أو نقلل من أهميتها بل نستعملها باحترام كبير فاحصين أنفسنا بكل عناية قبل الاشتراك، لأن الرسول أكد لنا قائلا: "أي من أكل هذا الخبز أو شرب كأس الرب بدون استحقاق يكون مجرما في جسد الرب ودمه".[8]

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني والعشرون

الإجراء الصحيح للأسرار

 

هناك شيئان ضروريان للإجراء الصحيح للأسرار. الأول، ان تمنح من خدام شرعيين، ونصرح بان هؤلاء معينون للتبشير بالكلمة وقد أعطاهم الله القدرة على الكرازة بالإنجيل، ويجب ان يكونوا مدعوين رسميا من قبل كنيسة ما. اما الثاني، ان تمنح بالعناصر وفي الطريقة التي رسمها الله، وإلا فليست أسرار المسيح. لهذه الأسباب نقلع عن تعليم الكنيسة الرومانية ونقاطع أسرارها، أولا، لأن خدامها ليسوا خداما حقيقيين للمسيح يسوع (فهم يسمحون حتى للنساء بأن يعمدن والروح القدس لا يسمح لهن بالوعظ في الاجتماع). ثانيا، لأنهم افسدوا السرين بالزيادات التي أضافوها إليها لدرجة انه لم يبقى شيء من فعل المسيح الأصيل في بساطته الأصلية. فان إضافة الزيت والملح والبصاق وأمثالها في المعمودية هي إلحاقات بشرية. اما عبادة السر أو تكريمه وحمله عبر الشوارع والقرى في زياحات أو الاحتفاظ به في علبة خاصة فليس هذا هو الاستعمال الصحيح لسر المسيح بل انه سوء استعمال له. قال المسيح يسوع: "خذوا كلوا" و"اصنعوا هذا لذكري". بهذه الكلمات والوصايا قدّس الخبز والخمر ليكونا سر جسده ودمه المقدسين ولكي يؤكل الأول ويشرب الجميع من الآخر، وليس كي يحفظا للعبادة والتكريم كإله، كما يفعل الرومانيون. فهم في امتناعهم عن إعطاء الكأس للشعب ينتهكون حرمة المقدسات. ومن الضروري أيضا لحسن استعمال الأسرار ان يفهم المشتركون- لا الخادم وحده- غايتها وهدفها. فإذا لم يع المشتركون ماذا يحصل لا يكون السر قد اجري بطريقة صحيحة، كما يُرى في ذبائح العهد القديم. كذلك الامر بالنسبة للمعلم الذي يعلم تعاليم مكروها من الله، وان كانت الأسرار من رسمه فإنها لا تستعمل بطريقة صحيحة لأن أنسانا أشرارا قد استعملوها لغير قصد الله. نؤكد بأن هذا ما حصل للأسرار في الكنيسة الرومانية، إذ نجد هناك فعل الرب يسوع قد زيف بالشكل والهدف والمعنى. ان ما فعله المسيح يسوع وما أوصى بان يُصنع واضح من الأناجيل ومن أقوال القديس بولس. اما ما يفعله الكاهن على المذبح فلا حاجة لنا بسرده. هدف إقامة المسيح للسر وغايته التي من اجلها يجب استعماله معلن في الكلمات: "اصنعوا هذا لذكري" و"كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذا الكأس تخبرون"- أي تمجدون وتبشرون وتعظمون وتسبحون "بموت الرب إلى ان يجيء"[9] . اما كلمات القداس وتعاليم معلميه فدعوها تشهد ما هو هدفه ومعناه. فهي تعتبر ان الكهنة كوسطاء بين المسيح والكنيسة يقدمون ذبيحة استرضاء وتكفير لأجل خطايا الأحياء والأموات. هذا التعليم يجدف على المسيح ويحرم الذبيحة الوحيدة الفريدة المقدمة على الصليب لأجل تطهير المقدسين من كفايتها، لذا فنحن نستنكر هذا التعليم ونرفضه.

 

الفصل الثالث والعشرون

لمن تمنح الأسرار

نؤمن بان المعمودية تصح لأولاد المؤمنين كما تصح للكبار والراشدين، لذا فإننا ندين خطأ القائلين بتجديد العماد Anabaptists، الذين يرفضون تعميد الأطفال قبل حصولهم على الإيمان والإدراك. ولكننا نعتبر ان العشاء الرباني هو لأهل الإيمان فقط الذين باستطاعتهم ان يفحصوا ذواتهم في إيمانهم وواجباتهم تجاه القريب. فالذين يأكلون ويشربون حول المائدة المقدسة بدون إيمان أو سلام ونية حسنة تجاه إخوتهم يأكلون بدون استحقاق. لذلك يفحص خدام كنيستنا جميع المزمعين التقدم إلى مائدة الرب فحصا علنيا وفرديا.

 

الفصل الرابع والعشرون

في الحاكم المدني

نعترف ونقر بأن الإمبراطوريات والممالك والإمارات والمدن معينة من الله. كل السلطات والقوات فيها، الأباطرة في الإمبراطوريات والملوك في ممالكهم والأمراء في إماراتهم والحكام في مدنهم هم من ترتيب مشيئة الله المقدسة من أجل إظهار مجده وخير البشر ومصالحهم.

نعتقد ان جميع الذين يتآمرون للتمرد على الحاكم المقام أو لإسقاطه ليسوا أعداء البشر فحسب بل متمردين أيضا على إرادة الله. وأيضا نعترف ونقر بان يجب محبة ذوي السلطة وإكرامهم ومخافتهم واحترامهم احتراما كبيرا لأنهم يقومون مقام الله، والله ذاته يقضي في مجالسهم. فهم القضاة والأمراء الذين أعطاهم الله السيف لمدح اهل الخير والدفاع عنهم وللاقتصاص من اهل الشر. ونعتبر أيضا ان المحافظة على الإيمان وطهارته هي من الواجبات الخاصة على الملوك والأمراء والحكام والقضاة. فقد عينوا ليس من اجل الحكم المدني فقط بل أيضا للمحافظة على الدين الحق ولوضع حد للوثنية والأوهام. هكذا نرى مثالا في داود ويوشافاط وحزقيا ويوشيا وغيرهم من المعروفين في غيرتهم من اجل القضية. لذلك نعترف ونقر بان الذين يقاومون السلطات العليا التي تقوم بالموكل إليها في نطاق عملها انما يقاومون ترتيب الله ولا يمكن ان يُعتبروا بلا ذنب. وأيضا نصرح بأنه طالما ان الأمراء والحكام يمارسون وظيفتهم بتيقظ فان كل من يرفض مساعدتهم ونصحهم وخدمتهم انما يرفضها كما لو كانت من الله الذي يطلبها بواسطة نوابه.

 

الفصل الخامس والعشرون

الهبات المجانية للكنيسة

مع ان العلامات الأكيدة والثابتة للكنيسة الحقة هي التبشير الحق بكلمة الله والإجراء الصحيح للأسرار والتطبيق لقواعد السلوك حسب كلمة الله فانه ليس كل إنسان في تلك الجماعة عضوا مختارا في المسيح يسوع. نقر ونعترف ان بين الحنطة قد نبت زوان كثير وينمو في وسطها، وان الهالكين قد يكونون في جماعة المختارين وقد يشاركون خارجيا بمنافع الكلمة والأسرار. ولكن بما انهم يعترفون بالله لوقت قصير بأفواههم وليس بقلوبهم سيسقطون ولن يستمروا حتى المنتهى. لذلك فلا يشتركون بثمار موت المسيح وقيامته وصعوده. ولكن الذين يؤمنون في قلوبهم صدقا ويعترفون بلسانهم جهرا بالرب يسوع سيخلصون على هذه الهبات. أولا، في هذه الحياة بحيث لهم غفران الخطايا بواسطة دم المسيح وحده. وان بقيت الخطيئة في أجسادنا الفانية لكنها لن تحسب علينا بل تغفر لنا وتستر ببر المسيح. وثانيا، يُعطى كل رجل وامرأة في الدينونة العامة قيامة الجسد. وتسلم البحار الأموات الذين فيها والأرض المدفونين فيها. حقا، يبسط إلهنا الأزلي السرمدي يده على التراب فيقوم الأموات بلا فساد في الأجساد التي لهم الآن لينالوا مجدا أو عقابا بحسب أعمالهم. فالذين يتنعمون الآن في الباطل أو القساوة أو القذارة أو الخرافات أو الوثنية يدانون إلى النار التي لا نطفأ حيث يتعذب في الجسد والروح إلى الأبد الذين يخدمون الآن الشيطان في الأمور البغيضة. واما الذين يستمرون في الصلاح حتى المنتهى معترفين بالرب يسوع ينالون مجدا وإكراما وخلودا ليملكوا إلى الأبد في حياة تدوم مع المسيح يسوع، وتماثل أجسادهم جسده الممجد حين يظهر أيضا في دينونة ويسلم الملك لله الآب ويكون الله الكل في الكل، إلها مباركا إلى الأبد.

قم يا رب وليتبدد أعداؤك وليهرب مبغضوك من امام وجهك. أعط خدامك قوة لينطقوا بكلمتك بجرأة ولتتمسك كل الأمم بمعرفتك الحقة. آمين.


 

قواعد التعليم المسيحي (كاتخيسم هيدلبرغ)

1563 م

لمحة تاريخية

بناء على طلب الأمير فريدرك الثالث، حاكم مقاطعة البلاتينات Palatinate في جنوب غرب ألمانيا، وضع زكريا أورسينوس Zacharias Ursinus بالتعاون مع أشخاص آخرين قواعد التعليم المسيحي الإنجيلي. وقد قبل هذا التعليم في المقاطعة المذكورة أعلاه في سنة 1563م كمقياس للعقيدة فيها. وقد أسهم تعليم هيدلبرغ هذا في تكوين حياة الكنائس المصلحة وروحانيتها وفكرها في المجر وهولندا وألمانيا. كما أثر على الكنائس المصلحة في العالم الأمريكي الجديد. واستعمل أيضا في اسكتلندا. وقبل رسميا في الجمعية العمومية للكنائس المصلحة في الولايات المتحدة سنة 1870م. كتب في اللغة الألمانية ثم ترجم إلى لغات عدة. وكان يحفظ غيبا من قبل الراغبين في الانظمام إلى عضوية الكنيسة.

 

قواعد التعليم المسيحي (كاتخيسم هيدلبرغ)

1563م

 

يوم الرب (1)

1. س: ما هو عزاؤك الوحيد في الحياة والممات؟

    ج: انني لست لذاتي بل انتمي جسدا وروحا في الحياة والممات لمخلصي الأمين، يسوع المسيح، الذي افتدى كل خطاياي بدمه وحررني كليا من طغيان الشيطان، وانه يحميني بحيث لا تسقط شعرة من رأسي من دون مشيئة أبي السماوي، وان كل شيء يجب حقا ان يتناسب مع قصده من أجل خلاصي. لذا فانه يكفل لي الحياة الأبدية بروحه القدوس ويجعلني مريدا ومستعدا طوعا ان أحي له دوما.

2. س: ما هي الأمور التي يجب ان تعرفها لكي تحيا وتموت في فرح هذا العزاء.

    ج: ثلاثة أمور: أولا، عظم خطيتي وشقائي. ثانيا، كيفية تحريري من خطاياي ومن نتائجها البائسة. ثالثا، مقدار الامتنان الذي أدين به الله من أجل هذا الفداء.

 

 

 

القسم الأول

في تعاسة الإنسان

يوم الرب (2)

3. س: من أين تعرف عن خطيئتك ونتائجها البائسة؟

    ج: من شريعة الله.

4. س: ماذا تتطلب شريعة الله منا؟

     ج:        لقد لخص يسوع المسيح ذلك في متى 37:22-40: "تحب الرب إلهك من كل قلب ومن كل نفسك ومن كل فكرك. هذه هي الوصية الأولى والعظمى. والثانية مثلها. تحب قريبك كنفسك. بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء".[10]

5. س: هل بامكانك ان تحفظ هاتين الوصيتين على وجه كامل؟

    ج: كلا. لأنني ميال بالطبيعة إلى بغض الله وقريبي.

يوم الرب (3)

6. س: عل خلق الله، إذن، الإنسان شريرا وفاسدا؟

    ج: كلا، بل على العكس. لقد خلق الله الإنسان صالحا وعلى صورته، أي في برّ وقداسة حقيقيين لكي يعرف الإنسان خالقه بحق ويحبه من كل قلبه ويحيا معه في سعادة أبدية، مسبحا إياه وممجدا.

7. س: ومن أين أتى فساد الطبيعة البشرية؟

    ج: من سقوط والدينا الأولين، آدم وحواء، وعصيانهم في جنة عدن، ولذلك فسدت حياتنا البشرية وصرنا بالإثم نصور وفي حالة الخطيئة نولد.

8. س: ولكن هل فسدنا لدرجة أننا لا نستطيع أبدا فعل الصلاح بل نميل دوما إلى الشر؟

    ج: نعم، ما لم نولد من جديد بواسطة روح الله.

 

 

 

 

 

 

يوم الرب (4)

9. س: أليس الله ظالما كونه يأمر الإنسان بشريعة لا يستطيع تحقيقها؟

ج: كلا. لأن الله خلق الإنسان قادرا على تحقيقها لكن الإنسان بتحريض من الشيطان عصى الله بإرادته وحرم نفسه وكل ذريته من هذه الهبات.

10. س:  هل يسمح الله بان يمر عصيان الإنسان وتمرده دون عقاب؟

ج:  بالتأكيد لا. لأن غضبه قد أعلن على الإثم الذي ولدنا فيه وعلى خطايانا الفعلية، وسوف يعاقبها بحسب قضائه البار في الزمن والأبدية، كما أعلن: "ملعون من لا يقيم كلمات هذا الناموس ليعمل بها"

11. س: ولكن أليس الله رحوما أيضا؟

     ج:        ان الله رحوم ورؤوف بالفعل ولكنه بار أيضا، وبره يقضي بان تُعاقب الخطايا المرتكبة ضد جلاله العظيم عقابا شديدا، أي عقابا أبديا للجسد وللروح.

 

القسم الثاني

في فداء الإنسان

يوم الرب (5)

12. س:إذا كنا استحققنا العقاب الزمني والأبدي بحسب قضاء الله البار، فكيف نتفادى العقاب ونجد نعمة لديه ونتصالح معه؟

 ج:    يريد الله ان يوفي حق بره. لذا يتوجب علينا ان نفيه حقه كاملا اما بشخصنا أو بشخص آخر.

13. س:هل نستطيع ان نفعل نحن ذلك.

     ج:        مستحيل! بل على العكس لأن ديننا يزداد يوما بعد يوم.

14. س:هل يستطيع مخلوق ما ان يؤدي ذلك عنا؟

     ج: لا. أولا، لأن الله لا يريد ان يعاقب مخلوقا آخر بسبب دين الإنسان. وثانيا، لأنه ليس ثمة مخلوق يستطيع ان يحتمل نير غضب الله الأبدي على الخطيئة ليخلص الآخر منه.

15. س: فأي نوع من الوسيط والفادي ينبغي ان نطلب؟

     ج: علينا ان نسعى وراء إنسان حقيقي وبار ولكن وراء إنسان أقوى من كل المخلوقات، أي يجب ان يكون إلها في الوقت نفسه.

 

يوم الرب (6)

16. س: لماذا ينبغي ان يكون هذا الوسيط إنسانا حقا وبارا؟

     ج: لأن بر الله يقضي بأن يعوض الإنسان الخاطئ عن الخطيئة، ولكن الإنسان الخاطئ لا يستطيع ان يؤدي الحساب عن غيره.

17. س: لماذا ينبغي ان يكون إلها حقا في الوقت نفسه؟

    ج: لكي يقدر بقوة ألوهيته ان يحتمل نير غضب الله كإنسان، ويستعيد لنا الحياة ويعيد البر إلينا.

18. س: من هو هذا الوسيط، الإله الحق والإنسان الحق والبار والكامل في الوقت ذاته؟

     ج: انه ربنا يسوع المسيح، الذي أُعطي لنا مجانا من أجل الفداء والبر التامين.

19. س: من أين تعلم هذا؟

     ج: من الإنجيل المقدس الذي أوحي به الله في البدء في جنة عدن ثم أعلن بواسطة الآباء والقديسين والأنبياء ورُمز إليه بواسطة ذبائح العهد القديم وطقوسه الأخرى، وأكمل أخيراً بواسطة ابنه الحبيب.

 

يوم الرب (7)

20. س: هل يخلص جميع البشر في المسيح كما سقط الجميع في آدم؟

      ج: لا. بل يخلص فقط الذين اتحدوا به بإيمان حقيقي وقبلوا كل نعمة.

21. س: ما هو الإيمان الحق؟

     ج: ليس الإيمان الحق مجرد معرفة أكيدة أصدق على أساسها كل  ما أعلنه الله لنا في كلمته بل هو أيضا ثقة قلبية يخلقها الروح القدس  فيّ بواسطة البشارة بأن الله قد منح لي شخصيا- ليس لغيري فقط- غفران الخطايا وبرّا أبديا وخلاصا من نعمته الصرفة وذلك لأجل عمل المسيح الخلاصي فقط.

22. س: ماذا يترتب على المسيحي ان يؤمن؟

     ج: عليه ان يؤمن بكل ما وُعد به في البشارة، وخلاصة ذلك نتعلمها من مبادئ قانون إيمان الرسل المعترف به عالميا.

 

 

23. س: ما هي هذه المبادئ؟

      ج: "انا أؤمن بالله الآب الضابط الكل، خالق السماوات والأرض وبربنا يسوع المسيح، ابنه الوحيد، الذي حبل به من الروح القدس. وولد من مريم العذراء. وتألم في عهد بيلاطس البنطي. وصلب ومات وقبر، ونزل إلى الهاوية. وقام أيضا في اليوم الثالث من بين الأموات. وصعد إلى السماء، وهو جالس عن يمين الله الآب الضابط الكل. وسيأتي من هنالك ليدين الأحياء والأموات. وأؤمن بالروح القدس. وبالكنيسة المقدسة الجامعة. وبشركة القديسين. وبمغفرة الخطايا. وبقيامة الموتى. وبالحياة الأبدية. آمين.".

يوم الرب (8)

24. س: كيف تقسم هذه المبادئ؟

    ج: تقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول يتعلق بالله الآب وبخلقنا، والثاني بالله الابن وبفدائنا، والثاني بالله الابن وبفدائنا، والثالث بالله الروح القدس وتقديسنا.

25. س: بما ان الكائن الإلهي واحد لماذا تتكلم عن ثلاثة هم الآب والابن والروح القدس؟

     ج: لأنه هكذا كشف الله ذاته في كلمته. ان الإله الحقيقي الأبدي الواحد هو في ثلاثة أشخاص (أقانيم) متمايزة.

 

الله الآب

يوم الرب (9)

26. س: بماذا تؤمن عندما تقول: "أؤمن بالله الآب الضابط الكل، خالق السماء والأرض؟".

     ج: أؤمن بأن الآب الأزلي لربنا يسوع المسيح، الذي خلق من العدم السماء والأرض وكل ما فيهما، ويحفظهما ويسودهما بمشورته وعنايته الأبديتين، هو إلهي وأبي من أجل ابنه المسيح. أضع كل ثقتي به ولا شك لديّ بأنه يزودني بكل احتياجاتي الجسدية والروحية الضرورية. ولي ثقة أيضا بأنه يحول كل شر يلقيه عليّ في هذه الحياة المضطربة إلى خير لي لأنه قادر على ذلك، فهو الله القدير وهو مصمم على ذلك لأنه الآب الأمين.

 

 

 

يوم الرب (10)

27. س: ماذا تعني لك "عناية الله"؟

      ج: انها قدرة الله الضابطة الكل والحاضرة دوما، التي بها يمسك – كما بيده- السماء والأرض وكل المخلوقات، ويسويها بحيث ان أوراق الشجر والعشب والمطر والجفاف والسنين المثمرة والسنين القاحلة والمأكل والمشرب والعافية والمرض والغنى والفقر وكل شيء آخر تأتينا لا صدفة بل من يده الأبوية.

28. س: ما هي منافع الاعتراف بخلق الله وعنايته؟

     ج: نتعلم ان نكون صبورين في المحن وشاكرين في النعم، وان نثق بإلهنا وأبينا الأمين فيما يتعلق بالمستقبل، متأكدين أنه ليس باستطاعة أي مخلوق ان يفصلنا عن محبته لنا، لأن كل المخلوقات تخضع له كليا ولا تتحرك من دون إرادته.

 

الله الابن

يوم الرب (11)

29. س: لماذا يدعى ابن الله "يسوع"، الذي معناه "مخلص"؟

     ج: لأنه يخلصنا من خطايانا، ولأنه لا يوجد خلاص في غيره ولا ينبغي ان نطلبه من غيره.

30. س: هل ان الذين يطلبون خلاصهم وسعادتهم من القديسين أو بواسطة جهودهم الذاتية أو بوسائط أخرى يؤمنون حقا بالمخلص الوحيد يسوع؟

     ج: كلا. بل انهم ينكرون يسوع بأفعال كهذه المخلص والفادي الوحيد، وان تفاخروا بالانتماء إليه. فأما ان يسوع ليس مخلصا كافيا أو ان الذين يقبلون هذا الفادي بإيمان حقيقي يمتلكون به كل ما هو ضروري لخلاصهم.

يوم الرب (12)

31. س: لماذا يدعى "المسيح"؟

     ج: لأنه معين من الله الآب وممسوح بالروح القدس ليكون نبينا العلي ومعلمنا، الذي يكشف لنا قصد الله السري ومشيئته بالنسبة لخلاصنا. وليكون كاهننا العلي الأوحد، إذ فدانا بذبيحة جسده الواحدة ويشفع بنا لدى الآب. وليكون ملكنا الأبدي، يحكمنا بكلمته وبروحه، ويدافع عنا ويحافظ علينا في الخلاص الذي اكتسبه لنا.

 

32. س: ولماذا تدعى أنت "مسيحيا"؟  

     ج: لأنني بالإيمان اشترك في المسيح، وهكذا اشترك في كونه ممسوحا لكي اعترف باسمه وأقدم نفسي ذبيحة حمد حيه له، وأحارب الخطيئة والشيطان بضمير حر وصالح كل أيام حياتي، واملك معه فيما بعد على كل مخلوقاته إلى الأبد.

يوم الرب (13)

33. س: لماذا يدعى "ابن الله الوحيد"؟ ألسنا نحن أيضا أبناء الله؟

     ج: لأن المسيح وحده هو الابن الأزلي للآب بينما نحن نقبل كأولاد الله من أجله وبالنعمة.

34. س: لماذا تدعوه "ربنا"؟

     ج: لأنه افتدانا جسدا ونفسا من الخطيئة وعبودية الشيطان واشترينا لذاته لا بذهب وفضة بل بدمه.

يوم الرب (14)

35. س: ما معنى "حبل به من الروح القدس وولد من مريم العذراء"؟

     ج: ان الابن الأزلي للآب، الذي هو إله حق وأزلي ويبقى كذلك، اتخذ لنفسه طبيعتنا البشرية من لحم العذراء مريم ودمها بفعل الروح القدس لكي يكون حقا من نسل داود مثل إخوته البشر في كل شيء ما عدا الخطيئة.

36. س: أي نفع تناله من الحبل المقدس وولادة المسيح؟

     ج: يؤكدان لي أنه وسيطنا، وأنه في نظر الله يستر بفضل برائته وقداسته الكاملة الإثم الذي فيه ولدت.

 

يوم الرب (15)

37. س: ماذا تفهم بكلمة "تألم"؟

       ج: انه احتمل في جسده ونفسه طوال حياته على الأرض وخاصة في نهايتها غضب الله على خطيئة الجنس البشري كله، لكي يفتدي بآلامه، كذبيحة تكفير، أجسادنا وأرواحنا من الهلاك الأبدي ويحصل لنا على نعمة الله وبره والحياة الأبدية.

38. س: لماذا تألم "في عهد بيلاطس البنطي" وهو بمركز قاض يحاكمه؟

     ج: لكي يدان وهو البريء من قاض بشري فيحررنا بذلك من دينونة الله التي نستحقها بكل قساوتها.

 

39. س: هل ثمة معنى خاص لكونه مات مصلوبا عوضا عن أي ميتة أخرى؟

     ج: نعم. لأنه بذلك يؤكد لي انه أخذ لعنتي عليه لأن موت الصليب ملعون من الله.

 

يوم الرب (16)

40. س: لماذا وجب ان يعاني "الموت"؟

    ج: لأن بر الله وحقه يقضيان بموت ابن الله إذ أن خطايانا لا تُزال الا هكذا.

41. س: لماذا دفن؟

     ج: للتأكيد على حقيقة موته.

42. س: بما ان المسيح مات لأجلنا فلماذا يجب ان نموت نحن أيضا؟

     ج: ان موتنا ليس لإزالة الخطيئة بل موت للخطيئة ودخول إلى الحياة الأبدية.

43. س: ماذا نستفيد أيضا من ذبيحة المسيح وموته على الصليب؟

    ج: بقوته تصلب ذاتنا القديمة وتدفن معه لكي لا تعود شهواتنا الشريرة تملك علينا فيما بعد، بل نقدم أنفسنا له ذبائح حمد.

44. س: لماذا نقول أيضا "ونزل إلى الهاوية"؟

     ج: لكي أتيقن في اشد المحن ان المسيح خلصني من مخاوفي وعذاباتي الجهنمية بما احتمل في الروح من كرب وآلام وأحوال لا توصف وذلك قبل الصلب وبعده.

 

يوم الرب (17)

45. س: ماذا ننتفع من "قيامة" المسيح؟

     ج: أولا، بقيامته قهر الموت لكي يجعلنا شركاء في البر الذي استحصله لنا بموته. وثانيا، نحن أيضا نقام بقوته إلى حياة جديدة. وثالثا ان قيامة المسيح عربون أكيد لقيامتنا المجيدة.

 

يوم الرب (18)

46. س: كيف تفهم القول: "وصعد إلى السماء"؟

     ج: ان يسوع ارتفع من الأرض إلى السماء وتلاميذه يشخصون إليه، ويبقى هناك لأجلنا إلى ان يأتي أيضا بمجد عظيم ليدين الأحياء والأموات.

47. س: أليس المسيح معنا حتى انقضاء الدهر، كما وعدنا؟

     ج: المسيح إنسان حق وإله حق. فهو كإنسان ليس على الأرض الآن ولكن في ألوهيته وجلاله ونعمته وروحه لا يغيب عنا أبدا.

48. س: ولكن الا تكون الطبيعتان في المسيح منفصلتين الواحدة عن الأخرى إذا كانت طبيعته    البشرية لا توجد حيث توجد ألوهيته؟

     ج: أبدا. لأنه بما ان الألوهية لا تُدرك وهي في كل مكان حاضرة، فيتبع ان الألوهية تتخطى بالفعل حدود الطبيعة البشرية التي اتخذهان ولكنها مع ذلك تبقى دائما فيها وتستمر مرتبطة بها ارتباطا شخصيا.

49. س: ماذا نستفيد من صعود المسيح إلى السماء؟

     ج: أولا، أنه شفيعنا لدى الآب في السماء. ثانيا، كون إنسانيتنا في السماء هو وعد أكيد بان المسيح، رأسنا، سيأخذنا نحن أعضاءه أيضا إلى ذاته. ثالثا، أنه يرسل لنا روحه القدوس كتأكيد آخر لنسعى بقوته إلى ما هو فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله، وليس إلى الأشياء الأرضية.

يوم الرب (19)

50. س: لماذا يقال أيضا "وهو جالس عن يمين الله"؟

     ج: لأن المسيح صعد إلى السماء لكي يظهر ذاته كرأس لكنيسته، وبواسطته يدبر الله كل الأشياء.

51. س: أي منفعة لنا من مجد المسيح، رأسنا، في هذا الامر؟

     ج: أولا، يغدق علينا، نحن أعضاءه، بعطاياه بواسطة الروح القدس. وثانيا، يحمينا ويؤيدنا بقوته في مواجهة كل أعدائنا.

52. س: ما العزاء الذي لك من مجيء المسيح "ليدين الأحياء والأموات"؟

     ج: عزائي في ذلك أنني اقدر ان انتظر مرفوع الرأس في وسط كل الصعوبات والمحن القاضي السماوي ذاته الذي قد اخضع ذاته لدينونة الله من أجلي ونزع اللعنة عنين وانه سيلقي بكل أعدائه وأعدائي إلى الهلاك الأبدي ولكنه يأخذني مع كل مختاريه لنفسه إلى فرح ومجد سماويين.

 

 

الروح القدس

يوم الرب (20)

53. س: ماذا تعتقد بالنسبة للروح القدس؟

     ج: أولا، انه مع الآب والابن إله متساو في الأزلية. ثانيا، ان روح الله قد أُعطي لي أيضا ليعدّني للاشتراك في المسيح وكل نعمة وليعزيني ويبقى معي دائما.

يوم الرب (21)

54. س: ماذا تعتقد بالنسبة "للكنيسة المقدسة الجامعة"؟

     ج: أؤمن انه منذ بداية العالم وحتى نهايته ومن أبناء كل الجنس البشري يجمع ابن الله لنفسه بروحه وبكلمته في وحدة الإيمان الحق جماعة مختارة للحياة الأبدية ويحميها ويحافظ عليها. وأؤمن أيضا انني عضو حي في هذه الجماعة وسأبقى كذلك إلى الأبد.

55. س: ماذا تفهم "بشركة القديسين"؟

     ج: أولا، ان كل المؤمنين كمشتركين في الرب المسيح وفي كل كنوزه وهباته يكونون شركة واحدة. ثانيا، على كل واحد ان يعلم انه ينبغي ان يستعمل مواهبه بحرية وبفرح لمنفعة الأعضاء الآخرين ولسعادتهم.

56. س: ماذا تعتقد بشان "مغفرة الخطايا"؟

     ج: ان الله لن يذكر خطاياي بعد أو الإثم الذي عليّ ان أتصارع معه كل حياتي وذلك من اجل عمل المسيح في المصالحة، ولكن نعمة منه سيحسب لي بر المسيح حتى لا آتي إلى الدينونة.

يوم الرب (22)

57. س: ما هو العزاء الذي لك في "قيامه الموتى"؟

    ج: بعد انتهاء هذه الحياة تؤخذ نفسي مباشرة إلى المسيح، رأسها، ويتحد جسدي المقام بقوة المسيح مع نفسي ليشاكل جسد المسيح الممجد.

58. س: ما العزاء في "الحياة الأبدية"؟

      ج: بما أنني أشعر الآن في قلبي ببداية الفرح الأبدي ستكون لي بعد هذه الحياة السعادة الكاملة ما لم تر عين ولم تسمع أذن و ولم يخطر على بال إنسان، وسأسبح الله إلى الأبد.

 

 

 

يوم الرب (23)

59. س: ما الفائدة من الإيمان بكل هذه الأمور؟

     ج: في المسيح قد صرت مبررا امام الله ووارثا للحياة الأبدية.

60. س: كيف أنت مبرر أمام الله؟

      ج: فقط بالإيمان الحقيقي بيسوع المسيح. فبالرغم من ان ضميري يتهمني بأني أخطأت كثيرا وناقضت كل وصايا الله ولم أحفظها وأني مازلت ميالا للشر، فان الله من نعمته الخالصة وبدون أي استحقاق من جهتي يمنحني ثمار كفارة المسيح الكاملة ناسبا إليّ بره وقداسته، حاسبا أنني لم اقترف خطيئة واحدة أو لم أكن في الخطيئة وكأني أتممت الطاعة التي أطاعها المسيح من اجلي. كل ذلك لي ان قبلت فقط هذه النعمة بقلب واثق.

61. س: لماذا تقول بأنك مبرر بالإيمان وحده؟

      ج: ليس لأنني أنال قبول الله بجدارة إيماني بل لان تكفير المسيح وبره وقداسته هي تبريري امام الله، ولأنني لا أستطيع قبول هذا ونيله الا بالإيمان وحده.

 

يوم الرب (24)

62. س: ولكن لماذا لا تكون أعمالنا الصالحة- أو بعض منها على الأقل- تبررنا أمام الله؟

     ج: لأن البر الذي يستطيع ان يقف امام دينونة الله يجب ان يكون كاملا تماما ومتطابقا كليا مع الشريعة الإلهية. ولكن أفضل أعمالنا في هذه الحياة هي ناقصة وملوثة بالخطيئة.

63. س: الا تستحق أعمالنا الصالحة شيئا على الإطلاق، حتى وان كان قصد الله ان يكافئها في     هذه الحياة وفي الحياة القادمة أيضا؟

      ج: لا تُعطى المكافأة بسبب استحقاق بل بالنعمة.

64. س: الا يصير بعض الناس غير مبالين وخطاة بسبب هذا التعليم؟

     ج: كلا. لأنه من المستحيل الا يثمر ثمار الامتنان والشكر أولئك الذين اتحدوا بالمسيح بالإيمان الحقيقي.

 

 

 

 

الأسرار المقدسة

يوم الرب )25)

65. س: إذا كان الإيمان وحده يجعلنا شركاء في المسيح وكل ثماره فكيف يحدث هذا                           الإيمان؟

ج: يخلقه الروح القدس في قلوبنا بواسطة التبشير بالإنجيل المقدس ويثبته فينا بواسطة             الأسرار المقدسة؟

66. س: ما هي الأسرار؟

ج: الأسرار علامات ظاهرة مقدسة وأختام مؤسسة من الله يكشف لنا الله فيها بطريقة أكمل وعده في الإنجيل ويختمه في قلوبنا، أي انه يمنحنا غفران الخطايا والحياة الأبدية بسبب ذبيحة المسيح الواحدة التي قدمها على الصليب.

67. س: هل الكلمة والأسرار كلاهما يهدفان إلى توجيه إيماننا إلى الذبيحة الواحدة                                 ليسوع المسيح على الصليب كسبب خلاصنا الوحيد؟

ج: نعم بالفعل، لأن الروح القدس يعلمنا في الإنجيل ويؤكد لنا بالأسرار المقدسة بأن خلاصنا كله متأصل في الذبيحة الواحدة للمسيح التي قدمها على الصليب.

68. س: ما هي الأسرار التي أسسها المسيح في العهد الجديد؟

     ج: اثنان: المعمودية المقدسة والعشاء المقدس.

 

المعمودية المقدسة

يوم الرب (26)

69. س: كيف تذكر المعمودية المقدسة وتؤكد لك بأن ذبيحة المسيح الواحدة على الصليب                      تعود إليك بالفائدة؟

ج: بهذا: لقد أسس المسيح هذا الغسل الخارجي بالماء ووعد به أنني بالتأكيد أغسل بدمه         وبروجه من قذارة نفسي وكل خطاياي كما أغسل خارجيا بالماء الذي يزيل الأوساخ عن     جسمي.

 

 

 

 

70. س: ما معنى الاغتسال بدم المسيح وروحه؟

ج: الاغتسال هذا يعني غفران الخطايا من الله بواسطة النعمة ومن اجل دم المسيح المسفوك عنا في تضحيته على الصليب، وأيضا التجديد بالروح القدس وتقديسنا كأعضاء في المسيح لكي نموت للخطية أكثر فأكثر ونحيا حياة مكرسة وبلا لوم.

71. س: أين وعد المسيح بأننا نُغسل أكيدا بدمه وبروحه كما نغسل بماء المعمودية؟

ج: كان ذلك في تأسيسه سر المعمودية حين قال: "فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس"[11]. "من آمن واعتمد خلص. ومن لم يؤمن يدن"[12]. ويعاد هذا الوعد في الأمكنة التي يتحدث فيها الكتاب المقدس عن المعمودية بأنها "غسل الميلاد الثاني"[13] وغسل الخطايا.

يوم الرب (27)

72. س   : هل الاغتسال الخارجي بالماء وحده كاف لغسل الخطايا؟

     ج   : كلا، لأن دم يسوع المسيح والروح القدس وحدهما يطهران من كل خطية.

73. س : لماذا يدعو الروح القدس، اذن، المعمودية "غسل الميلاد الثاني" وغسل الخطايا؟

ج  : لا يتكلم الله هكذا الا لسبب مهم. فانه لا يعلمنا بالمعمودية بأن خطايانا تزال بدم المسيح        وروحه كما تنظف أوساخ أجسادنا بالماء فحسب، بل أهم من ذلك يؤكد لنا بهذا الوعد        الإلهي وبهذه العلامة بأننا فعلا نغسل من خطايانا روحيا كما تغسل أجسادنا بالماء.

74. س : هل يصح تعميد الأطفال؟

ج  : نعم. لأنهم مع والديهم مشمولون بالعهد ومنتمون إلى شعب الله. وبما ان الخلاص من الخطيئة بدم المسيح وبعطية الإيمان من الروح القدس وعد للأطفال كما لوالديهم، يتوجب ان يدخلوا بالمعمودية- كونها علامة العهد- إلى الكنيسة المسيحية ويميزوا عن أولاد غير المؤمنين. لقد تم ذلك في العهد القديم بواسطة الختان، اما في العهد الجديد فقد حلت المعمودية محل الختان.

 

 

 

 

العشاء المقدس

يوم الرب (28)

75. س : كيف تُذّكر ويؤكد لك في العشاء المقدس بأنك تشترك في ذبيحة المسيح الواحد على                  الصليب وبكل فوائده؟

ج  : بهذا: لقد أوصاني المسيح وأوصى كل المؤمنين ان يأكلوا من الخبز المكسور وان يشربوا من الكأس لذكره. وبذلك وعد بان جسده قدم وكسر على الصليب من أجلي، وان دمه سفك من اجلي، وان ذلك يتأكد لي تماما كما يتأكد لعيني بأن خبز الرب يكسر لي والكأس تُعطى لي. وأيضا قد وعد بأنه يطعم نفسي ويغذيها للحياة الأبدية بجسده المصلوب ودمه المسفوك بالتأكيد ذاته الذي به أتناول من يد خادم الله وأذوق الخبز وكأس الرب الممنوحين لي علامات أكيدة لجسد المسيح ودمه.

76. س: ماذا يعني أكل جسد المسيح المصلوب وشرب دمه المسفوك؟

ج: يعني القبول بقلب واثق بكل آلام المسيح وموته وبذلك الحصول على مغفرة الخطايا          والحياة الأبدية، ولكنه يعني أكثر من ذلك أيضا، فهو اتحاد أكثر فأكثر بجسده المبارك         بالروح القدس الساكن في المسيح وفينا، وذلك بالرغم من كونه في السماء ونحن على       الأرض، فاننا لحم من لحمه وعظم من عظامه، ونحيا دوما ونساس أبدا بالروح الواحد       كما تساس أعضاء أجسادنا بنفس واحدة.

77. س: أين وعد المسيح انه يُطعم ويُغذي المؤمنين بجسده ودمه تماما كما يأكلون من الخبز                  المكسور ويشربون من الكأس؟

ج: نجد ذلك في كلمات تأسيس العشاء المقدس: "ان الرب يسوع في الليلة التي أسلم فيها أخذ       خبزا وشكر فكسر وقال خذوا كلوا خذا هو جسدي المكسور لأجلكم. اصنعوا لذكري.          كذلك الكأس أيضا بعدما تعشوا قائلا هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي. اصنعوا هذا كلما      شربتم لذكري. فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذا الكأس تخبرون بموت الرب إلى ان        يجيء"[14].

         وقد ردد بولس الرسول القول ذاته حين قال: "كاس البركة التي نباركها أليست هي شركة           دم المسيح. الخبز الذي نكسره أليس هو شركة جسد المسيح. فاننا نحن الكثيرين خبز واحد         جسد واحد لأننا جميعنا نشترك في الخبز الواحد"[15].

 

يوم الرب (29)

78. س: هل يصير الخبز والخمر حقا جسد المسيح ودمه ذاتهما؟

ج: لا. فكما ان الماء في المعمودية لا يتحول إلى دم المسيح ولا يغسل الخطايا بحد ذاته           وإنما هو علامة إلهية وتأكيد لذلك، كذلك في العشاء الرباني لا يصير الخبز المقدس جسد      المسيح ذاته، مع انه بحسب طبيعة الأسرار واستعمالها يُسمى "جسد المسيح".

79. س: فلماذا يسمي المسيح الخبز جسده والكأس دمه أو العهد الجديد بدمه، ولماذا يسمي                     الرسول بولس العشاء وسيلة شركة في جسد المسيح ودمه؟

ج: لا يتكلم المسيح هكذا الا لسبب مهم. يود ان يعلّمنا بذلك بان جسده المصلوب ودمه        المسفوك هما مأكل نفوسنا ومشربهما للحياة الأبدية تماما كما ان الخبز والخمر يغذياننا في      هذه الحياة. بل وأكثر من ذلك: يريد ان يؤكد لنا بهذه العلامة وهذا العربون المرئيين بأننا      نشترك حقا في جسده ودمه بواسطة عمل الروح القدس بالتأكيد ذاته الذي لنا في تناول         أفواهنا هذه العلامات لذكره، وان آلامه كلها وموته هما لنا وكأننا نحن الذين تألمنا وقدمنا      كفارة في ذواتنا.

يوم الرب (30)

80. س: ما الفرق بين العشاء الرباني والقداس البابوي؟[16]

ج: يشهد لنا العشاء الرباني بأننا نلنا المغفرة التامة لكل خطايانا بواسطة ذبيحة يسوع المسيح      الواحدة، التي قدمها بذاته على الصليب مرة واحدة. (واننا نتحد بواسطة الروح القدس        بالمسيح الموجود جسديا في السماء والجالس عن يمين الآب والمسجود له هناك). ولكن       القداس يعلّم بأن الأحياء والأموات لا ينالون غفران الخطايا بواسطة آلام المسيح ما لم         يُقدم المسيح أيضا على المذبح يوميا على يد الكاهن (وان المسيح حاضر جسديا تحت         شكلي الخبز والخمر، لذا ينبغي السجود له فيهما). لذلك فان القداس في أساسه نكران تام      لذبيحة يسوع المسيح الوحيدة النهائية ولآلامه. (وهو بحد ذاته عبادة أوثان تستحق الإدانة).

 

 

 

81. س: من يجب ان يتقدم إلى مائدة الرب؟

ج: جميع المستائين من أنفسهم بسبب الخطيئة والواثقين مع ذلك بان خطياهم قد غُفرت وان     ضعفهم المتبقي يُستر بآلام المسيح وموته والراغبين ان يقووا إيمانهم أكثر ويصلحوا         حياتهم. ولكن المرائين وغير التائبين يأكلون ويشربون دينونة لنفهم.

82. س  : هل يجوز قبول الذين يظهرون أنفسهم غير مؤمنين ومعادين الله في المعتقد والحياة                           إلى هذا العشاء؟

ج   : كلا. لأننا بذلك ندنس عهد الله ونثير غضبه على كل الجماعة. ويجب على الكنيسة             المسيحية بحسب فريضة المسيح ورسله وبوظيفة المفاتيح ان تُقصي أمثال هؤلاء إلى ان       يصلحوا حياتهم.

 

يوم الرب(31)

83. س: ما هي وظيفة المفاتيح؟

ج: انها مسؤولية الكرازة بالإنجيل المقدس والتأديب المسيحي. بهذه الوسيلتين يُفتح                                            ملكوت السماوات للمؤمنين ويغلق أمام غير المؤمنين.

84. س: كيف يفتح ويغلق الملكوت السماوي بالكرازة بالإنجيل المقدس؟

ج: يفتح الملكوت السماوي عندما يُعلن ويُشهد جهرا للمؤمنين افرادا وجماعة بحسب وصية          المسيح أنهم ينالون غفران الخطايا من الله عندما يقبلون وعد الإنجيل بإيمان حقيقي لأجل عمل المسيح المجاني. ومن جهة أخرى يصيب غضب الله والدينونة الأبدية كل المرائين وغير المؤمنين طالما انهم لم يتوبوا. فان الله، بحسب شهادة الإنجيل، يدين هؤلاء وأولئك في هذه الحياة وفي الدهر الآتي.

84. ج: لقد أوصى المسيح بان تعطى نصائح أخوية لجميع الذين يسمون أنفسهم مسيحيين ثم      يتصرفون بما ينافي هذه التسمية. فإذا لم يتخذوا من أخطائهم أو طرقهم الشريرة يجب اعلام الكنيسة أو المعنيين فيها عن هذه الأمور. وإذا لم يتغيروا بعد هذا التحذير يمنعون من الاشتراك في الأسرار المقدسة ويُفصلون عن شركة الكنيسة ويفصلهم الله نفسه من ملكوت المسيح. ولكن إذا وعدوا بتغيير طرقهم واظهروا ذلك يعاد قبولهم أعضاء في المسيح وفي كنيسته.

 

 

 

يوم الرب (32)

86. س: بما اننا مخلصون من الخطيئة وعواقبها البائسة بالنعمة بواسطة المسيح ودون أي        استحقاق من جهتنا لماذا يتوجب علينا فعل أعمال صالحة؟

ج: لأنه كما ان المسيح يخلصنا بدمه فهو يجددنا بروحه القدوس بحسب صورته حتى نظهر أنفسنا شاكرين الله بكل حياتنا من أجل صلاحه فيمجد بواسطتنا. وأيضا حتى نتأكد نحن من إيماننا بواسطة ثماره ونربح قريبنا للمسيح بمسلكنا التقوي.

 

87. س: هل يستطيع ان يخلص الذين لا يتحولون إلى الله من حياتهم الجاحدة المعاندة؟

     ج: بالتأكيد لا. يقول الكتاب: "أم لستم تعلمون ان الظالمين لا يرثون ملكوت الله. لا تضلوا.             لا زناة ولا عبادة أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا ومضاجعو ذكور ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله."[17]

يوم الرب (33)

88. س: ماذا تستلزم التوبة الحقيقية أو اهتداء الإنسان؟

     ج: شيئين اثنين: موت الإنسان القديم وولادة الإنسان الجديد.

89. س: ما هو موت الإنسان القديم؟

     ج: الندامة الحقيقية على خطايانا وبغضها أكثر فأكثر والهرب منها.

90. س: ما هي ولادة الإنسان الجديد؟

ج: الفرح التام في الله بالمسيح والرغبة القوية في العيش بحسب مشيئة الله في كل الأعمال الصالحة.

91. س: وما هي الأعمال الصالحة؟

     ج: هي الأعمال التي تصدر عن الإيمان الحقيقي بحسب شريعة الله ولجل مجده فقط وليس         الأعمال المعتمدة على ما نظمه صالحا أو ما تقول به التقاليد البشرية.

يوم الرب (34)

92. س: هي شريعة الله؟

     ج: "تكلم الله بجميع هذه الكلمات قائلا:

الوصية الأولى:

"انا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية. لا يكن لك آلهة أخرى أمامي".

الوصية الثاني:

"لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء ومن تحت الأرض. لا تسجد لهن ولا تعبدهن. لأني أنا الرب إلهك إله غيور افتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي. واصنع إحسانا إلى ألوف من محبي وحافظي وصاياي".

الوصية الثالثة

"لا تنطق باسم الرب إلهك باطلا. لان الرب لا يبرئ من نطق باسمه باطلا".

الوصية الرابعة:

"اذكر يوم السبت لتقدسه. ستة أيام تعمل وتصنع جميع أعمالك. واما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك. لا تصنع عملا ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي دخل أبوابك. لأن في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها. واستراح في اليوم السابع. لذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه".

الوصية الخامسة:

"أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك على الأرض التي يعطيك الرب إلهك".

الوصية السادسة:

"لا تقتل".

الوصية السابعة:

"لا تزني"

الوصية الثامنة

"لا تسرق"

الوصية التاسعة:

"لا تشهد على قريبك شهادة زور".

الوصية العاشرة:

"لا تشته بيت قريبك. لا تشته امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيء مما لقريبك"[18]

93. س: كيف تقسم هذه الوصايا؟

ج: تقسّم إلى لوحين: الأول يعلمنا في أربع وصايا كيف ينبغي ان نحيا تجاه الله، والثاني                يعلمنا في ست وصايا عن علاقتنا بالقريب.

94. س: ماذا يطلب الرب في الوصية الأولى؟

      ج: ان أتجنب كل عبادة أوثان وشعوذة وسحر ودعاء للقديسين أو لمخلوقات أخرى لئلا افقد الخلاص. نعم، يجب ان اعترف باله واحد فقط. وان أثق به وحده وأترجى منه وحده بكل اتضاع وصبر كل صلاح، وان أحبه وأخافه وأجله من كل قلبي. باختصار، انه أفضل لي ان أتحول عن كل المخلوقات وأتخلى عنها من ان أسيء أقل إساءة إلى مشيئته.

95. س: ما هي عبادة الأوثان؟

      ج: ان أتصور أو امتلك شيئا أضع فيه كل ثقتي وعليه كل اتكالي بدل الإله الحق الواحد الذي كشف ذاته في كلمته.

يوم الرب (35)

96. س: ماذا يطلب الرب في الوصية الثانية؟

     ج: ان لا نمثله أو نعبده بغير ما أوصانا به في كلمته.

97. س: ألا يجوز البته ان نصنع صورا؟

     ج: لا يمكن ولا يجوز ان نصور الله بأية طريقة. اما بالنسبة للمخلوقات فبالرغم من انه يجوز تصويرها فان الله يحرم ان نصورها أو نصنع مثالا لها لكي نعبدها أو نستعمله في عبادته.

98. س: الا يجوز ان نسمح بالصور في الكنيسة بدل الكتب وذلك من اجل الشعب الأمي؟

     ج: كلا، لأنه لا يجوز ان نحاول التطاول على حكمة الله، الذي لا يريد ان يُعلم شعبه بواسطة أوثان مائته وإنما بواسطة التبشير الحي بكلمته.

 

 

 

يوم الرب (36)

99. س: ما المطلوب في الوصية الثالثة؟

      ج: ان لا ندنس أو نسيء استعمال اسم الله بالشتم أو بالتزوير أو بالقسم غير الضروري. ولا يجوز أيضا ان نشترك في خطايا مشينة كهذه بالسكوت عنها وبالتالي قبولها. باختصار، يجب ان نستعمل اسم الله المقدس دوما بمخافة ووقار فيكون ذلك للاعتراف به والدعاء إليه ليتمجد في كل أقوالنا وأعمالنا.

100. س: هل التجديف باسم الله بالشتم أو الحلف خطيئة عظيمة لدرجة ان الله يغضب من الذين    لا يحاولون منعها بقدر الامكان؟

       ج: بالطبع لأنه ليس هناك خطيئة أعظم وليس هناك أمر يغيظ الله أكثر من تدنيس اسمه. لذا فقد أوصى بأن تُعاقب بالموت.

يوم الرب (37)

101. س: ولكن الا يجوز ان نحلف باسم الله بطريقة خشوعية؟

       ج: بلى. وذلك حين تطلب السلطات المدنية ذلك من المواطنين، أو حين يستوجب ذلك الحفاظ على الولاء والحقيقة ودعمهما لمجد الله ومنفعة القريب. فهذا النوع من الحلف مرتكز على كلمة الله في العهدين القديم والجديد.

102. س: أيجوز ان نحلف بالقديسين أو بمخلوقات أخرى؟

       ج: كلا. لأن الحلف المشروع دعاء الله، فاحص القلوب الوحيد، لكي يشهد للحق وليعاقبني إذا حلفت باطلا. ليس هناك مخلوق يستحق شرفا كهذا.

يوم الرب (38)

103. س: ماذا يطلب الرب في الوصية الرابعة؟

       ج: أولا، ان يُحافظ على خدمة الإنجيل والتعليم المسيحي، وان احضر إلى الكنيسة بنشاط وخصوصا في يوم الرب لسماع كلمة الله وللاشتراك بالأسرار المقدسة وللدعاء إلى الله ولتأدية الخدمة المسيحية لكل المحتاجين إليها. وثانيا، ان امتنع عن الأعمال الشريرة كل أيام حياتي وأترك الرب يعمل فيّ بواسطة روحه، وهكذا يبتدئ السبت الأبدي في هذه الحياة.

 

 

يوم الرب (39)

104. س: ماذا يطلب الرب في الوصية الخامسة؟

       ج: ان أكرم وأحب أبي وأمي وأخلص لهما ولكل ذي سلطة عليّ، وان أخضع نفسي بطاعة وقدرة لتعليمهم وتأديبهم، وأيضا ان أتحمل ضعفهم بصبر لأنها مشيئة الله ان نحكم بواسطتهم.

يوم الرب (40)

105. س: ماذا يطلب الرب في الوصية السادسة؟

       ج: ان لا استغل أو امقت أو أضر أو اقتل قريبي اما بالفكر أو بالقول أو الإشارة وطبعا ليس بالفعل، سواء كان ذلك بواستطي أو بواسطة غيري، بل ان أضع جانبا كل رغبة في الانتقام. وان لا أؤذي نفسي أو أعرّض نفسي للخطر قصدا. لهذا السبب هناك لدى السلطات وسائل لمنع الجريمة.

106. س: هل تتحدث هذه الوصية عن القتل فقط؟

       ج: ان الله في تحريمه للقتل يريد ان يعلمنا انه يمقت أسباب القتل من حسد وبغض وغضب وحب الانتقام، وانه يعتبر كل هذه جرائم مستترة.

107. س: هل يكفي إذن ان نقتل قريبنا بهذه الطرق؟

       ج: كلا. فانه عندما يرذل الله الحسد والحقد والغضب يطلب منا ان نحب قريبنا كأنفسنا، وان نكون صبورين ومسالمين وودعاء ورحومين وودودين تجاهه، وان نقيه من الضرر بقدر استطاعتنا، وان نصنع الخير لأعدائنا أيضا.

يوم الرب (41)

108. س: ماذا تعلمنا الوصية السابعة؟

       ج: ان كل نوع من عدم العفة مرفوض من الله، ويجب ان نمقته من القلب وان نحيا بعفة وحياة مؤدبة، سواء أكان ذلك في الزواج أو البتولية.

109. س: هل يحرم الله غير الزنى والخطايا في هذه الوصية؟

       ج: انها مشيئة الله ان نحفظ أجسادنا وأرواحنا في طهارة وقداسة بما انها هيكل للروح القدس. لذا فانه يحرم كل الأعمال والتصرفات والكلمات والأفكار والرغبات الخالية من العفة وكل ما يثير الآخرين إليها.

 

يوم الرب (42)

110. س: ماذا يحرم الله في الوصية الثامنة؟

       ج: يحرم السرقة التي تعاقبها السلطات المدنية، وأيضا كل الوسائل الأثيمة والمخططات الدنيئة التي بها نحاول ان نستولي على ما لقريبنا، سواء أكان ذلك بالقوة أم بالتذرع بالحق مثل الغش في الوزن والكيل والتجارة والخدعة في الدعاية وتزييف النقود والربا الباهظ أو أي وسيلة أخرى محرمة من الله. وهو يحرم كل طمع وسوء استعمال لعطاياه.

111. س: وماذا يطلب الله منك في هذه الوصية؟

      ج: ان أعمل لخير قريبي حيث أستطيع، وان أعامله كما أريد من غيري ان يعاملني، وان أقوم بعملي على أحسن وجه حتى اقدر ان أساعد الفقراء في احتياجاتهم.

يوم الرب (43)

112. س: ما المطلوب في الوصية التاسعة؟

       ج: ان لا اشهد زورا ضد أحد، ولا أحور كلماته، ولا أثرثر أو افتري على احد، ولا أدين احد متسرعا دون الإصغاء إليه، بل يطلب مني ان أتجنب تحت طائلة غضب الله كل كذب واحتيال كأعمال شيطانية. فينبغي ان أحب الحقيقة في المسائل القضائية وكل المسائل الأخرى وان أقول الحقيقة واعترف بها بإخلاص. وعليّ بقدر استطاعتي ان ادافع عن سمعة قريبي وأتفانى في سبيلها.

يوم الرب (44)

113. س: ما المطلوب في الوصية العاشرة؟

       ج: ان لا ندخل إلى قلوبنا أي ميل أو تفكير مناف لوصية الله، بل ان نمقت الخطيئة دائما بكل قلبنا ونلقى الاكتفاء والفرح في كل بر.

114. س: هل يستطع المهتدون ان يحفظوا هذه الوصايا تماما؟

       ج: كلا، لأن أعظمهم قداسة يبقى مبتدئا في الطاعة في هذه الحياة. ومع ذلك فانهم يبتدئون بقصد جاد ليطبقوا كل وصايا الله لا بعضا منها فقط.

115. س:  لماذا يصر الله على هذه الوصايا العشر بصرامة مع العلم ان أحدا لا يستطيع حفظها    كاملة في هذه الحياة؟

       ج: أولا، لكي نعي خطيتنا طوال حياتنا، فنسعى تائقين لغفران الخطايا وللبر في المسيح. ثانيا، لكي نصلي لله بنشاط وثبات من اجل نعمة الروح القدس، فنتجدد أكثر فأكثر في صورة الله إلى ان نبلغ هدف الكمال التام في الحياة الآتية.

الصلاة

يوم الرب (45)

116. س: لماذا الصلاة ضرورية للمسيحيين؟

      ج: لأنها الجزء الأهم في الامتنان الذي يطلبه الله منا، ولأن الله يعطي نعمته وروحه القدوس فقط للذين يطلبونه في الصلاة مخلصين ودون انقطاع، وللذين يحمدونه على عطاياه.

117. س: ما هو مضمون الصلاة المقبولة من الله؟

       ج: أولا، ان نصلي إلى الإله الواحد الحق، الذي كشف لنا ذاته في كلمته، ونطلب ما أوصانا ان نسأل منه. ثم، ان تقر باحتياجاتنا وبحالنا الشريرة كي نتواضع في حضرة جلاله. وثالثا، ان نتأكد بأنه بالرغم من عدم جدارتنا فانه يسمع صلاتنا لأجل المسيح ربنا، كما وعد في كلمته.

118. س: ماذا أوصانا ان نسأل منه؟

       ج: كل ما هو ضروري للنفس والجسد، أي ما ضمنّه المسيح الرب في الصلاة التي علمنا إياها.

119. س: ما هي الصلاة الربانية؟

       ج: "أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأتي ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. خبزنا كفافنا اعطنا اليوم، وأغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا، ولا تدخلنا في تجربة ولكن نجنا من الشرير، لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد آمين."

الصلاة الربانية

يوم الرب (46)

120. س: لماذا أوصانا المسيح ان ندعو الله "أبانا"؟

       ج: كي يوقظ فينا في بداية الصلاة خشوع الأطفال وثقتهم بالله، وهي دوافع الصلاة، أي ان الله أصبح أبانا بواسطة المسيح، وأنه إذا كان آباؤنا الأرضيون لا يرفضون لنا طلباتنا الدنيوية فكم بالحري أبونا السماوي الذي نطلب منه بإيمان.

121. س: لماذا أضيفت عبارة "الذي في السماوات؟"

      ج: كي لا يكون لدينا أي تصور أرضي لجلال الله السماوي، وكي نرتجي من قدرته العظيمة كل ما نحتاجه للجسد والنفس.

يوم الرب (47)

122. س: ما هي الطلبة الأولى؟

       ج: "ليتقدس اسمك"، أي، ساعدنا قبل كل شيء ان نعرفك حقا، وان نقدسك ونمجدك ونسبحك في كل أعمالك التي تشرق من خلالها قدرتك العظيمة وحكمتك وصلاحك وبرك ورحمتك وحقك. واضبط حياتنا كلها في الفكر والقول والعمل كي لا يُجدف على اسمك بسببنا بل يكرم ويسبح اسمك على الدوام.

يوم الرب (48)

123. س: ما هي الطلبة الثانية؟

      ج: "ليأتي ملكوتك"، أي قدنا بكلمتك وروحك حتى نخضع أنفسنا أكثر فأكثر لك. أعضد وكّثر كنيستك. حطم أعمال الشيطان وكل قوة تقوم عليك وكل المؤامرات الشريرة المحاكة ضد كلمتك المقدسة إلى ان يأتي ملكوتك كاملا حيث تكون أنت الكل في الكل.

يوم الرب (49)

124. س: ما هي الوصية الثالثة؟

      ج: "لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض". أي، امنح لنا ولكل البشر ان يتخلوا عن مشيئتهم ويطيعوا مشيئتك- لأنها وحدها الصالحة- دون تذمر حتى يقوم كل واجباته وينفذ دعوته بملء إرادته وبإخلاص كما تفعل الملائكة في السماء.

يوم الرب (50)

125. س: ما هي الطلبة الرابعة؟

       ج: "خبزنا كفافنا اعطنا اليوم"، أي: تعطف وزودنا بكل احتياجاتنا الجسدية حتى نقر بأنك وحدك مصدر كل صلاح، وبأنه من دون بركتك لا نستفيد شيئا من أعمالنا وأتعابنا أو من عطاياك. لذا فاعطنا ان نحسب ثقتنا من كل المخلوقات ونضعها بك وحدك.

يوم الرب (51)

126. س: ما هي الطلبة الخامسة؟

       ج: "وغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا"، أي: تحنن من اجل دم المسيح. ولا تحسب علينا نحن الخطاة البائسين كل تعدياتنا والشر الذي لا يزال يلازمنا. ونجد أيضا شهادة نعمتك هذه فينا وهي انه قصدنا المخلص ان نغفر لقريبنا من كل قلبنا.

يوم الرب (52)

127.س: ما هي الطلبة السادسة؟

      ج: "ولا تدخلنا في تجربة لكن نجنا من الشرير"، أي بأننا ضعفاء لدرجة أننا لا نستطيع الاعتماد على أنفسنا للحظة واحدة، وبما ان أعدائنا الالّداء من شيطان وعالم خطيتنا يهاجموننا باستمرار، تعطف حافظا ومقويا لنا بواسطة قدرة روحك القدوس كي نثبت في مواجهتهم ولا نُهزم في هذه الحرب الروحية إلى ان ننال النصر الكامل في النهاية.

128. س: كيف تختم هذه الصلاة؟

       ج: "لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد"، أي: نسأل كل هذا منك لأنك ملكنا وأنت مريد وقادر ان تعطينا كل خير لأن لك القدرة على كل الأشياء، وان بذلك يتمجد لا اسمنا بل اسمك إلى الأبد.

129. س: ما معنى كلمة "آمين"؟

       ج: "آمي: تعني: ان ذلك سيكون حقا ويقينا. فان صلاتي يستجيب لها الله بتأكيد أكبر من اقتناعي في قلبي بأنني أريد هذه الأمور منه.   

 


 

اعتراف الإيمان الهلفيتي الثاني

1566م

لمحة تاريخية

 

يختلف هذا الاعتراف عن كل الاعترافات الأخرى في كونه كتب بمبادرة شخصية من أحد آباء الإصلاح الإنجيلي هو هينريخ بولينغر 1504-1575م H. Bullinger قام بولينغر بصياغة هذا الاعتراف الإيماني في سنة 1561م. وكان هدفه ان يُحفظ مع وصيته ليتلى بعد وفاته في زوريخ، المدينة التي عمل فيها خادما للإنجيل منذ 1531 من أي منذ وفاة المصلح زوينغلي. وكان لبولينغر تأثير كبير على الحركة الإصلاحية لأنه عايش ثلاثة أجيال من المصلحين. وقد لخص في هذا الاعتراف المبادئ الأساسية للإصلاح الإنجيلي. ولكن هذا الاعتراف ما كان لينشر لولا حصول أزمة في ألمانيا حتمت ذلك. فقد أراد مستشار حاكم مقاطعة البلاتينات، فريدرك الثالث، ان يرد على الانتقادات العنيفة التي كان اللوثريون في ألمانيا يوجهونها إلى الكنائس المصلحة بوثيقة عقائدية مصلحة شاملة وقوية. فأرسل إليه بولينغر هذا الاعتراف في 1566م ونشر في السنة ذاتها بعد ان قبل سريعا هناك ثم قبل في الكانتونات السويسرية ثم في فرنسا واسكتلندا وبولندا والمجر والنمسا. ولهذا الاعتراف سلطة عليا في الكنائس المصلحة ليس لامتيازه وعظمته فقط بل أيضا بسبب القبول الواسع الذي حظي به في الكنائس الأوروبية المصلحة. ويدعى "اعتراف الإيمان السويسري الثاني" لأنه ثمة اعتراف سويسري أول وضع سنة 1563م وكان لبولينغز يد فيه. وقد أريد به اعترافا موحدا لكل سويسرا لكنه لم يلق الرواج ولا النجاح الذي لقيه الاعتراف الثاني. قيل عن هذا الاعتراف انه يجمع بين لاهوت كالفن وحرارة لوثر وشمولية ملانكثون.

اعتراف الإيمان الهلفيتي الثاني

1566م

 

الفصل الأول

في ان الأسفار المقدسة كلمة الله الحق

الأسفار القانونية: نؤمن ونعترف بان الأسفار القانونية للأنبياء والرسل القديسين في عهديهما (القديم والجديد) هي كلمة الله الحق، وان سلطتها كافية من ذاتها لا من البشر. فان الله ذاته كلّم الآباء والأنبياء والرسل ومازال يكلمنا بواسطة الأسفار المقدسة. وتجد كنيسة المسيح الجامعة في هذه الأسفار المقدسة الشرح الأوفى لكل ما يتعلق بالإيمان المخلّص وبالحياة المرضية لله. وفي هذا المجال قد أوصى الله بأن لا يضاف إليها ولا يحذف منها شيء أبدا.

الأسفار تعلم كل تقوى: لذلك فإننا نعتقد بان الحكمة والتقوى الحقيقيتين وإصلاح الكنائس وإدارتها يجب ان تستمد من هذه الأسفار، وكذلك كل واجبات التقوى، وما يتعلق بتثبيت العقائد ودحض الأخطاء. ونعتقد أيضا بكل توبيخ نافع بحسب ما قاله الرسول: "كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ" الخ. (2 تيموثاوس 16:3-17. وأيضا : "هذا اكتبه إليك" يقول الرسول لتيموثاوس "لكي تعلم كيف يجب ان تتصرف في بيت الله" الخ. (1تيموثاوس 14:3-15). الأسفار كلمة الله: ويقول أيضا الرسول نفسه إلى اهل تسالونيكي: "لأنكم إذ تسلمتم منا كلمة خبر من الله قبلتموها لا ككلمة أناس بل كما هي بالحقيقة ككلمة الله" الخ. (1تسالونيكي 13:2). فالرب نفسه قال في الإنجيل "لان لستم انتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم"، لذلك "الذي يسمع منكم يسمع مني. والذي يرذلكم يرذلني، والذي يرذلني يرذل الذي أرسلني" (متى 20:10، لوقا 16:10، يوحنا 20:13).

الكرازة بكلمة الله هي كلمة الله: لذا فإننا نؤمن بأنه حين يُكرز بكلمة الله في الكنيسة بواسطة وعاظ قانونيين يكون ذلك إعلانا لكلمة الله وهكذا يقبلها المؤمنون. ولا يجوز أبدا ان تُبتدع كلمة أخرى أو ان تُرجى من السماء، وعلينا اعتبار الكلمة التي يُكرز بها وليس الخادم الذي يكرز. حتى لو كان (الواعظ) شريرا وخاطئا تبقى كلمة الله حقة وصالحة. ولسنا من القائلين بان الكرازة الخارجية غير نافعة لأن التعليم في الدين الحق يعتمد على التنوير الداخلي للروح أو لأنه مكتوب "ولا يعلّمون بعد كل واحد صاحبه وكل واحد أخاه.... لأنهم كلهم سيعرفونني" (أرميا 34:31) وأيضا "إذ ليس الغارس شيئا ولا الساقي بل الله الذي ينمي" (1كورنثوس 7:3). فمع انه "لا يقدر أحد ان يقبل إلى المسيح ان لم يجتذبه الآب" (يوحنا 44:6) وان لم ينوره الروح القدس داخليا فإننا نعلّم انها مشيئة الله حقا ان يكرز بكلمته خارجيا أيضا. لقد كان باستطاعة الله بواسطة روحه القدوس أو بواسطة خدمة ملاك وبدون خدمة مار بطرس ان يلقن كورنيليوس في سفر الأعمال، ولكنه مع ذلك يحيله على بطرس ويقول عنه الملاك: "هو يقول لك ماذا ينبغي ان تفعل (أعمال 6:10).

التنوير الداخلي لا يحل محل الكرازة الخارجية: فان الذي نور البشر داخليا بإعطائهم الروح القدس هو نفسه الذي أوصى تلاميذه قائلا: "اذهبوا إلى العالم اجمع زاكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها (مرقس 15:16).  وهكذا فقد كرز بولس في فيلبي علنا امام ليديا، بائعة الأرجوان، ولكن الرب فتح قلبها داخليا (أعمال 14:16). وبولس ذاته بعد ان شرح فكره بطريقة رائعة في رومية 17:10 خلص إلى القول: "إذا الإيمان بالخبر والخبر بكلمة الله".

وفي الوقت ذاته نعلم أن الله يستطيع تنوير من يشاء وحيثما يشاء حتى بدون الخدمة الخارجية لن هذا هو من ضمن قدرته. ولكننا نتكلم عن الطريقة العادية في تعليم البشر التي أعطانا إياها الله، أي بواسطة الوصايا والأمثلة.

الهرطقات: لذلك فإننا نستنكر كل هرطقات ارتمون Artemon والمانويين Manichaeans والفالنتيين Valentinians والمارسيونيين الذين انكروا ان الأسفار (المقدسة) هي من الروح القدس، أو لم يقبلوا أجزاء منها أو حرفوها وأفسدوها.

الابوكرفا: ولكننا لا نتغاضى عن بعض كتب العهد القديم التي سماها القدماء "ابوكريفة" ودعاها غيرهم "كنسية"، وقد ألف بعضهم قراءتها في الكنائس ولكن ليس كمرجع له سلطة في مسائل الإيمان. وكما قال اغسطينوس في "مدينة الله" (الكتاب الثامن عشر والفصل الثامن والثلاثين): "ترد في كتب الملوك أسماء بعض الأنبياء وكتاباتهم" ولكنه يضيف، "ولكنها ليست في المجموعة القانونية" أيضا "ان الكتب التي عندنا تكفي للتقوى".

 

الفصل الثاني

في تفسير الأسفار المقدسة

وفي الآباء والمجامع والتقاليد

التفسير الحقيقي للكتاب: قال الرسول بطرس ان الأسفار المقدسة "ليست من تفسير خاص" (2بطرس 20:1)، ولذلك لا نسمح بكل التفسيرات الممكنة، وبالتالي لا نعترف بما يُسمى مفهوم الكنيسة الرومانية كالتفسير الحق أو الأصيل للكتاب، أي ما يقول المدافعون عن الكنيسة الرومانية بأنه يجب على الكل قبوله. وإنما نعتبر تفسير الكتاب مستقيم الرأي وأصيلا حين يستمد من الأسفار ذاتها (من طبيعة اللغة التي كتبت فيها، وأيضا بحسب ظروف كتاباتها، فتشرح على ضوء مقاطع مشابهة ومختلفة ومقاطع أخرى كثيرة أكثر وضوحا) وحين يوافق قاعدة الإيمان والمحبة ويؤول إلى مجد الله وخلاص الإنسان.

تفاسير الآباء القديسين: لذا فنحن لا نحتقر تفاسير الآباء الشرقيين (اليونانيين) والغربيين (اللاتين) ولا نرفض مناظرتهم وأبحاثهم فيما يختص بالأمور الدينية بقدر ما تتوافق مع الأسفار (المقدسة). ولكننا نخالفهم بكل اتضاع حيثما نجد انهم يقولون أشياء تختلف أو تتعارض كليا مع الأسفار المقدسة. ولا نعتقد اننا نخطئ بحقهم في ذلك عالمين انهم ذاتهم وبإجماع كلي لا يريدون ان تُساوى كتاباتهم بالأسفار القانونية، وإنما يوصوننا ان نفحص مدى توافق كتاباتهم أو تعارضها مع الأسفار القانونية وان نقبل منها ما يتوافق ونرفض ما لا يتوافق معها.  

المجامع: وفي المكانة ذاتها نضع قرارات المجامع وقوانينها. لذا فلا نسمح لأنفسنا في مسائل الاختلافات الدينية أو شؤون الإيمان ان نكتفي بدعم موقفنا بآراء الآباء أو قرارات المجامع فقط، وطبعا ليس بالعادات المقبولة أو بحجة العدد الكبير للذين يتشاركون في الرأي ذاته أو بحجة الأقدمية في الزمن. من هو الحكم. لذا لا نعترف بحكم غير حكم الله ذاته الذي يعلن لنا بالأسفار المقدس ما هو الحق والباطل، وما يجب اتباعه أو تركه. ولكننا نوافق على احكام أناس روحيين مستمدة من كلمة الله. لقد دان ارميا وأنبياء آخرون بعنف جماعات الكهنة الذين أقيموا ضد شريعة الله، وقد حثونا بإصرار ان لا نصغي للآباء أو نسلك في طريقهم، لنهم ساروا في طريق بدعهم وشذوا عن شريعة الله.

تقاليد البشر: ونرفض أيضا التقاليد البشرية مهما رافقتها الألقاب الرنانة وكأنها إلهية ورسولية معطاة للكنيسة بواسطة صوت الرسل الحي، وكما يُظن بواسطة اتباع الرسل إلى الأساقفة اللاحقين. فهذه كلها عندما تقارن مع الكتاب نجد انها تختلف عنه، لذا فهي في هذا الاختلاف تثبت عدم رسوليتها على الإطلاق. فكما ان الرسل لم يناقضوا أنفسهم في التعليم كذلك فان اتباع الرسل لم يعلموا ما هو مخالف للرسل. بل على العكس فانه من الإثم ان يقال بان الرسل سلموا اتباعهم شفهيا ما يتعارض مع كتاباتهم. فبولس يقول بوضوح انه علم الأمور ذاتها في كل كنيسة (1كورنثوس 17:4). وأيضا يقول: "فإننا لا نكتب إليكم بشيء آخر سوى ما تقرأون أو تعرفون" (2كورنثوس 13:1). وأيضا، في مكان آخر يشهد بأنه وتلاميذه- أي اتباع الرسل- سلكوا "بذات الخطوات الواحدة" وعملوا كل شيء "بذات الروح الواحدة". (2كورنثوس 18:12). وقد كان لليهود أيضا في الأيام السالفة تقاليد الشيوخ ولكن هذه التقاليد رُفضت من الرب بقسوة إذ قال ان هذه التقاليد تسبب التعدي على شريعة الله وان هذا الشعب يعبد الله باطلا بهذه التقاليد (متى 1:15 ومرقس 1:7).

 

 

 

الفصل الثالث

في وحدانية الله والثالوث

الله واحد: نؤمن ونعلم ان الله واحد في الجوهر أو الطبيعة، كائن في ذاته، مكتف في ذاته، غير منظور، غير مادي، غير محدود، ابدي، خالق كل الأشياء مما يرى وما لا يرى، خير أعظم، حي ومحيي كل الأشياء ومحافظ عليها، كلي القدرة، كلي الحكمة، رؤوف، رحوم، عادل وحق. نمقت حقا تعدد الآلهة لأنه مكتوب: "الرب إلهنا رب واحد" (تثنية 4:6). "أنا الرب إلهك.. لا يكن لك آلهة أخرى أمامي" (خروج 2:20-3) (انا الرب وليس آخر. لا اله سواي. أليس انا الرب ولا إله آخر غيري. اله بار ومخلّص. ليس سواي" (اشعياء 5:45و21). "الرب الرب إله رحيم ورؤوف بطيء الغضب وكثير الإحسان والوفاء". (خروج 6:34).

الله ثالوث: ومع ذلك نؤمن ونعلّم بأن الله الواحد ذاته غير المحدود وغير المنقسم يتمايز في ذاته دون انفصال ودون اختلاط آباً وابنا وروحاً قدساً، فكما ان الآب ولد الابن منذ الأزل، فالابن مولود بولادة لا توصف، والروح القدس ينبثق حقا من الاثنين أزليا وينبغي ان يُسجد له معهما.

لذا فليس هناك ثلاثة آلهة وإنما ثلاثة أشخاص (أو أقانيم)، من الجوهر ذاته، متساوون في الأزلية ومتعادلون، متمايزون في الاقانيم من جهة العلاقة، كون الواحد يسبق الاخر لكن دون انتقاص في المساواة. فهم بحسب الجوهر أو الطبيعة مرتبطون بعضهم ببعض كإله واحد، والطبيعة الإلهية مشتركة لدى الآب والابن والروح القدس.

لقد أعطانا الكتاب تمييزا واضحا بين الأشخاص، فالملاك قال فيما قال للعذراء المباركة: "الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله" (لوقا 35:1). وأيضا سُمع في معمودية المسيح صوت من السماء قائلا عنه "هذا هو ابني الحبيب" (متى 17:3) والروح القدس ظهر في شكل حمامة (يوحنا 32:1). وحين أوصى الرب الرسل ان يعمدوا أوصاهم ان يصنعوا ذلك "باسم الآب والابن والروح القدس". (متى 19:28). وقال أيضا في مكان آخر ان الآب سيرسل الروح القدس "باسمي" (يوحنا 26:14). وأيضا قال: "ومتى جاء المُعزي الذي سأرسله انا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي" الخ (يوحنا 26:15). وباختصار فإننا نقبل قانون إيمان الرسل لأنه ينقل إلينا الإيمان الحق.

هرطقات: لذلك فإننا ندين.... كل المجدفين على الثالوث القدوس الذي نعبد. وندين أيضا كل الهرطقات والهرطقة الذين يعلمون ان الابن والروح القدس هما الله بالاسم فقط، وان ثمة شيئا مخلوقا وتابعا أو خاضعا لشيء آخر في الثالوث وان ثمة عدم تساو فيه، أي ما هو أكثر أو أقل، أو أي تصور مادي فيه، أو أي اختلاف في الصفة (الذات) أو المشيئة، أو أي اختلاط أو انزواء، وكأن الابن والروح القدس هما حالتا الله الواحد الآب وصفتاه كما قال المونارخيون وأتباع نوفاتيان Novatians وبركسياس Praxeas والقائلون بان الآب تألم Patripassians، وبولس السموساطي، واتياس Aerius ومقدونيوس والقائلون بأن الله صورة بشرية Anthropomorphites وآريوس وكل من ظن مثلهم.  

 

الفصل الرابع

في الأوثان أو صور الله والمسيح والقديسين

صورة الله: بما ان الله روح وهو في الجوهر غير منقسم وغير محدود لا يمكن التعبير عنه حقا بالفن أو بصورة. لذلك فلسنا نخشى ان نعلن مع الكتاب بان كل صور الله أكاذيب. لذلك فإننا نرفض أوثان أبناء الأمم كما نرفض أيضا صور المسيحيين. صور المسيح: ومع ان المسيح اتخذ الطبيعة البشرية فانه لم يفعل ذلك لكي يهيئ نموذجا للنحاتين والرسامين. لقد نفى المسيح انه جاء لينقض الشريعة والأنبياء (متى 17:5). ولكن الشريعة والأنبياء يحرمان الصور (تثنية 15:4 واشعياء 9:44). وقد رفض المسيح ان يكون حضوره الجسدي ذا منفعة للكنيسة ووعد ان يكون قربنا للأبد بواسطة روحه (يوحنا 7:16). فمن الذي يعتقد ان طيف جسده أو مثاله يسهم في منفعة المؤمن التقي. (1كورنثوس 5:5). بما انه يمكث فينا بروحه فإننا هيكل الله (1كورنثوس 16:3). ولكن "أية موافقة لهيكل الله مع الأوثان"؟ (2كورنثوس 16:6).

صور القديسين: وبما ان الأرواح المباركة والقديسين رفضت أثناء حياتهم هنا على الأرض كل عبادة لهم (أعمال 12:3 الخ و11:14 الخ، ورؤيا 7:14و 9:22) ودانت الصور، فهل يظن أحد ان القديسين والملائكة السماويين يسرون بصورهم التي يجثو الناس لها ويرفعوا أمامها غطاء رؤوسهم ويكرموها؟

ولكن من اجل تعليم الناس التقوى وتذكيرهم بالأمور الإلهية وبخلاصهم أوصى الرب بالكرازة بالإنجيل (مرقس 15:16) لا بالتصوير وتعليم الناس (العلمانيين) بواسطة الصور. وأنشأ أيضا أسرارا ولكن لم ينشئ صورا أبدا. كتاب العوام:ان خلائق الله الحية التي نراها في كل مكان إذا ما أنعمنا النظر فيها وتفحصناها كما يجب نجد انها تعطي انطباعا أقوى وأفعل للناظرين من كل الصور الباطلة الجامدة الضعيفة والمائتة المصنوعة من البشر والتي قال عنها النبي بحق: "لها أعين ولا تبصر" (مزمور 5:115).

لكتنتيوس Lactantius: لذلك فإننا نوافق رأي المفكر القديم لكتنتيوس الذي قال: "لا توجد التقوى أبدا حيث توجد صورة". ابيفانيوس وهيرونيموس: وكذلك ان الأسقف المبارك ابيفانيوس كان على حق عندما مزق صورة للمسيح أو لأحد القديسين رسمت على حجاب موضوع على باب احدى الكنائس ثم نزعها، لأن رؤية صورة إنسان معلقة على كنيسة المسيح مخالفة لسلطان الكتاب. لذلك أمر بعدم جواز تعليق حجب منافية لعبادتنا في كنيسة المسيح بل أوصى ان تنزع كل هذه الأمور المشبوهة والتي ليست من مقام الكنيسة والشعب المؤمن. ونوافق أيضا رأي القديس أوغسطينوس في العبادة الحقة: "لا ينبغي ان تكزن عبادتنا عبادة أعمال البشر. لأن الفنانين أنفسهم الذين يضعون هذه الأشياء هم أفضل منها ولكن يجب الا نعبدهم".

 

الفصل الخامس

في السجود لله وعبادته والدعاء إليه

بالوسيط الوحيد يسوع المسيح

 

لله وحده ينبغي السجود والعبادة: نعلّم بأنه الله وحده ينبغي السجود والعبادة. وهذا ما لا نؤديه لأحد غيره كما جاء في وصية الرب: "للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد" (متى 10:4). وبالفعل فقد ندد الأنبياء بعنف بالشعب الإسرائيلي حين عبد آلهة غريبة وسجد لها دون الإله الواحد الحق. ولكننا نؤمن بأنه ينبغي ان يسجد الله ويعبد كما علمنا هو ان نعبد، أي "بالروح والحق" (يوحنا 23:4) وليس بالأوهام وإنما بإخلاص وبحسب كلمته. لئلا يقول لنا يوما: "من طلب هذا من أيديكم" (اشعياء 12:1، أرميا 20:6). ويقول بولس أيضا: الله "لا يخدم بأيادي الناس كأنه محتاج إلى شيء." (أع 25:17).

الدعاء لله وحده بوساطة المسيح فقط: في كل محن حياتنا وتجاربها ندعو الله وحده وذلك بواسطة شفيعنا وشفيعنا الوحيد، يسوع المسيح. فقد أوصينا بكل صراحة: "ادعني في يوم الضيق أنقذك فتمجدني" (مزمور 15:50). وأيضا لنا وعد كريم من الرب الذي قال: "ان كل ما طلبتم من الآب باسمي يعطيكم" (يوحنا 23:16) وأيضا: "تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (متى 28:11). وبما انه مكتوب: "فكيف يدعون بمن لم يؤمنوا به؟" (رومية 14:10)، وبما اننا نؤمن بالله وحده ندعوه بالتأكيد وحده ونفعل ذلك بالمسيح، لأن الرسول يقول : (لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والإنسان يسوع المسيح". (1تيموثاوس 5:2) وكذلك: "ان اخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار" الخ. (1يوحنا 1:2).

لا تجوز عبادة القديسين أو الدعاء أو التعبد لهم: لهذا فإننا لا نعبد القديسين في السماء أو آلهة أخرى ولا نتعبد أو ندعوا لهم ولا نعترف بهم شفعاء أو وسطاء امام الآب في السماء. فالله والمسيح الوسيط كافيان لنا. وكذلك لا نكرم أحدا بالتكريم الواجب لله وحده ولابنه لأنه قال بصراحة: "مجدي لا أعطيه لآخر" (اشعياء 9:42)، ولأن بطرس قال: "لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطي بين الناس به ينبغي ان نخلص" (أعمال 12:4). فالذين فيه يؤكدون إيمانهم لا ينشدون أي شيء خارج المسيح.

التكريم اللائق بالقديسين:

ولكننا في الوقت نفسه لا نحتقر القديسين ولا نظن سوءا بهم، لأننا نقر أنهم أعضاء في المسيح وأصدقاء الله الذين غلبوا الجسد والعالم بمجد. لذا فنحن نحبهم كأخوة لنا ونكرمهم ولكن ليس بعبادة بل بتفكير حسن عنهم وبتمجيدهم. وكذلك فإننا نقتدي بهم. نسعى مخلصين بشوق حار وابتهالات ان نقلد إيمانهم وفضائلهم ونشاركهم الخلاص الأبدي ونسكن أبديا معهم في حضرة الله ونفرح معهم في المسيح. وفي هذا المجال نستحسن قول القديس اغسطينوس في كتابه: De vera relig "لا تكن تقوانا عبادة بشر قد ماتوا. فإذا كانوا قد عاشوا حياة مقدسة فهم ابعد الناس عن نشدان حفاوة كهذه. بل العكس انهم يريدوننا ان نعبد الذي بنوره يفرحون بأننا خدام مشاركون في استحقاقاته. لذلك يجب تكريمهم بواسطة الإقتداء بهم وليس بالتعبد لهم في طريقة دينية" الخ.

ذخائر القديسين: ولا نعتقد أبدا بأن ذخائر القديسين تستوجب عبادة وتكريما. فقد كرم القديسون الاقدمون موتاهم كفاية حين أودعوا بقاياهم التراب بعد ان فارقتها الروح إلى العلي. وكانوا يعتقدون ان أنبل ذخائر أجدادهم هي فضائلهم وتعليمهم وإيمانهم. فكما يمدحون هذه "الذخائر" حين يثنون على موتاهم كذلك عليهم ان يسعوا لتقليدهم في حياتهم على الأرض.

الحلف باسم الله وحده: لم يحلف الاقدمون الا باسم الله الواحد، يهوه، كما نصت الشريعة. لذا، فكما ان الحلف بأسماء آلهة غريبة محرم (خروج 13:23 وتثنية 20:10) كذلك لا نقسم اليمين بالقديسين. وهكذا فإننا نرفض في كل هذه الأمور تعليما يعزو إلى القديسين في السماء أكثر مما يجوز. ص132

 

 

الفصل السادس

في عناية الله

عناية الله تتحكم بكل الأشياء: نؤمن بأن كل الأشياء وعلى الأرض وكل المخلوقات تحفظ وتساس بعناية هذا الإله القدير الأزلي الحكيم. فداود يشهد قائلا: "الرب عال فوق كل الأمم. فوق السموات مجده. من مثل الرب إلهنا الساكن في الأعالي، الناظر الأسافل في السموات وفي الأرض". (مزمور 4:113-6). وأيضا: "مسلكي ومربضي ذريت وكل طرقي عرفت. لأنه ليس كلمة في لساني الا وأنت يا رب عرفتها كلها" (مزمور 3:139-4). وبولس أيضا يشهد ويعلن: "لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد" (أعمال 28:17) وأيضا يقول: "لأن منه وبه وله كل الأشياء". (رومية 36:11). لذلك فقد صرح أوغسطينوس حقا وبحسب الكتاب حين قال في كتابه: De agone, Cap.8: "قال الرب "أليس عصفوران يباعان بفلس؟ وواحد منهما لا يسقط على الأرض بدون أبيكم".(متى 29:10). أراد الرب بقوله هذا ان يظهر للناس ان ما يظنونه أقل الأشياء قيمة هو مشمول بقدرة الله الفائقة. فالذي هو الحق يقول انه هو يقوت طيور السماء وهو يلبس زنابق الحقل. وأيضا يقول ان شعرات رأسنا محصية لديه" (متى 26:6 وما يتبع).

الأبيقوريون: لذلك فإننا ندين الأبقوريين الذين ينكرون عناية الله وكذلك كل القائلين ان الله منهمك بالسماوات ولا يرى ولا يهتم بنا وبأمورنا. لقد دان داود النبي الملك هذا (الموقف) حين قال: "حتى متى الخطاة يا رب حتى متى الخطاة يشتمون... يقول الرب لا يبصر وإله يعقوب لا يلاحظ. افهموا أيها البلداء في الشعب ويا جهلاء متى تعقلون. الغارس الأذن ألا يسمع؟ الصانع العين الا يبصر؟" (مزمور 3:94و7-9).

عدم احتقار وسائط (العناية): ومع هذا فإننا لا نرفض بازدراء الوسائل التي بواسطتها تعمل العناية الإلهية ولا نعتبرها عديمة الفائدة، بل نعلم أنه علينا ان نتكيف معها بقدر ما توصي به كلمة الله. لهذا فإننا لا نوافق الأقوال المتهورة التي يبديها البعض انه إذا كانت كل الأشياء تدار بعناية الله فليس هناك جدوى لجهودنا ومساعينا. ويكفي ان نترك كل شيء لحكم العناية الإلهية وليس لنا ان نهتم بشيء أو ان نعمل شيئا. فمع ان بولس فهم انه أبحر تحت عناية الله الذي قال له: "ينبغي ان تشهد في رومية أيضا" (أعمال 11:23) وأعطاه أيضا وعدا: "لا تكون خسارة نفس واحدة منكم.. ولا تسقط شعرة من رأس أحد منكم" (أعمال 22:27و34)، فإنه عندما هم النوتية ان يتركوا السفينة قال بولس ذاته لقائد المئة وللعسكر: ان لم يبق هؤلاء في السفينة فأنتم لا تقدرون ان تنجوا" (أعمال 31:27). لأن الله الذي عين النهاية لكل الأشياء رتب البداية والطريق التي تصل بها إلى الهدف. يعزو الوثنيون الأمور إلى القدر الأعمى والصدفة المتقلبة. ولكن القديس يعقوب لا يريدنا ان نقول: "نذهب اليوم أو غدا إلى هذه المدينة أو تلك وهناك.. نتجّر ونربح" ولكنه يضيف: "عوض ان تقولوا ان شاء الرب وعشنا نفعل هذا أو ذاك" (يعقوب 13:4و15). وأغسطينوس يقول: "كل ما يبدو للبشر المغرورين انه حدث في الطبيعة بالصدفة يحدث بكلمته فقط لأنه يحدث بحسب أمره وحده" Enarrationes in Psalmos 148. وهكذا ظهر ان لقاء شاوول بالنبي صموئيل حدث صدفة حين ذهب الأول يفتش عن اتان أبيه. ولكن الواقع ان الرب كان قد قال سابقا للنبي: "غدا في مثل الآن أرسل إليك رجلا من أرض بنيامين" (1صموئيل 16:9).

الفصل السابع

في خلق الأشياء كلها:

في الملائكة والشيطان والإنسان

الله خلق كل الأشياء: هذا الإله الخيّر القدير خلق كل الأشياء ما يرى وما لا يرى بواسطة كلمته المتساوية معه في الأزلية، ويحفظها بواسطة روحه المتساوية معه في الأزلية، كما يشهد داود حين يقول: "بكلمة الرب صنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها" (مزمور 6:33). وكما يقول الكتاب، كل ما عمله الله حسن جدا وقد جعل لمنفعة الإنسان واستعماله. اننا نؤكد بان كل هذه الأشياء تنبثق من بداية واحدة.

المانويون والمارسيونيون: لذلك فاننا ندين المانوين والمارسيونيين الذين بلا ورع تخيلوا من كل منهما جوهرين وطبيعتين، الواحد خير والثاني شر، وبدايتين والهين متنافيين، الواحد خيّر والثاني شرير.

في الملائكة والشياطين: ان الملائكة وبني البشر هم الأفضل بين كل الخلائق. يصرح الكتاب في شأن الملائكة: "الصانع ملائكته رياحا وخدامه نارا ملتهبة" (مزمور 4:104). وأيضا يقول: "أليس جميعهم أرواحا خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين ان يرثوا الخلاص" (عبرانيين 14:1). اما بخصوص الشيطان فالرب يسوع نفسه يشهد: "ذاك كان قتالا للناس من البدء ولم يثبت في الحق لأنه ليس فيه الحق. متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم مما له لأنه كذاب وأبو الكذاب". (يوحنا 44:8). وبالتالي فاننا نعلم بان بعض الملائكة مكثوا في الطاعة وعينوا في خدمة أمينة لله والناس، ولكن آخرين سقطوا بإرادتهم الحرة وطرحوا في الهلاك صائرين أعداء كل صلاح والمؤمنين الخ.

في الإنسان: اما بالنسبة للإنسان فيقول الكتاب بأنه خلق خيّرا في البداية على صورة الله ومثاله، وان الله وضعه في جنة وأخضع كل الأشياء له (تكوين 2). هذا ما يبينه داود بشكل  رائع في المزمور الثامن. وأيضا أعطاه الله امرأة وباركهما. ونؤكد أيضا على جوهرين مختلفين في شخص واحد: نفس عديمة الموت، حين تنفصل عن الجسد لا تنام ولا تموت، وجسد مائت سيقوم من الموت في الدينونة الأخيرة.

الشيع: ندين كل من يستهزئون بخلود الأنفس ويشككون بها بحجج ماكرة، أو يقولون ان النفس تنام أو هي جزء من الله. باختصار، اننا ندين كل آراء البشر مهما تعددت التي تحيد عما أعطي لنا بالكتاب المقدس في كنيسة المسيح الرسولية فيما يتعلق بالخلق والملائكة والأرواح الشريرة والإنسان.

الفصل الثامن

في سقوط الإنسان والخطيئة وأسبابها

 

سقوط الإنسان: خلق الإنسان في البدء على صورة الله صالحا مستقيما في بر وقداسة حقيقيين. ولكنه حين تخلى عن الصلاح والبر بسبب ذنبه وبتحريض من الحية صار خاضعا للخطيئة والموت ومصائب مختلفة. وما صاره بالسقوط، أي خاضعا للخطيئة والموت ومصائب مختلفة، هكذا أيضا صاره كل المنحدرين منه.

الخطيئة: نفهم "بالخطيئة" فساد الإنسان المتأصل الذي يّرد إلى والدينا الأولين أو ينقل منهما إلينا بالتوارث. وبهذا الفساد نميل نحن إلى الشر غارقين في شهوات منحرفة ونافرين من كل صلاح. واذ نحن ممتلؤن من الإثم والارتياب واحتقار الله وازدرائه لا نستطيع من أنفسنا ان نصنع شيئا صالحا أو حتى ان نفكر به. وأيضا حين ننمو ونكبر نعطي ثمرا فاسدا كالشجرة الرديئة (متى 33:12 وما يتبع) بأفكارنا وأقوالنا وأعمالنا الشريرة التي نرتكبها ضد شريعة الله. لذلك فإننا نستحق العقوبة العادلة ونخضع لغضب الله لدرجة أنه كان يطرحنا للهلاك لو لم يعدنا إليه المسيح المنقذ.

الموت: نفهم "بالموت" ليس الموت الجسدي الذي سنعانيه جميعا مرة بسبب الخطايا فقط ولكن أيضا العقاب الأبدي لخطايانا وفسادنا. فان الرسول يقول اننا كنا "أمواتا بالذنب والخطايا... وكنا بالطبيعة أبناء الغضب كالباقين أيضا. الله الذي هو غني بالرحمة... ونحن أموات بالخطايا أحيانا مع المسيح". (افسس 1:2 وما يتبع). وأيضا: "كما ان بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ اخطأ الجميع". (رومية 12:5).

الخطيئة الأصلية: لذلك نقر بخطيئة أصلية في كل البشر. الخطايا الفعلية: ونقر ان كل الخطايا الأخرى التي تنشأ منها هي حقا خطايا، سواء أسميت خطايا مميتة أم عرضية أم الخطيئة ضد الروح القدس التي لا تغتفر (مرقس 29:3و1 يوحنا 16:5). ونعترف أيضا ان الخطايا ليست كلها متساوية، فمع انها تنبع من منبع الفساد وعدم الإيمان نفسه فان بعضها أخطر من غيرها. وكما قال الرب فإن حالة سدوم وعمورة يوم الدين ستكون أكثر احتمالا من المدينة التي ترفض كلمة الإنجيل (متى 4:10 وما يتبع، 2.0:11 وما يتبع).

الشيع: لذلك فاننا ندين جميع الذين علّموا ما يتنافى مع هذا، بالأخص بلاجيوس وأتباعه جوفينيانوس Jovinians الذين مثلهم مثل الرواقيين يعتبرون ان كل الخطايا متساوية. ونوافق في هذا المجال أوغسطينوس الذي استمد موقفة ودافع عنه من الكتاب المقدس. وأيضا ندين فلورنيوس Florinus وبلاستوس Blastus اللذين كتب ضدهما ايريناوس، وندين كل من يجعل الله منشئ الخطيئة.

ليس الله منشئ الخطيئة والى أي حد يقال انه يقسو: لقد كتب بصراحة: "أنت لست إلها يسر بالشر.. أبغضت كل فاعلي الإثم. تهلك المتكلمين بالكذب" (مزمور 4:5 وما يتبع). وأيضا: "متى تكلم (الشيطان) بالكذب فإنما يتكلم مما له  لأنه كذاب وأبو الكذاب". (يوحنا 44:8). وهناك اثم وفساد فينا كافيان فلا يحتاج  الله ان يصب علينا فسادا جديدا أو أكبر. لذا فانه عندما نقرأ في الكتاب ان الله يقسو ويعمي ويسلم الناس إلى عقل مرذول يجب ان نفهم بان الله يفعل ذلك بحكم منصف وكقاض ومقتص عادل. وأخيرا، حيث نقرأ في الكتاب ما يبدو وكأن الله يصنع شرا فليس معنى ذلك ان الإنسان لم يصنع الشر بل ان الله سمح به ولم يمنعه بحسب قضائه العادل. لأنه يستطيع ان يضع حدا له ان أراد أو ان يحول الشر إلى الخير تماما كما فعل بخطيئة أخوة يوسف، أو ان يتحكم بالخطايا لئلا تكبر وتتفشى أكثر مما هو مقبول. يقول القديس أوغسطينوس في كتابه Enchiridion: "ما يحدث ضد مشيئته لا يحدث من دون مشيئته وذلك بطريقة عجيبة تفوق الوصف، لأنه لا يستطيع ان يحدث إذا لم يسمح به. ومع ذلك فإنه يسمح به طوعا لا كرها. ولكن الخيّر لا يسمح بحصول الشر إلا إذا كان كلي القدرة وقادرا على صنع الخير من الشر". هكذا كتب أوغسطينوس.

أسئلة فضولية:   أما الأسئلة الأخرى مثل: هل أراد الله سقوط آدم أو حرّضه عليه؟ أو لماذا لم يمنعه من السقوط؟ فاننا نعتبر هذه الأسئلة وما شابهها أسئلة فضولية (الا إذا أجبرنا خبث الهرطقة أو غيرهم من الغلظاء على تفسيرها من كلمة الله، كما فعل مرارا معلمو الكنيسة) عالمين ان الله حظر على الإنسان ان يأكل من الشجرة المحرمة وعاقب تعديه. ونعلم أيضا ان الأشياء التي تصنع ليست شرا بالنظر إلى عناية الله وارادته وقدرته ولكنها بالنظر للشيطان ولإرادبنا انما تعارض مشيئة الله.

 

الفصل التاسع

في الإرادة الحرة وإمكانيات الإنسان

في هذه المسالة التي طالما سببت نزاعات في الكنيسة نعلّم انه يجب الأخذ بعين الاعتبار ثلاث حالات للإنسان. الإنسان قبل السقوط: ثمة حالة كان الإنسان فيها في البدء قبل السقوط، وهي انه كان مستقيما وحرا قادرا ان يستمر في الصلاح أو ان يميل للشر. ولكنه انحرف إلى الشر وورّط نفسه وكل الجنس البشري في الخطيئة والموت كما سبق وقلنا. الإنسان ما بعد السقوط: ثم علينا التأمل بما صار الإنسان بعد السقوط. طبعا لم يحرم من العقل ولم تنزع منه الإرادة ولم يتحول كليا إلى حجر أو شجرة. ولكن عقله وارادته تغيرا وضعفا لدرجة أنهما لم يعودا قادرين على فعل ما كانا قادرين عليه قبل السقوط. لأن الفهم أظلم والإرادة التي كانت حرة صارت مستعبدة، وهي الآن تخدم الخطيئة ليس كرها بل طوعا. وهي مع ذلك تدعى إرادة وليس "لا إرادة"[19]  

الإنسان يصنع الشر بإرادته الحرة: فالإنسان، اذن، بالنظر إلى الشر أو الخطيئة لا يرغم على فعل الشر لا من الله ولا من الشيطان ولكنه يفعله بإرادته الحرة، وإرادته في هذا المجال حرة تماما. وعندما، وبالتالي، نرى الله يمنع حدوث أسوأ الجرائم والمخططات البشرية من بلوغ هدفها، فهذا لا يقلل من حرية الإنسان في فعل الشر ولكن الله بقدرته الذاتية يمنع ما خططه الإنسان بحرية. فمثلا، لقد قرر أخوة يوسف بحرية ان يتخلصوا منه ولكنهم لم يستطيعوا لأن مشورة الله رأت ان هناك شيئا آخر هو الصالح. 

الإنسان غير قادر على الصلاح من ذاته: ان عقل الإنسان بالنظر إلى الصلاح والفضيلة لا يميز من ذاته بالصواب ما يتعلق بالأمور الإلهية. فإن الكتابات الرسولية الإنجيلية تتطلب ولادة ثانية من الذين يودون الخلاص. لأن ولادتنا الأولى من آدم لا تساعد أبدا في خلاصنا. يقول بولس: "الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله" (1كورنثوس 14:2). وفي مكان آخر ينفي ان نكون "كفاة من أنفسنا ان نفتكر شيئا حسنا". (2كورنثوس 5:3). والمعلوم ان العقل أو الفهم هو دليل الإرادة، وعندما يكون الدليل أعمى فمن الواضح أين تذهب الإرادة. لذا فالإنسان غير المتجدد لا يملك أرادة حرة للصلاح ولا قوة لفعل الخير. يقول الرب في الإنجيل: "الحق الحق أقول لكم ان كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية" (يوحنا 34:8). والرسول بولس يقول "لأن اهتمام الجسد هو عداوة الله إذ ليس هو خاضعا لناموس الله لأنه أيضا لا يستطيع". (رومية 7:8). اما بالنسبة للأمور الدنيوية فليس الإنسان الساقط مفتقرا كليا في الفهم.

فهم المعرفة العلمية: لأن الله برحمته سمح لقوى العقل في الإنسان ان تستمر وان باختلاف كبير عما كانت عليه قبل السقوط، فالله يوصينا بتهذيب مواهبنا الطبيعية وهو يستمر في زيادة الهبات والنجاح. ومن الواضح أننا لا نتقدم في المعرفة العلمية أبدا من دون بركة الله. وفي كل حال فإن الكتاب يعزو كل العلوم إلى الله، حتى الوثنيون يردون أصل العلوم إلى الآلهة التي ابتكرتها.

قدرات المتجددين وحرية إرادتهم: أخيرا، يجب ان ننظر فيما إذا كان المتجددون يملكون إرادة حرة والى أي مدى. ينور الروح القدس الفهم في عملية التجديد حتى يستطيع ان يفهم أسرار الله وارادته. ولا يكتفي الروح القدس بتغيير الإرادة فحسب بل يزودها بإمكانيات تستطيع بها ان تريد الصلاح وان تعمله طوعا (رومية 1:8 وما يتبع) فإذا لم نقبل بهذا ننفي الحرية المسيحية ونحدث استعبادا شرعيا. ولكن الله يقول بالنبي: "اجعل شريعتي في داخلهم واكتبها على قلوبهم" (ارميا 33:31، حزقيال 26:36 وما يتبع). والرب قال في الإنجيل: "فإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارا" (يوحنا 36:8). ويكتب بولس إلى اهل فيلبي قائلا: "لأنه قد وهب لكم لأجل المسيح لا ان تؤمنوا به فقط بل أيضا ان تتألموا لأجله" (فيلبي 29:1). وأيضا: "واثقا بهذا عينه ان الذي ابتدأ فيكم عملا صالحا يكمل إلى يوم يسوع المسيح". (فيلبي6:1). وأيضا: "لأن الله هو العامل فيكم ان تريدوا وان تعملوا من اجل المسرة". (فيلبي 13:2).

المتجددون هم عاملون فعلا وليس متقبلين فقط: ولكننا نعلم في هذا المجال انه يجب ملاحظة شيئين: أولا، ان المتجددين حين يختارون الصلاح ويفعلونه، يقومون بعمل فعلي ولا يكتفون فقط بموقف "اللاعمل". لأن الله يحركهم لكي يفعلوا هم ما يفعلونه. فالقديس أوغسطينوس أصاب حين أورد القول: "يدعى الله عوننا. لكن لا يعان إنسان ما لم يعمل هو شيئا". لقد سلب المانويون الإنسان كل نشاط وجعلوه مثل حجر أو لوح من خشب.

الإرادة الحرة ضعيفة في المتجددين: ثانيا، يبقى في المتجددين ضعف لأن الخطيئة تسكن فينا، والجسد يصارع الروح في المتجددين إلى نهاية حياتنا فلا يستطيعون ان يتمموا ما أرادوه في كل الأمور.وهذه الأمور أكدها لنا الرسول بولس في رومية 7 وفي غلاطية5. فالإرادة الحرة ضعيفة فينا بسبب بقايا آدم القديم والفساد الإنساني المتأصل والمستمر فينا حتى أواخر حياتنا. ولكن بما ان القوى الجسدية وبقايا الإنسان القديم ليست فعالة لدرجة انها تطفئ كليا عمل الروح فاننا نقول ان المؤمنين أحرار، ولكن حتى يعرفوا بعضهم ولا يتفاخروا بإرادتهم الحرة. لأنه على المؤمنين ان يتذكروا دائما ما ألح عليه القديس أوغسطينوس مرارا وبحسب الرسول بولس: "ماذا لديكم ما لم تستلموه. فإذا استلمتموه فلماذا تفتخرون وكأنه ليس هبه؟". ويضيف إلى هذا ان ما نقره لا يحدث مباشرة لأن حصول الأشياء في يد الله. ولهذا تضرع بولس إلى الرب ان تتيسر رحلته (رومية 1.0:1). وهذا أيضا سبب ضعف الإرادة الحرة.

في الأمور الخارجية حرية: لا ينفي أحد ان الجميع- متجددين وغير متجددين- يتمتعون بحرية الإرادة في المسائل الخارجية- فالإنسان يشترك مع باقي المخلوقات الحية (وهو ليس اقل مقام منها) في الطبيعة القادرة على اختيار بعض الأشياء وعدم اختيار البعض الآخر. فباستطاعته مثلا ان يتكلم أو يصمت وان يخرج من البيت أو يبقى فيه الخ. ولكن يجب ان نلاحظ قدرة الله حتى في هذه الأمور لأنها كانت السبب في عدم تمكن بلعام من بلوغ هدفه (العدد 24) وأيضا السبب في عدم استطاعة زكريا الكلام بعد عودته من الهيكل (لوقا 1).

البدع: ندين في هذه المسألة المانويين الذين ينكرون ان بداية الشر كانت بواسطة الإنسان الحر الذي خلق صالحا. كما ندين مذهب اتباع بلاجيوس الذين يقولون بان للإنسان الشرير حرية إرادة كافية ليعمل الصلاح المطلوب. يدحض الكتاب المقدس كليهما بقوله للأول: "خلق الله الإنسان صالحا"، وللثاني: ان حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارا" (يوحنا 36:8).

 

الفصل العاشر

في الاختيار الإلهي السابق واختيار القديسين

اختارنا الله في النعمة: لقد اختار الله منذ الأزل بحرية وبنعمته الخالصة ودون محاباة القديسين الذين يشاء ان يخلصهم في المسيح بحسب قول الرسول" :اختارنا فيه قبل تأسيس العالم" (افسس 4:1). وأيضا "الذي خلصنا ودعانا دعوة مقدسة لا بمقتضى أعمالنا بل بمقتضى القصد والنعمة التي أعطيت لنا في المسيح يسوع قبل الأزمنة الأزلية وإنما أظهرت الآن بظهور مخلصنا يسوع المسيح". (2تيموثاوس 9:1-1.0).

نحن مختارون في المسيح: لهذا فبدون استحقاق منا اختارنا الله ليس مباشرة بل في المسيح وبسبب المسيح لكي يختار أيضا الذين هم الآن مطعمون إلى المسيح بالإيمان. ولكن الذين كانوا خارج المسيح قد رفضوا بحسب كلمة الرسول: "جربوا أنفسكم هل انتم في الإيمان. امتحنوا أنفسكم. أم لستم تعرفون أنفسكم ان يسوع المسيح هو فيكم ان لم تكونوا مرفوضين". (2كورنثوس 5:13).

نحن مختارون لغرض معين: أخيرا، ان القديسين مختارون من الله بالمسيح لقصد معين يفسره الرسول نفسه حين يقول: "اختارنا فيه... لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة. إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته لمدح مجد نعمته" (افسس 4:1-6). ينبغي ان يكون لنا رجاء صالح للجميع. ومع ان الله يعلم خاصته وهنا وهناك يصار إلى ذكر عدد المختارين القليل، إلا انه يجب ان يكون لنا رجاء حسن للجميع وألا نحكم على أي إنسان بتسرع بأنه من المرفوضين. لأن بولس يقول لأهل فيلبي: "اشكر الهي.. لأجل جميعكم (وهو يخاطب هنا كل كنيسة فيلبي) لسبب مشاركتكم في الإنجيل... واثقا بهذا عينه انه الذي ابتدأ فيكم عملا صالحا يكمل إلى يوم يسوع المسيح. كما يحق لي ان افتكر هذا من جهة جميعكم". (فيلبي 3:1-7).

هل المختارون قلة؟ عندما سئل الرب "أقليل هم الذين يخلصون؟" لم يجب قائلا ان المخلصين أو الهالكين قلائل أو كثيرون بل حث كل إنسان ليجتهد ان يدخل من الباب الضيق (لوقا 24:13)، وكأنه يقول ليس لكم ان تسألوا بفضولية عن هذه  المسائل بل ان تجتهدوا لتدخلوا السماء من الطريق الضيق.

الآراء المرفوضة في هذا الأمر: لذلك لا نوافق على أقوال البعض العديمة التقوى مثل: "المختارون قلة وبما انني لا أعلم هل أنت في عدادهم فلأمتع نفسي". ويقول غيرهم: "إذا كنت مختارا من الله فلن يعيق شيء خلاصي الذي قد سبق وعُين لي بغض النظر عما أفعل. ولكن إذا كنت في اعداد المرفوضين فلن يسعفني لا الإيمان ولا التوبة لأن قرار الله لا يتغير. لذلك فكل التعاليم والتنبيهات هي بلا فائدة." ان قول الرسول يناقض هؤلاء: "عبد الرب لا يجب ان يخاصم بل يكون مترفقا بالجميع صالحا للتعليم صبورا على المشقات مؤدبا بالوداعة المقاومين عسى ان يعطيهم الله توبة لمعرفة الحق فيستفيقوا من فخ إبليس إذ قد اقتنصهم لإرادته" (2تيموثاوس 24:2-26).

التبيهات ليست بلا فائدة لأن الخلاص يأتي من الاختيار: فإن أوغسطينوس يظهر أيضا انه يجب ان نكرز بنعمة الاختيار الحر والاختيار السابق وأيضا بالتنبيهات والتعاليم الخلاصية.

فيم إذا كنا مختارين؟ لذلك نخطئ الذين هم خارج المسيح ويسألون ان كانوا مختارين وماذا قرر الله في شأنهم منذ الأزل؟ فان كرازة الإنجيل يجب ان تُسمع وان تُصدق، ويجب ان تعتقد بلا أدنى شك بأنك مختار إذا آمنت وكنت في المسيح. لأن الآب قد كشف لنا في المسيح قصد اختياره الأبدي، كما أظهرت آنفا في 2 تيموثاوس 9:1-1.0. فهذا ينبغي ان يعلّم ويلاحظ: ما أعظم الحب الذي كشفه لنا الآب في المسيح. يجب ان نسمع ما يكرز به الرب لنا يوميا في الإنجيل إذ يدعو ويقول: "تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وانا أريحكم". (متى 28:11). "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحيوة الأبدية". (يوحنا 16:3). وأيضا: "هكذا ليست مشيئة أمام أبيكم الذي في السموات ان يهلك أحد هؤلاء الصغار" (متى 14:18).

فليكن المسيح،اذن، مرآه نتأمل فيها اختبارنا السابق. فإذا كانت لنا شركة مع المسيح وكان هو لنا ونحن له في الإيمان الحق فلنا شهادة أكيدة واضحة وكافية بأننا مكتوبين في سفر الحياة.

التجربة في الاختبار السابق: تكمن في الاختبار السابق تجربة شديدة الخطورة بحيث اننا نُجابه بالحقيقة القائلة بان وعود الله هي لكل المؤمنين، لأنه يقول: "اسالوا تعطوا اطلبوا تجدوا... لأن كل من يسأل يأخذ ومن يطلب يجد". (لوقا 9:11 وما يتبع). وأيضا نصلي مع كنيسة الله جمعاء: "أبانا الذي في السموات" (متى 9:6)، لأننا أولا بالمعمودية قد طُعمنا في جسد المسيح . وثانيا، لأننا نُغذى باستمرار في كنيسته بجسده ودمه إلى الحياة الأبدية. لذلك إذ نحن أقوياء لقد أوصانا ان نتمم خلاصنا بخوف ورعشة بحسب وصية بولس.

الفصل الحادي عشر

في يسوع المسيح، لإله حق وإنسان حق، مخلص العالم الوحيد

 

المسيح هو إله حق: نؤمن أيضا ونعلّم بان ابن الله ربنا يسوع المسيح قد أُعد مسبقا أو عين مسبقا منذ الأزل من الآب ليكون مخلص العالم. ونؤمن انه وُلد ليس فقط عندما اتخذ جسدا من العذراء مريم أو قبل تأسيس العالم ولد من الآب قبل كل الدهور بطريقة لا توصف. لأن اشعياء قال: "وفي جيله من كان يظن؟" (8:53). ويقول ميخا: "مخارجه منذ القدم منذ أيام الأزل". (2:5). وقال يوحنا في إنجيله: في البدء كان الكلمة و الكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله"(1:1). فبالنظر إلى لاهوته ان الابن مساو للآب وله الجوهر ذاته معه، انه إله حق (فيلبي 11:2) ليس فقط  بالاسم أو بالتبني أو عن استحقاق بل في الجوهر والطبيعة كما قال الرسول يوحنا مرارا: "هذا هو الإله الحق والحيوة الأبدية" (1يوحنا 2.0:5). ويقول بولس أيضا: "جعله وارثا لكل شيء الذي به أيضا عمل العالمين، الذي هو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته":. (عبرانيين 2:1-3). فقد قال الرب ذاته في الإنجيل: "مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم". (يوحنا 5:17). وفي موضوع آخر من الإنجيل نقرأ: "فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر ان يقتلوه لأنه.. قال أيضا ان الله أبوه معادلا نفسه بالله". (يوحنا 18:5).

الشيع: لذا نمقت تعاليم آريوس والآريوسيين الجاحدة ضد ابن الله وبالأخص تجديف ميخائيل سرفيتوس الأسباني وكل اتباعه، التي أخرجها الشيطان بواسطتهم من الجحيم ونشرها بكل وقاحة وكفر في العالم كله.

المسيح إنسان حق ذو جسد حقيقي: وأيضا نؤمن ونعلم بأن الابن الأزلي للإله الأزلي صار إنسانا من ذرية إبراهيم وداود فليس بالجماع البشري كما قال الأبيونيون Ebionites، بل حبل به بكل عفة من الروح القدس وولد من الدائمة البتولية مريم كما يخبرنا التاريخ الإنجيلي بكل دقة (متى 1). وبولس يقول: "ليس يمسك الملائكة بل يمسك نسل إبراهيم"[20] وأيضا يقول الرسول يوحنا ان كل من لا يؤمن بأن يسوع المسيح جاء في الجسد ليس من الله. لذا فإن جسد المسيح لم يكن خياليا ولا منزلا من السماء كما تصور خطأ فالنتينوس ومارسيون.

 

في المسيح نفس عاقلة: كما انه لم تكن نفس المسيح محرومة من الحس والعقل كما ظن أبوليناروس ولم يكن جسدا دون نفس كما علم يونوميوس Eunomius وإنما كان نفسا عاقلة وجسدا ذا حواس، وقد عانى في آلامه آلاما جسدية حقة كما قال هو بذاته:"نفسي حزينة جدا حتى الموت" (متى 38:26). وأيضا: "الآن نفسي قد اضطربت" (يوحنا 27:12).

في المسيح طبيعتان: اننا نعترف بطبيعتين، إلهية وبشرية، أو جوهرين، في ربنا الواحد ذاته يسوع المسيح (عبرانيين 2). نقول بأنهما مرتبطتان ومتحدتان الواحدة مع الأخرى دون امتصاص أو اختلاط أو امتزاج بينهما، بل تتحدان وتجتمعان في شخص واحد وتبقى خصائص كل منهما ثابتة وغير معطلة.

مسيح واحد لا اثنان: لذا فنحن نعبد مسيحا واحدا- الرب- وليس اثنين. نكرر: إله حق وإنسان حق واحد. بالنظر إلى ألوهيته له الجوهر ذاته مع الآب، وبالنظر إلى إنسانيته له الجوهر ذاته الذي للإنسان، "وفي كل شيء مثلنا بلا خطية" (عبرانيين 15:4).

الشيع: نستنكر حقا عقيدة النساطرة الذين يجعلون من المسيح الواحد اثنين ويذيبون وحده الشخص. وكذلك نرذل كليا جنون يوتيخوس وذوي المشيئة الواحدة أو الطبيعة الواحدة الذين يمحقون خصائص الطبيعة البشرية.

طبيعة المسيح الإلهية غير قابلة للألم والطبيعة البشرية ليست في كل مكان: لذلك فلا نعلم أبدا بان الطبيعة الإلهية في المسيح قد تألمت أو ان المسيح بحسب طبيعته البشرية مازال موجودا في العالم وفي كل مكان. لأننا لا نعتقد ولا نعلّم بان جسد المسيح لم يعد جسدا حقيقيا بعد التمجيد أو انه تأله بشكل انه وضع جانبا خصائص الجسد والنفس وتحول كليا إلى طبيعة إلهية وصار جوهرا واحدا فقط.

الشيع: لذا فلا نوافق أبدا أو نقبل نزعة شوينكفلد Schwenkfeldt المتطرفة والمشوشة والغامضة وحجج أمثاله من السفسطائيين التي تناقض ذاتها. ولسنا اتباعه.

تألم ربنا حقا: نؤمن أيضا ان ربنا يسوع المسيح تألم ومات حقا عنا في الجسد كما يقول بطرس (1بطرس 1:4). نمقت جنون اليعاقبة الجاحد وكل الأتراك الذين يرذلون آلام الرب. ولا ننكر أبدا في الوقت ذاته ان رب المجد صلب من أجلنا بحسب كلام بولس (1كورنثوس 8:2؟).

تبادل الخصائص: نقبل بكل وقار واحترام مبدأ تبادل الخصائص ونستعمله كما يستمد من الكتاب وكما استعمل منذ القدم في تفسير المقاطع التي تبدو متناقصة وللتوفيق بينها.

المسيح قام حقا من الأموات: نؤمن ونعلّم بأن يسوع المسيح ذاته، ربنا، قام أيضا من بين الأموات في جسده الذي صلب ومات، وأنه لم يقم جسد آخر غير الذي دفن، ولم تقم روح بدل الجسد ولكنه حافظ على جسده الحق. لذا فإنه عندما ظن تلاميذه أنهم رأوا روح الرب أراهم يديه ورجليه وآثار المسامير والجروح وقال: "انظروا يدي ورجلي. اني أنا هو. جسوني وانظروا فان الروح ليس له لحم وعظام كما ترون في". (لوقا 39:24).

ان المسيح صعد حقا إلى السماء: نؤمن ان ربنا يسوع المسيح صعد في الجسد ذاته إلى ما بعد كل السماوات المنظورة إلى السماء الأعلى، أي إلى مسكن الله والقديسين والى يمين الله الآب. فمع ان هذا يدل على مشاركة متساوية في المجد والجلال فإنه يشير أيضا إلى مكان ما قال الرب عنه في الإنجيل: "أنا أمضي لأعدّ لكم مكانا" (يوحنا 2:14). ويقول الرسول بطرس: "ينبغي ان السماء تقبله إلى أزمنة رد كل شيء" (أعمال 21:3). وسيعود هذا المسيح ذاته من السماء للدينونة حين يكون الإثم على أشده في العالم وحين يكون المسيح الدجال قد أفسد العبادة الصحيحة وملأ كل الأشياء خزعبلات وكفرا وأمعن تخريبا في الكنيسة بالنار وهدر الدماء (دانيال 11). ولكن المسيح يأتي أيضا ليدعو خاصته ويهلك بمجيئه المسيح الدجال ويدين الأحياء والأموات (أعمال 31:17). لن الراقدين سيقومون (1تسالونيكي 14:4 وما يتبع). وأما الأحياء في ذلك اليوم (الذي لا يعرفه أي مخلوق (مرقس 32:13)) فيتغيرون "في لحظة في طرفة عين" ويخطف جميع المؤمنين "في السحب لملاقاة الرب في الهواء" ليدخلوا معه إلى مسكنه ويحيوا إلى الأبد (1كورنثوس 51:15 وما يتبع). وأما الذين ليسوا مؤمنين ولا أبرارا فسيهبطون مع الشياطين إلى الجحيم إلى نار أبدية لا خلاص لهم من عذاباتها (متى46:25).

الشيع: لذلك ندين كل الذين ينكرون قيامة حقيقية في الجسد (2تيموثاوس 18:2) أو الذين ليس عندهم رأي صائب في مسألة تمجيد الأجساد مثل يوحنا الاورشليمي الذي كتب هيرونيموس ضده. وندين أيضا أولئك الذين يعتقدون بان الشيطان وكل الأشرار سيخلصون بعد زمن معين وأن للعقاب نهاية. فالرب صرح بوضوح: "دودهم لا يموت والنار لا تطفأ". (مرقس 44:9). وندين أيضا التخيلات اليهودية القائلة بأنه سيكون على الأرض عصر ذهبي قبل يوم الدينونة وان الأبرار سيملكون كل ممالك الأرض بعد ان يكونوا قد أخضعوا أعداءهم الأشرار. ان الحقائق الإنجيلية في متى 24و25 ولوقا 18 والتعليم الرسولي في 2تسالونيكي 2و2 تيموثاوس 4و3 تتحدث عن شيء مختلف تماما عما تدين به هذه الشيع.

ثمرة موت المسيح وقيامته:ان ربنا بآلامه وموته وكل ما فعل وعانى من اجلنا في مجيئه بالجسد قد صالح كل المؤمنين مع الآب السماوي وصنع كفارة للخطايا وعطل الموت وتغلب على اللعنة والجحيم، وبقيامته من الأموات أعاد الحياة والخلود. فهر برّنا وحياتنا وقيامتنا. وباختصار، انه ملء المؤمنين وكمالهم وخلاصهم وكفايتهم كلها، لأن الرسول يقول: "لأنه فيه سرّ ان يحل كل الملء" و"أنتم مملؤون فيه" (كولوسي 1و2).

يسوع المسيح مخلص العالم الوحيد والمسيح المنتظر الحقيقي: اننا نعلّم ونؤمن بأن يسوع المسيح ربنا هذا هو المخلص الأوحد والأبدي للجنس البشري وللعالم كله. فيه خلص بالإيمان أولئك الذين كانوا قبل الشريعة والذين خضعوا لها، والذين كانوا في زمن الإنجيل: "الذي لا يدخل من الباب إلى حظيرة الخراف بل يطلع من موضع آخر فذاك سارق ولص... إني انا باب الخراف". (يوحنا 1:10و7). وفي موضع آخر من الإنجيل ذاته يقول: "إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح". (56:8). ويقول الرسول بطرس أيضا: "ليس بأحد غيره الخلاص لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطي بين الناس به ينبغي ان نخلص." لذلك نؤمن أننا سنخلص بواسطة نعمة ربنا يسوع المسيح كما كان آباؤنا (أعمال 12:4 و43:10 و11:15). وبولس أيضا يقول: "وجميعهم (أي آباؤنا) أكلوا طعاما واحدا روحيا وجميعهم شربوا شرابا واحدا روحيا لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم والصخرة كانت المسيح". (1كورنثوس 3:10-4). وهكذا نقرأ في رؤيا يوحنا ان المسيح هو الخروف الذي ذبح منذ تأسيس العالم (رؤيا 8:13)، ويشهد يوحنا المعمدان ان المسيح "حمل الله الذي يرفع خطية العالم" (يوحنا 29:1). فلذلك نصرح ونكرز علنا بأن يسوع المسيح هو فادي العالم والمخلص الوحيد والملك ورئيس الكهنة والمسيح الحق المنتظر والمبارك القدوس الموعود والسابق التمثيل في كل رموز الشريعة ونبؤات الأنبياء، وان الله سبق فعيّنه وأرسله لنا فليس لنا ان نتطلع إلى آخر. فلا يبقى لنا جميعا سوى ان نعطي المجد للمسيح ونؤمن به ونرتاح فيه وحده، ونحتقر ونرفض كل عون آخر في الحياة. فان جميع أولئك الذين ينشدون الخلاص في غير المسيح وحده قد سقطوا من نعمة الله وتبطلوا عن المسيح. (غلاطية 4:5).

القبول بعقائد المجامع الأربعة: باختصار اننا نؤمن بقلب صادق ونعترف بفم يجهر بكل الأشياء التي يحددها الكتاب المقدس فيما يختص بسر تجسد ربنا يسوع المسيح والتي جُمعت بشكل ملخص في عقائد المجامع الأربعة الأولى الفاضلة وقراراتها المعقودة في نيقيا والقسطنطينية وافسس وخلقدونية- فضلا عن اعترافنا أيضا بعقيدة الإيمان للقديس اثناسيوس وكل قوانين الإيمان المشابهة وندين كل ما يخالف هذه العقائد.

الشيع: وبذلك نحافظ تماما ودون انتقاص على الإيمان المسيحي الجامع والقويم الرأي، عالمين بأنه ليس في العقائد المشار إليها سابقا ما لا يتوافق مع كلمة الله وليس فيها ما لا يصلح بأن يكون شرحا صادقا للإيمان.

 

 

 

 

 

الفصل الثاني عشر

في شريعة الله

مشيئة الله فُسرت لنا في شريعته: نعلّم بان شريعة الله تشرح لنا مشيئته وفيها نجد ما يشاءه وما لا يشاءه وما هو صالح وعادل وما هو شر وظلم. لذلك نعترف بأن الشريعة صالحة ومقدسة.

شريعة الطبيعة: ونؤمن ان هذه الشريعة كانت مكتوبة في قلوب الناس بإصبع الله (رومية 10:2) وتسمى قانون الطبيعة (شريعة موسى في لوحيها)، وقد نقشت فيما بعد بإصبعه على لوحي موسى وشرحت ببلاغة في كتب موسى (خروج 1:20 وما يتبع، تثنية 6:5 وما يتبع). ونميّز في سبيل التوضيح بين الشريعة الأخلاقية الموجودة في الوصايا العشر (أو اللوحين) والشريعة الطقسية التي تحدد عبادة الله وشعائرها والشريعة القضائية التي تتعلق بالأمور السياسية والعائلية.

الشريعة تامة وكاملة: نؤمن بان مشيئة الله في كليتها وجميع الوصايا الضرورية لكل نواحي الحياة تعلّم في هذه الشريعة، وإلا لما كان الرب منعنا من ان نضيف إليها أو ننقص منها، ولا كان أوصانا بأن نسير في طريق مستقيم أمام شريعته وألا نحيد عنها يمينا أو شمالا (تثنية 2:4 و32:12).

لماذا أعطيت الشريعة؟ نعلّم بان هذه الشريعة لم تعط للبشر لكي ينالوا البر بحفظها بل لكي نعرف من تعاليمها أننا ضعفاء وخطاة ومستوجبو الدينونة، فنيأس من قوتنا ونهتدي إلى المسيح بالإيمان. لأن الرسول يعلن جليا: "لأن الناموس ينشئ غضبا" وأيضا: "لأن بالناموس معرفة الخطية" (رومية 15:4 و20:3)وكذلك: "لأنه لو أعطي ناموس قادر ان يحيي لكان بالحقيقة البر بالناموس. لكن الكتاب (أي الناموس) أغلق على الكل تحت الخطية ليُعطي الموعد من إيمان يسوع المسيح للذين يؤمنون.. إذا قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان". (غلاطية 21:3 وما يتبع).

البشر لا يتممون الشريعة: لم يقدر ولا يقدر إنسان على إتمام شريعة الله بسبب ضعف جسدنا الذي يلتصق بنا ويبقى فينا حتى آخر نسمة، فالرسول يقول أيضا: "لأنه ما كان الناموس عاجزا عنه في ما كان ضعيفا بالجسد فالله... أرسل ابنه في شبه جسد الخطية ولأجل الخطية" (رومية 3:8). إذا. المسيح غاية الشريعة وهو إتمامها لنا (رومية 4:10)، الذي "صار لعنة لأجلنا" (غلاطية 13:3) لكي ينزع عنا لعنة الشريعة. لذلك فإنه يمنحنا بواسطة الإيمان إتمامه للشريعة، وبحسب بره وطاعته لنا.

إلى أي مدى ألغيت الشريعة؟ لقد ألغيت شريعة الله إلى حد انها لم تعد تديننا ولا تعمل فينا غضبا، لأننا في زمن النعمة وليس في زمن الشريعة. وأيضا فان المسيح قد حقق كل رموز الشريعة. فعند مجيء الجسد يختفي الظل، فيكون لنا الآن في المسيح الحق وكلّ اكتمال. ولكننا لا نرفض الشريعة باحتقار لهذا السبب، لأننا نتذكر كلمات الرب حين قال: "لا تظنوا اني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل" (متى 17:5). نعلم انه قد أعطينا في الشريعة قياس فضائل ورذائل ونعلم ان الشريعة المكتوبة مفيدة للكنيسة حين تفسر الإنجيل، لهذا لا يجوز ان تلغى قراءتها في الكنيسة. فمع ان وجه موسى كان مغطى بحجاب فان الرسول يقول ان المسيح أخذ الحجاب وأزاله.

الشيع: ندين كل ما عمله الهراطقة الاقدمون والمحدثون ضد الشريعة.

 

الفصل الثالث عشر

في انجيل يسوع وفي المواعيد وفي الروح والحرف

مواعيد إنجيلية عند الاقدمين:  الإنجيل يتعارض مع الشريعة حقا، لأن الشريعة تعمل غضبا وتعلن لعنة بينما الإنجيل يبشر بالنعمة والبركة. يقول يوحنا: "لأن الناموس بموسى أعطي. اما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا". (يوحنا 17:1). ومع ذلك فانه امر أكيد بأن الذين كانوا قبل الشريعة والذين ضعوا لها لم يكونوا محرومين من الانجيل كليا، لأنه كانت لهم مواعيد إنجيلية غير عادية مثل: "هو (نسل المرأة) يسحق رأسك وأنت تسحقين عقبه" (تكوين 15:3)، و"يتبارك في نسلك جميع أمم الأرض". (تكوين 18:22) و"لا يزول قضيب من يهوذا ... حتى يأتي" (تكوين 10:49)، "ويقيم لك الرب إلهك نبيا من وسطك من إخوتك مثلي" (تثنية 10:18 وأعمال 22:3) الخ.

المواعيد: ونعترف بان نوعين من المواعيد أُظهرا للآباء كما أظهرا لنا أيضا. فبعضها كان يتعلق بأمور حاضرة أو دنيوية مثل وعود أرض كنعان والانتصارات وكذلك أيضا وعد الخبز اليومي المستمر إلى اليوم. اما البعض الاخر فقد كان ولم يزل يتعلق بأمور سماوية أبدية، أي بالنعمة الإلهية وغفران الخطايا والحياة الأبدية من خلاب الإيمان بيسوع المسيح.

للآباء مواعيد روحية أيضا وليس دنيوية فقط: لقد كان للأقدمين مواعيد روحية وسماوية في المسيح وليس مواعيد خارجية ودنيوية فقط. يقول بطرس: الخلاص الذي فتش وبحث عنه أنبياء. الذين تنبأوا عن النعمة التي لاجلكم". (1بطرس 10:1). ولهذا يقول الرسول بولس أيضا: "انجيل الله الذي سبق فوعد به أنبيائه في الكتب المقدسة". (رومية 2:1). وهكذا يظهر جليا ان الاقدمين لم يكونوا محرومين من الإنجيل الكامل.

ما هو الإنجيل بالتحديد؟ ومع ان الإنجيل كان للآباء في هذه الطريقة في كتابات الأنبياء وقد خلصوا به بالمسيح بواسطة الإيمان، فان الإنجيل الذي يدعى حقا الخبر السار والمفرح هو الذي كرز به لنا أولا من يوحنا المعمدان ثم من المسيح الرب ذاته. بعد ذلك كرز به الرسل وخلفاؤهم في العالم بان الله قد صنع ما وعد به منذ بدء العالم وأرسل لنا، بل أعطانا، ابنه الوحيد وبه أعطانا مصالحة مع الآب وغفران الخطايا وكل ملء الحياة وأبديتها. لذ يسمى "إنجيلا" حقا ذاك التاريخ الذي رسمه الإنجيليون الأربعة وشرحوا فيه كيفية حصول هذه الأمور أو كيف حققها المسيح، وما علمه وفعله، وان للذين يؤمنون به الملء. ان كرازة الرسل وكتاباتهم التي فيها يفسرون لنا كيف ان الابن أعطي لنا من الآب وأعطي فيه كل ما يتعلق بالحياة والخلاص تسمى  صوابا "التعليم الإنجيلي". وهي تحافظ اليوم على لقبها السامي حيثما يكرز بها بصدق.

في الروح والحرف: هذه الكرازة بالإنجيل نفسها يسميها الرسول أيضا "الروح" و"خدمة الروح" لأنها بالإيمان تصير فعالة وحية في الآذان بل في قلوب المؤمنين بواسطة تنوير الروح القدس (2كورنثوس 6:3). لأن الحرف الذي يخالف الروح يشير إلى كل ما هو ظاهر وخصوصا ما هو من تعليم الشريعة التي من دون الروح والإيمان تصنع غضبا وتحرض على الخطيئة في نفوس الذين لا إيمان حي لهم. وفي هذا المجال يصح قول الرسول: "لأن الحرف يقتل ولكن الروح يحي" (2كورنثوس 6:3). لقد بشر أنبياء كذبة بانجيل محرف إذ خلطوه مع الشريعة كأن المسيح لا يستطيع ان يخلّص من دون الشريعة.

الشيع: هكذا قال الأبيونيون الذين يقال انهم منحدرون من أبيون Ebion المهرطق، وأيضا الناصريون المسمون قبلا "الينيين" Mineans. ندينهم كلهم إذ نكرز بالإنجيل الصافي ونعلّم بان المؤمنين يبررون بالروح وحده لا بالشريعة. وسأتطرق بتفصيل إلى هذا الامر في الفصل المخصص "للتبرير".

تعليم الإنجيل تعليم قديم لا تعليم جديد: ومع ان تعليم الإنجيل بالمقارنة مع تعليم الفريسيين عن الشريعة بد وكأنه تعليم جديد حين كرز المسيح به (مع العلم ان ارميا سبق وتنبأ بالعهد الجديد)، فانه كان ولم يزل تعليما قديما قدم العالم (ولو سماه البابويون اليوم جديدا بالنسبة للتعليم المقبول لديهم). لأن الله سبق وأعد من الأزل خلاص العالم بالمسيح وقد أظهر سابق اعداده هذا ومشورته الأزلية للعالم بواسطة الإنجيل (2 تيموثاوس 9:2 وما يتبع). لذا فانه واضح بان دين الإنجيل وتعليمه أقدم التعاليم لدى الذين كانوا ويكونون وسيكونون. ولهذا نقول ان كل من يقول بان دين الإنجيل وتعاليمه هي إيمان حديث المنشأ لا يعدو عمره الثلاثين سنة يرتكب خطأ مخزيا وينطق عارا عن مشورة الله الأبدية. عن هؤلاء قال النبي اشعياء: "ويل للقائلين للشر خيرا وللخير شرا الجاعلين الظلام نورا والنور ظلاما الجاعلين المرّ حلو والحلو مرا" (اشعياء 20:5).

الفصل الرابع عشر

في توبة الإنسان واهتدائه

ان تعليم التوبة مرتبط بالإنجيل، لأن الرب قال في الإنجيل: "ينبغي ..ان يكرز باسمه (المسيح) بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم" (لوقا 47:24(.

ما هي التوبة؟ التوبة تعني: 1-استرداد الذهن الصحيح في الإنسان الخاطئ من خلال إيقاظه بكلمة الإنجيل والروح القدس وقبوله بالإيمان الحق الذي بواسطته يقر الخاطئ مباشرة بفساده المتأصل وبكل خطاياه التي تدينه بها كلمة الله. 2- الحزن القلبي على الخطايا والأسف عليها والاعتراف الصادق بها امام الله بشعور من الخجل. 3- بغض الخطايا بسخط. 4- الافتكار الغيور بإصلاح الخاطئ لطرقه والسعي الدائم للطهارة والفضيلة لتدريب نفسه بضمير حي كل أيام حياته.

التوبة الحقيقية اهتداء إلى الله: وهذه هي التوبة الحقيقية: تحول صادق إلى الله والى كل صلاح والابتعاد الجاد عن الشيطان والشر.

1-                           التوبة هبة من الله: نقول بصراحة ان هذه التوبة هي هبة خالصة من الله وليست عمل قوانا. فان الرسول يوصي الخادم الأمين ان يعلم باجتهاد كل الذين يعارضون الحق "عسى ان يعطيهم الله توبة لمعرفة الحق" (2تيموثاوس 25:2).

2-                           الحزن على الخطايا المرتكبة: ان المرأة الخاطئة التي غلست قدمي الرب بدموعها، وبطرس الذي بكى بكاء مرا ناح على نكرانه الرب (لوقا 38:7 و62:22)، يظهران جليا كيف ينبغي على الإنسان التائب ان يأسف على خطاياه التي ارتكبها.

3-                           الاعتراف بالخطايا لله: وان الابن الشاطر والعشار في الإنجيل بالمقارنة مع الفريسي يظهران لنا كيف يجب الاعتراف بالخطايا لله. فقد قال الأول: "يا أبي أخطأت إلى السماء وقدامك ولست مستحقا بعد ان ادعى لك ابنا. اجعلني كأحد أجراك". (لوقا 18:15 وما يتبع). اما الثاني الذي لم يجرؤ ان يرفع عينيه نحو السماء"قرع على صدره قائلا اللهم ارحمني انا الخاطئ". (لوقا 13:18). ولا نشك بان الله قبلهما إلى نعمته، لان يوحنا الرسول يقول: "ان اعترافنا بخطايانا فهو أمين عادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم. ان قلنا اننا لم نخطئ نجعله كاذبا وكلمته ليست فينا" (1يوحنا 9:1-10).

الاعتراف للكاهن وحل الخطايا: ولكننا نعتقد بان الاعتراف الصادق الذي يقام به الله وحده، اما سريا بين الله والخاطئ أو علنيا في الكنيسة في اعتراف جماعي، هو كاف، وانه ليس من الضروري من اجل نيل الغفران ان يعترف الإنسان بخطاياه  للكاهن هامسا إياها في أذنيه لكي يحصل على حل من الكاهن بوضع الأيدي، لأنه ليس ثمة وصية أو مثال عن ذلك في الكتاب المقدس. ان داود يشهد قائلا: "اعترف لك بخطيتي ولا اكتم إثمي. قلت اعترف للرب بذنبي وأنت رفعت آثامي وخطيتي". (مزمور 5:32). والرب الذي علمنا ان نصلي ونعترف أيضا بخطايانا قال: "فصلوا انتم هكذا: أبانا الذي في السموات... واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا" (متى 9:6و12). لذلك انه من الضروري ان نعترف بخطايانا لله أبينا وان نتصالح مع قريبنا ان كنا أسأنا إليه. ويقول الرسول يعقوب عن هذا النوع من الاعتراف: "اعترفوا بعضكم لبعض بالزلات" (16:5). اما إذا كان أحد مثقلا بحمل خطاياه وبالتجارب المقلقة وأراد ان يطلب مشورة وتعليما وراحة على انفراد اما من خادم الكنيسة أو من أي أخ مدرب في شريعة الله فلا نعارض ذلك. كما اننا نقبل كليا ذلك الاعتراف العلني العام بالخطايا الذي يُردد عادة في الكنيسة وفي اجتماعات العبادة، كما قلنا سابقا، بقدر ما هو موافق للكتاب.

في مفاتيح الملكوت السماوي: أما فيما يختص بمفاتيح ملكوت السموات التي أعطاها الرب لرسله فان كثيرين يتشدقون مثرثرين عن أمور عجيبة غريبة ويصنعون من المفاتيح سيوفا ورماحا وصولجانات وتيجان وسلطة كاملة على أعظم الممالك بل على الأنفس والأجساد. لكننا نقول بكل بساطة وعلى أساس كلمة الرب ان كل المدعوين خدام الله عن حق يملكون ويمارسون المفاتيح أو يستعملونها وذلك عندما يعلنون الإنجيل، أي عندما يعلمون ويحثون ويعزون ويوبخون ويحفظون تأديب الشعب المعهود به إليهم.

فتح الملكوت وإغلاقه: وهكذا يفتحون ملكوت السماوات للمطيعين ويغلقونه على العصاة. لقد وعد الرب بهذه المفاتيح للرسل في متى 16 وأعطاهم في يوحنا 20 ومرقس 16 ولوقا 24، حين أرسل التلاميذ وأوصاهم ان يكرزوا بالإنجيل في العالم أجمع وان يغفروا الخطايا.

خدمة المصالحة: يقول الرسول في الرسالة (الثانية) إلى أهل كورنثوس ان الرب أعطى خدمة المصالحة إلى خدامة (2كورنثوس 18:5 وما يتبع)، ثم يشرح ماذا يعني بذلك قائلا انها الكرازة أو التعليم بالمصالحة. وفي تفسير أوضح يضيف ان خدام  المسيح يتممون وظيفة سفير باسم المسيح،كأن الله ذاته يحث الناس بواسطة خدامه ان يتصالحوا معه بالطاعة الأمينة. لذلك فإنهم يمارسون المفاتيح حين يقنعون الناس ان يؤمنوا ويتوبوا. هكذا يصالحون الناس مع الله.

الخدام يغفرون الخطايا: بهذا يغفرون الخطايا وبهذا يفتحون ملكوت السماوات ويدخلون المؤمنين إليها. وهذا مختلف تماما عن الذين قال عنهم الرب في الإنجيل: "ويل لكم أيها الكتبة..... لأنكم تغلقون ملكوت السموات قدام الناس فلا تدخلون انتم ولا تدعون الداخلين يدخلون". (متى 13:23).

كيف يحل خدام الله من الخطايا؟   يحل خدام الله من الخطايا حقا وفعلا حين يكرزون بانجيل المسيح، وبالتالي بغفران الخطايا الموعود لكل فرد يؤمن تماما كما يعمد كل إنسان فرديا، وحين يشهدون ان هذه الأمور منوطة بكل فرد بشكل خصوصي.

ولا نقول ان هذا الحل من الخطايا يكون فعالا أكثر إذا ما همس في أذن أحدهم أو فوق رأسه. ولكننا نعتقد بوجوب الإعلان الجاهد عن غفران الخطايا بدم المسيح، ويجب ان يُنبه كل واحد ان غفران الخطايا يخصه شخصيا.

المثابرة على تجديد الحياة: ولكن أمثلة الإنجيل تعلمنا كم يجب ان يكون التائب متيقظا وجاهدا في السعي لتجديد الحياة وإماتة الإنسان القديم وإحياء الجديد. ان الرب قال للإنسان الذي شفاه من الشلل: "ها أنت قد برئت. فلا تخطئ أيضا لئلا يكون لك الشر". (يوحنا 14:5). وكذلك قال للزانية التي حررها: "اذهبي ولا تخطئي أيضا" (يوحنا 11:8). طبعا لم يقصد بهذه الكلمات أنه باستطاعته الإنسان في هذه الحياة ان لا يخطئ ولكنه يوصي فقط بالجهاد والغيرة المتنبهة حتى نسعى بكل الوسائل ونسأل الله في الصلوات ان لا نعود إلى الخطايا التي أُقمنا منها، ولكي لا نُغلب من الجسد والعالم والشيطان. ان زكا العشار الذي قبله الرب إلى نعمته يهتف في الإنجيل: ها أنا يا رب أعطي نصف أموالي للمساكين وان كنت قد وشيت بأحد أرد أربعة أضعاف" (لوقا 8:19). لذا إننا نكرر أيضا ان التعويض والرأفة حتى الصدقة لازمة للتائبين حقا ونحث كل الناس في كل مكان بكلام الرسول: "إذا لا تملكنّ الخطية في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته. ولا تقدموا أعضاءكم آلات إثم للخطية بل قدموا ذواتكم لله كأحياء من الأموات وأعضاءكم آلات بر لله." (رومية 12:6-13).     

أخطاء: لذلك ندين كل الأقوال الكافرة التي تصدر عن أولئك الذين يسيئون استعمال كرازة الإنجيل فيدّعون بأنه كم السهل الرجوع إلى الله وان المسيح كفر عن كل الذنوب وان غفران الخطايا سهل المنال. فما الضرر من الخطية؟ ولا احتياج لنا للاهتمام بالتوبة كثيرا الخ... ومع ذلك فإننا نعلم دوما ان المدخل إلى الله مفتوح لجميع الخطأة وأنه يغفر لهم كل الخطايا الا الخطيئة ضد الروح القدس (مرقس 29:3).

صكوك الغفران البابوية: ندين بشكل خاص التعليم المربح للبابا بخصوص العمل التكفيري ونستعين ضد سمعانيته[21] وصكوك غفرانه السمعانية بما حكم بطرس على سمعان: لتكن فضتك معك للهلاك لأنك ظننت ان تقتني موهبة الله بدراهم. ليس لك نصيب ولا قرعة في هذا الامر لأن قلبك ليس مستقيما أمام الله" (أعمال 20:8-21).

التكفيرات: وأيضا لا نوافق على الذين يظنون أنهم يصلحون خطاياهم بتكفيرهم، لأننا نعلم ان المسيح وحده بموته أو آلامه هو الكفارة الكافية الوافية لكل الخطايا (اشعياء 53 و1كورنثوس 30:1). ولكن كما سبق وقلنا لا نكف عن الحث على إماتة الجسد، ولكننا نضيف ان هذه الأماتة لا يجوز ان توضع أمام الله كتكفير عن خطايا، بل تمارس بتواضع وبما يلائم كوننا أبناء الله، كطاعة جديدة نابعة من الامتنان للخلاص والتكفير التام الذي نلناه بموت ابن الله وكفارته.                                                

 

الفصل الخامس عشر

في تبرير المؤمنين الحقيقي

ما هو التبرير؟أن يتبرر الإنسان- بحسب معالجة الرسول للتبرير- يعني ان يصفح عن خطاياه، وان يحل من الذنب والعقاب وان يحظى بنعمة ويعلن إنسانا بارا. فانه يقول في رسالته إلى اهل رومية: "الله هو الذي يبرر. من هو الذي يدين؟" (رومية 3:8). التبرير والدينون ضدان. وأيضا في أعمال الرسل يقول الرسول: "بهذا (أي بالمسيح) يُنادى لكم بغفران الخطايا وبهذا يتبرر كل من يؤمن من كل ما لم تقدروا ان تتّبرروا منه بناموس موسى". (أعمال 38:13-39).

فإننا نقرأ في الشريعة وأيضا في الأنبياء: "إذا كانت خصومة بين أناس وتقدموا إلى القضاء ليقضي القضاء بينهم فليبرروا البار ويحكموا على المذنب". (تثنية 1:25). وفي اشعياء: "ويل ... للذين يبررون الشرير من اجل الرشوة" (23:5).

 نحن مبررون بسبب المسيح: من المؤكد أننا كلنا بالطبيعة خطاة وعديمو التقوى ومدانون أمام كرسي قضاء الله بسبب ذلك ومستحقون للموت، ولكن الله القاضي بررنا، أي حررنا من الخطيئة والموت، لا لأي استحقاق أو اعتبار لنا، بل بنعمة المسيح فقط. لقد قالها بولس بكل وضوح: "إذ الجميع اخطأوا وأعوزهم مجد الله متبررين مجانا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح" (رومية 23:3-24).

التبرير المنسوب: لقد اتخذ المسيح خطايا العالم لنفسه وحملها وأرضى بذلك العدل الإلهي. وهكذا فان الله يتعطف علينا في مسألة خطايانا بسبب آلام المسيح وقيامته فقط، فهو لا يحسب خطايانا علينا بل يحسب برّ المسيح برنا (2كورنثوس 19:5 وما يتبع، رومية 25:4). لذا فنحن الآن لسنا انقياء مطهرين من الخطايا قديسين فحسب بل نحن ممنوحون برّ المسيح ومحررون من الخطيئة والموت والدينونة لنصير مبررين وورثاء حياة أبدية. ان الله وحده يبررنا ويفعل ذلك بسبب المسيح فقط ولا يحسب علينا خطايانا بل ينسب إلينا بر المسيح.

التبرير بالإيمان فقط: وبما اننا ننال هذا التبرير لا بالأعمال بل بالإيمان برحمة الله وفي المسيح لذلك نعلم ونؤمن مع الرسول بأن الإنسان الخاطئ يُبرّر بالإيمان بالمسيح فقط، لا بالشريعة ولا بالأعمال. لان الرسول يقول: "نحسب ان الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس" (رومية 28:3). وأيضا: "ان كان إبراهيم قد تبرر بالأعمال فله فخر ولكن ليس لدى الله. لان ماذا يقول الكتاب؟ فآمن إبراهيم بالله فحسب له برا... واما الذي لا يعمل ولكن يؤمن بالذي يبرر الفاجر فإيمانه يحسب له برا" (رومية 2:4-3 و5، تكوين 6:15). وأيضا: "لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان وذلك ليس منكم. هو عطية الله. ليس من أعمال كيلا يفتخر احد" الخ. (افسس 8:2*9). وإذا فبما ان الإيمان يقتبل المسيح برنا ويعزوا كل شيء لنعمة الله في المسيح لذلك فإن التبرير يُعزى للإيمان بسبب المسيح خاصة وليس لنه عملنا. فالإيمان هبة من الله.

ننال المسيح بالإيمان: ثم ان الرب يظهر بوضوح أننا ننال المسيح بالإيمان، ففي يوحنا الفصل السادس يضع الرب الأكل موضوع الإيمان والإيمان موضوع الأكل، فكما اننا نحصل على الغذاء بالأكل كذلك نشترك في المسيح بالإيمان. ليس التبرير منسوبا جزئيا للمسيح أو للإيمان وجزئيا لنا: لذلك لا نشترك في فائدة التبرير بسبب نعمة الله أو المسيح من جهة وبسببنا، أي بسبب محبتنا وأعمالنا أو استحقاقاتنا من جهة أخرى، بل نعزوه كله إلى نعمة الله في المسيح بالإيمان. لأن محبتنا وأعمالنا لا يمكن ان تسر الله إذا ما قام بهما أناس غير أبرار لذا فمن اللازم ان نكون أبرارا قبل ان نقدر ان نحب ونعمل أعمالا صالحة. فإننا نُبرر، كما سبق وقلنا، بالإيمان بالمسيح بواسطة نعمة الله فقط، الذي لا يحسب علينا خطايانا بل يحسب لنا بر المسيح، أو يحسب لنا الإيمان بالمسيح برا. ثم ان الرسول يظهر جليا ان المحبة تنبع من الإيمان حين يقول: "اما غاية الوصية فهي المحبة من قلب طاهر وضمير صالح وإيمان بلا رياء". (1تيموثاوس 5:1).

مقارنة يعقوب ببولس: ومن هنا نقول اننا لا نتحدث في هذه المسألة عن إيمان وهمي فارغ وكسول مائت بل عن إيمان حيّ محيي. ندعوه إيمانا حيا لأنه يلزم المسيح الذي هو الحياة ومحييها، ويظهر نفسه حيا بالأعمال الحية. لذا فان يعقوب لا يناقض شيئا من تعليمنا هذا، لأنه يتكلم عن إيمان فارغ ومائت تفاخر به أناس لم يكن المسيح حيا فيهم بالإيمان (يعقوب 14:2 وما يتبع). يقول يعقوب ان الأعمال تبرر ولكن دون مناقضة الرسول (وإلا فيجب رفضه) ولكنه يظهر ان إبراهيم أثبت إيمانه الحي البار بالأعمال. هكذا يفعل جميع المؤمنين ولكنهم يثقون بالمسيح وحده وليس بأعمالهم. لأن الرسول يقول أيضا: "فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ. فما أحياه الآن في الجسد فانما أحياه في الإيمان إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي. لست أبطل نعمة الله لأنه ان كان بالناموس بر فالمسيح إذا مات بلا سبب". (غلاطية 20:2-21).    

 

الفصل السادس عشر

في الإيمان والأعمال الصالحة

ومكانتها واستحقاق الإنسان

ما هو الإيمان؟ ليس الإيمان المسيحي رأيا أو اعتقادا بشريا بل هو ثقة راسخة وقبول عقلي ثابت، ومن ثم ادراك أكيد لحقيقة الله المعطاة في الكتاب وفي قانون إيمان الرسل وبالتالي ادراك الله ذاته، الخير الأعظم، وخصوصا لوعده وللمسيح الذي هو تحقيق كل الوعود.

الإيمان عطية من الله: ولكن هذا الإيمان هو عطية خالصة من الله، يعطيها من نعمته لمختاريه بقدر ما يشاء وحيثما يشاء ولمن يشاء. وهذا يتم بالروح القدس بواسطة كرازة الإنجيل والصلاة الثابتة.

ازدياد الإيمان: لهذا الإيمان ازدياد ولو لم يكن ذلك معطى من الله لما قال الرسل للرب "زد إيماننا" (لوقا 5:17). وكل هذه الأمور التي قلناها عن الإيمان علمها الرسل من قبلنا. فبولس قال: "أما الإيمان فهو الثقة بما يرجى والإيقان بأمور لا ترى" (عبرانيين 1:11). وأيضا يقول بولس ان كل مواعيد الله هي النعم في المسيح وفي المسيح هي الآمين (2كورنثوس 20:1). وأيضا: "قسم الله لكل واحد مقدارا من الإيمان" (رومية 3:12)؟ وأيضا: "لأن الإيمان ليس للجميع" و"ليس الجميع قد أطاعوا الإنجيل" (2تسالونيكي 2:3 ورمية 16:10). ويشهد لوقا أيضا قائلا: "وآمن جميع الذين كانوا معينين للحيوة الأبدية." (أعمال 48:13). ولهذا يقول بولس عن الإيمان انه "إيمان مختاري الله" (تيطس 1:1). وأيضا: "إذا الإيمان بالخبر والخبر بكلمة الله" (رومية 17:10). وكذلك يحث الناس في أماكن أخرى على الصلاة من اجل الإيمان.

الإيمان فعّال وعامل: والرسول ذاته يدعو الإيمان إيمانا عاملا وفعالا بالمحبة (غلاطية 6:5)، فهو يسكّن الضمير ويفتح مدخلا لله حتى نقترب منه بثقة ونحصل منه على ما هو نافع وضروري. وهذا الإيمان يحفظنا في الخدمة التي ندين بها الله والقريب ويقوّي صبرنا في المحن، ويصوغ اعترافا حقيقيا، وباختصار ينتج ثمارا جيدة متنوعة وأعمالا صالحة.

في الأعمال الصالحة: اننا نعلّم ان الأعمال الصالحة تنبع حقا من إيمان حي بالروح القدس ويعملها المؤمنون بحسب مشيئة الله أو حكمه. فالرسول بطرس يقول: "وأنتم باذلون كل اجتهاد قدموا في ايمانكم فضيلة وفي الفضيلة معرفة وفي المعرفة تعففا" الخ (2بطرس 5:1-6). وكما قلنا سابقا ان شريعة الله، أي مشيئته، ترسم لنا مثال الأعمال الصالحة. ويقول الرسول: "لأن هذه هي إرادة الله قداستكم، ان تمتنعوا عن الزنا... ان لا يتطاول أحد ويطمع على أخيه في هذا الامر" (1تسالونيكي 3:4و6).

أعمال الاختيار البشري: ان الأعمال والعبادة التي نختارها اعتباطا لا تسر الله. فهذه يسميها بولس "          eqleoqrhskeias     " (كولوسي 23:2--- "عبادة نافلة"). وعن أولئك قال الرب في الإنجيل: "باطلا يعبدونني وهم يعلمون تعاليم هي وصايا الناس" (متى 9:15). لذلك فإننا لا نوافق على أعمال كهذه، وإنما نوافق ونحث على الأعمال التي يشاؤها الله ويوصي بها.

غاية الأعمال الصالحة: يجب الا يقام بهذه الأعمال الصالحة في سبيل الحصول على الحياة الأبدية بواسطتها، لأن الحياة الأبدية، كما يقول الرسول، هي عطية الله. ولا تعمل هذه الأعمال من اجل المباهاة التي يرفضها الرب في الفصل السادس من متى، ولا من اجل المكسب الذي يرفضه الرب في متى الفصل 23، وإنما من اجل مجد الرب لتزيين دعوتنا ولإظهار الامتنان لله ولمنفعة القريب. ويقول الرب في الإنجيل أيضا: "فليفض نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات". (متى 16:5). والرسول بولس يقول: "اطلب إليكم.. ان تسلكوا كما يحق للدعوة التي دعيتم بها" (افسس 1:4). وأيضا: "وكل ما عملتم بقول أو فعل فاعملوا الكل باسم الرب يسوع شاكرين الله والآب به". (كولوسي 17:3). وكذلك: لا تنظروا كل واحد إلى ما هو لنفسه بل كل واحد إلى ما هو لآخرين أيضا" (فيلبي 4:2). و"ليتعلم من لنا أيضا ان يمارسوا أعمالا حسنة للحاجات الضرورية حتى لا يكونوا بلا ثمر" (تيطس 14:3).

الأعمال الصالحة ليست مرفوضة: لذلك فمع ان اننا نعلم مع الرسول ان الإنسان يبرر بالنعمة بواسطة الإيمان بالمسيح وليس بالأعمال  الصالحة فاننا لا نعتبر الأعمال الصالحة بلا قيمة ولا ندينها. نعلّم ان الإنسان لا يتجدد بالإيمان ليكون كسولا متراخيا بل لكي يعمل أعمالا صالحة ونافعة بلا انقطاع. فالرب يقول في الإنجيل ان الشجرة الجيدة تنتج ثمارا جيدة (متى 33:12)، والذي يثبت فيّ يأتي بثمر كثير (يوحنا 5:15). ويقول الرسول: "لأننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها." (افسس 10:2). وأيضا: "الذي بذل نفسه لأجلنا لكي يفدينا من كل إثم ويطهّر لنفسه شعبا خاصا غيورا في أعمال حسنة." (تيطس 14:2). لذلك ندين كل الذين يزدرون الأعمال الصالحة ويثرثرون عن عدم فائدتها وعن عدم الاهتمام بها.

لا نخلص بالأعمال: ومع ذلكن كما قلنا سابقا، لا نعتقد بأننا نخلص بالأعمال الصالحة أو بأنها ضرورية للخلاص وأن أحدا لم يخلص بدونها. لأننا بالنعمة وحدها وبحظوة المسيح مخلصون. اما الأعمال فيجب ان تبع بالضرورة من الإيمان ولكن الخلاص لا ينسب إليها بل إلى النعمة. ان قول الرسول معروف: "فان كان بالنعمة فليس بالأعمال. والا فليست النعمة بعد نعمة. وان كان بالأعمال فليس بعد نعمة والا فالعمل لا يكون بعد عملا" (رومية 6:11).

الأعمال الصالحة تسرّ الله: ان الله يُسرّ بالأعمال التي نعلمها بالإيمان ويستحسنها وان الذين يصنعون أعمالا صالحة معمولة من نعمة الله وبالروح القدس مقبولون من الله. لأن القديس بطرس يقول: "في كل امة الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده" (أعمال 35:10). وبولس قال: "لم نزل مصلين وطالبين لأجلكم... لتسلكوا كما يحق للرب في كل رضى مثمرين في كل عمل صالح" (كولوسي 9:1و10).

نعلم الفضائل الحقة لا الفضائل الباطلة والفلسفية: وهكذا نعلّم بنشاط الفضائل الحقيقية لا الفلسفية والباطلة، ونعلّم الأعمال الصالحة والخدمة المسيحية الأصلية. وبقدر المستطاع نلح عليها ونحث جميع الناس عليها مستهجنين في الوقت نفسه كل كسل ورياء من أولئك الذين يمجدون الإنجيل ويعترفون به بشفاههم ويهينونه بحياتهم المشينة. اننا نضعهم في هذه المسألة امام وعيد الله الرهيب وثم امام مواعيده الغنية ومكافأته السخية، منذرين ومعزين وموبخين.

الله يكافئ الأعمال الصالحة: اننا نعلم ان الله يعطي جزاء وافرا لصانعي الأعمال الصالحة بحسب ما قاله النبي: "امنعي صوتك عن البكاء... لأنه يوجد جزاء لعملك". (ارميا 16:31 واشعياء4). وقال الرب أيضا في الإنجيل: "افرحوا وتهللوا لأن أجركم عظيم في السموات" (متى 12:5). كذلك: "ومن سقى احد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد... فالحق أقول لكم انه لا يضيع أجره" (متى 42:10). ولكننا لا نعزو هذا الأجر الذي يعطيه الرب إلى جدارة الإنسان الذي يناله وإنما إلى صلاح الله وسخائه وأمانته، الذي يعد ويعطي والذي لا يدين لأحد بشيء ولكنه يعد بإعطاء عباده المؤمنين أجرا ويعطيهم إياه في الوقت ذاته كي يمجدوه. ومن ثم فانه حتى في أعمال القديسين هناك الكثير من الأعمال التي لا تليق بالله وهي ناقصة، ولكن بما ان الله يقبل في نعمته ويضم أولئك الذين يصنعون أعمالا لأجل المسيح فانه يعطيهم الأجر الموعود. لان برّنا من جهة أخرى يمكن تشبيهه "كثوب عدة" (اشعياء 6:64). ويقول الرب في الإنجيل: "متى فعلتم كل ما أمرتم به فقولوا اننا عبيد بطالون، لأننا انما عملنا ما كان يجب علينا". (لوقا 10:17).

لا استحقاق للبشر: ومع اننا نعلّم بان الله يكافئ أعمالنا الحسنة فإننا في الوقت ذاته نعلّم مع أوغسطينوس بان الله لا يتوج فينا جدارتنا بل عطاياه. كذلك نقول ان كل أجر نناله انما هو نعمة أيضا وهو نعمة أكثر منه أجرا لان الخير الذي نعمل نعمله بواسطة الله أكثر مما نعمله بأنفسنا، ولأن بولس يقول: "أي شيء لك لم تأخذه؟ وان كنت قد أخذت فلماذا تفتخر كأنك لم تأخذه؟" (1كورنثوس 7:4). وهذا ما استخلصه الشهيد الطوباوي كبريانوس من هذا العدد: ينبغي الا نفتخر بشيء فينا لأن لا شيء لنا. لذلك ندين أولئك الذين يدافعون عن جدارة البشر بشكل تبطل معه نعمة الله.

 

 

 

 

 

الفصل السابع عشر

في كنيسة الله الجامعة المقدسة

وفي رأس الكنيسة الأوحد

 

  الكنيسة كانت وكائنة إلى الأبد: لأن الله أراد منذ البدء ان يخلص البشر ويأتوا إلى معرفة الحق (1تيموثاوس 4:2) فالكنيسة كانت وما تزال وستبقى ضرورية حتى انتهاء الدهر.

ما هي الكنيسة؟ الكنيسة جماعة المؤمنين التي دعيت أو جّمعت من العالم. أقول انها شركة جميع القديسين، أي شركة الذين يعرفون الإله الحق في المسيح المخلص معرفة حقيقية ويعبدونه ويخدمونه بحق، والذي يشتركون في كل منافعه المعطاة بالمسيح. انهم مواطنون جمهورية واحدة: المؤمنون هم مواطنو مدينة واحدة ويعيشون تحت رب واحد وقوانين واحدة وفي شركة واحدة في كل الأمور الصالحة. فان الرسول يدعوهم "رعية مع القديسين وأهل بيت الله" (افسس 19:2). ويسمى المؤمنين هنا على الأرض "قديسين" (1كورنثوس 1:4)، صار تقديسهم بدم ابن الله. ان بند قانون الإيمان القائل: أؤمن بكنيسة مقدسة جامعة، شركة القديسين" يجب فهمه على انه يتحدث عن هؤلاء القديسين.

كنيسة واحدة على مدى الأزمان:  بما ان الله واحد أبدا والوسيط بين الله والبشر واحد، يسوع المسيح، وراع واحد للقطيع كله ورأس واحد لهذا الجسد واخيرا روح واحد وخلاص واحد وإيمان واحد وعهد أو ميثاق واحد، فهناك بالتالي وبالضرورة كنيسة واحدة وحيدة.

الكنيسة الجامعة: ندعو هذه الكنيسة جامعة لأنها "عالمية" أي منتشرة في كل انحاء العالم وممتدة في كل العصور وليست محدودة بالأزمنة أو الأمكنة. لذلك ندين الدوناطيين Donatists الذين حددوا الكنيسة حصرا ببعض نواحي أفريقيا. ولا نوافق الاكليروس الروماني الذي أشاع حديثا ان الكنيسة الرومانية وحدها جامعة.

أجزاء الكنيسة أو أشكالها: تقسم الكنيسة إلى أجزاء أو أشكال مختلفة، ليس لأنها منقسمة أو ممزقة في ذاتها بل لانها تتميز بتنويع الأعداد فيها.الكنيسة المجاهدة والمنتصرة: هناك الكنيسة المجاهدة والكنيسة المنتصرة. الأولى. لا تزال تجاهد على الأرض وتحارب الجسد والعالم ورئيس هذا العالم، الشيطان، وأيضا الخطيئة والموت. واما الثانية، فحيث انها قد أعتقت هنا على الأرض فهي تنتصر في السماء مباشرة بعد غلبتها على كل هذه الأشياء وتفرح امام الرب. ومع ذلك فان ثمة شركة واتحاد بين الاثنتين.

الكنيسة المحلية: وفوق ذلك فان الكنيسة المجاهدة على الأرض تتألف من كنائس محلية عديدة. ولكن وحدة هذه الكنائس كلها ترتبط بوحدة الكنيسة الجامعة. ان الكنيسة المجاهدة تختلف في وضعها في ما قبل الشريعة أيام الآباء عن وضعها وهي تحت موسى بالشريعة وكذلك عنها بالمسيح بواسطة الإنجيل.

الشعبان: يعدّ على العموم ان هناك شعبين، اسرائيلين وأممين، أو الذين جّمعوا من اليهود والأمم إلى الكنيسة. وهناك أيضا عهدان، عهد قديم وعهد جديد. الكنيسة هي ذاتها للشعبين القديم والجديد: من كل هؤلاء شركة واحدة وخلاص واحد في المسيح الواحد الذي فيه نتحد معا في إيمان واحد كأعضاء في جسد واحد، متشاركين في المأكل والمشرب الروحيين ذاتهما. ولكننا نقر بتنوع الأزمنة وتعدد الدلائل إلى المسيح الموعود والمعطى. وإذ قد انتهت الشعائر الآن فالنور يشرق بوضوح أكثر وقد أعطينا البركات بوفرة أكثر وحرية أكمل.

الكنيسة هيكل الإله الحي: تدعى هذه الكنيسة المقدسة هيكل الإله الحي فهي مبنية من حجارة حية روحية ومؤسسة على صخر ثابت على أساس لا يمكن ان يضعه آخر. لذلك تدعى "عمود الحق وقاعدته" (1تيموثاوس 15:3). الكنيسة لا تضل: لا تضل الكنيسة طالما انها تقوم على صخرة المسيح وعلى أساس الأنبياء والرسل. ولا عجب إذا ضلت كلما تخلت عن الذي هو وحده الحق. الكنيسة عروس وعذراء: تدعى الكنيسة أيضا "عذراء" وعروس المسيح وأيضا الحبيبة الوحيدة. فان الرسول يقول: "لأني خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح" (2كورنثوس 2:11). الكنيسة رعية خراف: تدعى الكنيسة أيضا رعية خراف تحت راع واحد، المسيح، بحسب حزقيال الفصل 34 ويوحنا الفصل 10. الكنيسة جسد: كما انها تسمى جسد المسيح لان المؤمنين أعضاء حية في المسيح وهم يخضعون للمسيح الرأس.

المسيح رأس الكنيسة الأوحد: ان الأفضلية في الجسد هي للرأس ومنه يستمد الجسد كله الحياة. وبروحه يحكم الجسد في كل شيء ومنه أيضا ينال الجسد الازدياد لكي ينمو. وأيضا هناك رأس واحد للجسد وهو ملائم له. لذلك فلا يمكن ان يكون للكنيسة رأس آخر غير المسيح. فكما ان الكنيسة هي جسد روحي ينبغي أيضا ان يكون لها رأس روحي متناغم معها. ولا يمكن ان تُحكم بروح غير روح المسيح. لذلك يقول بولس: "وهو رأس الكنيسة. الذي هو البداءة بكر من الأموات لكي يكون هو متقدما في كل شيء" (كولوسي 18:1). وفي موضوع آخر: ان المسيح أيضا رأس الكنيسة. وهو مخلص الجسد". (افسس 23:5). وأيضا: "إياه جعل رأسا فوق كل شيء للكنيسة التي هي جسده ملء الذي يملأ الكل في الكلّ" (افسس 22:1-23). أيضا : "ننمو في كل شيء إلى ذاك الذي هو الرأس المسيح. الذي منه كل الجسد مركبا معا ومقترنا بمؤازرة كل مفصل حسب عمل على قياس كل جزء يحصّل نمو الجسد لبنيانه في المحبة." (افسس 15:4-16). لذلك لا نوافق على تعليم الاكليروس الروماني الذي يجعل البابا في رومية الراعي العالمي والرأس الأعظم للكنيسة المجاهدة هنا على الأرض، وبهذا يكون على زعمهم نائب المسيح ذاته الذي له ملء السلطة والسيادة في الكنيسة.

المسيح راعي الكنيسة الوحيد: اننا نعلّم ان المسيح الرب كان ولا يزال الراعي العالمي والحبر الأعظم امام الله الآب، وانه في الكنيسة يمارس مهام الأسقف أو الراعي حتى انتهاء العالم. لذلك لا يحتاج إلى نائب عنه في غيابه، لأن المسيح حاضر في كنيسته وهو رأسها المعطي الحياة. لا أولية في الكنيسة: لقد منع (المسيح) رسله واتباعهم ان يكون لهم أولية وسيادة في الكنيسة. فمن لا يرى ان الذين يناقضون ويعارضون هذه الحقيقة الجلية يجب ان يُعدّوا بين أولئك الذين تنبأ عنهم رسل المسيح: بطرس في 2 بطرس 2 وبولس في أعمال 2:20 و2 كورنثوس 2:11 و2 تسالونيكي 2 وأيضا في أمكنة أخرى؟

لا فوضى في الكنيسة: لكننا إذ نتخلص من رأس روماني فإننا لا نجلب الفوضى أو عدم الترتيب إلى الكنيسة لأننا نعلّم ان إدارة الكنيسة المعطاة لنا من الرسل كافية لتحفظ الكنيسة في ترتيب لائق. فان الكنيسة منذ البدء لم يكن فيها رأس روماني ليحفظ النظام فيها ولم تكن بلا ترتيب أو مشوشة. ان الرأس الروماني يحافظ على استبداده والفساد اللذين دخلا الكنيسة، وهو في الوقت ذاته يمنع ويقاوم ويضع حدا بكل قوته للإصلاح اللازم للكنيسة.

النزاعات والانشقاقات في الكنيسة:  يعيروننا بان الانشقاقات والنزاعات في كنائسنا كثرت منذ انفصالها عن كنيسة روما. لذلك (يقولون) لا يمكن ان نكون كنائس حقا. وكأنه لم يكن أبدا في كنيسة روما أية شيع أو اختلافات ومقارعات بخصوص العبادة وكانت تجري ليس فقط في المدارس بل من على المنابر وفي وسط الشعب. نعلم حقا ان الرسول قال: "الله ليس اله تشويش بل اله سلام" (1كورنثوس 33:14) وأيضا: "إذ فيكم حسد وخصام وانشقاق ألستم جسديين". (1كورنثوس 3:3). ولكننا لا نستطيع ان ننفي وجود الله في الكنيسة الرسولية وكونها كنيسة حقيقية حتى مع وجود صراعات وانشقاقات فيها. فان الرسول بولس وبخ الرسول بطرس (غلاطية 11:2 وما يتبع)، وبرنابا خالف بولس. وقد حصل خصام كبير في كنيسة إنطاكية بين الكارزين بالمسيح الواحد، كما يدون لوقا في أعمال الرسل 15. وقد حدثت مشاجرات كبيرة في الكنيسة في كل الأوقات وقد اختلف أعظم معلمي الكنيسة فيما بينهم حول أمور مهمة دون ان تنقطع الكنيسة عن كونها كنيسة بسبب هذه الخصامات. لأنه يسر الله ان يستعمل الخلافات الناشئة في الكنيسة لمجد اسمه، لإظهار حقه وليكون المزكّون ظاهرين (1كورنثوس 19:11).

في علامات الكنيسة الحقة أو دلائلها: ومن ثم، كما اننا لا نقر برأس آخر للكنيسة غير المسيح كذلك لا نعترف بأية كنيسة لمجرد ادعائها انها كنيسة حقة. ولكننا نعلّم ان الكنيسة الحقة هي التي توجد فيها الدلائل أو العلامات للكنيسة الحقة، أي الكرازة الصادقة الشرعية بكلمة الله كما سُلمت إلينا في اسفار الأنبياء والرسل وكلها تقودنا إلى المسيح القائل في الإنجيل: خرافي تسمع صوتي وأنا اعرفها فتتبعني وأنا أعطيها حياة أبدية. اما الغريب فلا تتبعه بل تهرب منه لأنها لا تعرف صوت الغرباء" (يوحنا 27:10-28و5).

والذين هم كذلك في الكنيسة لهم إيمان واحد وروح واحد، لذلك يعبدون إلها واحدا وإياه وحده يعبدون بالروح والحق ويحبونه من كل قلوبهم وقدرتهم ويصلون إليه وحده بواسطة يسوع المسيح، الشفيع والوسيط الوحيد ولا يسعون للبر والحياة خارج المسيح والإيمان به. ولأنهم يعترفون بالمسيح الرأس الأوحد والأساس الوحيد للكنيسة، يركنون إليه ويجددون أنفسهم يوميا بالتوبة ويحملون بصبر الصليب الملقى عليهم. وفي اتحادهم مع كل أعضاء المسيح بمحبة صادقة يظهرون انهم تلاميذ المسيح بالحفاظ على رباط السلام والوحدة المقدسة. وفي الوقت ذاته يشتركون في الأسرار المؤسسة من المسيح والمعطاة لنا من رسله، مستعملينها بالطريقة ذاتها التي استعملوها من الرسل. فان قول الرسول معروف لدى الجميع "لأنني تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضا" (1كورنثوس 23:11). لهذا نعتبر غرباء عن كنيسة المسيح الحقيقية كل الكنائس التي ليست كما يجب ان تكون وندينها مهما تباهت بتسلسل الأساقفة والوحدة والأقدمية. ولنا أيضا وصية من الرسل ان "نهرب من عبادة الأوثان" (1كورنثوس 14:10 و 1يوحنا 21:5). وان نخرج من بابل وان لا تكون لنا شركة معها الا إذا أردنا ان نشترك معها في كل ضرباتها (رؤيا 4:18 و2 كورنثوس 17:6).

لا خلاص خارج كنيسة الله: ولكننا نعتبر ان للشركة مع كنيسة المسيح الحقة أهمية قصوى لدرجة أننا ننكر ان باستطاعة البعض ان يقفوا امام الله وهم ليسوا في شركة مع كنيسة الله الحقة بل منفصلون عنها. فكما انه لم يكن هناك خلاص خارج فلك نوح حين هلك العالم بالطوفان كذلك نؤمن ان لا خلاص أكيد خارج المسيح الذي يعطي ذاته ليتمتع به المختارون في الكنيسة. لذلك نعلم ان الذين يبغون الحياة يجب الا ينفصلوا عن كنيسة المسيح الحقة.    

الكنيسة ليست مقيدة بعلاماتها: ومع ذلك لا نحصر الكنيسة بعلاماتها بشكل ضيق، بحيث نعلّم ان جميع أولئك الذين اما يشتركون في الأسرار، ليس عن قصد أو عن احتقار على الأقل، بل لضرورة خارجة عن إرادتهم اضطروا إلى الامتناع عنها أو إلى ان يُحرموا منها، أو أولئك الذين يضعف إيمانهم أحيانا دون ان ينطفئ كليا أو ينتهي تماما، أو الذين عندهم نواقص أو أخطاء، هم خارج الكنيسة. لأننا نعلم ان لله أصدقاء في العالم خارج نطاق إسرائيل. نعلم ما أصاب شعب الله في الاسر البابلي حيث حرموا من ذبائحهم لمدة سبعين سنة. ونعلم ما حدث للقديس بطرس الذي أنكر سيده وما يحصل يوميا لمختاري الله والشعب المؤمن الذي يتيه ويضعف. ونعلم أي نوع من الكنائس كانت كنائس غلاطية وكورنثوس أيام الرسل حيث وجد الرسول عيوبا وتعديات كثيرة ولكنه مع ذلك يدعوهم كنائس المسيح المقدسة (1كورنثوس 2:1 وغلاطية 2:1).

تبدو الكنيسة أحيانا وكأنها منقرضة: نعم، ان الله يسمح في بعض الأحيان بقضائه العادل ان تُحجب حقيقة كلمته وتهزم فتبدو الكنيسة منقرضة تقريبا وغير موجودة، كما نرى انه حصل في أيام ايليا (ملوك الأول 10:19 و14) وفي أوقات أخرى. ولكن لله في هذا العالم عباده الحقيقيون وهم ليسوا بقلة بل سبعة آلاف وأكثر (ملوك أول 18:19 ورؤيا 3:7 وما يتبع). فان الرسول يقول "أساس الله الراسخ قد ثبت إذ له هذا الختم" (2نتيموثاوس 19:2). لهذا يمكن تسمية كنيسة الله غير منظورة، ليس لأن البشر الذين منهم تتكون الكنيسة هم غير منظورين بل لأنهم محجوبة عن نظرنا ومعروفة لدى الله وحده، فهي تفوق الفهم الإنساني بسريتها.

ليس كل الذين في الكنيسة هم من الكنيسة: وأيضا ، ليس جميع المحسوبين في عداد الكنيسة قديسين وأعضاء أحياء وأمناء فيها. ففيها مرائون كثيرون يسمعون كلمة الله ظاهرا ويقبلون الأسرار خارجيا ويظهرون انهم يصلون لله بواسطة المسيح وحده ويمارسون واجبات المحبة، وأيضا يتحملون بصبر المصائب وقتيا. ولكنهم، داخليا، فاقدون إنارة الروح القدس الحقة والإيمان وصدق القلب والثبات حتى المنتهى. وفي نهاية الامر فان أطباع هؤلاء الناس ستظهر. لأن الرسول يوحنا يقول: "منا خرجوا لكنهم لم يكونوا منا. لأنهم لو كانوا منا لبقوا معنا لكي يظهروا أنهم ليسوا جميعهم منا" (1يوحنا 19:2). ومع انهم حين يتظاهرون بالتقوى ليسوا من الكنيسة فانهم محسوبون في الكنيسة تماما كما ان الخونة يحسبون مواطنين في بلد ما قبل ان يكتشفوا. وكما ان الزوان أو العصافة توجد بين الحنطة، والانتفاخ والورم يوجدان في الجسم السليم في حين انهما عاهتان وليستا أعضاء حقيقية في الجسم. ولذلك فانه من المناسب تشبيه الكنيسة بشبكة تمسك أنواع كثيرة من السمك وبحقل توجد فيه حنطة وزوان (متى 24:13 وما يتبع و47 وما يتبع).  

يجب عدم الحكم مسبقا بتسرع: لذلك يجب ان نحذر من الحكم المسبق ومن محاولة إقصاء أو رفض أو فصل أولئك الذين لا يريدهم الرب ان يقصوا أو يرفضوا والذين لا نستطيع ازاحتهم دون خسارة للكنيسة. من ناحية أخرى يجب ان نكون متيقظين لئلا ينسل الأشرار عند نيام الأبرار ويضرون الكنيسة.

وحدة الكنيسة ليست في طقوس خارجية: وكذلك نعلّم انه يجب أخذ جانب الحيطة في المسائل التي تتعلق بحقيقة الكنيسة ووحدتها لئلا نثير ونغذي الانشقاقات بتهور. ان الوحدة لا تكمن في الطقوس والشعائر الخارجية وإنما في حقيقة الإيمان الجامع ووحدته. والإيمان الجامع لم يعط لنا بشرائع بشرية بل بالأسفار المقدسة التي توجز في قانون إيمان الرسل. ولهذا نقرأ فيما كتب الكاتب الاقدمون انه وجد تعدد في الطقوس ولكنهم كانوا أحرارا ولم يظن أحد ان وحدة الكنيسة أزيلت بسبب ذلك. لذلك اننا نعلم ان الانسجام الحقيقي في الكنيسة يكمن في التعليم وفي الكرازة المنسجمة الحقيقية الصادقة بانجيل المسيح، وفي الطقوس التي أعطيت لنا بوضوح من الرب. وهنا نشدد على قول الرسول: "فليفتكر هذا جميع الكاملين منا وان افتكرتم شيئا بخلافه فالله سيعلن لكم هذا أيضا". واما ما ادركناه فلنسلك بحسب ذلك القانون عينه ونفتكر ذلك عينه". (فيلبي 15:3-16).

الفصل الثامن عشر

في خدام الكنيسة: تأسيسهم وواجباتهم

يستخدم الله خداما في بناء الكنيسة: لقد استعمل الله دوما خداما لتأسيس كنيسة أو دعوتها لذاته ولأجل إدارتها والحفاظ عليها. وهكذا يستخدم الآن وسيستخدم  خداما طالما ان الكنيسة موجودة على الأرض. ان بدء وظيفة الخدام، إذن، وتأسيسها ترتيب قديم جدا يعود إلى الله ذاته وهو ليس ترتيبا بشريا جديدا.

إقامة الخدام ومنشأ الخدمة: ان الله يستطيع حقا بقدرته وبدون أي سلطة ان يجمع لنفسه كنيسة من بين البشر، ولكنه آثر ان يتعاطى مع البشر بواسطة خدامه البشر. لذلك فانه يجب الا يعتبر الخدام خداما بحد ذاتهم فقط بل خدام الله بقدر ما يُحدث الله خلاص البشر بواسطتهم.

 عدم احتقار الخدمة: لذلك نحذر الناس لئلا نعزو ما يتعلق باهتدائنا وتعليمنا إلى قوة الروح القدس السرية لدرجة اننا نبطل دور الخدمة الكنسية. لأن من الضروري ان نفتكر بكلمات الرسول: "كيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به وكيف يسمعون بلا كارز؟ إذا الإيمان بالخبر والخبر بكلمة الله." (رومية 14:10و17). وأيضا نفتكر بما قاله الرب في الإنجيل: "الحق الحق أقول لكم الذي يقبل من أرسله يقبلني والذي يقبلني يقبل الذي أرسلني". (يوحنا 20:13).وهناك أيضا الرجل المكدوني الذي ظهر لبولس في رؤية- وهو في آسيا- قائلا: اعبر إلى مكدونية وأعنا". (أعمال 9:16). وقال الرسول ذاته أيضا في موضع آخر: "فإننا نحن عاملان مع الله وانتم فلاحة الله. بناء الله." (1كورنثوس 9:3).

ولكن، من جهة أخرى، يجب ان لا نعزوا أهمية كبيرة جدا للخدام وللخدمة، ذاكرين هنا أيضا كلمات الرب في الإنجيل: "ولا يقدر ان يقبل إليّ ان لم يجتذبه الآب الذي أرسلني" (يوحنا 44:6). وأيضا كلام الرسول: "فمن هو بولس ومن هو ابلّوس. بل خادمان آمنتم بواسطتهما وكما أعطى الرب لكل واحد. انا غرست وابلّوس سقى لكن الله كان ينمي". (1كورنثوس 5:3-6). الله يحرك قلوب البشر: لذلك فلنصدق ان الله يعلمنا بكلمته، خارجيا بواسطة خدامه وداخليا يحرك قلوب المختارين للإيمان بالروح القدس، وهكذا ينبغي تقديم كل المجد لله من اجل نعمته الكاملة هذه. وقد تحدثنا عن هذه المسألة في الفصل الأول من هذا الشرح.

من هم الخدام ومن أي نوع أعطاهم الله للعالم: ان الله استخدم منذ بدء الخليقة أفضل الناس في العالم كله (وان كان كثيرون منهم بسطاء في الحكمة الدنيوية أو الفلسفة ولكن متفقون في اللاهوت والحق)، أعني، الآباء الذين كلمهم تكرارا بواسطة الملائكة. لان الآباء كانوا أنبياء عصرهم ومعلميه، لذلك أراد الله ان يحيوا لعدة قرون لكي يكونوا مثل آباء وأنوار العالم. وقد جاء من بعدهم موسى والأنبياء الذين اشتهروا في كل انحاء العالم.

المسيح المعلم: وأرسل الآب السماوي من بعدهم ابنه الوحيد، المعلم الكامل للعالم كله وفيه أخفيت حكمة الله وقد أتت إلينا في أقدس التعاليم وأبسطها وأكملها. فإنه اختار لنفسه تلاميذ وجعلهم رسلا. وخرج هؤلاء إلى العالم اجمع وكوّنوا كنائس في كل مكان بكرازة الإنجيل، ومن ثم عينوا في كل الكنائس رعاة أو معلمين بحسب وصية المسيح. وحكم المسيح الكنيسة وعلّمها بواسطة خلفائهم حتى هذا اليوم. فكما ان الله أعطى شعبه القديم آباء مع موسى والأنبياء كذلك أرسل لشعبه في العهد الجديد ابنه الوحيد ومعه رسلا ومعلمين في الكنيسة.

خدام العهد الجديد: لخدام العهد الجديد أسماء مختلفة. يُدعون رسلا وانبياء ومبشرين وأساقفة وشيوخا ومعلمين (1كورنثوس 28:12 وافسس 11:4). الرسل: لم يمكث الرسل في مكان واحد معين بل كونوا في جميع انحاء العالم كنائس مختلفة. ولما أُسست تلك الكنائس لم يعد هناك رسل، فأخذ الرعاة مكانهم كل في كنيسته. الأنبياء: كان الأنبياء فيما مضى "رائين"، يعرفون المستقبل ولكنهم كانوا أيضا يفسرون الأسفار. ان أناس كهؤلاء موجودون اليوم أيضا. المبشرون: لقد سمي كاتبوا تاريخ الإنجيل مبشرين (أو إنجيليين)لكنهم أيضا رسل انجيل المسيح. لذا يحث بولس تيموثاوس قائلا: "اعمل عمل المبشر." (2تيموثاوس 5:4). الأساقفة: الأساقفة هم الناظرون والرقباء في الكنيسة الذين يدبرون الطعام والاحتياجات في حياة الكنيسة. الشيوخ: الشيوخ Presbyters هم الأعيان والآباء في الكنيسة يديرونها بمشورة سليمة. الرعاة: يحفظ الرعاة رعية الرب ويزودونها بما تحتاج إليه. المعلمون: يدرس ويعلم المعلمون الإيمان الحق والتقوى. لهذا يمكن ان يدعى خدام الكنيسة الآن أساقفة وشيوخا ورعاة ومعلمين.

المراتب البابوي: لقد أدخلت على كنيسة الله في زمن لاحق أسماء خدم كنيسة كثيرة. فعين البعض بطاركة وآخرون رؤساء أساقفة، وغيرهم أساقفة معاونين، ورتب أخرى مثل متروبوليت ورؤساء شمامسة وقندلفت ومعوذين ومرتلين وبوابين واسماء أخرى مثل كرادلة ومدراء ورؤساء أديرة وآباء كبار وصغار ومراتب علوية وأخرى دانية. ولكن كل هذه لا تزعجنا ولا تقلقنا مسألة كيف كانوا فيما مضى وكيف هم الآن. ان التعليم الرسولي عن الخدم كاف.   

في الرهبان: بما اننا نعلم يقينا ان الرهبان والراهبات أو فرقها لم يؤسسها المسيح ولا الرسل نعلّم انهم بلا فائدة لكنيسة الله، لا بل هم ضرر عليها. فمع انهم كانوا في أوقات سابقة مقبولين (لما كانوا نساكا يعيلون أنفسهم بعمل أيديهم ولا يشكلون عبئا على أحد، وإنما كانوا كعامة المؤمنين في كل مكان مطيعين لرعاة كنائسهم)، فان العالم كله أصبح الآن يرى ويعلم ما هم. انهم يؤدون نذورا ما ولكنهم يعيشون حياة مناقضة لها تماما حتى ان افضلهم ينطبق عليه قول الرسول: "لأننا نسمع قوما يسلكون بينكم بلا ترتيب لا يشتغلون شيئا بل هم فضوليون" الخ (2 تسالونيكي 11:3). لذلك ليس في كنائسنا أمثال هؤلاء ولا نعلم انه ينبغي ان يكونوا في كنائس المسيح.

الخدام يدعون ويختارون:  لا يحق لإنسان ان يختلس شرف الخدمة الكنسية، أي ان يستولي عليه لذاته بالرشوة أو بالخداع أو باختياره الإرادي. ولكن ليُدع خدام الكنيسة وليُختاروا بالاقتراع الكنسي القانوني، أي يجب ان يُختاروا بعناية من الكنيسة أو من مندوبيها لهذه الغاية بنظام حسن وبدون شغب وخصام وتنافس. لا يحق لأي كان ان يُنتخب بل يُنتخب الأشخاص القديرون فقط المتميزون بثقافة مكرسة كافية وفصاحة تقية وحكمة بسيطة وأخيرا بالاعتدال والسمعة الشريفة بحسب تلك القاعدة الرسولية التي جمعها الرسول في 1 تيموثاوس3 وتيطس1.

الرسامة: وعلى الذين ينتخبون ان يُرسموا من الشيوخ في صلاة علنية وبوضع الأيدي. وهنا ندين كل الذين يتصرفون بحسب مزاجهم دون ان يكونوا مدعوين أو مرسلين أو مرسومين (ارميا 23). ندين الخدام غير الصالحين وغير الموهوبين بهبات الراعي الضرورية.

وفي الوقت ذاته نعترف ان البساطة التي لا تضر عند بعض الرعاة في الكنيسة الأولى نفعت الكنيسة في بعض الأحيان أكثر من ثقافة غيرهم المتعددة الجوانب والرفيعة والأنوفة والباطنية. لذلك لا نرفض حتى في هذه الأيام بساطة بعضهم الصادقة التي ليست هي بساطة جاهلة أبدا.

كهنوت جميع المؤمنين: ان رسل المسيح يدعون جميع المؤمنين بالمسيح كهنة" ولكن ليس بسبب وظيفة ما بل بما ان جميع المؤمنين جُعلوا ملوكا وكهنة نقدر ان نقدم ذبائح روحية لله بواسطة المسيح (خروج 6:19 و1بطرس 9:2 ورؤيا 6:1). لذلك فان الكهنوت والخدمة مختلفان بعضهما عن البعض. لأن الكهنوت هو لكل المؤمنين ولكن ليس كذلك الخدمة. فنحن لم نلغ خدمة الكنيسة إذ رذلنا الكهنوت البابوي من كنيسة المسيح.

الكهنة والكهنوت: ليس بعد في العهد الجديد للمسيح كهنوت بالمعنى الذي كان قائما في الشعب القديم، حين كان هناك مسح خارجي ولباس مقدس وشعائر كثيرة ترمز إلى المسيح الذي ألغاها جميعها بمجيئه وإتمامه لها. ولكنه يبقى هو الكاهن الوحيد إلى الأبد، ولكي لا ننتقص شيئا منه لا نطلق اسم كاهن على أي خادم، لأن الرب ذاته لم يطلق تسمية كاهن على أي خادم. ولان الرب ذاته لم يعين كهنة في كنيسة العهد الجديد يستمدون سلطانهم من الأسقف المساعد لتقديم الذبائح يوميا، أي جسد الرب ودمه الحقيقيين من اجل الأحياء والأموات، وإنما عين خداما للتعليم ولاجراء الأسرار.

مزايا خدام العهد الجديد: يشرح بولس الرسول ببساطة واختصار كيف يجب ان ننظر إلى خدام العهد الجديد أو الكنيسة المسيحية وما يجب ان ننسب إليهم: "هكذا فليحسبنا الإنسان كخدام المسيح ووكلاء سرائر الله." (1كورنثوس 1:4). فالرسول، إذن، يريدنا ان نفتكر بالخدام كخدام. يسميهم الرسول    uphretaV، أي جاذفين وهم يشخصون بأعينهم على الربان. وهم أناس لا يحيون لذواتهم أو بحسب مشيئتهم بل من اجل غيرهم، أي أسيادهم. ويعتمدون كليا على أوامرهم لأن كل خادم في الكنيسة مأمور في كل واجباته ان ينفذ ما تسلمه وصية من ربه فقط وليس له ان يختار كما يشاء. وواضح جدا في هذه المسألة من هو الرب، أي المسيح، الذي ينبغي للخدام ان يخضعوا له في كل مسائل الخدمة.  

 

الخدام وكلاء أسرار الله: ويضيف الرسول في إتمام شرحه عن الخدمة ان خدام الكنيسة هم مدبّرون أسرار الله ووكلاؤها. ويدعو بولس أسرار الله في أمكنة كثيرة- منها أفسس 3- انجيل المسيح. وكذلك فان اسرار المسيح يسميها الكتّاب الاقدمون "اسرارا". فان الخدام المدعوون لهذه الغابة. أي للكرازة بانجيل المسيح للمؤمنين ولاجراء الأسرار. ونقرأ في مكان آخر في الإنجيل عن "الوكيل الأمين الحكيم" الذي أقامه "سيده على خدمه ليعطيهم العلوفة في حينها" (لوقا 42:12). وأيضا نجد في الانجيل قصة الرجل الذي سافر إلى بلد بعيد تاركا بيته وأمواله وسلطته مع خدامه ولكل عمله.

سلطان خادم الكنيسة: من المناسب ان نقول شيئا عن سلطان خدام الكنيسة وواجباتهم. لقد أصر البعض بشدة على هذا السلطان واخضعوا له كل شيء على الأرض، حتى أعظم الأمور وبذلك ناقضوا وصية الرب الذي منع السلطان على تلاميذه وأوصاهم صوابا بالتواضع (لوقا 24:22 وما يتبع ومتى 3:18 وما يتبع و25:20 وما يتبع). ثمة سلطان آخر مطلق كليا يسمى سلطان الحق. بحسب هذا السلطان تخضع كل الأشياء في العالم للمسيح، رب الجميع، كما شهد هو ذاته حين قال: "دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض" (متى 18:28)، وأيضا: "انا هو الأول والآخر والحي وكنت ميتا وها انا حيّ إلى أبد الآبدين آمين ولي مفاتيح الهاوية والموت." (رؤيا17:1-18). وكذلك: "له مفتاح داود الذي يفتح ولا أحد يغلق ويغلق ولا احد يفتح." (رؤيا 7:3).

        الرب يحتفظ بالسلطان الحقيقي لذاته: يحتفظ الرب بهذا السلطان لذاته ولا يعطيه لغيره حتى لا يقف مشاهدا خدامه يعملون.فان اشعياء يقول: "واجعل مفاتيح بيت داود على كتفيه" (اشعياء 22:22)، وأيضا: "وتكون الرياسة على كتفه" (اشعياء 6:9)، لأنه لا يجعل الرياسة على كتف أناس آخرين بل يحتفظ بها ويستخدم سلطانه ليحكم على كل الأشياء.

        سلطان الوظيفة والخادم: ثم ان هناك سلطة وظيفة أو خدمة يحددها ذاك الذي يملك السلطة الكاملة المطلقة. وهذه خدمة أكثر مما هي سلطان. المفاتيح: ان رب المنزل يعطي سلطة لوكيله ويعطيه المفاتيح لكي يدخل أو يغلق على من يريده رب المنزل ان يدخل أو ان لا يدخل. فبهذه السلطة وبحكم وظيفته يقوم الخادم بما أوصاه به السيد، والسيد يثبته في ذلك ويشاء ان ينظر إلى ما يعمله الوكيل ويعتبر كأنه هو الذي عمله. فهذا ما تشير إليه بالتأكيد الأقوال التالية في الإنجيل: "أعطيك مفاتيح ملكوت السموات. فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطا في السموات. وكل ما تحله على الأرض يكون محلولا في السموات." (متى 19:16). وأيضا: "من غفرتم خطاياه تغفر له. ومن أمسكتم خطاياه أمسكت." (يوحنا 23:20). اما إذا لم ينفذ الخادم كل ما أوصاه به الرب بل تعدى حدود الإيمان فان الرب يبطل بالتأكيد كل ما فعله. لذا فان سلطة الخادم الكنيسة هي تلك الوظيفة التي بها يحكمون كنيسة الله ولكنهم يعلمون كل شيء في الكنيسة كما رسم الرب كلمته. وحين تعمل هذه الأشياء هكذا فان المؤمنين يعتبرونها من الرب ذاته. وقد سبق وذكرنا المفاتيح في القسم الأعلى.

        سلطة الخدام واحدة ومتساوية: لقد أعطيت سلطة (أو وظيفة) واحدة متساوية لجميع الخدام في الكنيسة. لا شك بأن الأساقفة أو الشيوخ أداروا الكنيسة في البدء معا. ولم يعظم إنسان نفسه فوق غيره ولم يغتصب أسقف سلطانا اكبر أو سلطة على زملائه الأساقفة. بل، متذكرين قول الرب: "ليكن المتقدم كخادم" (لوقا 26:22) ابقوا أنفسهم في تواضع وساعد بعضهم البعض بالخدمة المتبادلة لإدارة الكنيسة والحفاظ عليها.

        الحفاظ على النظام: ومع ذلك ومن اجل المحافظة على النظام لابد ان يدعو احد خدام الله إلى الاجتماع ويطرح الأمور امام المجتمعين ويجمع آراء الآخرين، بكلمة مختصره، يحتاط بقدر المستطاع لئلا تنشأ الفوضى. هكذا فعل القديس بطرس كما نقرا في أعمال الرسل، لكنه لم يُفضل بسبب ذلك على الآخرين ولم يُعط سلطانا أكبر من البقية. فقول الشهيد كبريانوس محق في كتابه "في بساطة الاكليريوس" De simplicitate clericorum وهو: "ان باقي الرسل كانوا بالتأكيد مثل بطرس، موهوبين شركة تكريم وسلطة مماثلة، ولكن أولويته تنبثق من الوحدة في النظام لكي تظهر الكنيسة على انها واحدة".

        كيف ومتى قدّم واحد على الآخرين: يقول القديس هيرونيموس في تفسيره رسالة بولس إلى تيطس شيئا لا يختلف كثيرا عن هذا: طقيل ان يبدأ بتحريض من الشيطان التعلق بالاشخاص في الدين كانت الكنائس تدار بمشورة الشيوخ المشتركة، ولكن بعد ان افتكر كل واحد ان الذين عمدهم هم خاصته، ولبسوا خاصة المسيح، قُرر ان يُنتخب احد الشيوخ يوضع (رئيسا) على الآخرين وتعهد إليه مسؤولية الكنيسة كلها لإزالة بذور الشقاق كلها". ولكن هيرونيموس لا يوصي بهذا القرار كأنه قرار الهي لأنه يضيف مباشرة: "كما علم الشيوخ من عادة الكنيسة أنهم خاضعون لمن اقيم عليهم، كذلك علم الأساقفة انهم فوق الشيوخ لجهة العادة وليس أنها تدبير من الرب وأنه عليهم ان يحكموا الكنيسة بالاشتراك معهم." هكذا يقول هيرونيموس. لذلك لا يحق لأحد ان يمنع العودة إلى الدستور القديم لكنيسة الله والرجوع إلى ما كان قبل العادات البشرية.

        واجبات الخدام: واجبات خدام الله متنوعة، ولكنها على الأغلب تقتصر على انثنين يشملان البقية: تعليم انجيل المسيح الإجراء الصحيح للأسرار. انه واجب الخدام ان يجمعوا المؤمنين للعبادة حيث تُفسر كلمة الله ويُطبق التعليم كله لرعاية الكنيسة ومنفعتها حتى يستفيد السامعون من التعليم وتهذيب المؤمنون. انها مسؤولية الخدام ان يعلموا الجهال وينبهوا ويحثوا الكسالى والمتلكئين ليتقدموا في طريق الرب. وعليهم أيضا ان يعزوا ويقووا الضعفاء، ويسلحوهم لمواجهة تجارب الشيطان الكثيرة، وان يوبخوا المتعدين ويردوا الضالين إلى الطريق، وان يرفعوا الساقطين ويقنعوا المخالفين بطرد الذئب من حظيرة خراف الرب، وينتهروا الشر والأشرار بحكمة وشدة، ولا يمررون أو يتحملون الشر الكبير. وأيضا عليهم ان يجروا الأسرار ويحثوا على استعمالهم الصحيح وينبهوا جميع الناس لاقتبالها بتعليم سليم، ويحفظوا المؤمنين في وحدة مقدسة ويضعوا حدا للانشقاق ويعلموا الأميين ويجلبوا احتياجات الفقراء على الكنيسة ويزوروا ويعلموا ويبقوا في طريق الحياة المرضى والمجربين بكل أنواع التجارب. وفضلا عن ذلك عليهم ان يحضروا الصلوات العامة أو الابتهالات في أوقات الحاجة مع الصيام العام، أي الامتناع المقدس، وان يهتموا بنشاط حثيث بكل ما يمت بصلة إلى هدوء الكنائس وسلامها وخيرها.

        ولكي يستطيع الخادم ان يمارس كل الأشياء بطريقة أفضل وأسهل عليه ان يخاف الله ويصلي باستمرار ويهتم بالقراءة الروحية ويكون متيقظا في كل الأمور وكل الأوقات ويدع نوره يشرق امام كل الناس بطهارة حياته.  

        النظام: بما ان النظام ضرورة مطلقة في الكنيسة وعقوبة الحرم استعملت أيام الآباء الأول وكانت هناك أحكام كنسية بين شعب الله حيث النظام مورس على يد أناس حكماء وأتقياء فانها مسؤولية الخادم ان يضبطه من اجل التهذيب بحسب أوضاع الزمان والحالة العامة والضرورة. يجب في كل الأزمنة والأمكنة مراعاة القاعدة القائلة بان كل شيء يجب ان يعمل بلياقة ووقار بدون كبت ولا نزاع والى غرض التنوير والتهذيب. فان الرسول يشهد بان السلطة في الكنيسة أعطيت له من الرب للبنيان لا للهدم (2كورنثوس 8:10). والرب ذاته منع ان يقلع الزوان في حقل الرب لئلا تقلع الحنطة مع الزوان. (متى 29:13).

        يجب الإصغاء حتى إلى الخدام الخطاة: ومن ثم فإننا نمقت بشدة خطأ الدوناطيين الذين يربطون فعالية تعليم الأسرار واجرائها أو عدم فعاليتها بحياة الخدام الصالحة أو الشريرة. فنحن نعلم انه يجب إطاعة صوت المسيح وان جاءنا من أفواه خدام أشرار لأن الرب ذاته قال: فكل ما قالوا لكم ان تحفظوه فاحفظوه وافعلوه. لكن حسب أعمالهم لا تعملوا" (متى 3:23). نعلم ان الأسرار تُقدس بتأسيس المسيح وكلمته وانها فاعلة في الأتقياء وان منحها خدام غير مستحقين. لقد تجادل خادم الله المبارك أوغسطينوس مرارا مع الدوناطيين في هذه المسألة معتمدا على الكتاب.

        المجامع: الا انه ينبغي ان يكون بين خادم الله نظام لائق. فيجب ان تُفحص تعاليم الخدام وحياتهم في المجامع. فيجري توبيخ المسيئين الذين يمكن شفائهم من قبل الشيوخ ويعادوا إلى الطريق الصواب، وان كانوا لا يبرئون يجب عزلهم وإخراجهم من قطيع الرب مثل الذئاب بواسطة الرعاة الأمناء. فان كانوا معلمين بطالين يجب عدم احتمالهم أبدا. ولا نرفض المجامع المسكونية إذا ما اجتمعت بحسب مثال الرسل لخير الكنيسة لا لتدميرها.

        للعامل حق في الأجر. يحق لكل الخدام الأمناء أجر كالعملة الصالحين، وهم لا يخطئون إذا ما أخذوا أجورا وكل ما هو ضروري لهم ولعائلاتهم. لأن الرسول يظهر في 1كورنثوس9 وفي 1تيموثاوس5 وغيرها انه يحق للكنيسة ان تعطي هذه الأشياء ويحق أيضا للخدام ان يأخذوا. اما مجددوا المعمودية Anabaptists الذين يدينون ويعيرون الخدام المعتاشين من خدمتهم فان التعليم الرسولي يدحضهم.

 

الفصل التاسع عشر

في أسرار كنيسة المسيح

في الأسرار واضافتها إلى الكلمة وماهيتها: لقد أضاف الله منذ البدء إلى الكرازة بالكلمة في كنيسته أسرار أو دلائل سرية. هكذا تشهد الأسفار المقدسة بوضوح. فالأسرار رموز سرية، أو سنين مقدسة، أو أفعال مكرسة أنشأها الله لذاته. وهي تتكون من كلمته ومن اشارات وأشياء يُشار إليها، بحيث انه يستعملها في الكنيسة لتذكيرنا من وقت إلى وقت بالمنافع العظيمة التي أظهرها للبشرية. ويختم بها أيضا مواعيده ويمثل ظاهريا ويرينا الأمور التي يعملها لنا سريا وبذلك يقوينا ويزيد إيماننا بفعل الروح القدس في قلوبنا. واخيرا يميزنا عن كل الشعوب والأديان ويكرسنا ويشددنا إليه ويشير إلى ما يطلبه منا.

البعض للعهد القديم وأخرى للجديد: ثمة أسرار للشعب القديم وأخرى للجديد. أسرار الشعب القديم كانت الختان والحمل الفصحي الذي كان يقدم ذبيحة، لذلك فانها تشير إلى الذبائح التي مورست منذ بداية العالم.

عدد أسرار الشعب الجديد: أسرار الشعب الجديد هي المعمودية والعشاء الرباني. هناك من يحصي سبعة أسرار للشعب الجديد. من هذه نعترف بان التوبة ورسامة الخدام (لا الرسامة البابوية بل الرسولية) والزواج هي فرائض إلهية نافعة لكنها ليست من الأسرار. اما التثبيت والمسح الأخير فهما بدعتان بشريتان تستطيع الكنيسة الاستغناء عنهما دونما خسارة، ونحن لا نمارسهما في كنائسنا، لأنهما تحتويان على أمور لا نقبلها أبدا. واننا نستنكر قبل أي شيء آخر المتاجرة بتوزيع الأسرار التي يتعاطاها البابويون.

منشئ الأسرار: الله وحده لا الإنسان هو منشئ الأسرار. لا يقدر البشر ان يؤسسوا أسرار لأنها تتعلق بعبادة الله، وليس للإنسان ان يعين ويسن عبادة الله بل له ان يقبل ما استلمه من الله ويحافظ عليه. ثم ان الرموز مرتبطة بمواعيد الله التي تحتاج للإيمان. والإيمان مبني على كلمة الله، وكلمة الله مثل أوراق أو حروف بينما الأسرار هي مثل أختام لا يستطيع الا الله ان يضيفها إلى الحروف.

المسيح ما زال يعمل في الأسرار: وكما ان الله هو منشئ الأسرار كذلك يظل يعمل في الكنيسة التي تمارسها بطريقة صحيحة حتى يعرف المؤمنون حين يقبلونها من الخدام ان الله يعمل في فرائضه، وهكذا يستلمونها كما لو كانت من يد الله ذاته، ولا تستطيع عيوب خادم الأسرار حتى لو كانت عظيمة جدا ان تؤثر فيها لأن المؤمنين يقرون ان كمال الأسرار يعتمد على تأسيس الرب.

تمييز منشئ الأسرار عن خدامها: لذلك يميز المؤمنون أيضا بين الرب ذاته وخدامه، معترفين بان جوهر الأسرار يُعطى لهم من الرب. اما العلامات الخارجية فهي من خدام الرب.

جوهر الأسرار: لكن الشيء الأساسي الذي يعد به الله في كل الأسرار وهو محط أنظار كل الأتقياء في كل العصور (يسميه البعض جوهر الأسرار أو مادتها)، هو المسيح المخلص، الذبيحة الوحيدة وهو حمل الله المذبوح منذ بد العالم وتلك الصخرة التي منها شرب الآباء والذي به ختن المختارون من دون أيد بواسطة الروح القدس ويغسلون من كل خطاياهم ويغذون بجسد المسيح ودمه ذاتهما إلى الحياة الأبدية.

التشابه والاختلاف بين أسرار الشعب القديم والجديد: فيما يتعلق بالشيء الأساسي في الأسرار أو مادتها فان الأسرار عند الشعبين سواء. لأن المسيح، الوسيط الوحيد ومخلص المؤمنين، وهو الشيء الأساسي وجود الأسرار عند الاثنين، ولان الإله الواحد منشئهما. وقد أعطيت للشعبين علامات نعمة ومواعيد الله وأختامها. بها يتذكر الإنسان ويفتكر بمنافع الله العظيمة وبها يُميز المؤمنين عن كل أديان العالم. وأخيرا، بالإيمان تُتناول روحيا وبها يرتبط متناولها بالكنيسة وينبهون إلى واجباتهم. في هذه الأمور وغيرها مما يشابهها لا تختلف أسرار الشعبين وان اختلفت المظاهر الخارجية. وبالفعل فان الاختلاف بالنسبة للعلامات كبيرة. لأن علاماتنا أثبت وأبقى لانها لن تتغير حتى نهاية العالم. وأيضا ان علاماتنا تشهد ان الجوهر والوعد قد حققا أو أكملا في المسيح. اما العلامات القديمة فقد أشارت إلى ما كان سيتم. وعلاماتنا أبسط وأقل مشقة وبهاء وتعقيدا طقسيا. وهي تمتد إلى شعب أكثر منتشر في كل انحاء الأرض. وبما انها أفضل وتشعل إيمان اكبر بالروح القدس فان الروح فيها أغزر.

أسرارنا تخلف القديمة التي ألغيت: الآن وقد أُظهر لنا المسيح، المسيا الحقيقي، وسكب فيض نعمته على شعب العهد الجديد، تلغى أسرار العهد القديم طبعا وتتوقف، ويحل محلها رموز العهد الجديد: المعمودية محل الختان والعشاء الرباني محل الحمل الفصحي والذبائح.

مما تتألف الأسرار: كما ان الأسرار تألفت سابقا من الكلمة ومن الإشارة والمشار إليه كذلك هي الآن مؤلفة من الأجزاء نفسها. ان كلمة الله تصيّر هذه الأشياء أسرارا لم تكن قبلا كذلك. تكريس الأسرار: تتكرس الأسرار بالكلمة وتُقدس بالذي أسسها. تكريس أي شيء أو تقديسه لله يعني فرزه لاستعمال مقدس، أي ان يؤخذ من الاستعمال العادي المألوف ويعين لاستعمال مقدس. فان العلامات في الأسرار مأخوذة من الاستعمال العادي المألوف ويعين لاستعمال مقدس. فان العلامات في الأسرار مأخوذة من الاستعمال العادي. انها أشياء مرئية ظاهرية. ففي المعمودية ان الإشارة هي عنصر الماء وذلك الغسل الظاهر الذي يقوم به الخادم، ولكن المشار إليه هو التجديد والغسل من الخطايا. كذلك في العشاء الرباني حيث الإشارة الخارجية هي الخبز والخمر، وقد أخذ من أمور عادية تستخدم في الأكل والشرب، ولكن المشار إليه هو جسد المسيح المُعطى لنا ودمه المسفوك عنا أو شركة جسد الرب ودمه. لذا فان الماء والخمر هي ما هي وما نختبر بحسب طبيعتها ومن دون أي تأسيس الهي: ولكن عندما تُضاف إليها كلمة الله مع طلب الاسم الإلهي وتجديد تأسيسها الأول وتقديسها تصبح هذه الإشارات مكرسة ومقدسة من المسيح، لأن تأسيس المسيح لها وتكريسها يبقى أبدا فعالا في كنيسة الله حتى ان أولئك الذين لا يمارسون الأسرار بأي طريقة غير ما أسس الرب منذ البدء يتمتعون اليوم أيضا بذلك التكريس الأول الفائق. لهذا تُردد في إقامة الأسرار كلمات المسيح نفسها.

الإشارات تتخذ اسم المشار إليه: وكما نتعلم من كلمة الله فان هذه الإشارات وضعت لهدف آخر غير هدف الاستعمال العادي. لذلك فإننا نعلّم بأنها في استعمالها المقدس تتخذ أسماء المشار إليها ولا تدعي بعد مجرد "ماء"أو "خبز" أو "خمر" ولكن تدعى أيضا تجديدا أو غسلا بالماء وجسد الرب ودمه أو رموز جسد الرب ودمه وعلاماتهما. ولكن هذا لا يعني بأن الرموز تتحول إلى المشار إليها أو تبطل ان تكون ما هي بالطبيعة. فإذا حصل ذلك لم تعد اسرارا. فإذا صارت الإشارات هي الأمور المشار إليها فليست هي بعد إشارات.

الاتحاد السري: لذلك فان الإشارات تكتسب أسماء الأشياء (المشار إليها) لأنها رموز سرية ولأن الإشارات والمشار إليه تجتمع بطريقة سرية، أقول "تجتمع" أو "تتحد" بمضمون سري وبقصد مؤسس الأسرار أو إرادته. فان الماء والخبز والخمر ليست إشارات عادية بل مقدسة. وانه إذ رسم استعمال الماء في المعمودية لم يفعل ذلك بقصد ان يُرشَ المؤمنون بماء المعمودية فقط، وإذ أوصى بأكل الخبز وشرب الخمر لم يشأ ان يتناول المؤمنون خبزا وخمرا فقط دون سر، تماما كما يأكلون الخبز في بيوتهم، وإنما القصد ان يشتركوا روحيا في الأمور المشار إليها، فيغتسلوا من الخطيئة بالإيمان ويشتركوا بالمسيح.

الشيع: لذلك لا نوافق على القائلين بأن تقديس الأسرار عائد إلى ما لا يعلمه أحد من خصائص وتركيبات أو لقوة الكلمات التي ينطق بها إنسان مكرس وعند قصد التكريس ولأمور عرضية أخرى لم يسلمنا إياها المسيح ولا الرسل لا بالمثال ولا بالكلمة. ولذلك لا نوافق على التعليم القائل بأن الأسرار مجرد اشارات عادية، غير مقدسة وغير فاعلة. ولا نوافق أولئك الذين يحتقرون الناحية المرئية للأسرار بسبب العنصر غير المنظور وهكذا يعتقدون بان الإشارات غير مجدية لأنهم يظنون أنهم يتمتعون الآن بالمشار إليه، كما قيل ان المساليين Messalians يعلّمون.

المشار إليه ليس في الأسرار ولا يحد بها: لا نقبل تعليم القائلين بان النعمة والأمور المشار إليها مرتبطة ارتباطا وثيقا وكامنة في الإشارات لدرجة ان كل من يشتركون خارجيا في الإشارات، أياً كانوا من البشر، يشتركون أيضا داخليا بالنعمة وبالأمور المشار إليها.

ولكن، كما أننا لا نقيّم الأسرار بجدارة الخدم أو عدم جدارتها وكذلك لا نقيّمها على أساس حالة الذين يتناولونها. لأننا نعلم ان قيمة الأسرار تعتمد على الإيمان وعلى صدق الله وصلاحه الطاهر. فكما ان كلمة الله تبقى كلمة الله الحق، التي حين يكرز بها تردد لا الكلمات فحسب بل أيضا ان الأشياء المشار إليها أو المعلن عنها بالكلمات تُعطى من الله حتى وان سمع الأشرار وغير المؤمنين الكلمة وفهموها فانهم لا يتمتعون بالكلمة من اشارات ومشار إليها تبقى اسرارا صحيحة وبلا نقص تشير ليس إلى أشياء مقدسة فقط بل- بتقدمة الله- تشير إلى الأمور المشار إليها حتى وان لم يستلم غير المؤمنين الأشياء المعطاة. ليس هذا خطأ الله الذي يعطيها ويقدمها بل خطيئة البشر الذي يقبلونها بلا إيمان وبلا شرعية، ولكن عدم إيمانهم لا يبطل أمانة الله (رومية 3:3).

الغاية من الأسرار: ليس من الضروري ان نكرر هنا غاية الأسرار بما أننا قد تحدثنا عنها سابقا في شرحنا عن تأسيس الأسرار. ننطلق الآن، إذن، للحديث عن أسرار الشعب الجديد بالتفصيل.

 

الفصل العشرون

في المعمودية المقدسة

تأسيس المعمودية: ان الله أسس المعمودية وكرسها. قام أولا يوحنا بالتعميد وغطس المسيح في مياه نهر الأردن. ومنه جاءت إلى الرسل الذين عمدوا أيضا بالماء. وقد أوصاهم الرب صراحة ان يكرزوا بالإنجيل ويعمدوا "باسم الآب والابن والروح القدس"( متى 19:28). وفي أعمال الرسل قال بطرس لليهود الذين سألوا ماذا نصنع: ليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس" (أعمال 37:2 وما يتبع). لذلك فان البعض يسمي المعمودية علامة الانتساب إلى شعب الله لأن مختاري الله يكرسون بها الله.

معمودية واحدة: هناك معمودية واحدة في كنيسة الله ويكفي ان يعمد الإنسان أو يكرس الله مرة واحدة. لأن المعمودية التي نقبلها مرة تستمر مدى الحياة وهي ختم التبني الدائم لنا.

معنى المعمودية: ان نعتمد باسم المسيح يعني ان نكتتب وندخل ونقبل في العهد وفي العائلة وكذلك في ميراث أبناء الله. نعم، وان ندعى في هذه الحياة باسم الله، أي ان ندعى أولاد الله، وان نُغسل من قذارة الخطيئة وان نمنح نعمة الله الكثيرة لكي نعيش حياة جديدة بريئة. ان المعمودية تذكرنا بنعمة الله العظيمة التي أظهرها للجنس البشري المائت وتجددها لنا. فاننا جميعا ولدنا ملوثين بالخطيئة واننا أبناء الغضب ولكن الله الغني بالرحمة يطهرنا مجانا من خطايانا بدم ابنه وفيه يتبنانا لنصبح أبناءه ويربطنا معه بعهد مقدس ويغنينا بهبات متنوعة لكي نعيش حياة جديدة. ان المعمودية تؤكد لنا كل هذه الأشياء. فان الله يعطينا ولادة ثانية ويطهرنا ويجددنا داخليا بواسطة الروح القدس. ونستلم تأكيد تلك المنافع العظيمة خارجيا بواسطة الماء الذي يمثل لنا هذه المنافع ويضعها أمام أعيننا.

نعمّد بالماء: ولهذا فاننا نُعمد بالماء أي نُغسل أو نُرشُ بالماء المنظور.فان الماء يزيل الأوساخ ويبرد وينعش الأجساد الحارة التعبة. وكذا تصنع نعمة الله لأرواحنا بطريقة روحية وغير مرئية.

واجب المعمودية:  ثم ان الله يفصلنا عن كل الشعوب والأديان الغربية برمز المعمودية ويكرسنا لذاته كخاصته. لذلك فاننا نعترف بإيماننا حين نعتمد ونلزم أنفسنا بطاعة الله واماته الجسد وتجديد الحياة. فنُضمّ إلى خدمة جند المسيح المقدسة لنحارب العالم والشيطان والجسد طول أيام حياتنا. وكذلك نعتمد في جسد الكنيسة الواحد لكي نتعاون مع جميع أعضاء الكنيسة على أفضل وجه في عبادة واحدة وفي خدمات متبادلة.

شكل المعمودية: نعتقد بان أفضل شكل للمعمودية هو الشكل الذي تعمد به المسيح والذي عمد به الرسل. فكل الأمور التي ابتكرها البشر فيما بعد وأضافوها واستعملت في الكنيسة لا نعتبرها ضرورية لإتمام المعمودية، نعني التعاويذ واستعمال الشموع والزيت والملح والبصاق وأمور أخرى مماثلة كمثل الاعتقاد ان المعمودية يجب ان تمارس مرتين في السنة مرفقة بشتى أنواع الطقوس. فاننا نؤمن ان الله قدس معمودية واحدة للكنيسة حين رسم هذا السر أولا وانها تكرس بالكلمة وانها مازالت فعالة إلى يومنا هذا بمقتضى بركة الله الأولى.   

خادم المعمودية: ونعلّم انه لا يجوز للنساء أو القابلات ان يقمن بالمعمودية في الكنيسة، لأن بولس حظر على النساء ممارسة وظائف كنسية، والمعمودية وظيفة كنسية.

شيعة القائلين بتجديد العماد: ندين أولئك الذين يرفضون ان يعمدوا أطفال المؤمنين، لأن التعليم الإنجيلي يقول ان لمثل هؤلاء ملكوت السموات وهم في عهد الله. فلماذا لا يُمنحون علامة العهد الإلهي؟ ولماذا لا يسمح اشتراك المنتمين لله والموجودين في كنيسته في المعمودية المقدسة؟ اننا ندين شيعة مجددي العماد أيضا في تعاليمهم الخاصة الأخرى التي يتمسكون بها وهي تنافي كلمة الله. لسنا منهم ولا شركة لنا معهم في شيء.

 

 

الفصل الحادي والعشرون

في عشاء الرب المقدس

عشاء الرب: ان العشاء الرباني (ويسمى أيضا مائدة الرب والافخارستيا، أي الشكر) يدعى عادة عشاء لأن المسيح أسسه في عشائه الأخير ولا يزال يمثل ذلك العشاء، ولأن المؤمنين يغتذون ويشربون فيه روحيا.

منشئ العشاء ومكرسه: لم يُنشئ العشاء الرباني ملاك ولا إنسان بل أنشأه ابن الله ذاته، ربنا يسوع المسيح الذي كرسه أولا لكنيسته. وان ذلك التكريس (أو المباركة) لمستمر عند جميع الذين لا يمارسون عشاء الا ذلك الذي أسسه الرب والذي فيه يرددون كلام عشاء الرب، والذين يتطلعون في كل الأمور إلى المسيح الواحد بإيمان حق فيتناولون ما يتناولون بواسطة خدمة خدام الكنيسة كما لو كانوا يتناولونه من يد المسيح ذاته.

تذكار فوائد الله: يريد الرب بهذا الطقس المقدس ان يحفظ في ذهن الإنسان ذكرى حية للفوائد العظيمة التي أظهرها للإنسان الفاني، أي انه صفح عن كل خطايانا وافتدانا من الموت الأبدي وسلطان الشيطان ببذل جسده وسفك دمه، وانه يغذينا الآن بجسده ويعطينا دمه لنشرب منه. فإذا ما تناولناهما روحيا بإيمان حق يغذياننا إلى حياة أبدية. وهذه الفائدة العظيمة تتجدد لنا كلما احتفلنا بالعشاء الرباني: "اصنعوا هذا لذكري". ويضمن لنا هذا العشاء المقدس ان جسد المسيح ذاته بذل لنا حقا وان دمه سفك لمغفرة خطايانا، لئلا يتضعضع إيماننا. 

الإشارة والمشار إليه: وهذا ما يمثله هذا السر ظاهريا ويعرض أمامنا، كما لو كنا نبصره، بواسطة الخدام ما يحدث داخليا في نفوسنا بواسطة الروح القدس. يقدم الخادم الخبز ظاهريا وتسمع كلمات الرب: "خذوا كلوا هذا هو جسدي" و"خذوا هذه واقتسموها بينكم. اشربوا منها كلكم. هذا هو دمي." فيتناول المؤمنون ما يعطيهم خدام الرب ويأكلون خبز الرب ويشربون كأس الرب. وفي الوقت ذاته يتناول المؤمنون داخليا بفعل عمل المسيح وبواسطة الروح القدس جسد الرب ودمه ويغتذون بهما إلى حياة أبدية. لأن جسد المسيح ودمه مأكل حق ومشرب حق إلى حياة أبدية. ان المسيح نفسه- بما أنه مخلصنا والمُقدم عنا- هو الشيء الأساسي في العشاء ولا نسمح بأن يستبدل بأي شيء آخر.

ولكن لكي نفهم بشكل أفضل وأوضح كيف ان جسد المسيح ودمه هما مأكل المؤمنين ومشربهما وأنهم يتناولوهما إلى حياة أبدية نود ان نضيف الأمور التالية. هناك أكثر من نوع واحد للأكل. فهناك أكل جسدي بحيث يؤخذ الطعام بالفم ويمضغ بالأسنان ثم يُبلع إلى المعدة. لقد ظن الكابرنيون Capernaites فيما مضى انه هكذا يؤكل جسد الرب، ولكن يسوع يدحض هذا الموقف في يوحنا 6. فكما ان جسد المسيح لا يمكن ان يؤكل جسديا من دون فجور وبربرية، كذلك فهو ليس غذاء للمعدة. الجميع مضطرون للإقرار بهذا. لذلك لا نوافق على تلك السنة في أحكام البابا تحت عنوان De consecratione, Dist.2 Ego Berengarius   

فلا المؤمنون الاقدمون آمنوا ولا نحن نؤمن ان جسد المسيح ينبغي ان يؤكل جسديا وجوهريا بفم جسدي.

        الأكل الروحي للرب: وهناك أيضا أكل روحي لجسد المسيح ولكن ليس كأننا نعتقد بأن الطعام نفسه يتحول إلى روح بل حيث ان جسد الرب ودمه يحافظان على جوهرهما وخصائصهما ويمنحان لنا روحيا، أي بطريقة لا مادية وبواسطة الروح القدس الذي ينيلنا ويمنحنا الأشياء التي أعدت لنا بذبيحة جسد الرب ودمه، أعني غفران الخطايا والخلاص والحياة الأبدية، حتى يحيا المسيح فينا ونحن فيه ويجعلنا نقبله بإيمان صادق لكي يصير لنا مأكلا ومشربا روحيا، أي كي يصير حياتنا.

        المسيح قوتنا الذي يُغذي حياتنا: وكما ان المأكل والمشرب الروحيين لا ينعشان ويقويان أجسادنا وحسب بل يبقيانها أيضا على قيد الحياة، كذلك ان جسد المسيح المبذول عنا ودمه المسفوك من أجلنا لا ينعشان ويقويان نفوسنا فحسب بل يحفظانها حية. وذلك ليس بقدر ما نأكلهما ونشربهما جسديا بل بقدر ما يمنحان لنا روحيا بروح الله، كما قال الرب" الخبز الذي انا أعطي هو جسدي الذي ابذله من اجل حياة العالم" (يوحنا 51:6). و"الجسد (أي ما يؤكل جسديا) لا يفيد شيئا. الروح هو الذي يُحيي" (يوحنا 63:6). وأيضا: "الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة".

        المسيح يُقبل بالإيمان: وكما انه من الضروري لنا ان نتناول طعاما لأجسادنا لكي يعمل ويظهر فعاليه فينا- لأنه لا ينفعنا شيئا ان بقي خارجنا، كذلك انه من الضروري ان نتناول المسيح بالإيمان ليصبح لنا ويحيا فينا ونحن فيه. فانه يقول: "أنا هو خبز الحياة. من يقبل إليّ فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطش أبدا" (يوحنا 35:6). وأيضا: "من يأكلني فهو يحيا بي.... يثبت فيّ وأنا فيه". (يوحنا 57:6و56).

        الطعام الروحي: يتضح من هذا كله ان الطعام الروحي لا يعني طعاما خياليا لا ندري ما هيته وإنما يعني جسد الرب ذاته المعطى لنا والذي- مع ذلك- يتناوله المؤمنون روحيا بالإيمان لا جسديا. اننا نتبع في هذا الامر تعاليم المخلص ذاته، المسيح الرب، بحسب ما جاء في يوحنا6.

        الأكل الضروري للخلاص: ان هذا الأكل لجسد الرب والشرب لدمه ضروريان جدا للخلاص بحيث انه لا يقدر إنسان ان يخلص من دونهما. ولكن المأكل والمشرب الروحيين يمكن ان يحدثا من دون عشاء الرب وذلك عندما يؤمن الإنسان بالمسيح. ولعل هذا ما عناه القديس أوغسطينوس في قوله: "لماذا تتزود لأسنانك ومعدتك؟ آمن فقد أكلت".

        الأكل السري للرب: وهناك أيضا إلى جانب الأكل الروحي السامي لجسد الرب أكل سري، وذلك يحصل حين يشترك المؤمن فعلا- لا روحيا وداخليا فقط- بجسد الرب ودمه الحقيقيين فيقترب من مائدة الرب ويتناول الإشارة الظاهرة لجسد الرب ودمه. ان المؤمن لما آمن تناول حقا ولأول مرة الغذاء المحيي ولا يزال يتمتع به. ولكنه عندما يقبل السر الآن يتناول أيضا شيئا. فانه يتقدم في الاستمرار بالاشتراك في جسد الرب ودمه وهكذا يتقد إيمانه وينمو أكثر فأكثر وينتعش بالمأكل الروحي. ما دمنا نحيا فإيماننا في ازدياد. وان كل من يتناول السر بإيمان صحيح يتناول الإشارة وأيضا، كما سبق وقلنا، المشار إليه، وكذلك يطيع ما أسسه الرب وأوصى به ويقدم الحمد على افتدائه وافتداء الإنسانية جمعاء بعقل فرح، ويصنع تذكارا أمينا لموت الرب ويشهد امام الكنيسة التي هو عضو فيها. ولأولئك الذين يتناولون السر يُعطى تأكيد جسد الرب بُذل ودمه سُفك ليس من اجل البشر عامة فقط بل أيضا من اجل كل مؤمن مشترك ويكونان له مأكلاً ومشرباً للحياة الأبدية.

        يتناول غير المؤمنين في السر دينونة لأنفسهم: أما من يتقدم إلى مائدة الرب المقدسة بلا إيمان فانه يشترك في الإشارة فقط ولكنه لا ينال جوهر السر من حيث تنبع الحياة والخلاص، وأمثال هؤلاء يأكلون بغير استحقاق من مائدة الرب. ان كل من يأكل الخبز أو يشرب كأس الرب من غير استحقاق يكون مجرما في جسد الرب ودمه ويأكل ويشرب دينون لنفسه (1كورمثوس 26:11-29). لأنه عندما لا يقترب هؤلاء بإيمان صادق يهينون موت المسيح فيأكلون ويشربون دينونة لأنفسهم.

        حضور المسيح في العشاء: لا نقرن جسد الرب ودمه بالخبز والخمر لكي نقول ان الخبز نفسه هو جسد المسيح الا بطريقة سرية، ولا نقول ان جسد المسيح مستتر ماديا في الخبز حتى انه يمكن عبادته تحت شكل الخبز، ولا نعتقد بأن كل من تناول الإشارة تناول أيضا المشار إليه. ان جسد المسيح هو في السماء عن يمين الآب، إذا ينبغي ان نرفع قلوبنا إلى العلي لا ان نشخص إلى الخبز، ويجب الا يعبد الرب في الخبز بتاتا. ومع هذا فان الرب ليس بغائب عن كنيسته حين تمارس العشاء. فان الشمس الغائبة عنا في السماء مازالت فعليا معنا. فكم بالحري شمس البر، المسيح. فمع انه غائب عنا في السماء جسديا فانه حاضر معنا روحيا- لا ماديا- بواسطة عمله المحيي، كما هو بذاته شرح في عشائه الأخير بأنه سيكون حاضرا معنا (يوحنا 14و15و16). لذلك نقول انه ليس هناك عشاء لنا بدون المسيح ولكن عشاءنا في الوقت ذاته هو عشاء سري غير دموي، كما دعاه الاقدمون عالميا.

        غايات العشاء الرباني الأخرى: ويحثنا العشاء الرباني كذلك ان نفتكر بذاك الذي صرنا أعضاء فيه، لكي يكون فينا فكر واحد مع كل الأخوة ونعيش حياة مقدسة ولا نلوث أنفسنا بالشر والعبادات الغريبة بل نواظب في الإيمان الحق حتى أواخر حياتنا ونسعى للتفوق في قداسة الحياة.

        الاستعداد للعشاء: فمن اللائق، إذن، حين نرغب في التقدم إلى العشاء ان نفحص ذواتنا عن الإيمان الذي فينا، بحسب وصية الرسول. هل نؤمن ان المسيح أتى ليخلص الخطاة وليدعوهم للتوبة؟ هل يؤمن كل إنسان انه في اعداد أولئك الذين أنقذهم المسيح وخلصهم؟ وهل هو مصمم على تغيير حياته الشريرة وعلى العيش في حياة مقدسة والمثابرة بمعونة الله في التقوى الحقة وفي وفاق مع الأخوة ومصمم أيضا على حمد الله على خلاص؟

        ممارسة العشاء بالخبز والخمر معا: ونعتقد ان الطقس أو الطريقة أو الشكل الأبسط والأفضل لممارسة العشاء هو ذاك الذي يماثل تأسيس الرب الأول وتعليم الرسل قدر الامكان. ويتكون من إعلان كلمة الله وصلوات خشوعية ومن عمل الرب ذاته وتكراره وأكل جسد الرب وشرب دمه، وتذكار لائق لموت الرب وشكر صادق وشركة مقدسة في الاتحاد مع جسد الكنيسة.

        لذلك لا نوافق على ما يفعله بعضهم في امساك أحد عناصر هذا السر، أي كأس الرب، عن المؤمنين. فانهم بذلك يتعدون تعديا خطيرا على كلمات تأسيس الرب القائلة: "اشربوا منها كلكم". وهذا ما لم يقله بصراحة حتى عن الخبز.

        ولسنا الآن في معرض البحث عن نوع القداس الذي مارسه الآباء وهل يجب القبول به أم لا. ولكننا نقول ما يلي بحرية تامة: ان القداس المستعمل الآن في جميع انحاء الكنيسة الرومانية قد أزلناه من كنائسنا لأسباب كثيرة وجيدة لا نريد تعدادها هنا بالتفصيل كي لا نطيل الشرح. فلم يكن ممكنا أبدا ان نقبل ان يتحول فعل سليم إلى مشهد باطل والى وسيلة لاكتساب استحقاق والى احتفال يباع ويشتري. كما لم نستطع ان نوافق على القول ان الكاهن يحدث جسد الرب ذاته في القداس ويرفعه تقدمة حقة من اجل غفران خطايا الأحياء والأموات، وأيضا من اجل تكريم القديسين في السماء وإجلالهم وإقامة ذكراهم الخ. 

 

الفصل الثاني والعشرون

في الاجتماعات الدينية والكنسية

ماذا ينبغي ان يعمل في اجتماعات العبادة: مع انه مسموح لكل الناس ان يقرأوا الكتاب المقدس في بيوتهم على حدة وان يبني بعضهم البعض في العبادة الحقة فانه مع ذلك من الضروري ان تعقد اجتماعات دينية أو كنسية لكي يُكرز بكلمة الله للشعب كما يجب وتقام الصلوات والابتهالات علنيا ولكي تُجرى الأسرار بطريقة صحيحة وتجمع التقديمات للفقراء ولتغطية نفقات الكنيسة وأيضا من اجل المعاشرة الاجتماعية. ومن المؤكد ان اجتماعات كهذه كانت في الكنيسة الرسولية الأولى وان المؤمنين داوموا على حضورها.

يجب عدم إهمال اجتماعات العبادة: ان جميع من يأنفون من اجتماعات العبادة هذه ويبتعدون عنها يحتقرون الدين الحق، وينبغي على الرعاة والحكام المؤمنين ان يحثوهم على الامتناع عن التغيب المعاند عن الاجتماعات المقدسة.

الاجتماعات علنية: لا تكون الاجتماعات الكنسية سرية وفي الخفاء بل تكون علنية وبحضور جيد الا إذا لم يسمح بذلك اضطهاد ما من قبل أعداء المسيح والكنيسة. فإننا نعلم ان اجتماعات الكنيسة الأولى كانت تعقد في أمكنة سرية بسبب اضطهاد الأباطرة الرومان.

أماكن اجتماعات لائقة: ينبغي ان تكون الأماكن التي يجتمع فيها المؤمنون محتشمة ولائقة بكنيسة الله من كل النواحي. لذلك يجب اختيار أبنية أو معابد رحبة على ان يُزال منا كل ما لا يليق بالكنيسة. ويجب تدبير كل شيء للحشمة والضرورة واللياقة التقوية لئلا ينقص شيء لازم للعبادة ولعمل الكنيسة. 

يجب مراعاة الخشوع والاتضاع في الاجتماعات: وكما نؤمن ان الله لا يسكن في هياكل مصنوعة بأيدي كذلك نعلّم على أساس كلمة الله والاستعمال المقدس ان الأماكن المكرسة لله وعبادته ليست أماكن دنيوية بل مقدسة. وعلى من يكون فيها ان يتصرفوا باحترام واتضاع عالمين انهم في مكان مقدس وفي حضرة الله وملائكته القديسين.

التزيين الصحيح للمعابد: لا مكان في معابد المسيحيين أو أمكنة صلاتهم لأي لباس مترف وللزهو ولكل ما لا يتناسب مع التواضع والأدب واللياقة المسيحية. ان التزيين الحقيقي للكنائس لا يكون بالعاج والذهب والحجارة الثمينة بل في اتزان الموجودين في الكنيسة وتقواهم وفضائلهم. فلتُعمل كل الأمور في الكنيسة بلياقة وترتيب، واخيرا لتُعمل كل الأشياء من اجل البناء.

العبادة بلغة شائعة: فلتصمت إذن، كل الالسنة الغريبة في اجتماعات العبادة ولتعلن كل الأمور بلغة شائعة يفهمها جميع المجتمعين في ذلك المكان.

 

 

 

 

الفصل الثالث والعشرون

في صلوات الكنيسة والترانيم وساعات الفرض

لغة شائعة: صحيح انه مسموح للإنسان ان يصلي على حدة بأية لغة يعرفها ولكن الصلوات العامة في اجتماعات العبادة يجب ان تكون بلغة شائعة معروفة لدى الجميع. الصلاة: فلتكن صلوات المؤمنين كلها موجهة إلى الله وحده بواسطة المسيح فقط ولتنبع من إيمان ومحبة. ان كهنوت المسيح الرب والعبادة الحقيقية تحرم الدعاء إلى القديسين في السماء أو استخدامهم كشفعاء. وليُبتهل من اجل الحكام والملوك وكل ذي سلطة وخدام الكنيسة واحتياجاتها. ولتكن الصلاة بلا انقطاع علنا وسرا أيام المصائب خصوصا في الكنائس.

الصلاة الحرة: ولتكن الصلاة اختيارية من دون اكراه أو سعي لأجر. ولا يجوز ان تحصر الصلاة- لاعتقاد وهمي- في مكان واحد وكأنه ليس من المسموح ان يُصلى الا في معبد. وليس من الضروري ان تكون الصلوات العامة هي ذاتها في كل الكنائس من جهة الشكل والوقت. لكل كنيسة الحق في ممارسة حريتها. يقول سقراط في تاريخه: "لا توجد في كل انحاء العالم كنيستان تتفقان كليا في الصلاة". Hist. ecclesiat. V.22.57. ان منشئ هذا الاختلاف هم الذين كانوا مسؤولين في الكنائس في أوقات معينة. ولكن ان اتفقوا فانه امر مستحب وجدير بالآخرين ان يقلدوه.

الطريقة المتبعة في الصلوات العامة: كما في كل شيء كذلك في الصلوات العامة ينبغي ان يكون هناك مقاييس لئلا تطول كثيرا وتمسي مزعجة. ويجب ان يخصص القسم الأكبر من الاجتماع للتعليم الإنجيلي. وليحذر المصلي من إرهاق المجتمعين بصلوات طويلة لئلا يهموا بالمغادرة حين يكرز بالإنجيل أو يرغبوا في إلغاء الاجتماع كليا تماما بسبب تعبهم. لمثل هؤلاء تبدو العظة القصيرة طويلة جدا. لذلك يجب على الوعاظ ان يلتزموا بمقياس معين.

الترنيم: وكذلك يجب الاعتدال في استعمال الترانيم في اجتماعات العبادة التي تمارسه. ان ذلك الترتيل الذي يدعى اللحن الغريغوري فيه جهالات كثيرة. إذا فان رفضها من قبل بعض كنائسنا صائب. وإذا كانت هناك كنائس فيها عظة صحيحة وملائمة ولكن من دون ترنيم فيجب الا تدان. ومن المعروف من شهادات الاقدمين ان تقليد الترانيم قديم جدا في الكنائس الشرقية بينما لم يقبل الا حديثا في الغرب.

ساعات الفرض: ان العصور القديمة لم تعرف شيئا عن ساعات الفرض، أي الصلوات المخصصة لأوقات معينة في اليوم التي يرتلها أو يتلوها البابويون، كما يمكن برهنته من كتب السواعي وبحجج أخرى كثيرة. ولكني لا أريد ان أتكلم عن كثير من الأمور السخيفة الأخرى فيها. لذلك فان كنائسنا محقة في إسقاطها وإبدالها بأمور نافعة لكنيسة الله كلها.    

 

الفصل الرابع والعشرون

في الأيام المقدسة والصيامات وتمييز الأطعمة

الوقت اللازم للعبادة: مع ان العبادة لا تحصر بوقت معين فانها لا تقام وتمارس من دون توزيع وتدبير لائق للوقت. لذلك تختار كل كنيسة لذاتها وقتا يناسبها للصلوات العامة وللكرازة بالإنجيل وإجراء الأسرار. ولا يحق لأحد ان يغير هذه المواعيد الكنسية وفقا لمزاجه. فإذا لم يعط وقت مناسب ومتفرغ لممارسة العبادة العامة يبتعد الناس عنها إلى أشغالهم الخاصة.

يوم الرب: لذلك نجد ان الكنائس القديمة حددت ساعات معينة في الأسبوع للاجتماعات وأن يوم الرب قد عين منذ زمن الرسل كوقت خاص لهم وللراحة المقدسة. وهو ما لا نزال نمارسه صوابا ونحفظه في كنائسنا من اجل العبادة والمحبة.

الأوهام: ولا نرضخ في هذا الامر إلى طقوس اليهود والى الأوهام. فلا نعتقد بأن ثمة يوما أقدس من غيره أو ان الراحة بحد ذاتها مقبولة من الله. وكذلك فإننا نحتفل بيوم الرب- وليس بالسبت- كطقس حر.

أعياد المسيح والقديسين: إذا احتفلت الكنائس في حرية مسيحية وفي تقوى بذكرى ولادة الرب وختانه وآلامه وقيامته وصعوده إلى السماء وإرسال الروح القدس على تلاميذه فإننا نستحسن ذلك جدا. ولكننا لا نوافق على أعياد رسمت للبشر والقديسين. ان الأيام المقدسة  (أو الأعياد) تتعلق بلوح الشريعة الأولى وهي لله وحده. واخيرا، ان الأعياد المقدسة من اجل القديسين التي ألغيناها فيها الكثير مما هو سخيف وبلا فائدة ويجب الا يسمح بها. ولكننا في الوقت ذاته نقر ان تذكار القديسين في وقت ومكان لائقين يجب ان يوصى به للشعب في العظات فيوضع امام الجميع مثال القديسين الصالح ليقتدي به الجميع.

الصوم: ان كنيسة المسيح في إدانتها الإفراط في الطعام والسكر وكل أنواع الشهوة والشره انما توصينا بالصيام المسيحي، لأن الصيام ليس سوى امتناع المؤمن واعتداله، وهو تدريب وعناية وتأديب لجسدنا يمارس كضرورة في الوقت الحاضر بحيث اننا نتضع امام الله ونحرم جسدنا من وقوده لكي يطيع الروح طاعة اكبر وأسهل. لذلك فان أولئك الذين لا يهتمون بهذه الأشياء لا يصومون بل يتخيلون انهم يصومون إذا ما حشوا بطونهم مرة في اليوم وامتنعوا عن بعض الأطعمة في أوقات معينة، ظانين انهم بذلك  يسرون الله ويعملون عملا صالحا. ان الصوم عون لصلوات القديسين ولكل الفضائل. ولكن، كما نجد في كتب الأنبياء، ان صيام اليهود عن الطعام- لا عن الشر- لم يسر الله.

الصوم العلني والسري: ثمة صوم علني وآخر سري. لقد مارس الاقدمون الصوم العلني في أيام المصائب والمحن في الكنيسة، فامتنعوا كليا عن الطعام حتى المساء وامضوا الليل كله في صلوات مقدسة وعبادة الله والتوبة. ولم يختلف هذا كثيرا عن الندب ونجده مذكورا في الأنبياء خصوصا في يوئيل 2. ان صياما كهذا يمارس في هذه الأيام حين تكون الكنيسة في محنة. اما الصوم السري فيمكن لأي منا ان يمارسه كلما شعر انه مبتعد عن الروح. وبذلك يفرغ الجسد من وقوده.

مزايا الصوم: يجب ان ينبثق كل صوم عن روح حرة مريدة وعن تواضع أصيل وليس عن تصنع من اجل كسب ثناء البشر أو مدحهم، وبالتأكيد ليس من أجل ان يستحق الإنسان البر بسببه. فليصم كل إنسان لهذه الغاية ان يحرم جسده من وقوده لكي يخدم الله بغيرة أكبر.

الصوم الكبير: ان الصوم الكبير مشهود له عند الاقدمين الا ان لا اثر له في كتابات الرسل. لذلك لا يجوز ولا يمكن ان يفرض على المؤمنين. ومن المؤكد انه كانت هناك في الماضي أنواع كثيرة من عادات الصوم. يقول ايريناوس، الكاتب القديم: "يعتقد البعض ان الصوم هو ليوم واحد فقط، والبعض الاخر يقول ليومين وغيرهم لأكثر وأيضا يقول البعض لأربعين يوما. ان هذا التنوع في حفظ الصوم لم ينشأ في أيامنا بل قبلها من الذين، كما أعتقد، لم يتمسكوا بكل بساطة بما أعطوا من البدء بل أدخلت عندهم عادات أخرى اما بسبب الإهمال أو بسبب الجهل" Fragm. 3, ed. Strieren, I. 824 f. ويقول أيضا المؤرخ سقراط: "بما انه ليس لدينا نص قديم في هذه المسألة أعتقد ان الرسل تركوا هذا الامر للحكم الفردي لكي يعمل كل واحد ما هو حسن دون خوف أو أكراه." Hist. ecclesiat. V.22.40.

        تمييز الأطعمة: اما بالنسبة إلى تمييز الأطعمة فنعتقد انه يجب حرمان الجسد من كل ما يجعله متسلطا وكل ما يلتذ به جدا ويشعل فيه الشهوة سواء أكان ذلك بالسمك أم باللحم أم بالبهارات أم بأطايب الطعام والخمور الممتازة. ونعلّم أيضا ان كل خلائق الله صنعت من اجل فائدة الإنسان وخدمته، وان كل ما صنعه الله حسن ويمكن استخدامه في مخافة الله دونما تمييز وفي اعتدال لائق (تكوين 15:2 وما يتبع). لأن الرسول يقول: "كل شيء طاهر للطاهرين" (تيطس 15:1)، وأيضا: "كل ما يباع في الملحمة كلوه غير فاحصين عن شيء من أجل الضمير". (1كورنثوس 25:10). والرسول نفسه يسمي تعليم القائلين بالامتناع عن اللحوم "تعاليم شياطين"، لأن الأطعمة "خلقها الله لتُتناول بالشكر من المؤمنين وعارفي الحق لأن كل خليقة الله جيدة ولا يرفض شيء إذا اخذ مع الشكر". (1تيموثاوس 1:4 وما يتبع). والرسول ذاته أيضا في رسالته إلى اهل كولوسي يوبخ الذين يريدون كسب سمعة لأنفسهم بالامتناع المفرط (كولوسي 18:2 وما يتبع).

        الشيع: لذلك لا نوافق أبدا على التاتيين  Tatians والانكراطيين Encratites وكل اتباع أوستاثيوس Eustathius الذي استُدعي ضده مجمع غانجريا Gangria.

 

الفصل الخامس والعشرون

في تعليم المبتدئين وتعزية المرضى وزيارتهم

يجب ان يعلم الشاب التقوى: لقد أوصى الرب شعبه القديم ان يعتني عناية خاصة بتربية الشبيبة بدءا من الطفولة. وامر شعبه صراحة ان يعلموا أولادهم ويشرحوا لهم خفايا أسرارهم. وبما اننا نعلم من كتابات المبشرين والرسل بأن الله يهتم أيضا بشباب شعبه الجديد لأنه يقول علنا: "دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت الله". (مرقس 14:10)، فان رعاة الكنيسة يتصرفون بحكمة حين يعلمون الشباب باكرا وبعناية خاصة، واضعين أولا أسس الإيمان ومعلمينهم مبادئ الدين بأمانة من خلال شرح الوصايا العشر، وقانون إيمان الرسل والصلاة الربانية وتعليم الأسرار مع غيرها من المبادئ الرئيسية الأولى لديننا. ولتظهر الكنيسة إيمانها ونشاطها في جلب الأطفال للتعليم الديني، راغبة ومسرورة بان يتعلم أولادها تعليما حسنا.

        زيارة المرضى: بما ان الإنسان معرض للتجارب الحادة خاصة عندما يكون مثقلا بالاوهان ومريضا ومرهقا بأسقام النفس والجسد فانه يجدر برعاة الكنائس ان يعتنوا عناية خاصة بسلامة رعاياهم خصوصا في أوقات المرض والضعف. فليعودوا المرضى حالا وليُدعوا في الوقت المناسب من المرضى إذا تطلبت الظروف ذلك. وليعزوهم ويثبتوهم في الإيمان الحق وليسلحوهم لمواجهة وسوسات الشيطان الخطيرة. ويجب أيضا ان يقيموا الصلوات للمرضى في البيوت، وإذا لزم الامر في أماكن الاجتماع العام. ويجب ان يتأكدوا من انهم يفارقون الحياة بفرح. وقد قلنا سابقا اننا لا نوافق على الطريقة البابوية في زيارة المرضى لإعطاء المسحة الأخيرة لأنها سخيفة ولا أساس لها في الأسفار القانونية.

       

الفصل السادس والعشرون

في دفن المؤمنين والاعتناء بالموتى

وفي المطهر و"ظهورات" الأرواح

دفن الأجساد: بما ان أجساد المؤمنين هي هيكل الروح القدس التي نؤمن انها ستقوم حقا في اليوم الأخير في الكتاب يوصي بأن تودع التراب بكرامة ومن دون أوهام، وبأن يصادر إلى ذكر كريم للقديسين الراقدين في الرب، وبأن يقام بالواجبات العائلية تجاه الباقين من أرامل وأيتام. ولا نقول بأي اهتمام آخر بالموتى. لذلك فإننا لا نوافق أبدا على المتهكمين Cynics الذين أهملوا جثث موتاهم أو رموها في الأرض باحتقار وبلا أي اعتناء بها وما قالوا كلمة حسنة عن الموتى أو اهتموا بمن تركوا وراءهم.

الاعتناء بالموتى: ولكننا، من جهة أخرى، لا نوافق على أفعال الذين يفرطون في الاعتناء بالموتى إلى حد السخافة، فينوحون على موتاهم كالوثنيين (مع اننا لا نعيب ذلك الحزن الذي يجزيه الرسول في 1 تسالونيكي 13:4، معتبرين ان عدم الحزن امر غير إنساني)، ويقدمون ذبائح من اجل الموتى ويهمهمون صلوات لقاء أجر لكي ينقذوا أحباءهم بشعائر كهذه من العذابات التي يجابهون في الموت، ظانين انهم يحررونهم بتعويذات كهذه.

حالة النفس المنفصلة عن الجسد: نؤمن ان المؤمنين يذهبون بعد الموت مباشرة إلى المسيح. لذلك فهم لا يحتاجون إلى تقاريظ الأحياء وصلواتهم وخدماتهم للموتى. كذلك نؤمن ان غير المؤمنين يرمون حالا في الجحيم حيث لا منقذ للأشرار مهما صنع الأحياء من اجلهم.

المطهر: اما ما يعمله البعض بالنسبة إلى نار المطهر فان ذلك مناف للإيمان المسيحي، أي لـ "أومن بمغفرة الخطايا وبالحياة الأبدية" وهو مناف أيضا للتطهير الكامل بواسطة المسيح ولكلام المسيح الرب القائل: "الحق الحق أقول لكم ان من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة بل قد انتقل من الموت إلى حياة." (يوحنا 24:5). وأيضا: "الذي قد اغتسل ليس له حاجة الا إلى غسل رجليه بل هو طاهر كله. وانتم طاهرون..." (يوحنا 10:13).

ظهورات الأرواح: اما ما يتعلق بأرواح الموتى أو أنفسها التي تظهر أحيانا للأحياء وترجوهم ان يؤدوا بعض الواجبات ليحرروها فإننا نعتبر ظهورات كهذه من أضاحيك الشيطان وأضاليله وحيله. فكما انه يستطيع ان يتحول إلى ملاك نور كذلك انه يسعى لهم الإيمان الحق أو لجعله أمرا مشكوكا فيه. لقد حظر الرب في العهد القديم نشدان الحقيقة من الأموات وكذلك كل تعاط مع الأرواح (تثنية11:18). وهكذا تعلن أيضا الحقيقة الإنجيلية ان الإنسان الشره حين يكون في عذابه الأبدي يسمح له بالعودة إلى إخوته. ويقول الكتاب في ذلك: عندهم موسى والأنبياء ليسمعوا منهم... ان كانوا لا يسمعون من موسى والأنبياء ولا ان قام واحد من الأموات يصدقون." (لوقا 29:16 و31).

الفصل السابع والعشرون

في الطقوس والشعائر والأشياء الحيادية

(أي التي لا تقدم ولا تؤخر)

الطقوس والشعائر: لقد أعطي الشعب القديم فيما مضى شعائر معينة كنوع من التعليم للذين كانوا تحت الشريعة كما لو كانوا خاضعين لمعلم أو لمرب. ولكن بمجيء المسيح المنقذ وإلغاء الشريعة لم نعد نحن المؤمنين تحت الشريعة (رومية 14:6). فزالت الشعائر. لذلك فان الرسل لم يريدوا ان يحتفظوا بها أو ان يعيدوها إلى كنيسة المسيح إلى حد انهم أعلنوا جهرا انهم لا يريدون ان يفرضوا أي نير على الكنيسة. لهذا فاننا إذا أكثرنا من الشعائر والطقوس في كنيسة المسيح كما هي العادة في الكنيسة القديمة نكون كمن يُدخل ويعيد الدين اليهودي إلى المسيحية. لذلك لا نوافق أبدا على رأي القائلين انه يجب ضبط كنيسة المسيح بطقوس كثيرة ومتنوعة كنوع من التدريب. فإذا لم يشأ الرسل ان يفرضوا على الشعب المسيحي طقوسا أو شعائر عينها الله أسألكم: أإنسان عاقل ذاك الذي يريد ان يثقلهم بابتكارات من صنع البشر؟ كلما زادت الطقوس في الكنيسة انتُقص لا من الحرية المسيحية وحسب بل أيضا من المسيح ومن الإيمان به، مادام هذا الشعب ينشد هذه الأشياء في الطقوس وكان ينبغي ان ينشدها بالإيمان في ابن الله الوحيد يسوع المسيح. لهذا فانه يكفي المؤمنين عدد من الطقوس القليلة البسيطة المعتدلة التي لا تتعارض مع كلمة الله.

تنوع الطقوس: وان وجدت طقوس مختلفة في الكنيسة فلا يظن احد بان الكنائس اختلفت فيما بينها. يقول سقراط: "من المستحيل ان تدون جميع طقوس الكنائس في كل أنحاء المدن والبلدان. فليس هناك دين يمارس الطقوس نفسها حتى لو اعتنق العقيدة ذاتها المختصة بالطقوس. فان أبناء الإيمان الواحد يختلفون فيما بينهم حول الطقوس" Hist. ecclesiast. هذا ما يقوله سقراط. ونحن نمارس في أيامنا هذه طقوسا مختلفة للاحتفال بالعشاء الرباني وفي أمور أخرى أيضا، ولكننا لا نختلف في العقيدة والإيمان ولم تُمزق وحدة الشركة بين كنائسنا بسبب ذلك. لن الكنائس اعتادت ممارسة حريتها في طقوس كهذه لكونها أمورا حيادية. وهذا ما نفعله اليوم.

الأمور الحيادية: ولكننا نحذر الناس من مغبة اعتبار أمور غير حيادية من الأمور الحيادية، كما يظن البعض بالنسبة للقداس واستخدام الصور في أماكن العبادة. لقد كتب هيرونيموس إلى أوغسطينوس قائلا: "ليس الأمر الحيادي خير ولا هو شر حتى انك إذا صنعته أو لم تصنعه فلست بمنصف ولا غير منصف". لذلك عندما تسيء أمور حيادية إلى اعتراف الإيمان لا تعود امورا حرة، كما يظهر بولس بأنه جائز ان يأكل الإنسان لحما إذا لم يُلفت نظره إلى كونه مذبوحا للأوثان، لأنه عندما يصبح أكل اللحم غير جائز حيث يظهر الآكل موافقا على عبادة الأوثان. (1كورنثوس 9:8 وما يتبع و25:10 وما يتبع).

 

الفصل الثامن والعشرون

في ممتلكات الكنيسة

ممتلكات الكنيسة واستعمالها اللائق: تمتلك كنيسة المسيح ثروة من جراء سخاء الأمراء وكرم المؤمنين الذين أعطوا أموالهم للكنيسة. فالكنيسة تحتاج إلى موارد كهذه وقد اعتمدت عليها منذ القدم لسد احتياجاتها. ان الاستعمال الصحيح لثروة الكنيسة كان وسيبقى لدعم التعليم في المدارس وفي الاجتماعات الدينية فضلا عن عبادة الكنيسة وطقوسها وأبنيتها، وأيضا لدعم معيشة المعلمين والدارسين والخدام إلى جانب أمور ضرورية أخرى، وخصوصا من اجل إغاثة الفقراء ونجدتهم. التدبير: ويجب انتقاء أناس حكماء وخائفي الله معروفين بتدبيرهم الحسن للأمور البيتية من اجل إدارة ممتلكات الكنيسة بطريقة مناسبة.

سوء استعمال ممتلكات الكنيسة: إذا حصل سوء استعمال لثروة الكنيسة بسبب نكبة أو بسبب جسارة بعض الأشخاص أو جهلهم أو طمعهم يجب عندئذ إعادتها إلى الاستعمال المكرس على يد أناس أتقياء وحكماء. فان سوء الاستعمال انتهاك كبير للمقدسات ولا يجوز التغاضي عنه. لذلك نعلّم انه يجب إصلاح كل المدارس والمؤسسات التي فسد فيها التعليم والعبادة والأخلاق، ويجب تدبير إغاثة الفقراء بامتثال وحكمة وخلوص نية.

 

الفصل التاسع والعشرون

في التبتل والزواج وتدبير الشؤون العائلية

العزاب: ان من وهبوا من السماء هبة البتولية بحيث انهم من القلب وكل النفس طاهرون وإعفاء وغير ملتهبين بالشهوة فليخدموا الرب في تلك الدعوة طالما أنهم يشعرون بتلك العطية الإلهية، ولكن يجب الا يعرفوا أنفسهم فوق الآخرين بل ليخدموا الرب دائما في بساطة وتواضع (1كورنثوس 7:7 وما يتبع). لأن مثل هؤلاء قادرون ان يهتموا بالأمور الإلهية أكثر من المنشغلين بالأمور العائلية الخاصة. ولكن في حال سُحبت تلك العطية وشعروا بتحرق مستمر فليتذكروا كلام الرسول: "التزوج أصلح من التحرق" (1كورنثوس 9:7).

الزواج: ان الزواج (أي دواء الغلمة لا بل هو الغلمة ذاتها) أقيم من الله وقد باركه وافرا وأراد ان يلتصق فيه الرجل والمرأة من غير انفصال ويعيشا معا في محبة ووفاق تامين (متى 4:19 وما يتبع). لهذا قال الرسول: "ليكن الزواج مكرما عند كل واحد والمضجع غير نجس" (عبرانيين 4:13). وأيضا: "ان تزوجت العذراء لم تخطئ" (1كورنثوس 28:7).

الشيع: لذلك ندين تعدد الزوجات وندين أيضا أولئك الذين يدينون الزواج الثاني.

كيفية عقد الزواج: نعلّم ان الزواج يجب ان يعقد قانونيا وفي مخافة الرب وليس ضد القوانين التي تحرم بعض درجات القربى لئلا يكون الزواج سفاحا. ليصر الزواج بموافقة الوالدين أو من يحل محلهما ولنشد الغاية التي من اجلها أقام الرب الزواج. وليكن أيضا مقدسا وفي غاية الأمانة والتقوى والمحبة والطهارة بين اللذين جمعا معا. وليحذرا من الخصامات والشقاق والشهوة والزنى.

محكمة الزواج: لتؤسس في الكنيسة محاكم شرعية وقضاة مكرسون للاهتمام بالزيجات ولمنع كل فجور وعيب وللفصل في الخلافات الزوجية.

تربية الأطفال: على الوالدين ان يربوا أطفالهم في مخافة الرب، وان يؤمنّوا لهم كل احتياجاتهم، متذكرين قول الرسول: "ان كان احد لا يعتني بخاصته ولا سيما أهل بيته فقد أنكر الإيمان وهو شر من غير المؤمن" (1تيموثاوس 8:5). ويجب ان يعلموا أولادهم حرفا أو مهنا مستقيمة يعيلون بها أنفسهم، وان يبعدوهم عن البطالة ويبثوا فيهم الإيمان الحق بالله في كل الأمور لئلا يفسدوا ويفشلوا بسبب عدم الثقة أو الطمأنينة المفرطة أو الطمع القذر.

ومن المؤكد ان الأعمال التي يقوم بها الوالدان في الشؤون العائلية وتدبير بيوتهم هي في نظر الله أعمال مقدسة حقا. وليست اقل مسرة لله من الصلوات والصوم والإحسان، لأن هكذا علم الرسول في رسائله، وخاصة في الرسائل إلى تيموثاوس وتيطس. ونوافق مع الرسول ذاته على اعتبار تعليم الذين يحرمون الزواج أو الذين ينتقدونه جهرا أو يشككون فيه بطريقة غير مباشرة في طهارته وقداسته على انه تعليم شياطين.

وكذلك نمقت حياة العزبة الفاجرة وشهوات المرائين ودعارتهم العلنية والسرية، الذين يتظاهرون بالعفة وهم ابعد الناس عنها. كل هؤلاء سيدينهم الله. لا نرذل الغني أو الأغنياء، إذا كانوا أتقياء واستعملوا غناهم حسنا. ولكننا نرفض شيعة المسترسلين [22] Apostolocals.

 

 

الفصل الثلاثون

في الحكم المدني

الحكم المدني من الله: ان الحكم في كل أنواعه مؤسس من الله ذاته من اجل سلام الجنس البشري وطمأنينته، لذلك ينبغي ان يكون له المركز الأول في العالم. فإذا كان الحاكم ضد الكنيسة بامكانه ان يؤخرها ويضايقها كثيرا، ولكن إذا كان صديقا لا بل عضوا في الكنيسة فهو عضو ممتاز ونافع جدا فيها يستطيع ان يفيدها كثيرا ويعاونها لخير الجميع.

واجب الحاكم: واجب الحاكم الأول ان يؤمّن ويحفظ السلام والهدوء العام. ولا شك ان باستطاعته ان يفعل ذلك بنجاح اكبر إذا كان إنسانا متدينا وخائف الله حقا، أي عندما يؤيد الكرازة بالحقيقة وبالإيمان الصادق ويقتلع الأكاذيب والأوهام هي والجحود وعبادة الأوثان ويدافع عن كنيسة الله بحسب مثال ملوك شعب الرب وأمرائه المباركين. اننا نعلم بالتأكيد ان الاهتمام بالدين من صلاحيات الحاكم المقدس. فليرفع كلمة الله في يده وليتأكد بان لا شيء يعلم ضدها. كذلك ليحكم الشعب المعهود به إليه من الله بقوانين صالحة مشرّعة على أساس كلمة الله، وليحفظ الشعب في نظام وواجب وطاعة. وليمارس القضاء بالحكم باستقامة ويجب الا يحابي الأشخاص أو يأخذ رشوات. وليحم الأرامل والأيتام والمنكوبين. وليعاقب بل لينف المجرمين والدجالين والبرابرة. "لأنه لا يحمل السيف عبثا" (رومية 4:13). وليستل سيف الله هذا ضد كل عاملي الإثم والمشاغبين واللصوص والقتلة والجائرين والمجدفين والحانثين وكل من أمره الله بمعاقبتهم حتى بإعدامهم. وليقمع الهراطقة المعاندين (الذين هم هراطقة حقا) الذين لا ينقطعون عن التجديف على جلال الله وعن إزعاج كنيسة الله وتدميرها.

الحرب: وإذا لزم ان تحفظ سلامة الشعب بالحرب فليحارب الحاكم باسم الله، شرط ان يسعى أولا للسلام بكل الطرق الممكنة ويتضح له انه لا يقدر ان ينقذ شعبه بطريقة أخرى غير الحرب، وعندما يعمل الحاكم هذه الأمور بالإيمان فانه يخدم الرب بهذه الأعمال ذاتها التي هي صالحة وينال بركة من الرب.

ندين القائلين بتجديف العماد الذين ينكرون حق المسيحي في تولي منصب الحاكم وبذلك ينكرون على الحاكم تنفيذ حكم الإعدام الشرعي وجواز الحرب أو القسم الذي ينبغي تأديته للحاكم وأمور أخرى مشابهة.

واجبات الرعايا: وكما أراد الله ان يهتم الحاكم بسلامة الشعب وأعطاه للعالم لكي يكون كأب له، كذلك فانه على الرعايا ان يقروا بهذا المعروف الإلهي في الحاكم. لذلك ليكرموا وليحترموا الحاكم كخادم الله وليحبوه ويكرموه ويصلوا من اجله كأبيهم، ليطيعوه في جميع أوامره العادلة المنصفة. وأخيرا، ليؤدوا الجزية والضريبة وكل ما شابه ذلك بأمانة وبملء إرادتهم وإذا ما استدعى الأمن العام للبلاد والعدل وطلب الحاكم ان تعلن الحرب فليضعوا حياتهم ويسكبوا دمهم من اجل الأمن العام وامن الحاكم. وليضعوا ذلك بملء الإرادة باسم الله وبشجاعة وفرح. لأن كل من يعارض الحكم يستثير غضب الله العظيم على نفسه.

الشيع والشغب: لذلك ندين جميع أولئك الذين يحتقرون الحاكم- الثائرين وأعداء الوطن والمشاغبين الأشرار، وأخيرا جميع الذين يرفضون علنا ان بمكر ان يقوموا بالواجبات التي يدينون بها للوطن.

نضرع إلى الله، أبينا السماوي الفائق الرحمة، ان يبارك حكام الشعب ويباركنا نحن وكل شعبه بواسطة يسوع المسيح، ربنا ومخلصنا الوحيد، له التسبيح والمجد والشكر إلى مدى الدهور. آمين

 

المصادر

Reformed Confessions of the 16 the Century. Edited, with Historical Introductions by Arthur C. Cochrane. Philadelphia: The Westminster Press. 1966.

Bekenntnisschrften und Kirchenordnungen der nach Gottes Wort reformierten kirche. Herausgegeben von Wilhelm Niseel. Theologische Buchhandlung Zurich 1985.

 

 

 

  

       

 


 

 انظر 1كورنثوس 6:8 وفيلبي 11:2 وما يتبع و1كورنثوس 3:15 وما يتبع. قارن مع رمية 24:4 وما يتبع و32:8 وما يتبع. [1]

 1كورنثوس 30:1[2]

[3]  يوحنا 15:3

[4]  متى 26:26، 1كورنثوس 11.

[5]   رؤيا 10:6

[6]  1كورنثوس 40:14

[7]  أي الكاثوليك، اتباع بابا روما.

[8]  1كورنثوس 27:11

[9]  1 كورنثوس 26:11

[10]  أيضا لوقا 27:10

[11] متى 19:28

[12] مرقس 16:16

[13] تيطس 5:3

[14] 1 كورنثوس 23:11-26

[15] 1كورنثوس 16:10

[16] يظهر هذا السؤال لأول مرة جزئيا في الطبعة الثانية. أما المقاطع بين الهلالين فقد أضيفت في الطبعة الثالثة.

[17] 1كورنثوس 9:6-1.0

[18]  خروج 1:20-17

[19] Etenim voluntas, non noluntas dicitur.

[20] عبرانيين 16:2

[21]  بيع رتب الكنيسة بالمال

[22] هم اتباع متطرف ديني من القرن الثالث عشر، جيراردو سيغارلي Gherardo Segarelli  من مدينة بارما الذي أراد العودة إلى فقر الحياة الرسولية.